نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ثمّ ولتأكيد تقصير رسول الله في طرد الشيطان من بيته كما في الروايات السابقة ، وخلق النقائص وإلصاق التهم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تذكر الصحاح والمسانيد روايات أخرى تؤكّد المعنى الأوّل ولكنّها هنا تصنع الفضائل لأبي بكر على حساب أخلاق وقيم والتزام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب العيدين ، باب سنّة العيدين لأهل الإسلام ، عن عائشة قالت : « دخل أبو بكر ، وعندي جاريتين من جواري الأنصار ، تغنّيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث ، قالت : وليستا بمغنيتين ، فقال أبو بكر : أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا أبا بكر ، إنّ لكلّ قوم عيداً ، وهذا عيدنا » (١). ورواه مسلم في كتاب صلاة العيدين باب جواز اللعب (٢).

ومقصود الرواية هو إظهار مدى حرص أبي بكر على حفظ الشريعة والالتزام بأحكامها وآدابها ، وفي نفس الوقت تظهر أنّ الشيطان يسرح ويمرح في بيت رسول الله ، ومزامير الشيطان تقيم عنده.

ثمّ إنّ في الرواية إقرار من الرسول على أنّ أفعال الشيطان المحرّمة جائزة في الأفراح والأعياد والمناسبات ، بدليل سكوت رسول الله على كلام أبي بكر ، ولم يقل له أنّها ليست مزامير الشيطان ، بل اكتفى بقوله « إنّ لكلّ قوم عيداً ، وهذا عيدنا » (٣).

وروى البخاري في صحيحه ، في كتاب العيدين ، باب الحراب والدرق يوم

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٣ ، ٤ : ٢٦٦.

(٢) صحيح مسلم ٣٣٣ : ٢١ بتفاوت يسير في اللفظ.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٢ ـ ٣.

١٦١
 &

العيد عن عائشة قالت : « دخل علي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأقبل عليه رسول الله عليه‌السلام فقال : دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتا.

وكان يوم عيد ، يلعب السودان بالدرق والحراب ، فإمّا سألت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإمّا قال : أتشتهين تنظرين. فقلت : نعم ، فأقامني وراءه ، خدّي على خدّه ، وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة ، حتّى إذا مللت ، قال : حسبك ؟ قلت : نعم ، قال : فاذهبي » (١).

ورواه البخاري أيضا في صحيحه ، في كتاب فضائل الصحابة ، باب مقدم النبيّ المدينة ، عن عائشة : أنّ أبا بكر دخل عليها ، والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عندها ، يوم فطر أو أضحى ، وعندها قيّنتان تغنّيان بما تقاذفت الأنصار يوم بعاث ، فقال أبو بكر : مزمار الشيطان ؟ مرتين ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : دعهما يا أبا بكر ، إنّ لكلّ قوم عيداً ، وإنّ عيدنا هذا اليوم » (٢).

وروى البخاري في صحيحه في كتاب العيدين ، باب إذا فاته العيد يصلّي ركعتين ، وفي كتاب المناقب ، باب قصّة الحبش ، عن عائشة : « أنّ أبا بكر رضي ‌ الله ‌عنه دخل عليها وعندها جاريتان ، في أيّام منى ، تدفّفان وتضربان ، والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم متغشّ بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن وجهه ، وقال : دعهما يا أبا بكر ، فإنّها أيّام عيد ، وتلك الأيّام أيّام منى.

وقالت عائشة : رأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسترني ، وأنا أنظر إلى الحبشة ، وهم يلعبون

__________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ٢٦٦.

(٢) صحيح البخاري ٤ : ٢٦٦.

١٦٢
 &

في المسجد ، فزجرهم عمر ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : دعهم ، أمناً بني أرفدة. يعني من الأمن » (١).

أخي المؤمن المستبصر ، كذا تمضي الروايات ، تجعل النقائص لرسول الله وتوزّع فضائل لغيره ، وتجعله يبدو شخصاً عاديّاً ضارباً عرض الحائط بكلّ الآيات القرآنيّة ، الكريمة والتي تبيّن موقعيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الله تعالى ، فهو الذي أرسله بالهدى ودين الحقّ ، وهو الذي بعثه ليتمّم مكارم الأخلاق ، وهو الذي أمر بتوقيره وتعظيمه والصلاة عليه وعلى آله ، وهو الذي أكّد أنّه لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى ، وكلّ ذلك تكريماً له وإظهاراً لعظمته وعلوّ مقامه السامي ، وبالتالي فإنّ كلّ أفعاله وأقواله وتقريراته لا يمكن أنْ تتناقض مع كلام الله تعالى وأمره ، بل إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء ليجسّد كلّ معاني الفضائل والأخلاق ، وكلّ معاني الشريعة السمحاء.

وأترك للقارئ الكريم التعليق على الروايات ببصيرة وإيمان ، وأنْ يجعل من نفسه صخرة قويّة شامخة للدفاع عن رسول الله ومنزلته ومقامه ، وأحبّ أنْ أضيف هذه الرواية فقط مذكّراً كلّ أولئك ماذا كان يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فقد أورد المتقي في كنز العمال والسيوطي في الدر المنثور ، كلاهما عن الديلمي عن جابر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « إذا كان يوم القيامة قال الله عزّوجلّ : أين الذين كانوا ينزّهون أسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ؟ ميّزوهم ، فيميّزون في كثب المسك والعنبر » (٢).

وروى أحمد في المسند وغيره ، عن نافع مولى ابن عمر « أنّ ابن عمر سمع صوت زمارة راع ، فوضع أصبعيه في أذنيه ، وعدل راحلته عن الطريق وهو

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ١١ ، ٤ : ١٦١ ـ ١٦٢.

(٢) كنز العمّال ١٥ : ٢٢٠ ، الدرّ المنثور ٥ : ١٥٣.

١٦٣
 &

يقول : يا نافع ! أتسمع ؟ فأقول نعم ؛ فمضى حتّى قلت له : لا ، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا » (١).

قال القرطبي في الجامع : « قال علماؤنا : إذا كان هذا فعلهم في حقّ صوت لا يخرج عن الاعتدال ، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم » (٢).

فانظر أخي الكريم رحمك الله ، كيف جعلوا النبيّ الأكرم يقرّ وجود مزامير الشيطان في بيته ويسمعها ، لكنّهم جعلوه مستلقيا في بيته وهو يسمع مرّة مشيحاً بوجهه ومرّة مغطيّا وجهه بثوب ، بينما أبوبكر يستنكر ذلك ، ثمّ بعد ذلك تأمر عائشة الجاريتين بالخروج تكريماً لأبي بكر وخشية من أذيّته !.

ثم في الرواية الثانية يضع الرسول خدّه على خدّ عائشة على مرأى من الناس ومن دون احتشام ، ثمّ يشجّع على اللعب في دار العبادة ومركز قيادة الدولة ، بينما يأتي عمر ويغضب لذلك ويسكته رسول الله !.

ولا أملك إلا أنْ أقول : اللهمّ إنيّ أتبرّأ من كلّ تهمة ونقيصة ألصقوها برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأتبرّأ من كلّ فضيلة صنعوها لأشخاص على حساب مقامه السامي ومنزلته العظيمة التي أردتها له ، ومنحتها إيّاه ، إنّك لطيف لما تشاء ، ولا حول ولا قوّة إلا بك ، أنت حسبنا وكافينا وناصرنا ، اجعلنا من المحبّين المخلصين لنبيّنا وأهل بيته الطاهرين ، ومن المدافعين عنهم ، وارزقنا شفاعتهم إنّك نعم المجيب.

هل يجوز في حق النبي أنْ يستحي من عثمان ولا يستحي من الله ؟

__________________

(١) أنظر الحديث في مسند أحمد ٢ : ٨ ، ٣٨ ، الطبقات الكبرى ٤ : ١٦٣ ، صحيح ابن حبّان ٢ : ٤٦٨.

(٢) تفسير القرطبي ١٠ : ٢٩٠.

١٦٤
 &

انظر أخي الكريم ، ودقّق في تاريخنا ورواياتنا ، فمن أجل صناعة فضيلة لعثمان ، يصفون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوصف لا يمكن لك أنْ تقبله على نفسك ، فهل تقبله على رسول الله ؟.

يدخل أبوبكر على رسول الله وهو جالس مع عائشة في ثوب واحد ، ثمّ يدخل عمر ويبقى رسول الله هو وعائشة معاً في ثوب يلفه عليه وعليها ، ثمّ يدخل عثمان فيصلح النبيّ حاله ووضعيته حياءً من عثمان (١). وفي رواية قال النبي لعائشة : « اجمعي عليك ثيابك » (٢) ، وفي رواية : كان كاشفا عن فخذيه فغطّاهما (٣) ، والتناقض واضح في الروايات ، وهو ما يدلّ على أنّها من المكذوبات على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل صناعة الفضائل.

ومن الملاحظ جدّاً في روايات صناعة الفضائل أو تبرير المواقف أنّها مع تعدّدها واختلاف متونها إلا أنّها وإنْ اختلفت وتعدّدت فإنّها تتّفق بالفضيلة المصنوعة لفظاً ومعنى ، ولا تختلف فيما بينها ، ولكنّها في الطعن على رسول الله تختلف ، وفي كلّ مرّة تكرّرها من جانب غير الأول.

ففي هذه الرواية مثلا تجد أنّ عبارة حيي وتستحي منه الملائكة هي العبارة الأساسيّة والغرض الرئيسي لوضع الحديث ، فيتركّز اهتمام واضع الحديث على الهدف الذي من أجله يضع الرواية ، وأمّا عبارات الرواية الأخرى فلا يركّز عليها ولا على صياغتها ، ففي هذه الرواية مرّة تقول : أنّ النبيّ كان كاشفا ساقيه ، ومرّة كان كاشفاً عن فخذيه ، ومرّة هو وعائشة في مرط واحد ، ومرّة أصلح نفسه وجمع عليه ثيابه ، ومرة قال لعائشة : اجمعي عليك ثيابك.

__________________

(١) أنظر مسند أحمد ٦ : ١٦٧ ، المصنّف لعبدالرزاق ١١ : ٢٣٢ ، صحيح ابن حبّان ١٥ : ٣٣٤.

(٢) أنظر مسند أحمد ١ : ٧١ ، ٦ : ١٥٥ ، صحيح مسلم ٧ : ١١٧.

(٣) انظر صحيح مسلم ٧ : ١١٦ ، صحيح ابن حبّان ١٥ : ٣٣٦.

١٦٥
 &

فقد روى أحمد في المسند عن عائشة قالت : « استأذن أبو بكر على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا معه في مرط واحد قالت : فأذن له فقضى إليه حاجته وهو معي في المرط ، ثمّ خرج ، ثمّ استأذن عليه عمر ، فأذن له ، فقضى إليه حاجته على تلك الحال ، ثمّ خرج ثمّ استأذن عليه عثمان ، فأصلح عليه ثيابه وجلس فقضى إليه حاجته ، ثمّ خرج. فقالت عائشة : فقلت له : يا رسول الله ، استأذن عليك أبو بكر فقضى إليك حاجته على حالك تلك ، ثمّ استأذن عليك عمر فقضى إليك حاجته على حالك تلك ، ثم استأذن عليك عثمان فكأنّك احتفظت. فقال : إنّ عثمان رجل حيي ، وإنّي لو أذنت له على تلك الحال خشيت أنْ لا يقضي إليَّ حاجته » (١).

وروى أحمد في المسند عن يحيى بن سعيد بن العاص أنّ سعيد بن العاص أخبره أنّ عائشة زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعثمان حدّثاه أنّ أبا بكر استأذن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ، ثمّ انصرف فاستأذن عمر ، فأذن له وهو على تلك الحال ، فقضى إليه حاجته ، ثمّ انصرف ، ثمّ جاء عثمان ، ثمّ استأذن عليه ، فجلس وقال لعائشة : اجمعي عليك ثيابك. فقضى إليه حاجته ، ثمّ انصرف ، فقالت عائشة : يا رسول الله ، ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّ عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته. قال ليث : وقال جماعة الناس : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لعائشة : ألا أستحي ممّن تستحي منه الملائكة » (٢).

وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم :

__________________

(١) مسند أحمد ٦ : ١٦٧ ، وأنظر المصنّف لعبدالرزاق ١١ : ٢٣٢ ، صحيح ابن حبّان ١٥ : ٣٣٤.

(٢) أنظر مسند أحمد ١ : ٧١ ، ٦ : ١٥٥ ، وأنظر القصّة من دون الزيادة الأخيرة في صحيح مسلم ٧ : ١١٧.

١٦٦
 &

لقد تجاوزت صناعة الفضائل على حساب شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبل الوضّاعين حدّاً تجاوز كلّ الحدود ، حتّى وصل إلى ما يصحّ أنْ يقال عنه مهزلة ليس من مهزلة بعدها ، فبعد أنْ ألصقوا كلّ ما ذكرنا من تهم ونقائص في حقّ رسول الله مخالفين بذلك كلّ المفاهيم القرآنية ، بل وحتّى الإنسانيّة منها ، حتّى جعلوا من عمر وغيره أفضل حالاً وأصوب رأياً من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهم هنا وبجرأة صريحة يدّعون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استحقّ العذاب بسبب مخالفته لرأي عمر بن الخطاب ، وهذا من أعجب ما قرأت ممّا ذكره أصحاب الصحاح والمسانيد ، وتلقّفه العلماء والشرّاح ، وتلقّته العامّة بالرضا والقبول.

فبحسب هذه الروايات صار عمر عند الله وعند الناس أعلى منزلة من منزلة النبوّة ومقام الرسالة.

فعند قراءتك في تفاسير أهل السنّة والجماعة ومن صحاحهم ومسانيدهم لتفسير قوله تعالى في سورة الأنفال : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١). فسوف يكتشف المنصف المدقّق صحّة ما ذكرت.

فقد نزلت هذه الآيات على حسب رأي أهل السنّة والجماعة عتابا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتهديداً له بالعذاب ، بسبب مخالفته لرأي عمر بن الخطاب وأخذه الفداء من أسرى بدر وعدم قتله لهم في نفس الوقت الذي كان فيه عمر بن الخطاب يريد قتلهم جميعاً ، فنزلت الآية مؤيّدة لرأي عمر على حسب قولهم موافقة له مهدّدة بالعذاب الشديد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن معه ، ورووا في ما يؤيّد رأيهم

__________________

(١) الأنفال : ٦٧ ـ ٦٨.

١٦٧
 &

قولاً وضعوه من عندهم ، ونسبوه إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشأن معنى الآية السابقة الذي يتضمّن تهديداً بالعذاب الشديد ، حتى صارت الشخصيّة المركزيّة في الحديث هي شخصيّة عمر بن الخطاب ، وصارت شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصيّة دون العاديّة.

ولكنّنا ومن خلال استعراض الآيات نتساءل ، لمن كان ذلك التهديد في الآيات ؟ فهل وبحسب الواقع العقليّ والشرعيّ كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الآية يريد عرض الدنيا ؟ ، حاشاه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّني أعتقد أنّ هذا الأمر لا يجوز أنْ يعتقد به أحد ، ولكنّ أهل السنّة والجماعة اعتقدوا به ، وأنّ الرسول كان ممّن يريدون عرض الدنيا.

فيروي أهل السنّة أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يبكي مع أبي بكر ويقول : « إنْ كاد لمسّنّا في خلاف ابن الخطّاب عذاب عظيم ، لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطّاب » (١).

فقد روى السيوطي في الدرّ المنثور قال : « أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر قال : اختلف الناس في أسارى بدر ، فاستشار النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبا بكر وعمر ، فقال أبو بكر : فادهم. وقال عمر : اقتلهم. قال قائل : أرادوا قتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهدم الإسلام ويأمره أبو بكر بالفداء ... ! وقال قائل : لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم ... ! فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقول أبي بكر ففاداهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنزل الله : ( لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « إنْ كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطّاب عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت

__________________

(١) السيرة الحلبية ٢ : ٤٤٨.

(٢) الأنفال : ٦٨.

١٦٨
 &

إلا عمر » (١).

وروى الطبريّ في تفسيره قال : « قال ابن زيد : لم يكن من المؤمنين أحد ممّن نصر إلا أحبّ الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه ، وقال : يا رسول الله ما لنا وللغنائم ، نحن قوم نجاهد في دين الله حتّى يعبد الله ! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك »(٢) !.

وهنا يضعون اعترافاً صريحاً بأنّ النبيّ محمّد كان ممّن يريدون عرض الدنيا ، بينما عمر بن الخطاب ينصح رسول الله بقوله : ما لنا وللغنائم ، فاعترف النبيّ بخطئه ، هكذا يرسمون شخصيّة النبيّ الأكرم محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وروى السيوطيّ في الدرّ المنثور قال : « أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مجاهد عن ابن عمر : انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا أشار أبو بكر فقال : قومك وعشيرتك فخلّ سبيلهم ، فاستشار عمر فقال : اقتلهم. ففاداهم رسول الله ، فأنزل الله : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ... ) (٣) الآية. فلقي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمر فقال : كاد أنْ يصيبنا في خلافك شرّ » (٤).

وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عمر قال : « استشار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأسارى أبا بكر ، فقال : قومك وعشيرتك فخلّ سبيلهم. فاستشار عمر ، فقال : اقتلهم. قال : ففداهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

فأنزل الله عز وجل : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) إلى قوله ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ) قال : فلقي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمر

__________________

(١) الدرّ المنثور ٣ : ٢٠٣.

(٢) تفسير الطبريّ ١٠ : ٦٢ ـ ٦٣.

(٣) الأنفال : ٦٧.

(٤) الدر المنثور ٣ : ٢٠٢.

١٦٩
 &

قال : كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء » (١).

وروى مسلم في صحيحه وغيره ، عن ابن عبّاس قال : قال عمر بن الخطاب : فهوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، فلمّا كان من الغد ، فإذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان ، فقلت يا رسول الله أخبرني من أيّ شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإنْ وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ؟. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أبكى للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ، (شجرة قريبة من نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم) ، فأنزل الله عزّ وجلّ عليه ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) (٢) .... الآية » (٣).

ولكشف الكذب والافتراء في هذه الروايات وبيان مناقضتها ومخالفتها للقرآن الكريم وآياته ووضوح ذلك عند كلّ إنسان عاقل منصف يطلب رضوان ربّه ، فإنّني أُذكّر بالآية التالية وهي قوله تعالى في سورة الأنفال : ( وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (٤).

وهذه الآية تكريم كبير وتشريف عظيم ودلالة على عظمة مقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الله تعالى ، فلا يقع العذاب على أمّته بسبب وجوده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينهم ، وإقامته بين ظهرانيهم ، فهل تناسى صانعوا الفضائل ووضّاعوا الحديث ذلك ، أم أنّه من أجل الباطل تقلب الحقائق وتبدّل ؟ ولذلك عندما تترابط المواضيع بين الآيات القرآنية ، فإنّني أقول أنّ هذه الآية المُكرِّمَةُ والمُعَظِّمة

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٢٩.

(٢) الأنفال : ٦٧.

(٣) صحيح مسلم ٥ : ١٠٥٧ ـ ١٥٨ ، مسند أحمد ١ : ٣١ ، ٣٣.

(٤) الأنفال : ٣٣.

١٧٠
 &

لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي المقصودة في مضمون (الكتاب الذي سبق) الوارد قوله تعالى : ( لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١). أي أنّه لولا وجود رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينهم لمسّهم العذاب فيما أخذوا ، وهو ابتغاء العير والقافلة وعرض الدنيا ، فقد كان المقصود أولئك الذين أرادوا العير ورفضوا الحرب.

ثمّ إنّه لا يمكن أنْ يخطر على بال أحد أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان من أهل الدنيا الذين يبتغون عرضها ، حاشاه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكلّ الوقائع والدلائل تنفي عنه ذلك نفياً قاطعاً ، بل إنّه من المستحيل أنْ يخطر هذا الخاطر على بال عاقل منصف عنده أدنى معرفة بأمور الحياة والدين ، فكيف صارت القضيّة في هذا الموضوع معكوسة ؟. ومَنْ الذين قلبوا الحقائق وزوروها ؟. ولمصلحة من كان ذلك الزور والبهتان ؟.

ثمّ أقول هنا مرّة أخرى : أنّ إلصاق التهم برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان من أجل تبرير أفعال كان يفعلها بعض أولئك ، فحتّى تكون أمراً طبيعيّا يتّهمون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعلها لتصبح بعد ذلك أمراً مقبولاً من فاعلها الأصلي.

ولو لاحظنا الروايات المذكورة ، فإنّها تبيّن أنّ عمر بن الخطاب كان لا يحبّ الغنائم ولا يبتغي عرض الدنيا ، وتظهر أنّ العذاب كان سيقع على المسلمين ومعهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ ولذلك فإنّني أرى أنّ الفضيلة هنا صنعت لعمر بن الخطاب للتغطية على حقيقة معيّنة كان المسلمون يعرفونها منه ، وهي انشغاله الدائم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالصفق بالأسواق وابتغاء عرض الدنيا ، وهذا ما كان يعترف به هو شخصيّاً عندما كان يعجز عن معرفة حكم من الأحكام ،

__________________

(١) الأنفال : ٦٨.

١٧١
 &

فإنّه كان يقرّ ويعترف ويقول : ألهاني الصفق بالأسواق (١).

فقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن عمير : « أنّ أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له ، وكأنّه كان مشغولاً ، فرجع أبو موسى ، ففرغ عمر فقال : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ، ائذنوا له ، قيل : قد رجع ، فدعاه ، فقال : كنّا نؤمر بذلك. فقال : تأتيني على ذلك بالبيّنة ، فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم ، فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري ، فذهب بأبي سعيد الخدري ، فقال عمر : أخفي هذا عليّ من أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ ألهاني الصفق بالأسواق » (٢).

وروى المتّقي الهندي في كنز العمال : « أنّ عمر بن الخطاب ردّ على أُبيّ بن كعب قراءة آية فقال أُبي : لقد سمعتها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنت يلهيك يا عمر الصفق بالبقيع ! فقال عمر : صدقت » (٣).

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد أنّ عمرو بن أميّة وعمر بن الخطاب استئذنوا على عائشة ، فقال عمرو : « أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : " ما أعطيتموهن فهو لكم صدقة " ؟ فقالت : « اللهم نعم اللهم نعم ». فقال عمر : « أين كنتُ عن هذا ؟ ألهاني الصفق بالأسواق » (٤).

وهذا أمر كان معروف عند عمر بن الخطاب ، ولذلك جاءت الروايات تعكس الواقع وتغطّي عليه ، بل وأعطت عمر بن الخطاب براءة من العذاب كان من الممكن أنْ لا ينجو منه أحد سوى ابن الخطاب ، حتّى طال العذاب

__________________

(١) أنظر مثلاً صحيح البخاري ٣ : ٧ ، ٨ : ١٥٧ ، صحيح مسلم ٦ : ١٧٩.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ٧ ، ٨ : ١٥٧ ، صحيح مسلم ٦ : ١٧٩.

(٣) كنز العمّال ١٣ : ٢٦١ ـ ٢٦٢. ونحوه في الدرّ المنثور ٤ : ١٧٩.

(٤) أنظر مجمع الزوائد ٤ : ٣٢٤.

١٧٢
 &

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حدّ زعم صنّاع الحديث الذين يقدّمون عمر بن الخطاب على رسول الله دائماً ، بل إنّه كان من ضمن الأهداف الأساسيّة لوضع الحديث والافتراء على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو رفع شخصيّة معيّنة كعمر بن الخطاب وجعلها شخصية محوريّة أهمّ في الإسلام من شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولذلك فإنّك لو دقّقت في كلّ النصوص التاريخيّة لوجدت أنّ ما ذكرته لك كان من الأهداف الأساسيّة ، وهو ما عليه العلماء في هذه الأيّام.

وهنا أحبّ أنْ أضيف بعض الفقرات ممّا يقوله علماء مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، فهم الوحيدون الذين يشكّلون قوة الدفاع الأساسيّة عن رسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام ، فهم حماة الدين وحرّاس العقيدة وأهل الولاية.

يقول السيّد عبد الحسين شرف الدين في الفصول المهمّة : « وأنكر [عمر بن الخطاب] يوم بدر أخذ الفداء من الأسرى وإطلاق سراحهم ، وكان من رأيه أنْ يعمد حمزة إلى أخيه العباس فيقتله ، ويأخذ عليّ أخاه عقيلاً فيقتله ، وهكذا كلّ مسلم له قرابة في أسرى المشركين يقتله بيده حتّى لا يبقى منهم أحد ، فأعرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذا الرأي ، تعبّداً بالوحي الموافق للرحمة والحكمة : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ) (١).

لكنّ الجاهلين بعصمته وحكمته لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ، ذلك بأنّهم قالوا إنّما كان الحقّ في هذه الواقعة مع عمر ابن الخطاب ، معتمدين في ذلك على أحاديث اختلقها بعض المنافقين من أعداء الله ، وما أنزل الله بها من سلطان ، فما قدروا الله حقّ قدره ، وقد

__________________

(١) النجم ٣ ـ ٥.

١٧٣
 &

أمعنوا في التيه وأوغلوا في الجهل وتسكّعوا في تفسير قوله تعالى : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١). حيثُ اشتبهت عليهم في هذه الآية معالم القصد ، وعميت لديهم فيها وجوه الرشد ، فقالوا بنزولها في التنديد برسول الله وأصحابه ، حيث آثروا (بزعم هؤلاء الجهلاء) عرض الدنيا على الآخرة ، فاتّخذوا الأسرى ، وأخذوا منهم الفداء قبل أنْ يثخنوا في الأرض ، وزعموا أنّه لم يسلم يومئذ من الخطيئة إلا عمر ، وإنّه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطّاب ، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم ، واقتضاه نفاق الواضعين وعداوتهم.

وكذب من زعم أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتّخذ الأسرى وأخذ منهم الفداء قبل أنْ يثخن في الأرض ، فإنّه بأبي وأمّي إنّما فعل ذلك بعد أنْ أثخن في الأرض ، وقتل صناديد قريش وطواغيتها ، كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة إلى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء الضلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأوليّة ، فكيف يمكن بعد هذا أنْ يتناوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللوم المذكور في الآية (تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً) ؟!.

والصواب أنّ الآية إنّما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودّون العير وأصحابه على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة عزّ من قائل : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ

__________________

(١) الأنفال : ٦٧ ـ ٦٨.

١٧٤
 &

الْكَافِرِينَ ) (١). ... » (٢) انتهى.

وبالتالي يظهر أنّ قضيّة الأسرى كانت تصبّ في موقع آخر ، وكانت الآيات تكشف أحوال العديد من أبناء الدنيا من الصحابة ، ولكنّ أيدي التحريف والتزوير حوّلت القضيّة إلى فضيلة لعمر وتهمة لرسول الله كما فعلت تلك الأيادي عشرات التحريفات في غير هذه القضيّة ، وكلّها أخي الكريم تستطيع اكتشافها من خلال التدقيق في التاريخ وإعادة دراسته بدقّة وموضوعيّة.

ففي قضيّة الأسرى نجد أنّ الرسول محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استجاب لأمر ربّه وأثخن في الكفّار وقتل منهم هو وعلي وحمزة أكثر من سبعين شخصاً.

إذن فهذا الأمر طبّقه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يمكن أنْ يكون هو المقصود من التنديد ولابدّ أن يكون غيره.

وبما أنّه برز دور عظيم في معركة بدر الكبرى لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ، ولم يبرز أيّ دور لأبي بكر وعمر ، وكان هناك قبل المعركة تخاذل واضح بعد ملاحقة قافلة أبي سفيان حيث كان أغلب من ذهب يبتغي عرض الدنيا من القافلة ، فبعد أنْ تمّ إيصال خبر قصد العير من قبل المنافقين في المدينة الذين كانوا على عهد ووفاء مع كفّار قريش ، ظنّ أولئك أنّ الأمور يجب أن تنتهي عند ذلك الحدّ ، لكنّ الوحي كان قد سبقهم بأمر التوجّه إلى بدر ، فتقاعس أولئك لأنّهم كانوا يودّون غير ذات الشوكة تكون لهم.

ثمّ دارت المعركة وانتصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبرز دور أهل البيت الذين

__________________

(١) الأنفال : ٧.

(٢) الفصول المهمّة : ١١٢ ـ ١١٣.

١٧٥
 &

أثخنوا في كفّار قريش ، وكان أكثر من نصف قتلى المشركين بسيف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، ونزلت الآيات المبشّرة بوجود الملائكة مع المؤمنين وقتالهم إلى جانبهم.

إنّ كلّ تلك الأمور اقتضت من المبغضين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحاسدين لأهل بيته أنْ يبذلوا كلّ الجهود لتغيير ذلك الواقع ، واقع النصر والتأييد من الله تعالى ، فوضعت الأحاديث التي قلبت الحقائق وطمست نشوة النصر وأخفت دور أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وأبرزت من كان دوره تخاذليّا أو مخفيّا ، وجعلت منه بطل المعركة الأساسي من خلال التنقيص والحطّ من مقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهكذا نجح الوضّاعون بقلب الحقائق مرّة أخرى ، وجعلوا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصاً عادياً ، وجعلت من عمر أفضل منه عند الله تعالى ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

موافقات عمر لربّه :

وأستغربُ من صحاح المسلمين ومسانيدهم وعلمائهم عندما يخصّصون أبواباً في كتبهم في موافقات عمر لربّه ، وكذلك عمر نفسه عندما يدّعي ويقول : وافقت ربّي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر (١).

وبالرغم ممّا في ادّعاء الموافقة من قلّة أدب وشذوذ في السلوك ، فإنّني أترك تحليلها لنزاهة القارئ المنصف المحبّ لربّه والمدافع عن رسوله وأهل بيته.

وقد تعرّضنا لقضيّة أسارى بدر وكشفنا تناقضها وخطورتها ، وإنّه لا يجوز

__________________

(١) أنظر صحيح مسلم ٧ : ١١٦ ، المعجم الأوسط ٦ : ٩٣ ، تاريخ دمشق ٤٤ : ١١٢.

١٧٦
 &

الاعتقاد بها على ذلك الشكل الذي فيه إهانة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتعرّضنا أيضاً لقضيّة الحجاب وكثير من تفاصيلها من خلال البحث ، وتبيّن لنا أنّها ليست كما يروّج لها البعض ، فهي لا تدخل في باب الفضائل ، وإنّما كانت قضيّة تعدّ على مقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى حرماته ، وكانت قضيّة تجسّس وتتبّع لعورات المسلمين ، وعلى الخصوص أمّ المؤمنين سودة ، والأخطر أنّها كانت تطاولاً على مقام النبوّة ومنزلة الرسالة ، بل وأكثر من ذلك فقد كانت تلك القضيّة فيها من التطاول على مقام الربوبيّة ، حيث تظهر الروايات أنّ ربّ العزّة جلّ شأنه كان دائماً موافقاً لعمر بن الخطّاب ودائماً ضدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل ومعاتبا له أو مهدّدا بالعذاب ، وكلّ ذلك مناقض تماماً لشخص رسول الله وموقعيّته ومقامه ، ومناقض لكلّ الآيات القرآنيّة التي نزلت مشيرة لفضله وعصمته وعظمته ووجوب طاعته والاستسلام لإرادته ؛ ولذلك فإنّ هذه القضيّة (قضيّة موافقات عمر) من الخطورة بمكان ؛ لأنّ تفضيل شخصيّة أخرى على شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والاعتقاد بذلك هو تطاول على اختيار الله تعالى لرسولنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكأنّ لسان حال المعتقد بذلك يُخطّئ اختيار ربّ العالمين ، وهذا تعدٍّ كبير وخطير وفيه ما فيه من الأحكام ، كما وإنّ الاعتقاد بها هو تشكيك بالوحي وبكلام النبيّ الذي لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى ، كما أنّ القرآن الكريم يثبّت في آيات عديدة أنّ رسول الله يتّبع ما يوحى إليه ولا يمكن له مخالفة أمر الله تعالى ، يقول تعالى في سورة يونس : ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (١).

كما أنّ تلك الموافقات المدّعاة وما يؤيدها من روايات تظهر باطلاً

__________________

(١) يونس : ١٥.

١٧٧
 &

لا يجوز الاعتقاد به ، وهو شراكة عمر لرسول الله في الوحي ، وهذا لا يجوز ، ومن اعتقد به خرج من الملّة.

وعليه فإنّه يجب أنْ تردّ كلّ تلك الموافقات والتي وصلت وعلى حسب الرواة إلى أكثر من عشرين موافقة ، وبتحليل بسيط ومطالعة سطحيّة تستطيع أنْ تتمكّن من الحقيقة ، فكلّ تلك الموافقات متناقضة وموضوعة ومفتراة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ للحطِّ من منزلته ومقامه ، من أجل أنْ يكون شخصيّة دون العاديّة ، وحتّى يرفعوا مقامات أولئك من خلال الكذب والافتراء.

ولو دقّقنا في موضوع مقام إبراهيم ، لوجدنا أنّ الحقيقة هي أنّ عمر بن الخطاب هو الذي اختلف مع القرآن الكريم ومع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما غيّر موقع مقام إبراهيم الذي أقرّه الله تعالى وحدّده رسول الله ، فكيف يكون من غيّر شيئاً أوقفه الله تعالى وحدّده في مكان معيّن وغيّر وبدّل ، كيف يكون موافقاً لربّه ؟ ؛ لأنّ الموافق لربّه هو من يلتزم بأمر الله تعالى ويلتزم قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفعله وتقريره.

ثمّ إنّ مقام إبراهيم كان مصلّى قبل بعثة النبيّ محمّد ، فقد كان الناس بعد سيّدنا إبراهيم عليه‌السلام يصلّون خلف المقام ، وحتّى الحنيفيون الموحّدون الذين كانوا في عصر الجاهليّة اتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى.

ثمّ إنّ الأصل في الوحي أنْ يتنزّل كلّ أمر إلهي على من اختاره الله تعالى واصطفاه ؛ ليكون محلاً لأرادته ، وهو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا يقبل الشرع ولا العقل أن يأمر الله تعالى بأمر يتخطّى به رسول الله الذي اختاره مبلّغاً وبشيراً ونذيراً ، بل يجب أنْ يردّ هذا القول ولا يمكن أن يتأتى القبول به.

ولو نظرنا أيضاً إلى موافقة عمر في الأذان وتشريعه ، لوجدنا أنّ العقل والشرع والمنطق لا يمكن أنْ يتوافق مع ذلك الادعاء المستخفّ بالشريعة

١٧٨
 &

وعقول الناس.

فعندما أمر الله تعالى بأداء الصلاة ، فإنّه من المتّفق عليه أنّ الله تعالى بيّن لنبيّه كيفيّاتها ومواقيتها وشروطها وأركانها ، ومن المقطوع به عقلاً وشرعاً أنّه بيّن كيفيّة النداء لها ، فقد قال الله تعالى في سورة الجمعة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ .... ) (١). وقد ذكرت الروايات أنّ تشريع الأذان كان في رحلة الإسراء والمعراج عندما شرّعت الصلاة ، فقد روى القرطبيّ قال : قال العلماء : وقد كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء (٢).

ثمّ أنّهم يدعون أنّ أمر الأذان أهمّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يعرف كيف ينادي للصلاة ، أي أنّ الله تعالى أمر نبيّه بالصلاة والتي هي عمود الدين وتركه بعد ذلك حائراً حتّى جاء به عمر فأنقذ الموقف ، وإذا كان نصّ الأذان جاء من عمر فمن المؤكد أنّه جاء بنص معيّن وكيفيّة محدّدة ، فلماذا اختلف المسلمون في كيفيّة الأذان في كتب الحديث والفقه ، حتّى أنّك تجد أكثر من عشر كيفيّات ؟ وإذا وافق عمر ربّه في الأذان ، فأين الإقامة للصلاة ؟ وكيف عرفها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟. فإذا قلنا علمها من الوحي ، فنقول كيف شرع الوحي الإقامة للصلاة وترك الأذان يحتار به رسول الله ؟.

وعليه فإنّ موضوع الموافقات هذا يكتشف منه أيضاً كيف كان المسلمون وما زالوا يعتبرون نبيّ الله شخصاً عادياً ويطعنون به وبعصمته ، وبالمقابل يصنعون الفضائل لمن لم يكن نبياً ولا رسولاً ، حتّى وصلت الأمور إلى أنْ يقبل المسلمون ذلك ويرضون به ويسلّمون.

قصّة الغرانيق وسجود رسول الله للأصنام :

__________________

(١) الجمعة : ٩.

(٢) تفسير القرطبي ٦ : ١٢٥.

١٧٩
 &

من الثابت المقطوع به أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يسجد لصنم قطّ قبل بعثه بالرسالة ولا في حياته مطلقاً ، وقد حاز هذه الفضيلة معه من المسلمين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فهو لم يسجد لصنم أيضاً ، ولذلك يقول أهل السنّة والجماعة بعد ذكر عليّ عليه‌السلام كرم الله وجهه لأنّه لم يسجد لصنم قطّ.

بينما نجد أنّ كبار الصحابة قبل الإسلام كانوا يعبدون الأصنام كأبي بكر وعمر وغيرهم.

ولمّا كانت هذه الفضيلة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولأمير المؤمنين عليه‌السلام صعبة المنال من بقيّة الصحابة المذكورين الذين كان تاريخهم حافل برعاية الأصنام وعبادتها ، وليس من الممكن طمس تلك الحقيقة بعد الإسلام ، فكان لابدّ من محاولة تغيير الواقع ، فقام الوضّاعون بخلق قصّة الغرانيق ، وسجود رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأصنام ، وكذلك وضع روايات تثبت أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طاف بالبيت عرياناً وذلك من أجل تغيير الحقيقة وإثبات أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان شخصاً عادياً مثلهم ، ولا يختلف عنهم بشيء ، فقد كان يعبد الأصنام ويشرب النبيذ ويطوف بالبيت عرياناً وغير ذلك من الأمور التي كانوا يفعلونها ، فعندما يتهمون رسول الله بفعلها تتوجه أنظار الأغبياء إليه وتبتعد عن الفاعل الحقيقي من تلك الناحية. وبالتالي فإنّ كلّ تلك النقاط السوداء المخزية تنطمس من تاريخهم ويتبرؤون منها ؛ لأنّهم لم يفعلوا تلك المخازي وحدهم.

وأصل قضيّة الغرانيق والمدخل الذي دخل منه المجرمون إليها ، هو تفسير قوله تعالى في سورة الحج : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ

١٨٠