نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فديك قال : سمعت بعض من أدركت يقول : بلغنا أنّه من وقف عند قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتلا هذه الآية : ( إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (١). صلّى الله عليك يا محمّد حتّى يقولها سبعين مرّة ، فأجابه ملك : صلّى الله عليك يا فلان ، لم تسقط لك حاجة (٢).

وأخرج البيهقي عن أبي حرب الهلالي قال : حجّ أعرابي إلى باب مسجد رسول الله أناخ راحلته ، فعقلها ، ثمّ دخل المسجد حتّى أتى القبر ، ووقف بحذاء وجه رسول الله فقال : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، جئتك مثقلاً بالذنوب والخطايا ، مستشفعا بك على ربّك : لأنّه قال في محكم تنزيله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (٣) وقد جئتك بأبي أنت وأمّي مثقلاً بالذنوب والخطايا ، استشفع بك على ربّك أنْ يغفر لي ذنوبي وأنْ يشفع في ، ثمّ أقبل في عرض الناس وهو يقول :

يا خير من دفنت في الترب أعظمه

فطاب من طيبهنّ القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود والكرم (٤)

وقال ابن كثير في تفسيره : وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصبّاغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ، سمعت الله يقول : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ

__________________

(١) الأحزاب : ٥٦.

(٢) الدرّ المنثور ١ : ٢٣٧.

(٣) النساء : ٦٤.

(٤) الدر المنثور : ٢٣٧.

٣٠١
 &

لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (١) وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربّي ، ثمّ أنشأ يقول :

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

فطاب من طيبهنّ القاع والأكم

نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثمّ انصرف الأعرابي ، فغلبتني عيني ، فرأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في النوم فقال : يا عتبي الحق الأعرابي ، فبشّره أنّ الله قد غفر له (٢).

وروى السيوطي في تنوير الحوالك عن عليّ بن أبي طالب قال : قدم علينا أعرابيّ بعدما دفنّا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بثلاثة أيّام ، فرمى بنفسه على قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحثا من ترابه على رأسه ، وقال : يا رسول الله ، قلت فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله ، فوعينا عنك ، وكان فيما أنزل الله عليك : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَّحِيمًا ) ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر : أنه قد غفر لك (٣).

وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عمر أنّه قال : استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعبّاس بن عبد المطّلب فقال : اللهمّ هذا عمّ نبيّك العبّاس ، نتوجّه إليك به ، فاسقنا ، فما برحوا حتّى سقاهم الله (٤).

وروى البخاري في صحيحه في كتاب الاستسقاء عن أنس : أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطّلب ، فقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا ، قال فيسقون (٥).

__________________

(١) النساء : ٦٤.

(٢) تفسير ابن كثير ١ : ٥٣٢.

(٣) تنوير الحوالك : ١٢ ـ ١٣.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٣٤.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ١٦.

٣٠٢
 &

وروى في كنز العمال عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال : استسقى عمر ابن الخطّاب فقال : اللهمّ ! قد عجزت عنهم وما عندك أوسع لهم ، وأخذ بيد العبّاس فقال : هذا عمّ نبيّك ونحن نتوسّل به إليك ، فلمّا أراد عمر أنْ ينزل ، قلب رداءه ثمّ نزل (١).

وقال ابن حجر في فتح الباري : ويستفاد من قصّة العبّاس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة (٢).

قال الواحدي في أسباب النزول قال : ابن عباس : « كان يهود خيبر تقاتل غطفان ، فكلّما التقوا هزمت يهود خيبر ، فعاذت اليهود بهذا الدعاء وقالت : اللهمّ إنّا نسألك بحقّ النبيّ الأميّ الذي وعدتنا أنْ تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم ، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلمّا بعث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كفروا به ، فأنزل الله ( وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٣) يعني بك يا محمّد إلى قوله ( فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ ) (٤) » (٥).

وكما ترى فقد طلب رسول الله من المسلمين أنْ يتوسّلوا به وبأهل بيته ، وتوسّل الأعرابيّ بقبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مرأى ومسمع من الصحابة ، ولم ينكر أحد ذلك ، وتوسّل المسلمون بالعبّاس عمّ النبيّ ، فعل ذلك عمر على مرأى ومسمع من الصحابة ، وهذا يسمى عند أهل السنّة إجماع ، وهو دليل شرعيّ عندهم.

__________________

(١) كنز العمّال ١٣ : ٥١٧.

(٢) فتح الباري ٢ : ٤١٣.

(٣) البقرة : ٨٩.

(٤) البقرة : ٨٩.

(٥) أسباب النزول : ١٦. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢ : ٢٦٣.

٣٠٣
 &

وكذلك هناك العديد من الروايات التي تؤكّد ذلك المعنى للتوسّل ، أكتفي بما ذكرت وبما عليه أغلب علماء السنّة وأقرارهم بجواز ذلك.

أخي المؤمن ، توسّل إلى الله تعالى بمحمّد وأهل بيته ، وكن على يقين تامّ بأنّ الله لن يردّك خائباً ، كما استجاب للأعرابيّ وللمسلمين حين قحطوا وغيرها من الحوادث التي استجاب الله بسبب توجّههم إلى الله برسولنا محمّد وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام ، لأنّنا مهما قدّمنا من أعمال وطاعات ، فإنّها مدخولة وناقصة ، لكنّها بتوسّلنا واستشفاعنا إلى الله تعالى بالطاهرين المطهّرين قطعاً سترفع أعمالنا وطاعاتنا إليه ، ولأجل ذلك ولحبّ الله تعالى لعباده المؤمنين ، جعل آخر شيء في الصلاة التشفّع والتوسّل بمحمّد وآل محمّد ، حتّى يجبر ما نقص في صلاتنا ، وبالتالي تصلح أن ترفع بين يدي الكبير المتعال ، ولولا وجود من نتوسّل بهم ونتشفّع بهم إلى الله تعالى ، لما رفع عمل ، ولما تحقّق نصر للمسلمين ، ولما نزل مطر من السماء ، لكثرة ذنوبنا وسيئاتنا وغفلتنا عن الله.

أخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : الأبدال في أمّتي ثلاثون : بهم تقوم الأرض ، وبهم تمطرون ، وبهم تنصرون (١). وأخرجه ابن مردويه. ورواه السيوطي في الدر المنثور.

قال السيوطي : وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن عساكر عن عليّ عليه‌السلام قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : الأبدال بالشام ، وهم أربعون رجلاً ، كلّما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً ، يسقي بهم الغيث ، وينتصر بهم على الأعداء ، ويصرف عن أهل الأرض البلاء والغرق (٢).

__________________

(١) راجع الجامع الصغير ١ : ٤٧٠ ، الدر المنثور ١ : ٣٢٠.

(٢) الدر المنثور ١ : ٣٢٠.

٣٠٤
 &

فما بالك بمَن توسّل نبيّ الله آدم عليه‌السلام بهم ، وهم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

روى الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطّاب قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا اقترف آدم الخطيئة قال : يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي ، فقال الله : يا آدم ، وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه ؟. قال : يا ربّ ، لأنّك لمّا خلقتني بيدك ، ونفخت في من روحك ، رفعت رأسي ، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً : لا إله إلا الله ، محمّد رسول الله ، فعلمت أنّك لم تضف إلى اسمك إلا أحبّ الخلق إليك. فقال الله : صدقت يا آدم ، إنّه لأحب الخلق إليّ ، ادعني بحقّه ، فقد غفرت لك ، ولولا محمّد ما خلقتك (١). ورواه في تاريخ دمشق (٢).

وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال : سألت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربّه فقال قال سأل بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلا تبتَ عليّ ، فتاب عليه (٣).

اللهمّ إنّي أتوسّل وأتوجّه إليك بنبيك وأهل بيته الطاهرين المعصومين ، اللهمّ بحقّهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

زيارة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

تخيّل مسلماً يظلّ لسنوات طويلة يجمع المال ، من أجل أداء فرض الحجّ والعمرة ، وينتظر قدوم ذلك اليوم حتّى يقوم بزيارة المدينة المنوّرة ويتشرّف بزيارة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو زيارة البقيع أو زيارة سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عليه‌السلام ، أو السيّدة فاطمة الزهراء والأئمّة من أهل البيت عليهم الصلاة

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٦٢٥.

(٢) تاريخ دمشق ٧ : ٤٣٧.

(٣) أنظر الدر المنثور ١ : ٦٠ ـ ٦١.

٣٠٥
 &

والسلام ، وينتظر ذلك المسلم قدوم ذلك اليوم ؛ لأنّه يحبّ الله ورسوله وأهل بيت رسوله صلوات الله وسلامه عليهم حتّى يتشرف بحبّهم ويتبرّك بلقائهم ، لأنّه قد سمع عشرات الروايات التي تحفّز على زيارته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ، وأنّ من زاره بعد وفاته فكأنّما زاره في حياته. وأنّه إن زاره عارفاً بحقّه وجبت له شفاعته.

فيقبل المسلم المؤمن على مرقد رسول الله وقبره الشريف أو على مراقد الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام في البقيع أو عند سيّد الشهداء حمزة بالبكاء والحنين والخشوع ، وإذا به يفاجأ بأحد أولئك النواصب المتشدّدين على المسلمين زوراً وبهتاناً ، في خطبة على منبر رسول الله ، أو في درس في المسجد أو عند قبر رسول الله أو في البقيع ، يروّع المسلمين ويخيفهم من زيارة رسول الله أو زيارة مرقد من تلك المراقد الشريفة. أجل ! يخوّفون المسلمين من التقرّب من رسول الله وأهل بيته ، ويتّهمون من يفعل ذلك بالشرك ، ويضيّعون على المسلمين شعائرهم ويحاولون طمسها ، فتختلف أفكار المسلمين ، ويتحيّرون ولا يدرون من يسألون.

هل يقبلون على رسول الله ويتبرّكون بمشاهدة أنواره البهيّة ، أمُ يحجمون عن ذلك ؛ لأنهم كما سمعوا من أولئك أنّه شرك ؟ فيذهب الخشوع وتضيع الفرصة ويعود المسلم الى بلده بخفي حنين .

وقد قلت في بحث سابق : إنّه إذا توفّر الإذن الإلهي في فعل أو عمل فإنّه يصبح مشروعاً ووسيلة للتقرّب الى الله تعالى ، وذكرت أيضاً أنّ الهمّ الأوّل لأولئك النواصب هو إبعاد الناس عن رسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام ، حتّى لا يعرف المسلم عنهم شيئاً ، ويبقى في ظلمة الجهل ، ثمّ ينتقل

٣٠٦
 &

الى الدار الآخرة ، وحين يسأله الملكان في القبر من وليّك ؟ فلا يدري بماذا يجيب ، وفي ذلك سرور للشيطان وندم ليس بعده إصلاح لمن يفاجأ بالسؤال في القبر عن الولاية .

أخي الكريم : لا يمكن أنْ تؤخذ أحكام شعائر الله من دون استدلال شرعيّ ، أو من أحاديث وضعت أصلاً لإبعاد الناس عن شعائر الله ، وأعظمها رسول الله وأهل بيته المعصومين عليهم الصلاة والسلام ، ولا تؤخذ من إنسان يدّعي العلم والمعرفة وليس فيه أية صفة من صفات العدالة أو العلم ، بل إنّك لا ترى منه إلا الغلظة والفظاظة والنظر الى المسلمين باستحقار ودونيّة.

هذا واقع حاصل ، وقد عشته بنفسي عند تلك الأماكن الشريفة ، ويعاني منه كلّ المحبّين لرسول الله وأهل بيته ؛ بسبب قلّة اطّلاع وجهل وحقد أولئك المكفّرين وتعصّبهم ، وسأقدّم بين يدي المسلم المحبّ ، الأدلّة على جواز زيارة القبور ، والثواب فيها ، وثواب زيارة رسول الله وأهل بيته سلام الله تعالى عليهم ، حتّى يتبيّن أنّ تحريم أولئك لزيارة القبور وزيارة رسول الله لم يقم عليه أيّ دليل ، بل إنّ الدليل من كتبهم يندب إلى الزيارة والتوسّل ويحثّ عليه.

ولنبدأ بسرد الأحاديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن كتب أهل السنّة ، حتّى أثبت لك أنّ ما يتبنّونه من أحكام لم يقم عليها دليل ، إلا دليل الحقد والبغض لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام.

روى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، ألا فزوروها ، فإنّه يرقّ القلب ، وتدمع العين ، وتذكّر الآخرة (١).

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ١ : ٣٧٦.

٣٠٧
 &

وروى الحاكم أحمد والنسائي وغيرهم عن بريدة بن الحصيب عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنّه قال : إنّي كنت نهيتكم عن ثلاث عن زيارة القبور فزوروها لتذكّركم زيارتها خيرا (١).

وروى أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري والطبراني عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها ، فإنّ لكم فيها عبرة (٢).

وروي في مستدرك الحاكم وعنه في كنز العمال عن أنس أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنّها تذكّركم الموت (٣).

وروى الطبراني في الكبير عن ثوبان أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها واجعلوا زيارتكم لها صلاة عليهم واستغفاراً لهم (٤).

ثمّ إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام بنفسه بزيارة المقابر في مرّات عديدة ، فزار قبر أبيه وقبر أمّه ، وزار البقيع مرّات عديدة ، وسأتعرّض لبعض تلك الروايات.

فقد روى في الترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمّد في زيارة قبر أمّه فزوروها فإنّها تذكر الآخرة (٥).

وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال : زار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبر أمّه ، فبكى وأبكى من

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ١ : ٣٧٦ ، مسند أحمد ٥ : ٣٥٥ ، سنن النسائي ٧ : ٢٣٤ واللفظ لأحمد.

(٢) مسند أحمد ٣ : ٣٨ ، المعجم الكبير ٢٣ : ٢٧٨.

(٣) المستدرك على الصحيحين ١ : ٣٧٥ ، كنز العمّال ١٥ : ٦٤٦.

(٤) المعجم الكبير ٢ : ٩٤.

(٥) سنن الترمذي ٢ : ٢٥٩ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ٣٧٤ ، السنن الكبرى للبيهقي ٨ : ٣١١.

٣٠٨
 &

حوله. ورواه أبو داود والنسائي وغيرهم (١).

وأخرج مسلم ، عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (كلّمَا كان ليلتُها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم) يخرجُ من آخر الليل إلى البقيع فيقول : السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ ، وَأتاكُمْ ما تُوعَدُونَ ، غَداً مُؤَجَّلُونَ ، وَإنَّا إنْ شاءَ الله بِكُمْ لاحقُونَ ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ (٢).‏

وروى الحاكم في المستدرك عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : طرقني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات ليلة ، فقال : يا أبا مويهبة ، انطلق استغفر ، فإنّي قد أمرت أنْ أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلقت معه ، فلمّا بلغ البقيع ، قال : السلام عليكم يا أهل البقيع ، ليهن لكم ما أصبحتم فيه ، لو تعلمون ما أنجاكم الله منه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع أوّلها آخرها (٣).

وروى في كنز العمال عن ابن سعد في الطبقات عن عبيد بن عمير أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أيّها الناس ، زوّروهم ، وائتوهم ، وسلّموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده ، لا يسلّم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردّوا عليه‌السلام ، يعني شهداء أحد (٤).

وقال الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة : يستحب بعد زيارته عليه‌السلام أن يخرج إلى البقيع ، ويأتي المشاهد والمزارات فيزور العبّاس ومعه الحسن بن علي ، وزين العابدين ، وابنه محمّد الباقر ، وابنه جعفر الصادق ... وقبر إبراهيم ابن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وجماعة من أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعمّته صفيّة ، وكثيراً من الصحابة والتابعين ... ويستحبّ أنْ يزور شهداء أحد يوم الخميس ، خصوصاً

__________________

(١) صحيح مسلم ٣ : ٦٥ ، سنن أبي داود ٢ : ٨٧ ، سنن النسائي ٤ : ٩٠.

(٢) صحيح مسلم ٣ : ٦٣ ، سنن النسائي ٤ : ٩٣ ـ ٩٤.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٥٥ ـ ٥٦.

(٤) كنز العمّال ١٠ : ٣٨٢ عن الطبقات الكبرى ٣ : ١٢١.

٣٠٩
 &

قبر سيّد الشهداء سيدنا الحمزة ، ويقول : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، سلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنّا إنْ شاء الله بكم لاحقون. ويقرأ آية الكرسي ، وسورة الإخلاص (١).

وأمّا زيارة قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإليك عدداً من الروايات عن رسول الله تحثّ على زيارته بعد وفاته ، أذكر بعضاً منها على سبيل المثال.

قال السيوطي في الدر المنثور : أخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى والطبراني وابن عديّ والدارقطنيّ والبيهقيّ في الشعب وابن عساكر عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من حجّ فزار قبري بعد وفاتي ، كان كمن زارني في حياتي (٢).

وأخرج الحكيم الترمذي والبزّار وابن خزيمة وابن عديّ والدارقطنيّ والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زار قبري وجبت له شفاعتي (٣).

وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم " من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي ، كان حقّاً عليّ أنْ أكون له شفيعا يوم القيامة (٤).

وأخرج الطيالسي والبيهقي في الشعب عن عمر قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً ، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة (٥).

وأخرج البيهقي عن حاطب قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم " من زارني بعد موتي

__________________

(١) الفقه على المذاهب الأربعة ، كتاب الحجّ والعمرة ، زيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

(٢) راجع الدر المنثور ١ : ٢٣٧.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) نفس المصدر السابق.

(٥) نفس المصدر السابق.

٣١٠
 &

فكأنّما زارني في حياتي (١).

وأخرج البيهقي في الشعب عن رجل من آل الخطّاب عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : من زارني متعمدا كان في جواري يوم القيامة ، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها ، كنت له شهيدا وشفيعاً يوم القيامة (٢).

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : من زارني بالمدينة محتسباً ، كنت له شهيداً وشفيعا يوم القيامة (٣).

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما من عبد يسلّم عليّ عند قبري إلا وكّل الله به ملكاً يبلّغني ، وكفي أمر آخرته ودنياه ، وكنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة (٤).

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما من مسلم يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ عليه‌السلام (٥).

وأخرج البيهقي عن محمد بن المنكدر قال : رأيت جابرا وهو يبكي عند قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول : ههنا تسكب العبرات ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة (٦).

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن منيب بن عبد الله بن أبي أمامة قال : رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوقف ، فرفع يديه حتّى ظننت أنّه افتتح الصلاة ، فسلّم على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثمّ انصرف (٧).

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) نفس المصدر السابق.

(٥) راجع الدر المنثور ١ : ٢٣٧.

(٦) نفس المصدر السابق.

(٧) نفس المصدر السابق.

٣١١
 &

وأخرج البيهقي عن حاتم بن مروان قال : كان عمر بن عبد العزيز يوجّه بالبريد قاصداً إلى المدينة ليقرئ عنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السلام (١).

وهناك العشرات من الروايات غير التي ذكرت ، لم أذكرها هنا روماً للاختصار ، ولكنّ المهمّ هو أنْ تدرك أنّ ما يفتي به أولئك للبسطاء والعوام من المسلمين ، لم يقم عليه دليل ، بل ولا شبهة دليل ، ولأجل فقدانهم الدليل ، لا يجدون حلاً إلا اتّباع طريقة شيخ إسلامهم ابن تيمية في ردّ ورفض كل تلك الروايات وتضعيفها حتّى يحلّوا اشكالاتهم.

وبعبارة أخرى : يقومون بردّ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، مقابل الابقاء على آرائهم التي قام الدليل على عكسها ومن خلال كتبهم ومصادرهم التي يستدلّون منها ، لكنّ الأمر إذا كان متعلّق برسول الله وأهل بيته الطاهرين المعصومين ، فيضربون بكتبهم وأدلّتهم عرض الحائط ويكابرون ، وفي كثير من الأحيان يفترون ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.

والمهم أنْ تدرك أنّ زيارة القبور مشروعة ومندوب إليها بدلالة النصّ العام من كتب أهل السنّة ، ومن خلال تواتر فعل عموم المسلمين لذلك ، وبدلالة النصوص الواردة في الحثّ على زيارة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتواتر أدائها من جميع طوائف المسلمين طيلة مئات السنين ، ومنه يظهر زيارة أحبّة الله ورسوله أهل البيت عليهم‌السلام.

فقد ندب القرآن الكريم إلى مودّتهم ، قال تعالى في سورة الشورى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

٣١٢
 &

إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ ) (١).

وكذلك فعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد دعا وبأمر من الله سبحانه إلى حبّهم وولايتهم واتّباعهم والاقتداء بهديهم ونصرتهم ونصرة شيعتهم وموالاة من والاهم ومعاداة من عاداهم ، فهل بعد كلّ ذلك يستثني المسلم زيارة مراقدهم المشرّفة ، ويترك التشرّف والتبرّك بزيارتها ، إذا كان النصّ العام الصحيح في كتب ومصادر أهل السنّة يجيز زيارة قبر أيّ مسلم عاديّ أو مَنْ هم أقلّ شأناً منهم ؟ لا أظنّ أنّ هناك شخص مكتمل العقل يستثني أحبّة الله ورسوله ، وهم أهل بيت العصمة والطهارة.

البكاء على أهل البيت عليهم‌السلام :

إنّ الكثير من أعداء أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، ومع انتشار المحطات الفضائيّة ، يعيبون ويطعنون على الشيعة كثرة بكائهم على أهل البيت عليهم‌السلام عند ذكر مصائبهم ومظلومياتهم ، وعند دعائهم وتضرّعهم إلى الله تعالى.

ثمّ إنّ الكثير من العامّة ينتقدون على أتباع أهل البيت تلك الظاهرة ، وحيث إنّ أغلب الناس لا يستطيعون الوصول إلى تلك الدرجة من الحبّ والولاء لأهل البيت من خلال البكاء ، فإنّهم يطبّقون المثل الشائع ـ قال هذا حامض لمّا لم يناله ـ لأن من عادة البشر إذا لم يستطيعوا شيئاً ، فإنّهم يطعنون فيه ، وفي نفس الوقت يحسدون أصحابه عليه.

قال تعالى في سورة النساء : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) (٢).

__________________

(١) الشورى : ٢٣.

(٢) النساء : ٥٤ ـ ٥٥.

٣١٣
 &

والأصل أنْ يتفكّر الناس ويعتبروا من تلك الظاهرة ، وأنْ تكون سبباً لإعادة النظر في التاريخ ، والبحث عن مظلوميّات أهل البيت ، وسبب حبّ الشيعة لهم ، بدلاً من الطعن وكيل التهم ضدّ أتباع وأحباب أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

في الحقيقة ، فإنّ دموع أولئك الجاحدون المبغضون لأهل البيت وأتباعهم قد جمدت ، ولم ترقّ قلوبهم لرسول الله وأهل بيته سلام الله تعالى عليهم ، ولقد وصل الحدّ عند بعضهم بتفسير حالة البكاء عند الشيعة بأنّها تعبير عن الندم على التفريط في الحسين وعدم نصرته ، فهم يبكون الحسين عليه‌السلام ندماً على ذلك ، هذا ما يدّعيه البعض من أولئك ، وأذكر أنّني كنت مرّة في زيارة لمسجد رسول الله ومرقده الشريف مع إخوة لي من المؤمنين ، وكان معنا وللأسف أحد أولئك الذين جمدت دموعهم ولم ترقّ قلوبهم ، وقد انتابتنا حالة روحانيّة جعلتنا نبكي كثيراً ، ماعدا ذلك الشخص الذي جعل يبرّر عدم بكائه بقوله : إنْ البكاء في مثل هذه الأماكن يدلّ على كثرة الذنوب ، وإنّ غير المذنب لا يبكي ، وجفاف دموعه وعدم بكائه تدلّ على قوّة إيمانه وانعدام ذنوبه . هكذا يبصرون ويحكمون ، وإنْ دلّ ذلك على شيء فإنّما يدلّ على قلّة اطّلاعهم وعدم فهمهم لماهيّة البكاء ومعناه ومدى أثره على النفس ، ودلالته على حبّ الله تعالى والقرب منه ، خصوصاً إذا كان البكاء على أحباب الله .

فالبكاء وذرف الدموع حالة طبيعيّة تحصل عند الإنسان السويّ نتيجة لاتحاد ظاهر الإنسان مع باطنه في لحظة خشوع أو تعظيم أو تفكّر وتذكّر.

ولأنّ هذه الحالة إذا كانت نتيجة حضور قلبيّ مشروع ، فإنّها تبشّر بقرب من الله تعالى فريد من نوعه لا يحصل مع غيرها من الحالات ، فقد أعدّ الله سبحانه وتعالى الثواب الجزيل لأولئك البكّائين خشوعاً أو خشية أو تذكّراً

٣١٤
 &

لمصائب أحباب الله ومنها مصائب ومظلوميات أهل البيت عليهم‌السلام ، أو أيّ أمر يكون البكاء بسببه من مراضي الله تعالى.

ولقد مدح الله تعالى البكّائين في مواطن كثيرة في الكتاب العزيز وفي السنّة النبويّة على لسان من لا ينطق عن الهوى رسولنا الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قال تعالى في سورة الإسراء : ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) (١).

وأورد السيوطي في الدر المنثور ما رواه أحمد بن حنبل في كتاب الزهد عن أبي الجرّاح ، عن أبي حازم : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي ، فقال : من هذا ؟ قال : فلان. قال جبريل : إنّا نزن أعمال بني آدم كلّها إلا البكاء ، فإنّ الله يطفئ بالدمعة نهوراً من نيران جهنّم (٢).

وما أخرجه الحكيم الترمذي ، عن النضر بن سعد قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو أنّ عبداً بكى في أمّة من الأمم ، لأنجى الله تلك الأمّة من النار ببكاء ذلك العبد ، وما من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة ، فإنّها تطفئ بحوراً من النار ، وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله ، إلا حرم الله جسدها على النار ، وإنْ فاضت على خدّه لم يرهق وجهه قتر ولا ذلّة (٣).

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن الجعد أبي عثمان قال : بلغنا أنّ داود عليه‌السلام قال : إلهي ، ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك ؟ قال : جزاؤه أنْ أؤمنه يوم الفزع الأكبر (٤).‏

__________________

(١) الإسراء : ١٠٩.

(٢) راجع الدرّ المنثور ٤ : ٢٠٦.

(٣) راجع الدر المنثور ٤ : ١٠٦.

(٤) المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ١٢٠.

٣١٥
 &

وروي القرطبي في الجامع عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنّه أتى على شاب في الليل يقرأ : ( فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) (١). فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول : ويحي من يوم تنشقّ فيه السماء ويحي ! فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ويحك يا فتى مثلها ، فوالذي نفسي بيده ، لقد بكت ملائكة السماء لبكائك (٢).‏

وفي الدر المنثور أخرج أحمد والنسائي والطبراني والحاكم وصحّحه عن أبي ريحانة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : حرمت النار على عين دمعت من خشية الله ، حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله ، وعين غضّت عن محارم الله ، وعين فقئت في سبيل الله (٣).

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصحّحه والبيهقي في الشعب عن عثمان بن عفان قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : عينان لا تمسّهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله (٤).

ثمّ إنّ للبكاء فوائد كثيرة ، فهو من أفضل العلاجات لقسوة القلب حيث ترقّق الدموع القلب ، وتجلّيه وتغسله ، وتزيل عنه الغشاوة ، وتجعله قابلاً مستعداً للمدد الإلهي ، فعلى قدر الاستعداد يكون الإمداد ، وكلّما صفى القلب انهالت عليه المواهب الإلهية والعطايا الربّانية الجليلة.

روي في الحديث القدسيّ أنّ الله تعالى قال : ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن. (بالعلم والمعرفة والتجلّيات القدسية).

أمّا أولئك الذين جمدت عيونهم وقست قلوبهم وما زالوا يعيبون على

__________________

(١) الرحمن : ٣٧.

(٢) تفسير القرطبي ١٧ : ١٧٦.

(٣) الدر المنثور ١ : ٢٤٦.

(٤) الدر المنثور ١ : ٢٤٦.

٣١٦
 &

الشيعة أتباع أهل البيت عليهم‌السلام بكاءهم وصفاء قلوبهم ، فيكفيهم أنْ يقال لهم قوله تعالى في سورة النجم : ( أَفَمِنْ هَـٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ) (١).

إنّ البكاء على مصائب أهل البيت عليهم‌السلام ، خاصّة مصيبة أبي عبد الله الحسين وأهل بيته وأصحابه ، من أعظم وسائل القرب من الله سبحانه وتعالى ؛ لأنّ المؤمن عندما يبكى على أحباب الله من العترة الطاهرة ، فإنّه يشكّل حالة خاصّة من الولاء لمن أمر الله بولايتهم ونصرتهم ، وحالة خاصّة من الطاعة لله ولرسوله ليس لها نظير ، ويكون تأثيرها على النفس المؤمنة عظيم جدّاً ، حيث إنّها تمنح مفاهيم روحانية لا يدركها إلا أصحاب الأذواق السليمة والسلوك الإنساني الراقي ، تؤكّد وتجسّد معنى الولاية لأهل البيت عليهم‌السلام ، والمحبّة لهم ولأتباعهم المخلصين ، والسخط والبغض لأعدائهم وأتباعهم إلى يوم الدين.

وهذا في حقيقته يطهر قلب المؤمن وباطنه من كلّ أثر سلبي نتج بسبب الغفلة عن أهل البيت وموقعيّتهم ومظلوميتهم وحقيقتهم .

فالبكاء على أهل البيت عليهم‌السلام في كلّ مناسبة من أهم وسائل النجاة في الدنيا والآخرة ، فلولا دعاء المؤمنين وبكائهم وحزنهم على أهل بيت النبوّة والرحمة ، الأئمّة الطاهرين المعصومين ، لخسفت الأرض بمن عليها.

ثمّ إنّ البكاء على أهل البيت عليهم‌السلام من أسرع وأفضل وسائل القرب من الله تعالى ، ومن أعظم الدلائل على قبول الأعمال عنده عزّوجلّ فلربّما يقضي المرء عمراً طويلاً يصلّى ويصوم ، وليس عنده علم عن أهل البيت وأحقّيتهم ومظلوميتهم ، والأخطر من ذلك أنْ يقدم على الله على غير ولايتهم التي

__________________

(١) النجم : ٥٩.

٣١٧
 &

أوجبها الله على المسلمين جميعاً ، فتردّ أعماله ولا يقبل منها شيء ، بينما إذا تقرّب إلى الله عزّوجلّ بولايتهم سلام الله تعالى عليهم ، فإنّه من المقبولين عند الله تعالى بدلالة عشرات الآيات والأحاديث التي تأمر بولايتهم واتّباعهم والاقتداء بهديهم صلوات الله تعالى عليهم.

روى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عبّاس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أنّ رجلاً صفن بين الركن والمقام ، فصلّى وصام ، ثمّ لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمّد دخل النار. حديث حسن صحيح على شرط مسلم (١). ورواه والطبراني في المعجم الكبير (٢).

وروي عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام السجاد عليّ بن الحسين عليه‌السلام أنّه قال : أيّ البقاع أفضل ؟. فقلنا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، فقال : أمّا أفضل البقاع ، ما بين الركن والمقام ، ولو أنّ رجلاً عمّر ما عمّر نوح في قومه ، ألف سنة إلا خمسين عاما ، يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ، ثمّ لقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئا (٣).

ولأجل ذلك اعتبر البكاء على أهل البيت سلام الله تعالى عليهم بالإضافة الى كلّ ما ذكرناه ، دليلاً قوياً على ولايتهم ، ولذلك نشاهد أتباع أهل البيت الذين ركبوا سفينة النجاة مع رسول الله وأهل بيته ، يحافظون على إحياء مناسبات أهل البيت ، يفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم ، ويحيون أمرهم ، ولا شكّ في أنّ حبّهم إيمان وبغضهم نفاق (٤) ، ومن الأدلّة

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤٩.

(٢) المعجم الكبير ١١ : ١٤٢.

(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ : ٢٤٥.

(٤) أنظر مثلاً قول الرسول بحقّ علي عليه‌السلام : لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق في صحيح مسلم ١ : ٦١ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٦ ، سنن النسائي ٨ : ١١٦.

٣١٨
 &

على حبّهم البكاء عليهم.

لقد بكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الحسين قبل استشهاده ، وبكى على أمير المؤمنين وعلى أهل البيت ، وبكى على أمّه ، وبكى على ابنه إبراهيم ، وندب البكاء على حمزة وجعفر ، ممّا يؤكّد المعاني الكثيرة التي ذكرناها ، والتي تحثّ على البكاء عليهم ونصرتهم وولايتهم.

روى الطبراني وابن عساكر وغيرهم عن أم سلمة قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيتي ، فنزل جبريل فقال : يا محمّد إنّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك ، فأومأ بيده إلى الحسين ، فبكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وضمّه إلى صدره ، ثمّ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا أمّ سلمة وديعة عندك هذه التربة ، فشمّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : ويح وكرب وبلاء. قالت : وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا أمّ سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قتل. قال : فجعلتها أمّ سلمة في قارورة ، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم وتقول : إنّ يوماً تحولين دماً ليوم عظيم (١).

وروى أحمد في مسنده : حدّثنا محمّد بن عبيد ، ثنا شراحيل بن مدرك ، عن عبد الله بن نجى ، عن أبيه : أنّه سار مع عليّ وكان صاحب مطهّرته ، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين ، فنادى عليّ : اصبر أبا عبد الله ، اصبر أبا عبد الله ، بشطّ الفرات. قلت : وماذا تريد ؟. قال : دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان ، فقلت : يا نبيّ الله ، أغضبك أحد ؟ ما شأن عينيك تفيضان ، قال : بل قام من عندي جبريل قبل ، فحدّثني أنّ الحسين يقتل بشطّ الفرات. قال : فقال : هل لك أنْ أشمّك من تربته ؟ قال : فمدّ يده فقبض قبضة من تراب

__________________

(١) المعجم الكبير ٣ : ١٠٨ ، تاريخ دمشق ١٤ : ١٩٢ ـ ١٩٣.

٣١٩
 &

فأعطانيها ، فلم أملك عيني أنْ فاضتا (١).

وروى الترمذي في سننه عن أبي سعيد الأشجّ ، عن أبي خالد الأحمر ، عن رزين ، عن سلمى قالت : دخلت على أمّ سلمة وهي تبكي فقلت : ما يبكيك ؟ فقالت : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تعني في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب. فقلت : ما لك يا رسول الله ؟ قال : شهدت قتل الحسين آنفاً (٢).

وأيضاً بكى رسول الله على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه ، قبل أن تحلّ به المصائب ، وقبل أن تنتزع منه حقوقه التي أوجبها الله له وفرضها على المسلمين ، وقبل أنْ يقتله أشقى الآخرين.

فقد روى أبو يعلى في مسنده عن علي عليه‌السلام قال : بينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة ، فمررنا بحديقة فقلت : يا رسول الله ! ما أحسنها من حديقة !. قال : لك في الجنّة أحسن منها ، ثمّ مررت بأخرى فقلت : يا رسول الله ! ما أحسنها من حديقة !. قال : لك في الجنّة أحسن منها ، حتّى مررنا بسبع حدائق كلّ ذلك أقول : ما أحسنها ، ويقول : لك في الجنّة أحسن منها ، فلمّا خلا له الطريق اعتنقني ، ثمّ أجهش باكياً ، قلت : يا رسول الله ! ما يبكيك ؛ قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي ، قلت : يا رسول الله ! في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك (٣).

وروي في مسند أحمد والمعجم الكبير عن أسماء بنت عميس رضي‌ الله ‌ عنها زوج جعفر بن أبي طالب رضي ‌الله ‌عنه. قالت لمّا أصيب جعفر وأصحابه

__________________

(١) مسند أحمد ١ : ٨٥ ، مسند أبي يعلى ١ : ٢٩٨ ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ : ١٨٧ وقال : رجاله ثقات.

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٣٢٣ ، المستدرك على الصحيحين ٤ : ١٩.

(٣) مسند أبي يعلى ١ : ٤٢٧.

٣٢٠