نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

لنسائه ، ومنها دخول الغناء والرقص ومزامير الشيطان في بيته ، ومنها هروب الشيطان من عمر وعدم هروبه من بيت رسول الله ، ومنها حادثة الإفك المصطنعة ، وحادثة الإفك الحقيقية وغيرها مما يتعلق بالعنوان ، وسنتطرق إليها كلّها كلاً على حده مع بعض التعليقات عليها ، مع التذكير بأنّ الدفاع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقّ مشروع ، والدفاع عن حرمته ومقامه الرفيع واجب مقدّس على كلّ المسلمين في كلّ زمان ومكان.

روى البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء ، باب خروج النساء للبراز ، ورواه في كتاب الاستئذان باب آية الحجاب ، عن عائشة : « أنّ أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كنّ يخرجن بالليل إذا تبرّزن إلى المناصع ، وهو صعيد أفيح ، فكان عمر يقول للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : احجب نساءك ، فلم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة ، زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ليلة من الليالي عشاء ، وكانت امرأة طويلة ، فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة ، حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله آية الحجاب » (١).

هذه الرواية يعتبرها أهل السنّة والجماعة من الروايات التي تحتوي على فضائل لعمر ابن الخطاب مع أن في ظاهرها طعناً صريحاً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولمقام النبوة ومنزلة الرسالة. وفيها تناقض واضح مع آيات القرآن الكريم التي تأمر بالعفّة والستر للعورات ، وكذلك فيها تتبّع واضح وملاحقة لنساء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ما يشكّل أذىً لشخصه الكريم ولبيته الشريف.

ومن الملاحظات عليها ، أنّه من الطبيعي أنْ يخرج الناس لقضاء حاجتهم في الليل ، خصوصا النساء ، وهو أمر متعارف عليه ومألوف في ذلك الزمان ، فلماذا جعل عمر بن الخطاب من خروج النساء إلى المناصع أمراً وكأنّه جريمة في

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٤٦ ، ٧ : ١٢٩ ، صحيح مسلم ٧ : ٧ ، مسند أحمد ٦ : ٢٢٣.

١٤١
 &

حقّهنّ وفي حقّ رسول الله ؟! وهو أمر ليس فيه أيّة مخالفة شرعيّة ، وعليه فإنّ إظهار هذا الأمر بهذا الشكل لابدّ وأن يكون صناعة مخصوصة من أجل الطعن على رسول الله وصناعة فضيلة لأحد الصحابة من خلال أمر طبيعيّ ومألوف.

ثمّ الملاحظة الأخطر أنّ عمر في الحديث كان يطلب من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يستر نساءه وأن يحجب نساءه ، ولم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل ذلك ، فهل هذه لفتة من واضعي الحديث تشير إلى إهمال رسول الله لأمور الشريعة وإهماله قضيّة ستر نسائه وإهمال أمور عرضه ، وهل هي فضيلة لعمر الذي تظهره الرواية بأنّه كان أحرص من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على نساء المسلمين وأعراضهنّ ؟.

ثمّ هل من آداب الإسلام وأخلاقه ملاحقة نساء المؤمنين ، وخصوصاً زوجات النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والحديث معها بهذه الطريقة المؤذية لها ولزوجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟.

ثمّ إنّ سودة كانت محتشمة ، وكان لا يظهر منها شيء ، وكانت في كامل سترها ، وكان الوقت ليلاً بعد العشاء والدنيا يلفّها الظلام ، وهذا لا يشكّ فيه أحد ، فكيف عرفها عمر ، ألم يكن يوجد نساء طويلات في المدينة غيرها ؟. أم أنّها كانت تحت المراقبة المقصودة وعن سبق إصرار وترصّد ؟.

وهل يجوز التجسّس على نساء المسلمين خصوصاً زوجات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بحجّة إقامة الحكم الشرعي ؟. أم أنّ ملاحقة الناس والتجسّس عليهم كانت أمراً مألوفا في حياة عمر ؟.

فقد ذكر التاريخ عدّة حوادث لعمر بن الخطاب في فترة خلافته كان يتجسّس فيها على بيوت المسلمين ويتتبع عوراتهم ، بحيث كُشف أمره فيها على الملأ ، فهل واضعي الحديث وضعوا هذه الرواية من أجل أن تأخذ

١٤٢
 &

الشرعيّة لفعل عمر ، وبالتالي تسقط عنه تهمة التجسس وتتبّع عورات المسلمين ؟ ؛ ولذلك يجب ملاحظة العبارة التي وضعها الراوي لتبرير فعل عمر والتغطية على شناعة الفعل ، فقال الراوي : « حرصا على أنْ ينزل الحجاب ». أي أنّ الغاية تبرّر الوسيلة وهو ما لا يجوز في شرع الله.

ثمّ ولتأكيد شرعيّة فعل التجسّس وإضفاء الشرعيّة عليه وبشكل أشمل أتت عبارة الراوي التي يؤكّد فيها موافقة الله تعالى لفعل عمر فقال : « فأنزل الله آية الحجاب ». فكلّ عبارات الرواية تشير إلى شرعيّة فعل عمر وصناعة الفضائل له على حساب منزلة الرسالة ومقام النبوّة للرسول محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

روى السيوطي في الدرّ المنثور قال : « أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي ‌الله ‌عنه قال : أتى عمر بن الخطاب رجل فقال : إنّ فلاناً لا يصحو ، فدخل عليه عمر ، فقال : إنّي لأجد ريح شراب يا فلان ، أنت بهذا فقال الرجل : يا ابن الخطاب وأنت بهذا ، ألم ينهك الله أنْ تتجسّس » (١) !!.

وروى السيوطي في الدرّ المنثور ، والمتقيّ الهنديّ في كنز العمال عن ثور الكندي أنّ عمر بن الخطاب كان يعس بالمدينة من الليل ، فسمع صوت رجل في بيت يتغنى ، فتسوّر عليه ، فوجد عنده امرأة وعنده خمر ، فقال : يا عدو الله ، أظننتَ أنّ الله يسترك وأنت على معصيته ، فقال : وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل على أن أكون عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث. قال الله : ( وَلَا تَجَسَّسُوا )(٢) وقد تجسست ، وقال : ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) (٣). وقد تسوّرت عليّ ودخلت علي بغير إذن ، وقال الله : ( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ

__________________

(١) أنظر الدر المنثور ٦ : ٩٣.

(٢) الحجرات : ١٢.

(٣) البقرة : ١٨٩.

١٤٣
 &

بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا ) (١) » (٢).

وروى الحاكم في المستدرك عن عبد الرحمن بن عوف : « أنّه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب بالمدينة ، فبينما هم يمشون ، شبّ لهم سراج في بيت ، فانطلقوا يؤمّونه ، حتّى إذا دنوا منه ، إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة.

فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن : أتدري بيت من هذا ؟ قال : لا. قال : هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلف ، وهم الآن شرب ، فما ترى ؟ فقال عبد الرحمن : أرى قد أتينا ما نهى الله عنه ، نهانا الله ـ عزّ وجلّ ـ فقال : ( وَلَا تَجَسَّسُوا ) (٣) فقد تجسّسنا » (٤).

وروى الطبراني والسيوطي في الدرّ المنثور عن ابن مردويه ، كلاهما عن بريدة قال : « صلّينا الظهر خلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما انفتل أقبل علينا غضبان متنفّراً ينادي بصوت يسمع العواتق في جوف الخدور : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تذّموا المسلمين ، ولا تطلبوا عوراتهم ، فإنّه من يطلب عورة أخيه المسلم هتك الله ستره وأبدى عورته ولو كان في جوف بيته » (٥).

وروى السيوطي في الدرّ المنثور : قال أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي‌ الله ‌عنهما قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه ، لا تؤذوا المسلمين ، ولا تتبّعوا عوراتهم ، فإنّه من تتبّع عورة

__________________

(١) النور : ٢٧.

(٢) الدر المنثور ٦ : ٩٣ ، كنز العمال ٣ : ٨٠٨ ، وكلاهما عن الخرائطي في مكارم الأخلاق.

(٣) الحجرات : ١٢.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٣٧٧ ، السنن الكبرى للبيهقي ٨ : ٣٣٣.

(٥) المعجم الكبير ٢ : ٢١ ، الدرّ المنثور ٦ : ٩٣ ، ونحوه عن أبي برزة الأسلمي في سنن أبي داود ٢ : ٤٥١ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٥٥.

١٤٤
 &

أخيه المسلم تتبّع الله عورته حتّى يخرقها عليه في بطن بيته » (١).

ومن المتناقضات التي تبيّن أنّ الرواية من أجل صناعة فضائل لعمر والتغطية على حوادث التجسّس على المسلمين والتي كشفها التاريخ ، هو الحديث التالي الذي يبيّن عدم صحّة نزول آية الحجاب في سودة ومن أجل فعل عمر ! ففي نفس المصدر ينفي هذا القول جملة وتفصيلا وإليك الرواية.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد ، باب وكان عرشه على الماء ، عن أنس بن مالك قال : « نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش ، وأطعم عليها يومئذ خبزاً ولحماً ، وكانت تفخر على نساء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت تقول : إنّ الله أنكحني في السماء » (٢).

ثمّ إنّ الرواية التالية وفي نفس المصدر تنفي نزول آية الحجاب لفعل عمر ، بل إنّها تتناقض مع الرواية الأولى ، فهنا تقول الرواية إنّ سودة خرجت بعد ما ضرب الحجاب ، وهناك تقول الرواية إنّ عمر قام بفعل التجسس وتتبّع عورات النبيّ حرصاً على أنْ ينزل الحجاب فأنزل الله آية الحجاب.

ثمّ دقّق أخي المؤمن في آخر الرواية عبارة « قد أُذن لكن أنْ تخرجن لحاجتكن » أي أنّ أمر السماء قد جاء موافقاً لخروج أمّ المؤمنين سودة ومخالفا لفعل عمر.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب التفسير ، باب قوله لا تدخلوا بيوت النبيّ ، عن عائشة قالت : « خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها ، وكانت امرأة جسيمة ، لا تخفى على من يعرفها ، فرآها عمر بن الخطاب ، فقال :

__________________

(١) الدرّ المنثور ٦ : ٩٣.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ١٧٦ ، وأنظر المعجم الكبير للطبراني ٢٤ : ٤٩.

١٤٥
 &

يا سودة ، أما والله ما تخفين علينا ، فانظري كيف تخرجين. قالت : فانكفأت راجعة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيتي ، وإنّه ليتعشى وفي يده عرق ، فدخلت ، فقالت : يا رسول الله ، إنّي خرجت لبعض حاجتي ، فقال لي عمر كذا وكذا ، قالت : فأوحى الله إليه ، ثمّ رفع عنه ، وإن العرق في يده ما وضعه ، فقال : إنّه قد أُذن لكنّ أنْ تخرجنَ لحاجتكنّ » (١).

وأعتقد أنّ الأمور صارت واضحة جليّة بعد هذا البيان ، والقضيّة مقصود منها صناعة نقائص لشخص النبيّ الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وصناعة فضائل لأشخاص معنيين ومقصودين حتّى تطغى فضائلهم على فضائل رسول الله ، ولكن يأبى الله إلا أنْ يتمّ نوره ، فنظرة فاحصة لمثل تلك الروايات يستطيع العاقل أنْ يكتشف حقيقتها وحقيقة ما وراءها ومَنْ وراءها.

هل يجوز في حقّ الرسول أنْ يكون بيته مرتعاً للشيطان ؟

ثمّ وبالاستجابة إلى نداءات المعرفة القلبيّة والممتزجة بالمعرفة العقلية لضرورة إعادة النظر في الأمور التاريخيّة وكيفيّة النظرة إلى شخص الرسول الكريم عند أولئك ، نكتشف أن أمور التطاول على شخصه الكريم قد وصلت إلى أنْ جعلوا الشيطان يرتع في بيته ، بينما يفرّ من عمر ومن كلّ فج يسلكه عمر ، وكذلك جعلوا من مزمار الشيطان في بيته ، وهو مقرٌ بذلك ويضحك ويبتسم ، ويخالف أوامر ربّه ـ وحاشاه من كل ذلك ـ ، ولكنّ ضرورة الدفاع عن نبيّنا الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقتضي ذكر ما عند القوم ، وكشف ما نسجه الوضّاعون عداوة لله ورسوله وأهل بيته ، حتّى نستفزّ العقول السليمة والقلوب الصادقة بحبّ نبيّها الكريم ومقامه العظيم وحبّ أهل بيته الطاهرين.

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢٦ ، وأنظر صحيح مسلم ٧ : ٦.

١٤٦
 &

فقد روى البخاري في صحيحه ، في كتاب بدء الخلق ، باب صفة إبليس وجنوده ، وفي كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب عمر بن الخطاب ورواه في كتاب الأدب ، باب التبسّم والضحك ، عن سعد بن أبي وقاص قال : « استأذن عمر على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهنّ ، فلمّا استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب ، فأذن له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يضحك ، فقال عمر : أضحك الله سنّك يا رسول الله ، قال : عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي ، فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب. قال عمر : فأنت يا رسول الله كنت أحقّ أنْ يهبن ، ثمّ قال : أي عدوّات أنفسهنّ ، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قلن : نعم ، أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : والذي نفسي بيده ، ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجّا إلا سلك فجّا غير فجّك » (١).

وهذه الرواية فيها كغيرها عدّة ملاحظات خطيرة ، وأوّلها ملاحظة أنّ النساء اللواتي كنّ في بيت رسول الله يصرخن ويَصِحْنَ في وجه رسول الله وعالية أصواتهن ، وهذا يعطي مبرّرا لحوادث كثيرة رفع فيها المسلمون أصواتهم وأكثروا من اللغط والصراخ عنده وهو يتحدّث إلى المسلمين ، وبإقرار الرسول في هذا الحديث للنسوة على صراخهنّ ثمّ ضحكه وتبسّمه لهنّ فيه ، دلالة على أنّ الصراخ ورفع الصوت عنده أمر طبيعي لا يغضب الله ورسوله ، مع أنّه يخالف أمر الله تعالى الذي قال في القرآن الكريم في سورة الحجرات : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ

__________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ٩٦ ، ١٩٩ ، ٧ : ٩٣. صحيح مسلم ٧ : ١١٥.

١٤٧
 &

بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) (١).

وسبب نزول هذه الآية وهو كما ذكره البخاري في صحيحه ، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، عن ابن أبي مليكة قال : كاد الخيِّران أن يهلكا : أبو بكر وعمر ، لمّا قدم على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفد بني تميم ، أشار أحدهما بالأقرع ابن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر بغيره ، فقال أبو بكر لعمر : إنّما أردتَ خلافي ، فقال عمر : ما أردتُ خلافك ، فارتفعت أصواتهما عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) ـ إلى قوله ـ ( عَظِيمٌ ) (٢) (٣).

إذن فرفع الصوت والصراخ والمماراة وترك الاستماع لرسول الله وعدم احترام مجلسه ومعاملته كمعاملة الناس بعضهم لبعض كلّها من الأفعال التي لا تجوز ، وهي محبطة للأعمال وموجبة للخسران المبين. ولكن الرواية الآنفة الذكر تخالف الآية ، وتُظهر أنّ هذا الأمر المحبط للأعمال أمر طبيعيّ وليس فيه شيء ، وربّما يعتبره البعض في زماننا هذا نوع من الديمقراطية النبويّة. ولكنّ وضاعي الحديث قصدوا أكثر من ذلك ، فهي إشارة إلى أنّ عدم احترام شخص رسول الله ومجلسه وكلامه ورفع الصوت عنده أمر مشروع ؛ لأنّه إنسان عادي مثله مثلهم ، وهذا ما يبرّر صراخ أبي بكر وعمر في سبب نزول الآية ، ثمّ يبرّر حوادث أخرى لهما ولغيرهما ، بل وربّما تحول الصراخ واللغط عند رسول الله إلى فضيلة للصارخ ، وهو ما اعتبره رواة الحديث ومن جاء بعدهم من علماء أهل السنّة والجماعة وتلقّاه العامّة بالرضا والقبول.

__________________

(١) الحجرات : ٢.

(٢) الحجرات : ٢ ـ ٣.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ١٤٥ ، مسند أحمد ٤ : ٦.

١٤٨
 &

ففي حادثة رزيّة الخميس المذكورة في الصحاح والمسانيد ، صار كثرة اللغط والصراخ ورفع الصوت عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ اتّهام عمر بن الخطاب وعدد من الصحابة لرسول الله بأنّه يهجر ويهذي ، صار ذلك منقبة عظيمة وفضيلة جليلة لعمر ، ضاربين عرض الحائط بالآية المذكورة ومتناسين أنّ كلّ كلامه وحي يوحى.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب العلم ، باب كتابة العلم ، وفي كتاب الجهاد والسّير ، باب جوائز الوفد ، وفي كتاب المغازي ، باب مرض النبيّ ووفاته ، وفي كتاب المرضى ، باب قول المريض قوموا عنّي ، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة باب كراهية الاختلاف عن ابن عبّاس قال : لما اشتدّ بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجعه قال : « ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا من بعده ». قال عمر : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط ، قال : « قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع ». فخرج ابن عباس يقول : « إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين كتابه (١).

وروى مسلم في صحيحه في كتاب الوصية باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه ، وكرّرها أكثر من مرّة عن ابن عبّاس ، قال : « لمّا حضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي البيت رجال فيهم عمر ابن الخطاب ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم « هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده ». فقال عمر : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت ، فاختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قوموا ».

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ١ : ٣٧ ، ٤ : ٣١ ، ٥ : ١٣٨ ، ٧ : ٩ ، ٨ : ١٦١.

١٤٩
 &

قال عبيدالله : فكان ابن عبّاس يقول : « إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين أنْ يكتب لهم ذلك الكتاب ، من اختلافهم ولغطهم » (١).

وروى الطبراني في الأوسط وعنه في كنز العمّال ، عن عمر بن الخطاب قال : « لمّا مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً. فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة ثمّ قال : ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ فقلت : إنّكنّ صويحبات يوسف ، إذا مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ رقبته. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم » (٢).

وانظر يا أخي المؤمن ماذا يقول النووي في شرحه لصحيح مسلم ، مبرراً رفع الصوت ومخالفة عمر للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بحيث يركّز على ذلك ولو على حساب شخص رسول الله وعصمته ومنزلته.

يقول النووي : « اعلم أنَّ النَّبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم معصوم من الكذب ، ومن تغيير شيء من الأحكام الشَّرعيَّة في حال صحَّته ، وحال مرضه ، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه ، وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه ، وليس معصوماً من الأمراض ، والأسقام العارضة للأجسام ونحوها ، ممَّا لا نقص فيه لمنزلته ، ولا فساد لما تمهد من شريعته ، وقد سُحر صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتَّى صار يُخيل إليه أنَّه فعل الشَّيء ، ولم يكن فعله ، ولم يصدر منه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي هذا الحال كلام في الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام الَّتي قرَّرهـا .

فإذا علمت ما ذكرناه ، فقد اختلف العلماء في الكتاب الَّذي همَّ

__________________

(١) صحيح مسلم ٥ : ٧٦.

(٢) المعجم الأوسط ٥ : ٢٨٨ ، وعنه في كنز العمّال ٥ : ٦٤٤.

١٥٠
 &

النَّبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به.

فقيل : أراد أن ينصَّ على الخلافة في إنسان معيَّن ، لئلّا يقع نزاع وفتن.

وقيل : أراد كتاباً يبيِّن فيه مهمَّات الأحكام ملخَّصة ، ليرتفع النِّزاع فيها ، ويحصل الاتِّفاق على المنصوص عليه.

وكان النَّبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر له أنَّه مصلحة ، أو أُوحي إليه بذلك ، ثمَّ ظهر أنَّ المصلحة تركه ، أو أوحي إليه بذلك ، ونسخ ذلك الأمر الأوَّل.

وأمَّا كلام عمر : فقد اتَّفق العلماء المتكلّمون في شرح الحديث على أنَّه من دلائل فقه عمر وفضائله ، ودقيق نظره ، لأنَّه خشي أن يكتب صلى‌الله‌عليه‌وسلم أموراً بما عجزوا عنها ، واستحقُّوا العقوبة عليها ؛ لأنَّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر : حسبنا كتاب الله ، لقوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (١). وقوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (٢). فعلم أنَّ الله أكمل دينه ، فأمن الضلال على الأمَّة ، وأراد الترفيه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان عمر أفقه من ابن عبَّاس » (٣).

ويقول ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري : « (يوم الخميس) هو خبر لمبتدأ محذوف أو عكسه ، وقوله : (وما يوم الخميس) يستعمل عند إرادة تفخيم الأمر في الشدّة والتعجّب منه ، زاد في أواخر الجهاد من هذا الوجه (ثمّ بكى حتّى خضّب دمعه الحصى) ولمسلم من طريق طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير (ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رأيتها على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤة) وبكاء ابن عباس يحتمل لكونه تذكّر وفاة رسول الله

__________________

(١) الأنعام : ٣٨.

(٢) المائدة : ٣.

(٣) شرح صحيح مسلم ١١ : ٩٠.

١٥١
 &

فتجدّد له الحزن عليه ، ويحتمل أنْ يكون انضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب ، ولهذا أطلق في الرواية الثانية أن ذلك رزيّة ، ثمّ بالغ فيها فقال : كلّ الرزيّة.

وقد تقدّم في كتاب العلم ، الجواب عمّن امتنع من ذلك كعمر بن الخطاب.

قوله : (اشتدّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجعه) زاد في الجهاد (يوم الخميس) وهذا يؤيّد أنّ ابتداء مرضه ، كان قبل ذلك ، ووقع في الرواية الثانية لمّا حُضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بضمّ الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة ، أي حضره الموت ، وفي إطلاق ذلك تجوّز ، فإنّه عاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين.

قوله : (كتابا) قيل هو تعيين الخليفة بعده ، وسيأتي شيء من ذلك في كتاب الأحكام في باب الاستخلاف منه.

قوله : (لن تضلوا) في رواية الكشميهني (لا تضلّون) وتقدّم في العلم ، وكذا في الرواية الثانية ، وتقدّم توجيهه.

قوله : (ولا ينبغي عند نبيّ تنازع) هو من جملة الحديث المرفوع ، ويحتمل أن يكون مدرجا من قول ابن عبّاس.

والصواب الأوّل ، وقد تقدّم في العلم بلفظ (لا ينبغي عندي التنازع).

قوله : (فقالوا : ما شأنه ؟ أهجر) بهمزة لجميع رواة البخاري ، وفي الرواية التي في الجهاد بلفظ (فقالوا : هجر) بغير همزة ، ووقع للكشميهني هناك (فقالوا هجر ، هجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم) أعاد هجر مرّتين.

قال عياض : معنى أهجر أفحش : يقال هجر الرجل إذا هذى ، وأهجر إذا أفحش وتعقّب بأنّه يستلزم أنْ يكون بسكون الهاء والروايات كلّها إنّما هي بفتحها ، وقد تكلّم عياض وغيره على هذا الموضع فأطالوا ، ولخّصه القرطبي

١٥٢
 &

تلخيصاً حسناً ، ثمّ لخصته من كلامه ، وحاصله : أنّ قوله هجر ، الراجح فيه إثبات همزة الاستفهام وبفتحات على أنّه فعل ماض ، قال : ولبعضهم أَهُجْراً بضمّ الهاء وسكون الجيم والتنوين على أنّه مفعول بفعل مضمر ، أي : قال هُجراً ، والهُجر بالضمّ ثمّ السكون الهذيان ، والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتدّ به لعدم فائدته.

ووقوع ذلك من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مستحيل ؛ لأنّه معصوم في صحّته ومرضه لقوله تعالى : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) (١). ولقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « إنّي لا أقول في الغضب والرضا إلا حقّا ». وإذا عرف ذلك فإنّما قاله مَن قاله منكراً على من يوقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة ، فكأنّه قال : كيف تتوقف أتظنّ أنّه كغيره يقول الهذيان في مرضه ؟ امتثل أمره وأحضره ما طلب ، فإنّه لا يقول إلا الحقّ ، قال : هذا أحسن الأجوبة ، قال : ويحتمل أنّ بعضهم قال ذلك عن شكّ عرض له ، ولكن يبعّده أنْ لا ينكره الباقون عليه مع كونهم من كبار الصحابة ، ولو أنكروه عليه لنقل ، ويحتمل أنْ يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيراً منهم عند موته.

وقال غيره : ويحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنّه اشتدّ وجعه فأطلق اللازم وأراد الملزوم ، لأنّ الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدّة وجعه.

وقيل : قال ذلك لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده ، فكأنّه قال : إنّ ذلك يؤذيه ويفضي في العادة إلى ما ذكر ، ويحتمل أنْ يكون قوله أهجر فعلاً ماضياً من الهجر بفتح الهاء وسكون الجيم والمفعول محذوف أي الحياة ، وذكره بلفظ الماضي مبالغة لما رأى من علامات الموت.

__________________

(١) النجم : ٣.

١٥٣
 &

قلت : ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام وكان يعهد أنّ من اشتدّ عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أنْ يقوله لجواز وقوع ذلك ، ولهذا وقع في الرواية الثانية (فقال بعضهم إنّه قد غلبه الوجع) ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمّد بن خلاد عن سفيان في هذا الحديث (فقالوا : ما شأنه يهجر ، استفهموه) وعن ابن سعد من طريق أخرى عن سعيد بن جبير (أنّ نبيّ الله ليهجر) ، ويؤيّده أنّه بعد أنْ قال ذلك استفهموه بصيغة الأمر بالاستفهام أي اختبروا أمره بأنْ يستفهموه عن هذا الذي أراده وابحثوا معه في كونه الأولى أولا.

وفي قوله في الرواية الثانية : (فاختصموا فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم) ما يشعر بأنّ بعضهم كان مصمماً على الامتثال والردّ على من امتنع منهم ، ولمّا وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة كما جرت العادة بذلك عند وقوع التنازع والتشاجر.

وقد مضى في الصيام أنّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج يخبرهم بليلة القدر فرأى رجلين يختصمان فرفعت ، قال المازري : إنّما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك ؛ لأنّ الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب ، فكأنّه ظهرت منه قرينة دلّت على أنّ الأمر ليس على التحتّم ، بل على الاختيار فاختلف اجتهادهم.

وصمّم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم ، وعزمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إمّا بالوحي وإمّا بالاجتهاد ، وكذلك تركه إنْ كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضاً ، وفيه حجّة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد في الشرعيّات.

١٥٤
 &

وقال النووي : اتّفق قول العلماء على أنّ قول عمر " حسبنا كتاب الله " من قوّة فقهه ودقيق نظره ؛ لأنّه خشي أنْ يكتب أموراً ربّما عجزوا عنها فاستحقّوا العقوبة لكونها منصوصة ، وأراد أنْ لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء.

وفي تركه صلى‌الله‌عليه‌وسلم الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه رأيه ، وأشار بقوله : (حسبنا كتاب الله) إلى قوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (١).

ويحتمل أنْ يكون قصد التخفيف عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا رأى ما هو فيه من شدّة الكرب ، وقامت عنده قرينة بأنّ الذي أراد كتابته ليس ممّا لا يستغنون عنه ، إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأجل اختلافهم ، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس : إنّ الرزيّة ... إلخ ؛ لأنّ عمر كان أفقه منه قطعاً.

وقال الخطابي : لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد كتابته ، بل امتناعه محمول على أنّه لمّا رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق ، فكان ذلك سبب توقف عمر ، لا أنّه تعمّد مخالفة قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلّا.

وقد تقدّم شرح حديث ابن عبّاس في أواخر كتاب العلم ، وقوله : (وقد ذهبوا يردّون عنه) يحتمل أن يكون المراد يردون عليه أي يعيدون عليه مقالته ويستثبتونه فيها ، ويحتمل أن يكون المراد يردّون عنه القول المذكور على من قاله.

قوله : (فقال دعوني : فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه) قال ابن الجوزي وغيره : يحتمل أن يكون المعنى دعوني فالذي أعاينه من كرامة الله التي أعدّها

__________________

(١) الأنعام : ٣٨.

١٥٥
 &

لي بعد فراق الدنيا خير ممّا أنا فيه في الحياة ، أو أن الذي أنا فيه من المراقبة والتأهّب للقاء الله والتفكّر في ذلك ونحوه أفضل من الذي تسألونني فيه من المباحثة عن المصلحة في الكتابة أو عدمها.

ويحتمل أن يكون المعنى فإنّ امتناعي من أنْ أكتب لكم خير ممّا تدعونني إليه من الكتابة.

قلت : ويحتمل عكسه أي الذي أشرت عليكم به من الكتابة خير ممّا تدعونني إليه من عدمها بل هذا هو الظاهر ، وعلى الذي قبله كان ذلك الأمر اختباراً وامتحاناً فهدى الله عمر لمراده وخفي ذلك على غيره ... انتهى » (١).

ومن الحوادث التي تصايحوا واختلفوا فيها ورفعت أصواتهم وكثر اللغط فيها بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عندما خطب في الصحابة وجمهور المسلمين وعيّن لهم من بعده اثني عشر إماما وذكر أنّهم كلّهم من بني هاشم وأراد أنْ يسمّيهم بأسمائهم ويبينهم للناس حتّى يعرفوا أئمتهم ، فصاحوا وصرخوا وكثر اللغط ، حتّى أنّ الراوي قال : فقال كلمة لم أسمعها. من كثرة لغطهم وصياحهم ، فسأل عمر بن الخطاب في رواية وسأل أباه في رواية أخرى عن ذلك فقالوا كلاماً خالفوا فيه ما أراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

روى أحمد في المسند عن جابر بن سمرة قال : « خطبنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : إنّ هذا الدين لا يزال عزيزاً إلى اثني عشر خليفة قال : ثمّ تكلم بكلمة لم أفهمها وضجّ الناس ، (وفي رواية أخرى يقول : ثمّ قال كلمة أصمنيها الناس). وفي رواية (ثمّ لغط القوم وتكلّموا فلم أفهم قوله بعد كلّهم). وفي رواية (فكبرَّ النَّاس وضجُّوا). فقلت لأبي : ما قال ؟. قال : كلّهم من قريش » (٢).‏

__________________

(١) فتح الباري ٨ : ١٠٠ ـ ١٠٢.

(٢) أنظر الرواية مع الاختلافات المشار إليها في مسند أحمد ٥ : ٩٣ ، ٩٨ ـ ٩٩.

١٥٦
 &

وبسبب الصراخ والصياح ورفع الصوت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا زال أهل السنّة والجماعة متحيّرون في شرح الحديث ومعرفة مضامينه ، بل إنّه في الحقيقة واضح وضوح الشمس في رابعة النهار أنّ الأئمّة هم من أهل بيت النبوّة والرحمة ، أولهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وآخرهم الإمام المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، ولكنّ عنادهم ووفاءهم لمن صرخ وصاح وضجّ ولغط بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهم وأعظم من عظمة رسول الله وشخصه الكريم.

ولولا الروايات التي نحن بصدد شرحها ، والتي تنقص من مقام رسول الله ومن منزلته ، ومن جواز الصياح والصراخ ورفع الصوت بين يديه ، ولولا التبريرات من أولئك ، واعتبارهم النبيّ شخصاً عادياً ، لما تجرّأ العلماء على قبول ذلك بالرضا والتسليم.

وبالعودة إلى الموضوع الذي نحن بصدده ، وملاحظة صوت النساء والصراخ والمخاصمة من النساء اللواتي كن عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نأتي إلى الملاحظة الثانية ، وهي دخول عمر على رسول الله والنساء عنده ، فلمّا استأذن عمر قمنَ يبتدرن الحجاب ، فأذن له وهو (أي النبيّ) يضحك.

وهذا يعني أنّهنّ كنّ يجلسن مع رسول الله غير محتشمات وغير محتجبات ومن دون ستر ، ولا يقال أنّهنّ كنّ من أزواجه ؛ لأنّ الرواية تقول نسوة من قريش. فدخول عمر ومبادرتهنّ للحجاب يعني أنّه لم يكن هناك اعتبار لرسول الله من حيث عدم الحشمة ، بالإضافة إلى رفع الصوت فوق صوت النبيّ ، وكلّ ذلك مخالفات شرعيّة لا يرضاها الله ، ولا يقرّها الرسول ، ولكنّ الرواية جعلت من الرسول يقرّ بذلك ويرضى به مخالفاً أمر ربّه ، ثمّ يضحك

١٥٧
 &

ويبتسم ، وحاشاه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذلك ، بينما تظهر الرواية أنّ خوف النسوة واحتجابهنّ وهروبهنّ لم يكن من الله تعالى ولا من رسول الله ، ولكن عمر لما دخل هرب النسوة بفعلهنّ الشيطاني الذي وحسب الرواية كان يقرّه الرسول ، وهذا طعن صريح وتنقيص واضح لرسول الله ومنزلته ومقامه العظيم.

ولتأكيد أنّه لم يكن هناك اعتبار لله ورسوله ، وأنّ ذلك الفعل الشيطاني خارج عن حدود الشريعة ، تأتي عبارة عمر « فأنت يا رسول الله كنت أحقّ أن يهبن ، ثمّ قال : أي عدوّات أنفسهنّ ، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم » ؟.

ثمّ تأتي عبارة النسوة وإقرارهنّ بأنّك يا عمر أفظّ وأغلظ ، (يعني افهرار الوجه وعبوسته ، وبذاءة اللسان في القول وحدّته ، وشدّة السطوة على المستضعفين وخشونة الجانب في معاملتهم). وهذه خصلة كان يشتهر بها عمر ابن الخطاب ، وكان الصحابة يعيبونه عليها ، فهي منقصة في حقّه وحقّ محبّيه ، ولذلك كان لابدّ وأنْ تُذكر هذا الخصلة ومن خلال رواية مصطنعة أمام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ يقرّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويضحك ويبتسم ، وبالتالي تتحوّل فظاظة عمر وغلظته إلى فضيلة على حساب شخصيّة الرسول الكريم. بينما نجد أنّ تلك الفضيلة التي منحتها الرواية لعمر مقابل التنقيص من شخص رسول الله تخالف القرآن الكريم وآياته وتخالف كلّ أبواب اللين والرفق والحلم في القرآن والسنّة. قال تعالى في سورة الحجر : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) ويقول تعالى في سورة آل عمران : ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (٢) وقال تعالى في سورة التوبة : ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ

__________________

(١) الحجر : ٨٨.

(٢) آل عمران : ١٥٩.

١٥٨
 &

رَّحِيمٌ ) (١).

ثمّ ومن أجل إقرار الأفعال الشيطانيّة وإقرار الفضيلة المصطنعة تأتي العبارة الخطيرة في الرواية والتي لا يلقي لها الناس بالاً ، ويتلقونها بالرضا والتسليم ، ودائماً ما نسمعها يكرّرها العلماء والناس بكلّ فخر واعتزاز ، بالرغم من كلّ ما تحمل من تهم ونقائص تجاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

والعبارة هي : والذي نفسي بيده ، ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجّك ».

وتكمن خطورة العبارة في أنّها تدلّ على أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ حاشاه من ذلك ـ كان يقرّ بفعل الشيطان ووجوده في بيته ومعه وهو يبتسم ويضحك ، بينما عندما رأى عمر فرّ منه وهرب ، وهذا في رأيي جريمة عظمى في حقّ مقام رسول الله ، وطعن كبير في منزلته عند الله تعالى ، وتنقيص من احترامه وتوقيره ، ثمّ انظر أخي الكريم كيف يؤكّد شرّاح الحديث تلك النقائص لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل خلق فضائل لعمر من غير ملاحظة مقام رسول الله ومنزلته.

فقد ذكر النووي في شرح صحيح مسلم تعليقا على الحديث : « وهذا الحديث محمول على ظاهره أنّ الشيطان متى رأى عمر سالكاً فجّاً هرب هيبة من عمر ، وفارق ذلك الفجّ وذهب في فجّ آخر ، لشدّة خوفه من بأس عمر أنْ يفعل فيه شيئاً.

وقال القاضي : ويحتمل أنّه ضرب مثلاً لبعد الشيطان وإغوائه منه ، وإنّ عمر

__________________

(١) التوبة : ١٢٨.

١٥٩
 &

في جميع أموره سالك طريق السداد خلاف ما يأمر به الشيطان » (١).

وقال في فتح الباري شرح صحيح البخاري : «قوله : (إلّا سلك فجّاً غير فجّك) فيه فضيلة عظيمة لعمر تقتضي أنّ الشيطان لا سبيل له عليه ، لا أنّ ذلك يقتضي وجود العصمة ، إذ ليس فيه إلّا فرار الشيطان منه أنْ يشاركه في طريق يسلكها ، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته.

فإنْ قيل : عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة ؛ لأنّه إذا منع من السلوك في طريق فأولى أنْ لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان ، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له ؛ لأنّها في حقّ النبيّ واجبة ، وفي حقّ غيره ممكنة ، ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في " الأوسط " بلفظ " أنّ الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلّا خرّ لوجهه " وهذا دال على صلابته في الدين ، واستمرار حاله على الجدّ الصرف والحقّ المحض.

وقال النووي : هذا الحديث محمول على ظاهره ، وإن الشيطان يهرب إذا رآه وقال عياض : يحتمل أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل ، وإنّ عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبّه الشيطان .... » (٢) انتهى.

هكذا ينظر علماء المسلمين ويفسّرون الرواية بعشرات الصفحات ويركّزون على الفضيلة المصطنعة ، ويبرّرون الأفعال المشينة ، بينما لا يلتفتون إلى شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل يقرّرون كلّ التهم ضدّ شخصه الكريم.

روايات أخرى تقرّر وجود مزامير الشيطان في بيت رسول الله :

__________________

(١) شرح صحيح مسلم ١٥ : ١٦٥ ـ ١٦٦.

(٢) فتح الباري ٧ : ٣٨.

١٦٠