نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

أيضا مسلم وغيره كثير (١).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الحسن : أنّ ناساً من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذهبوا يتطرّقون ، فلقوا أناسا من العدوّ ، فحملوا عليهم فهزموهم ، فشدّ رجل منهم ، فتبعه رجل يريد متاعه ، فلمّا غشيه بالسنان قال : إنّي مسلم ، إنّي مسلم. فأوجره السنان فقتله وأخذ متاعه ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للقاتل : أقتلته بعد أنْ قال إنّي مسلم ؟! قال : يا رسول الله ، إنّما قالها متعوّذاً. قال : أفلا شققت عن قلبه ؟ قال : لمَ يا رسول الله ؟ قال : لتعلم أصادق هو أو كاذب ! قال : وكنت عالماً ذلك يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّما كان يعبّر عنه لسانه ، إنّما كان يعبّر عنه لسانه. قال : فما لبث القاتل أنْ مات ، فحفر له أصحابه ، فأصبح وقد وضعته الأرض ، ثمّ عادوا فحفروا له ، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن : فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كم دفنّاه ، مرّتين أو ثلاثة ، كلّ ذلك لا تقبله الأرض ، فلمّا رأينا الأرض لا تقبله ، أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب ، فأنزل الله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا ) (٢). (٣)

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : نزلت في رجل قتله أبو الدرادء ، كانوا في سريّة ، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له ، فوجد رجلا من القوم في غنم له ، فحمل عليه السيف ، فقال : لا إله إلا الله ، فضربه ، ثمّ جاء بغنمه إلى القوم ، ثمّ وجد في نفسه شيئاً ، فأتى

__________________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٩٧ ، صحيح مسلم ١ : ٥٧ ، مسند أحمد ٢ : ٤٤ ، ٤٧ وغيرها.

(٢) النساء : ٩٤.

(٣) الدرّ المنثور ٢ : ٢٠١.

٣٦١
 &

النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ألا شققت عن قلبه ؟! فقال : ما عسيت أجد ، هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء ؟! فقال : فقد أخبرك بلسانه فلم تصدّقه. قال : كيف بي يا رسول الله ؟ قال : فكيف بلا إله إلا الله ! قال : فكيف بي يا رسول الله ؟ قال : فكيف بلا إله إلا الله حتى تمنيت أنْ يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال : ونزل القرآن : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ) حتّى بلغ : ( إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ) (١) قال : إلا أن يضعوها (٢).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمّر ، عن قتادة في قوله : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) (٣) قال : بلغني أنّ رجلاً من المسلمين أغار على رجلٍ من المشركين ، فحمل عليه فقال له المشرك : إنّي مسلم ، أشهد أنْ لا إله إلا الله ، فقتله المسلم بعد أنْ قالها ، فبلغ ذلك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال للذي قتله : أقتلته وقد قال لا إله إلا الله ؟! فقال وهو يعتذر : يا نبيّ الله ، إنّما قال متعوّذاً وليس كذلك. فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فهلّا شققت عن قلبه ! ثمّ مات قاتل الرجل ، فقبر ، فلفظته الأرض ، فذكر ذلك للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمرهم أنْ يقبروه ، ثمّ لفظته ، حتّى فعل ذلك به ثلاث مرّات ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّ الأرض أبت أنْ تقبله ، فألقوه في غار من الغيران (٤).

هكذا كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يعامل المسلمين بعدله وحكمته ، فأين أولئك المدّعون للإسلام والاقتداء برسول الإسلام وخلقه وأدبه.

__________________

(١) النساء : ٩٢.

(٢) الدرّ المنثور ٢ : ١٩٣.

(٣) النساء : ٩٤.

(٤) الدرّ المنثور ٢ : ٢٠١.

٣٦٢
 &

روى البخاري في صحيحه ، في كتاب الإيمان ، عن ابن عمر : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : أُمرت أنْ أقاتل الناس حتّى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّ الإسلام ، وحسابهم على الله (١).

وروى الحاكم في المستدرك ، وغيره ، حديث الراية ، عندما أعطى الرسول الراية لعليّ عليه‌السلام يوم فتح خيبر ، وعقد له ، ودفع إليه الراية.

فقال عليّ : يا رسول الله ، علامَ أقاتلهم ؟ فقال : على أنْ يشهدوا أنْ لا إله إلا الله ، وإنّي رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك ، فقد حقنوا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّهما ، وحسابهم على الله عزّ وجلّ. قال : فلقيهم ، ففتح الله عليه (٢).

وروى البخاري في صحيحه في كتاب العلم ، عن معاذ بن جبل أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ما من أحد يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله ، صدقاً من قلبه إلا حرّمه الله على النار. وأخرجه مسلم في الإيمان ، باب : الدليل على أنّ من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعاً (٣).

وروى البخاري في صحيحه ، في كتاب اللباس ، باب الثياب البيض ، عن أبي ذرّ رضي ‌الله ‌عنه قال : أتيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعليه ثوب أبيض ، وهو نائم ، ثمّ أتيته وقد استيقظ ، فقال : ما من عبد قال لا إله إلا الله ، ثمّ مات على ذلك إلا دخل الجنّة ، قلت : وإنْ زنى وإن سرق ؟. قال : وإنْ زنى وإنْ سرق. قلت : وإنْ زنى وإنْ سرق ؟ قال : وإنْ زنى وإن سرق. قلت : وإنْ زنى وإنْ سرق ؟ قال :

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١١ ـ ١٢.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٨ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١١١ ، المعجم الكبير ٢ : ١١.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٤١ ، صحيح مسلم ١ : ٤٥.

٣٦٣
 &

وإنْ زنى وإنْ سرق على رغم أنف أبي ذر (١). ورواه البخاري في كتاب الإستئذان أيضا (٢).

وروى مسلم في صحيحه ، في باب الدليل على أنَّ من مات على التوحيد دخل الجنَّة قطعاً ، عن عثمان قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلا الله دخل الجنّة (٣).

وبالتالي فالشيعة يشهدون أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّدا عبدُه ورسوله ، وهم أيضاً يقيمون الصلوات الخمس ، ويؤتون الزكاة ، ويصومون شهر رمضان ، ويحجّون بيت الله الحرام ، ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويقرّون بأنّ الموت حقّ والبعث حقّ والجنّة والنار حقّ.

وهذا هو الحقّ ، وهو ما يفعلونه ويقرّونه ويؤمنون به ، فهم مسلمون مؤمنون على هدى من ربّهم وهم المفلحون.

قال تعالى في سورة البقرة : ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٤).

وروى البخاري في صحيحه ، في كتاب الجهاد والسير ، باب درجات المجاهدين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من آمن بالله ، وبرسوله ،

__________________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٤٣.

(٢) المصدر نفسه ٧ : ١٣٧.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٤١.

(٤) البقرة ١ ـ ٥.

٣٦٤
 &

وأقام الصلاة ، وصام رمضان ، كان حقّاً على الله أنْ يدخله الجنّة ، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها (١).

الرؤية :

يعتقد الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام أنّه من غير الممكن رؤية الله تعالى ، بل إنّه من غير الجائز لا في الدنيا ولا في الآخرة.

والدليل على صحّة هذا الاعتقاد واضح جليّ في القرآن الكريم ، وكذلك في الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عند العامّة.

يقول سبحانه وتعالى في سورة الأنعام : ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (٢).

روى البخاري في صحيحه ، في كتاب التفسير ، باب تفسير سورة النجم ، عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي‌ الله ‌عنها : يا أمتاه ، هل رأى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ربّه ؟. فقالت : لقد قفّ شعري ممّا قلت ، أين أنت من ثلاث ، من حدّثكهنّ فقد كذب : من حدّثك أنّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى ربّه فقد كذب ، ثمّ قرأت : ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (٣).

إنّ الآية تشير بوضوح إلى عدم إمكانيّة الرؤية ، ولا مرية في ذلك عند من يفهم اللغة العربية ، ثمّ إنّ الآية معزّزة بحديث عائشة تقرّر نفس المعنى.

وعلى كل : فإنّ موضوع الرؤية مختلف فيه بين مذاهب أهل السنّة أنفسهم ، ولكنّني أقول : إنّ أي حديث يعارض الآية مردود.

__________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٢٠٢.

(٢) الأنعام : ١٠٣.

(٣) صحيح البخاري ٦ : ٥٠.

٣٦٥
 &

كما أنّ الآية لا تتعارض مع قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، فلقد أقرّ عدد كبير من علماء العامّة أنّ معنى ناظرة هو منتظرة ، أي منتظرة للثواب والحساب (١).

وقال تعالى في سورة الأعراف : ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢).

وفي الآية إشارات وقرائن متعدّدة وواضحة تشير إلى عدم إمكانية الرؤية ، منها أداة النهي في قوله : لن تراني وهي تدلّ على التأبيد ، وقرينة أخرى تدلّل بأنّ طلب الرؤية لا يجوز ؛ ولذلك قال موسى عليه‌السلام : إنّي تبت إليك.

وممّا يدلّ على عدم إمكانيّة الرؤية وأن طلب الرؤية هو معصية كبيرة توجب غضب الربّ وسخطه ، هو قوله جلّ وعلا في سورة البقرة : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) (٣).

وقوله تعالى في سورة النساء : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) (٤).

لاحظ الآية : إنّ العذاب نزل بهم بسبب سؤالهم موسى أنْ يريهم الله فكانت

__________________

(١) أنظر مثلاً أحكام القرآن للخصاص ٣ : ٦.

(٢) الأعراف : ١٤٣.

(٣) البقرة : ٥٥.

(٤) النساء : ١٥٣.

٣٦٦
 &

النتيجة نزول العذاب ؛ لأنّ سؤالهم الرؤية هو الظلم بعينه ، فقد اعتبر الشارع المقدّس أنّ هذا السؤال والبحث فيه هو ظلم كبير يوجب العذاب الشديد ؛ لأنّه سؤال شيء لا يمكن تحقيقه مع ما فيه من إساءة للأدب مع الله تعالى.

وقال تعالى في سورة البقرة : ( أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (١).

وهنا تحذير للمسلمين جميعاً أنْ لا يسألوا رسول الله كما سأل بنو إسرائيل وهو الرؤية ، ثمّ جاءت القرينة في نفس الآية لتؤكّد أنّ سؤال الرؤية هو استبدال للإيمان ، وأنّ من يفعل ذلك فقد ضلّ ضلالاً مبينا.

ومن كلّ ما ذكرنا ، فإنّه يظهر وبشكل واضح أنّ اعتقاد أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم هو الحقّ والصواب ، وذلك من خلال الاستدلال من القرآن الكريم ومن خلال الحديث.

الرجعة :

وهي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت ، وهو اعتقاد عند أهل البيت وشيعتهم بأنّ الله تعالى يعيد قوماً بعد موتهم إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، فيعزّ فريقاً ويذلّ آخرين ، وذلك عند ظهور قائم آل محمّد الإمام المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

والبحث في هذا الموضوع هو في إمكانية الرجعة أو استحالتها ، ونقول : إنّ الإمكانية متحقّقة ، ويمكن الاستدلال عليها بعدد كبير من الدلائل القطعيّة ، ولا يخالف في ذلك أحد إلا خارج عن التوحيد وقواعد الإيمان الحقيقيّة.

__________________

(١) البقرة : ١٠٨.

٣٦٧
 &

فالله سبحانه وتعالى قادر على ذلك ، إذ هو الذي أوجد الأشياء من العدم ، وهو القادر على إعادتها كما أوجدها ، وبالتالي صارت قضيّة الرجعة هي كالبعث ، ولكنّها بعث جزئي ، ومن يؤمن بالبعث يسهل عليه الإيمان بالرجعة ، ومن ينكر البعث فإنكار الرجعة عنده محقّق.

والإنسان بطبيعته ينكر القضايا غير المألوفة له ، فعندما يسمع عمّا هو غير مألوف له ، فإنّه ينكره في الحال ، ولذلك عندما أخبر نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما هو غير مألوف في المجتمع الجاهلي بما يتعلق بقضيّة البعث ، وأنّ البعث حقّ يجب الإيمان به أنكروا ذلك.

يقول الحقّ تبارك وتعالى في سورة يس : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (١).

والذي يجب أنْ يكون عليه المسلمون اليوم هو أنّه في حال ظهور أمر غير مألوف أنْ يلجؤوا إلى النصوص الشرعيّة القطعيّة وأن يرضخوا لها ، وأن لا يحكموا بالنفي أو الإثبات على ما هو غير مألوف لهم من دون أنْ يجلعوا النصوص الشرعيّة القطعيّة هي الحكم على ذلك الأمر غير المألوف ، وبعبارة أخرى : أن لا يجعلوا أهواءهم وآراءهم القاصرة حكما على ذلك بل الحكم هو النصوص الشرعية.

إنّ الناظر المدقّق في شرعنا الحنيف يجد عشرات الأدلّة التي تقرّر إمكانيّة الرجعة وحدوثها ، وهو ما سوف نستعرضه بعد قليل ، ولكنّني أحبّ أنْ أقدّم دليلاً أوليّاً على إمكانيّة الرجعة في زمن الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه ،

__________________

(١) يس : ٧٨.

٣٦٨
 &

وهو دليل لا يمكن أن يخالفه أحد ، وهو دليل قطعي ومتواتر أجمع عليه المسلمون بكافة طوائفهم ، ثمّ نستمر في سرد الأدلّة على إمكان الرجعة وحصولها.

١ ـ من المقطوع به عند كل المسلمين أنّ سيّدنا عيسى عليه‌السلام سوف ينزل إلى الأرض عند ظهور الإمام المهدي عليه‌السلام وأن سيدنا عيسى سوف يصلّى خلف الإمام عليه‌السلام وسوف يكون تابعا له وتحت طاعته ، وهذا ممّا لا يختلف عليه أحد.

ومن المقطوع به أيضاً عند كل المسلمين أنّ الله سبحانه وتعالى قد أعطى سيّدنا عيسى عليه‌السلام القدرة على إحياء الموتى بإذنه ، فقد قال تعالى في سورة آل عمران : ( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) (١).

وقال تعالى في سورة المائدة : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ) (٢).

فكما أحيا سيّدنا عيسى عليه‌السلام بعض الموتى بإذن الله ، فإنّه في عصر الإمام المهدي عليه‌السلام يستطيع بإذن الله تعالى أنْ يعيد بعض الأموات إلى الدنيا ، فمن يؤمن بنبيّ الله عيسى يجب أن يؤمن بإمكان الرجعة عندما يعود عليه‌السلام مع إمامنا المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

__________________

(١) آل عمران : ٤٨ ـ ٤٩.

(٢) المائدة : ١١٠.

٣٦٩
 &

٢ ـ ومن الأدلّة على إمكان الرجعة هو حصولها في الأمم السابقة كما ذكر القران الكريم ، وإذا حصلت الرجعة في الأمم السابقة ، فإنّه بالإمكان حصولها في هذه الأمّة ، وحصولها في الأمم السابقة يثبت أنّها سنّة إلهية ، والسنّة الإلهيّة لا تتغيّر ولا تتبدّل بدليل قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا ) (١) وقد أكدت الروايات أن ما حصل في الأمم السابقة سوف يحصل عندنا وأننا سوف نتبع سنن من قبلنا شبرا بشبر وذراعا بذراع ، وحذو النعل بالنعل والقذة بالقذة.

وإليك بعض الشواهد من القرآن الكريم والتي تشير إلى حصول الرجعة في الأمم السابقة :

أ ـ قال تعالى في سورة البقره : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٢).

ب ـ وقال تعالى في سورة البقرة : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ) (٣).

ج ـ وقال تعالى في سورة البقرة : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ

__________________

(١) الأحزاب : ٦٢.

(٢) البقرة : ٥٥ ـ ٥٦.

(٣) البقرة : ٢٤٣.

٣٧٠
 &

كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١).

د ـ قصّة أهل الكهف الذين لجأوا إلى الكهف ولبثوا فيه عشرات السنين ثمّ بعثهم الله تعالى ، قال تعالى في سورة الكهف : ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) (٢). والقصّة مبيّنة في القرآن الكريم في سورة الكهف.

هـ ـ إحياء قتيل بني إسرائيل كما في سورة البقرة ، يقول جلّ وعلا في سورة البقرة : ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي الله الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٣).

و ـ إحياء الطيور لسيّدنا إبراهيم عليه‌السلام ، قال تعالى في سورة البقرة : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٤).

ز ـ إحياء ذي القرنين ورجعته مرّتين ، وهذا ثابت في روايات كل طوائف وفرق المسلمين.

قال تعالى في سورة الكهف : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) (٥).

__________________

(١) البقرة : ٢٥٩.

(٢) الكهف : ٢٥.

(٣) البقرة : ٧٣.

(٤) البقرة : ٢٦٠.

(٥) الكهف : ٨٣ ـ ٨٤.

٣٧١
 &

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن مردويه ، من طريق أبي الطفيل ، أنّ ابن الكوّاء سأل عليّ بن أبي طالب عن ذي القرنين : أنبيّاً كان أم ملكا ؟ قال : لم يكن نبيّا ولا ملكا ، ولكن كان عبداً صالحاً أحبّ الله فأحبّه ، ونصح لله فنصحه بعثه الله إلى قومه ، فضربوه على قرنه فمات ، ثم أحياه الله لجهادهم ، ثمّ بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر فمات ، فأحياه الله لجهادهم ، فلذلك سمّي ذا القرنين ، وإنّ فيكم مثله (١). وأورده العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري وبيّن أنّ سفيان ابن عيينة أخرج هذا الحديث في جامعه بسند صحيح (٢).

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور قال : أخرج ابن إسحاق والفريابي وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت ، وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ، عن عليّ بن أبي طالب رضي‌ الله ‌عنه ، أنّه سئل عن ذي القرنين فقال : كان عبداً أحبّ الله فأحبّه ، وناصح الله فناصحه ، فبعثه إلى قوم يدعوهم إلى الله ، فدعاهم إلى الله وإلى الإسلام ، فضربوه على قرنه الأيمن فمات ، فأمسكه الله ما شاء ، ثمّ بعثه ، فأرسله إلى أمّة أخرى يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام ، فضربوه على قرنه الأيسر فمات ، فأمسكه الله ما شاء ثمّ بعثه ، فسخّر له السحاب ، وخيّره فيه فاختار صعبه على ذلوله وصعبه الذي لا يمطر وبسط له النور ، ومدّ له الأسباب ، وجعل الليل والنهار عليه سواء ، فبذلك بلغ مشارق الأرض ومغاربها (٣).

ح ـ إحياء أهل النبيّ أيّوب عليه‌السلام ، قال جلّ وعلا في سورة الأنبياء :

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ : ٢٤١.

(٢) فتح الباري ٦ : ٢٧١.

(٣) الدرّ المنثور ٤ : ٢٤٦.

٣٧٢
 &

( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ ) (١).

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور قال : أخرج ابن جرير عن ابن جريح في قوله : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ) قال : أحياهم بأعيانهم وزاد إليهم مثلهم (٢).

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير عن الحسن وقتادة في قوله : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ) قال : أحيا الله له أهله بأعيانهم وزاده الله مثلهم (٣).

وروى الطبري في جامع البيان ، عن ابن عبّاس : لمّا دعا أيّوب ، استجاب الله له ، وأبدله بكلّ شيء ذهب له ضعفين ؛ ردّ إليه أهله ومثلهم معهم (٤).‏

وروى الطبراني عن الضحّاك بن مزاحم قال : بلغ ابن مسعود أنّ مروان يقول : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ) قال : أتي أهلاً غير أهله. فقال ابن مسعود : بل أتي بأهله بأعيانهم ومثلهم معهم (٥).

٣ ـ آيات تدلّ على حصول الرجعة قبل يوم القيامة :

أ ـ قال تعالى في سورة النمل : ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (٦).

هذه الآية تدلّ على رجعة أقوام معيّنين قبل يوم القيامة ، وذلك لوجود

__________________

(١) الأنبياء : ٨٣ ـ ٨٤.

(٢) الدرّ المنثور ٤ : ٣٢٨ ، وأنظر تفسير الطبري ١٧ : ٩٦.

(٣) الدرّ المنثور ٤ : ٣٢٨.

(٤) تفسير الطبري (جامع البيان) ١٧ : ٩٥.

(٥) المعجم الكبير ١٩ : ٢٢٤.

(٦) النمل ٨٣.

٣٧٣
 &

قرائن تدلّل على الرجعة ، وعلى أنّ الحشر المقصود في الآية هو حشر خاص قبل يوم القيامة ، وليس هو الحشر العام لكلّ الخلق في يوم القيامة.

وذلك بدلالة حرف (من) في الآية ، والذي يدلّ على التبعيض ، أي أنّ هذا الحشر الخاص سوف يكون لبعض الأفراد من كلّ أمّة.

والدلالة الثانية من قرينة في آية أخرى ، وهي قوله تعالى في سورة الأنعام : ( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ) (١). وهي تدلل هنا على الحشر العام. وأيضا قوله تعالى في سورة الكهف : ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (٢).

ب ـ قال تعالى في سورة غافر : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (٣).

ج ـ وقال تعالى في سورة الأنبياء : ( وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) (٤) وهي من أعظم الدلائل القرآنيّة في الرجعة ، لأنّ أحداً من أهل الإسلام لا ينكر أنّ الناس كلّهم يرجعون الى القيامة ، من هلك منهم ومن لم يهلك ، وهذه الآية الشريفة أكبر دليل على صحّة القول بالرجعة ، فمن المقطوع به أنّه في الرجعة الكبرى أنّ جميع الخلق يحشرون ، وهذه الآية تخصيص من الله تبارك وتعالى بمن أهلكه بالعذاب ، وهي دليل قويّ على الرجعة .

د ـ قال تعالى في سورة غافر : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (٥) ومعلوم أنّ مئات الأنبياء والرسل لم ينصروا في

__________________

(١) الأنعام : ٢٢.

(٢) الكهف : ٤٧.

(٣) غافر : ١١.

(٤) الأنبياء : ٩٥.

(٥) غافر : ٥١.

٣٧٤
 &

الدنيا وقتلوا ظلماً ، والآية تؤكّد أنّ الله سوف ينصرهم في الحياة الدنيا وهو دليل على الرجعة.

هـ ـ قال تعالى في سورة السجدة : ( وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١).

و ـ قال تعالى في سورة القصص : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) (٢).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي‌ الله ‌عنه في قوله : ( لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) قال : هذه ممّا كان يكتم ابن عبّاس (٣).

ز ـ قال تعالى في سورة النور : ( وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) (٤).

وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تتعلّق بالرجعة ، ولكنّنا هنا نكتفي بما ذكرنا من أدلّة وشواهد تشير إلى أنّ موضوع الرجعة هو حقّ ، وهو من الإسلام ، وهو ما يعتقد به أهل البيت وأتباعهم ، وهو رأيٌ إسلاميّ وليس رأياً دخيلاً على الإسلام.

البداء :

البداء هو مقام المحو والإثبات ، وهو ظهور المشيئة الإلهية للناس بعد أن كانت خفيّة عنهم. أي هو الظهور منه تعالى وظهور إرادته لغيره من

__________________

(١) السجدة : ٢١.

(٢) القصص : ٨٥.

(٣) الدرّ المنثور ٥ : ١٤٠.

(٤) النور : ٥٥.

٣٧٥
 &

المخلوقين. وهذا لا يخالف اعتقادنا بالله تعالى وصفاته ، ولا يخالف القرآن وآياته ، بل إنّه لا يخالف ما يعتقده العامّة أيضاً فحقيقة البداء عند الشيعة هو قدرة الانسان على تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والطالحة وأنّ لله سبحانه تقديراً مشترطاً موقوفاً وتقديراً مطلقاً ، والانسان إنّما يتمكن من التأثير في التقدير المشترط ، وأنّ الله عالم في الأزل بما سيقوم به الانسان ، فالله قد يجعل عُمر زيد من الناس مائة سنة لو أطاع والدته وخمسين سنة لو عصاها ، فعند طاعة الولد سيكون عمره مائة عام ، لكنّ عالم منذ الأزل بأنّه سوف يطيع والدته. فليس المعنى كما يدّعي أعداء أهل البيت بأنّه أمر لم يكن معلوماً عند الله تعالى ثمّ علمه ، أو أنّه يستلزم نسبة الجهل من الله تعالى ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.

ومن أهمّ ما يستدلّ عليه من القرآن الكريم على البداء آية المحو والإثبات ، وغيرها من الآيات التي سنذكر بعضها.

١ ـ قال تعالى في سورة الرعد : ( يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (١).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن أبي شيبة في المصنف ، وابن أبي الدنيا في الدعاء ، عن ابن مسعود قال : ما دعا عبد قط بهذه الدعوات ، إلا وسّع الله له في معيشته ، يا ذا المنّ ولا يمنّ عليه ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا ذا الطول ، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين ، إنْ كنت كتبتني في أمّ الكتاب شقيّاً فامح عنّي اسم الشقاء ، وأثبتني عندك سعيداً ، وإنْ كنت كتبتني عندك في أمّ الكتاب محروما مقتّراً عليّ رزقي ، فامح حرماني ، ويسرّ رزقي ،

__________________

(١) الرعد : ٣٩.

٣٧٦
 &

وأثبتني عندك سعيداً موفقا للخير ، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ). ورواه ابن جرير والطبراني (١).

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال وهو يطوف بالبيت : اللهمّ إنْ كنتَ كتبت عليّ شقاوة أو ذنباً فامحه ، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أمّ الكتاب ، فاجعله سعادة ومغفرة (٢).

وروى السيوطيّ في الجامع الصغير ، وأبو نعيم في الحلية ، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : الصدقة على وجهها ، واصطناع المعروف ، وبرّ الوالدين ، وصلة الرحم : تحوّل الشقاء سعادة ، وتزيد في العمر ، وتقي مصارع السوء (٣).

وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عبّاس في قول الله عزّ وجلّ ( يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) قال : من أحد الكتابين ، هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ، ويثبت ، وعنده أمّ الكتاب ، أي جملة الكتاب (٤).

وروى البخاري ، ومسلم ، في صحيحيهما عن أبي هريرة ، وعن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من سرّه أنْ يبسط له في رزقه ، أو ينسأ له في أثره ، فليصل رحمه (٥).

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ : ٦٦ ، وأنظر تفسير الطبري ١٣ : ٢١٩ ـ ٢٢٠ ، والمعجم الكبير ٩ : ١٧١ حيث أخرجوا بعضه.

(٢) الدرّ المنثور ٤ : ٦٦.

(٣) الجامع الصغير ٢ : ١١٥ ، حلية الأولياء ٦ : ١٤٥.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٤٩.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ٨ ، ٧ : ٧٢ ، صحيح مسلم ٨ : ٨.

٣٧٧
 &

وهذا يدلّ على أنّ الأجل محدود ، والرزق محدود ولكنّه هناك أمور إذا فعلها العبد فإنّها تزيد في رزقه ، وتطيل عمره ، وكذلك هناك أمور إذا فعلها تنقص من عمره ، وتقلّل رزقه ، وهذا ما تشير إليه الآية والأحاديث وهو البداء بمعناه الواضح.

٢ ـ وقال تعالى في سورة يونس : ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ) (١).

٣ ـ قال تعالى في سورة المائدة : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ) (٢).

٤ ـ قال تعالى في سورة الصافات : ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) (٣).

ومن المعروف أنّ رؤيا الرسل والأنبياء هي وحي من الله تعالى يجب في حقّهم تنفيذه ، وهذا ما سعى إليه سيّدنا إبراهيم الخليل عليه‌السلام ، وهو ما استسلم له سيّدنا إسماعيل عليه‌السلام ، فكانت الإرادة الإلهية التي ظهرت أن يتمّ الذبح ، ولكنّ الله تعالى الذي يمحو ما يشاء ويثبت محا تلك الإرادة واستبدلها بالذبح العظيم

__________________

(١) يونس : ٩٨.

(٢) المائدة : ٦٥ ـ ٦٦.

(٣) الصافات : ١٠٢ ـ ١١٠.

٣٧٨
 &

فداء لإسماعيل ، لأنّ إبراهيم الخليل قد صدّق الرؤيا واستسلم للإرادة الإلهية فجازاه الله تعالى بالفداء ، ثمّ بشّرنا ربّنا أنّه من يستسلم لإرادتي ويطيع أمري ويكون محسنا فإنّني كذلك أجازيه بحسب مقام المحو والإثبات ، ولذلك وكما مرّ معنا لمعرفة الصحابة بمقام البداء ، أي المحو والإثبات ، كان عمر بن الخطاب وابن مسعود وغيرهم يدعون بالدعاء الذي مرّ في بداية البحث.

هذا هو البداء ، وهذا معناه ، وهو ما عليه الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم ، السلام وهو رأيٌ وحكم إسلامي أصيل لا يشكّك فيه إلا من اتّبع هواه وكان أمره فرطا.

التقيّة :

التقيّة هي كتمان الحقّ وستر الاعتقاد به ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقّب ضرراً في الدين والدنيا.

ولا يقال : إنّ التقيّة هي عين النفاق ، لا يقال ذلك ؛ لأنّ النفاق هو اظهار الإيمان وإبطان الكفر ، وهو ما نهى عنه الشارع المقدّس ، وهو عكس التقيّة تماماً ويخالفها كليّاً.

والتقية ليست ممّا يختصّ بالشيعة فقط ، بل إنّها ممّا يعتقد به العامّة أيضا وليس هناك أيّ دليل عند أعداء أهل البيت عليهم‌السلام يبرّر تشنيعهم على الشيعة بخصوص التقيّة ، بل إنّ الأدلّة من القرآن الكريم ومن عند العامّة تقرّر موضوع التقيّة وتثبته بشكل واضح ومفصّل.

١ ـ قال تعالى في سورة غافر : ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (١). فهذا رجل كتم إيمانه واتّقى قومه ، فأقرّ القرآن أنّه مؤمن.

__________________

(١) غافر : ٢٨.

٣٧٩
 &

٢ ـ وقال تعالى في سورة آل عمران : ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ ) (١).

روى القرطبيّ في الجامع قال : قال ابن عبّاس : هو أن يتكلّم بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، ولا يقتل ولا يأتي مأثما.

وقال الحسن : التقيّة جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ، ولا تقيّة في القتل.

وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) وقيل : إنّ المؤمن إذا كان قائما بين الكفّار فله أنْ يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، والتقية لا تحلّ إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم (٢).

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفيّ عن ابن عبّاس في قوله ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) فالتقيّة باللسان من حمل على أمر يتكلّم به وهو معصية لله ، فيتكلّم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان ، فإنّ ذلك لا يضرّه ، إنّما التقيّة باللسان (٣).

٣ ـ وقال تعالى في سورة النحل : ( مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٤).

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير

__________________

(١) آل عمران : ٢٨.

(٢) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٤ : ٥٧.

(٣) الدرّ المنثور ٢ : ١٦.

(٤) النحل : ١٠٦.

٣٨٠