نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وأخرج عبد الرزاق ، عن عطاء : أنّه سمع ابن عبّاس يقرؤها (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فآتوهن أجورهنّ) وقال ابن عبّاس : في حرف أبي (إلى أجل مسمى) (١).

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير عن مجاهد : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ) قال : يعني نكاح المتعة (٢).

وأخرج ابن المنذر من طريق عمّار مولى الشريد قال : سألت ابن عبّاس عن المتعة : أسفاح هي أم نكاح ؟ فقال : لا سفاح ولا نكاح. قلت : فما هي ؟! قال : هي المتعة كما قال الله. قلت : هل لها من عدّة ؟ قال : نعم. عدّتها حيضة. قلت : هل يتوارثان ؟ قال : لا (٣).

وروى الطبري في تفسيره عن السدّي : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ). فهذه المتعة ، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى ، ويشهد شاهدين ، وينكح بإذن وليّها ، وإذا انقضت المدّة فليس له عليها سبيل ، وهي منه بريّة ، وعليها أنْ تستبرئ ما في رحمها ، وليس بينهما ميراث ، ليس يرث واحد منهما صاحبه (٤).‏

وروى الطبري في تفسيره عن مجاهد : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ) قال : يعني نكاح المتعة (٥).‏

روى أحمد في مسنده ، عن عمران بن حصين أنّه قال : تمتّعنا مع

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) الدرّ المنثور ٢ : ١٤١.

(٤) تفسير الطبري ٥ : ١٨.

(٥) نفس المصدر السابق.

٤٦١
 &

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم ينهنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد ذلك عنها ، ولم ينزل من الله عزّوجلّ فيها نهي (١).‏

وروى مسلم في صحيحه ، عن غنيم بن قيس قال : سألت سعد بن أبي وقّاص رضي‌ الله‌ عنه عن المتعة ؟ فقال : فعلناه. وهذا يومئذ كافر بالعرش. يعني بيوت مكّة (٢).

وممّا يدلّ على أنّها كانت حلالاً ، ولم تزل كذلك ، حتّى قام عمر بن الخطاب بعد نصفاً من مدّة خلافته ، الروايات الواردة ، وكذلك كلام أئمّة الفقه عند العامّة ، وإليك بعضٌ منها.

قال في بداية المجتهد ونهاية المقتصد : اشتهر عن ابن عباس تحليلها ، وتبع ابن عبّاس على القول بها أصحابه من أهل مكّة ، وأهل اليمن ، ورووا أنّ ابن عبّاس كان يحتجّ لذلك لقوله تعالى ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) وفي حرف عنه إلى أجل مسمّى ، وروى عنه أنّه قال : ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عزّوجلّ رحم بها أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولولا نهي عمر عنها ما اضطرّ إلى الزنا إلا شقي. وهذا الذي روي عن ابن عبّاس رواه عنه ابن جريح وعمرو بن دينار. وعن عطاء قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : تمتّعنا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر. ثمّ نهى عنها عمر الناس (٣).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر ، من طريق عطاء ، عن ابن عبّاس قال : يرحم الله عمر ، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله

__________________

(١) مسند أحمد ٤ : ٤٣٨.

(٢) صحيح مسلم ٤ : ٤٧.

(٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢ : ٤٧.

٤٦٢
 &

رحم بها أمّة محمّد ، ولولا نهيه عنها ، ما احتاج إلى الزنا إلا شقيّ ، قال : وهي التي في سورة النساء ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ) إلى كذا وكذا من الأجل ، على كذا وكذا ، قال : وليس بينهما وراثة ، فإنْ بدا لهما أنْ يتراضيا بعد الأجل فنعم ، وإنْ تفرقا فنعم ، وليس بينهما نكاح. وأخبر أنّه سمع ابن عبّاس يراها الآن حلالا (١).

وروى مسلم في صحيحه ، عن أبي نضرة قال : كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة. وكان ابن الزبير ينهى عنها. قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله. فقال : على يدَيَّ دارَ الحديثُ. تمتعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فلمّا قام عمر قال : إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء وإنّ القرآن قد نزل منازله ، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله ، كما أمركم الله ، وأبتّوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل ، إلا رجمته بالحجارة (٢).

وروى البخاري في صحيحه ، عن عمران بن حصين رضي ‌الله ‌عنه قال : تمتّعنا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزل القرآن ، قال رجل برأيه ما شاء (٣).

وروى في كنز العمال عن جابر قال : تمتّعنا متعة الحجّ ، ومتعة النساء على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا كان عمر نهانا فانتهينا (٤).

وروى أحمد في مسنده ، عن أبي نضرة قال : قلت لجابر بن عبدالله : إنّ : ابن الزبير ينهى عن المتعة ، وإنّ ابن عبّاس يأمر بها ، قال : فقال لي : على يدي جرى الحديث ، تمتّعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال عفّان : ومع أبي بكر ، فلمّا ولي عمر ،

__________________

(١) الدرّ المنثور ٢ : ١٤١.

(٢) صحيح مسلم ٤ : ٣٨.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٥٣ ، وأنظر صحيح مسلم ٤ : ٤٨.

(٤) كنز العمّال ١٦ : ٥٢٠ عن ابن جرير.

٤٦٣
 &

خطب الناس فقال : إنّ القرآن هو القرآن ، وإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الرسول ، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إحداهما متعة الحجّ ، والأخرى متعة النساء (١).‏

وروى أحمد في المسند ، عن جابر بن عبد الله قال : تمتّعنا متعتين على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الحجّ والنساء ، فنهانا عمر عنها فانتهينا (٢).‏

وروى أحمد في المسند عن بهز وعفّان قالا : ثنا همّام ، عن قتادة ، عن مطرف قال : قال عمران بن حصين : تمتّعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنزل فيها القرآن قال عفّان : ونزل فيه القرآن ، فمات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم ينه عنها ولم ينسخها شيء ، قال رجل برأيه ما شاء (٣).‏

وروى في كنز العمال ، عن عمر بن الخطّاب قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحجّ (٤).

وروى في كنز العمال ، عن أبي قلابة : أنّ عمر قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنا أنهى عنهما ، وأضرب فيهما (٥).

وقال السرخسيّ في المبسوط : وقد صحّ أنّ عمر نهى الناس عن المتعة ، فقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنا أنهي الناس عنهما ، متعة النساء ، ومتعة الحج (٦).

وبهذا العرض المختصر يتبيّن أنّ الشيعة ، أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، لم يبيحوا

__________________

(١) مسند أحمد ١ : ٥٢.

(٢) مسند أحمد ٤ : ٤٢٩.

(٣) مسند أحمد ٤ : ٤٢٩.

(٤) كنز العمّال ١٦ : ٥١٩ ، عن أبي الصالح كاتب الليث في نسخته ، والطحاوي.

(٥) كنز العمّال ١٦ : ٥٢١ ، عن ابن جرير وغيره.

(٦) المبسوط ٤ : ٢٧.

٤٦٤
 &

المتعة إلا لأنّ الله تعالى شرّعها ، وأقرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعلها.

فالمتعة هي حكم شرعيّ له عشرات الأدلّة من عند من يطعنون على الشيعة ، فمذهب الخصوم أدلّ على صحّة ما عليه الشيعة كما استعرضنا.

وأمّا الروايات التي تقول بتحريمها ، فهي روايات متناقضة ومختلفة ولا تصلح للاستدلال على التحريم خصوصاً بعد دلالة القرآن القطعية على حلية المتعة وكذا فإنّ الروايات التي تؤكّد أنّ المنع جاء من عمر بن الخطاب ، أيضاً قطعيّة ، فلا يمكن أنْ يحتجّ بتلك المتناقضات المضطربة ، ولا يمكن تقديمها على القطعيّ من الأدلّة.

حجّ التمتّع :

إنّ ما ذكرنا بالنسبة إلى زواج المتعة ، يصحّ أنْ يقال هنا أيضاً ، فحجّ التمتّع كان أيضاً مشروعا زمن النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنّ عمر بن الخطاب في مدّة خلافته ، هو الذي منع حجّ التمتع وعاقب عليه ، وتبعه في ذلك عثمان.

روى في كنز العمال ، عن عمر بن الخطّاب قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحجّ (١).

وروى في كنز العمال ، عن أبي قلابة : أنّ عمر قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنا أنهى عنهما وأضرب فيهما (٢).

ولأنّ منع زواج المتعة وحجّ التمتّع كان برأي عمر ، ولا يستند إلى دليل ، بل إنّ المنع مخالف لأمر الله تعالى ، فقد كان عدداً كبيراً من الصحابة

__________________

(١) كنز العمّال ١٦ : ٥١٩ ، عن أبي صالح كاتب الليث في نسخته ، والطحاوي.

(٢) كنز العمّال ١٦ : ٥٢١ ، عن ابن جرير وغيره.

٤٦٥
 &

يستنكرون ذلك المنع ويرفضونه ويتمرّدون عليه ، ومنهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

روى مسلم في صحيحه ، عن جابر بن عبد الله قال : تمتّعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا قام عمر قال : إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء ، وإنّ القرآن قد نزل منازله ، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله كما أمركم الله. وأبتّوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل ، إلا رجمته بالحجارة (١).

وروى مسلم في صحيحه في كتاب الحجّ ، باب حجّ التمتّع عن عبدالله ابن شقيق قال : كان عثمان ينهى عن المتعة ، وكان عليّ يأمر بها. فقال عثمان لعليّ كلمة. ثمّ قال علي : لقد علمت إنّا قد تمتّعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فقال : أجل ، ولكنّا كنّا خائفين. ورواه أحمد في مسنده (٢).

وروى النسائي ، عن مروان : أنّ عثمان نهى عن المتعة وأنْ يجمع الرجل بين الحجّ والعمرة ، فقال عليّ : لبيك بحجّة وعمرة معاً. فقال عثمان : أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي : لم أكن لأدع سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأحد من الناس (٣).

ورواه أحمد في المسند بلفظ آخر عن مروان بن الحكم قال : كنّا نسير مع عثمان ، فإذا رجل يلبـّي بهما جميعا ، فقال عثمان : من هذا ؟ فقالوا : عليّ فقال : ألم تعلم أنّي قد نهيت عن هذا. قال : بلى ، ولكن لم أكن لأدع قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقولك (٤).‏

وبهذا البحث والذي قبله ، يتبيّن أنّ متعة الحجّ ومتعة النساء كانتا على عهد

__________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ٣٨.

(٢) صحيح مسلم ٤ : ٤٦ ، مسند أحمد ١ : ٦١.

(٣) سنن النسائي ٥ : ١٤٨ ، وأنظر سنن البيهقي ٥ : ٢٢.

(٤) مسند أحمد ١ : ٩٥.

٤٦٦
 &

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يكن هناك تحريم أو منع من ذلك ، حتّى منع ذلك عمر ، ولكنّ شيعة أهل البيت عليهم‌السلام قالوا كما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لم نكن لندع سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقول أحد ، وهذه الأدلّة من عند الخصوم هي أقوى لما نحن عليه من الحقّ فطاعة الله ورسوله مقدّمة على كلّ طاعة.

الجمع في الصلاة :

لقد أجاز الشرع الحنيف الجمع في صلاة الظهر والعصر ، وكذلك المغرب والعشاء ، وفعل ذلك رسولنا الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذلك الصحابة ، إلا أنّه وبعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اختلف المسلمون في ذلك ، وذلك بعد أنْ برزت مسألة الجمع عند أهل البيت وأتباعهم ، فقد أخذ خصوم أهل البيت بمحاربة كلّ ما يظهر ويميّز مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، فكانت السلطة الحاكمة تفرض على المسلمين ما فيه مخالفة لشيعة أهل البيت عليهم‌السلام ، حتّى صارت المخالفات بعد تثبيتها وتزويدها بروايات موضوعة ، صارت حقيقة عند العامّة ، ولذلك يسمو غالبا عند العامّة اتّباع أولئك المخالفين على حساب الحكم الشرعي والقرآن والسنّة.

ومن تتبّع ما ذكرت من مسائل وأبحاث في كتابنا هذا ، فإنّه سوف يتبيّن له أنّ الطاعة والاتّباع عند أولئك ليس للقرآن وآياته ، وليس للرسول وتشريعاته ، ولكنّه طاعة أشخاص لم يأمر الله تعالى بطاعتهم ، وهذا هو جوهر الخلاف بين المذهب الحقّ ، وبين المذاهب الأخرى.

ومسألة الجمع في الصلوات من تلك المسائل التي يعترّض عليها العامّة ويشنعون فيها على الشيعة ، مع أنّ كلّ مذاهبهم تجيز الجمع وكتبهم ممتلئة بالأدلّة على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد شرّع الجمع وفعله ، فلماذا الإنكار

٤٦٧
 &

والجحود ؟.

فالمسألة ليست مختصّة بالشيعة ، بل إنّها من المسائل المقرّرة عند كلّ المذاهب الأخرى ، وإليك بعض من الأحاديث الصحيحة ، وبعض من أقوال علماء العامّة واجتهاداتهم.

روى مسلم في صحيحه ، في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس قال : جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، بالمدينة ، في غير خوف ولا مطر (١).

(في حديث وكيع) قال : قلت لابن عبّاس : لمَ فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمّته.

وفي حديث أبي معاوية ، قيل لابن عبّاس : ما أراد إلى ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمّته.‏ ورواه أبو داود والترمذي وغيرهم كثير ، والحديث بأسانيده المتعدّدة ، ومتونه المختلفة ، مجمع على صحّته ولم ينكره أحد ، ولكنّ بعضهم يقول : إنّه لا يعمل به ، ولا أدري على أيّة قاعدة جرى عدم العمل به.

وروى الترمذي ، عن ابن عبّاس قال : جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. فقيل لابن عبّاس : ما أراد بذلك ؟. قال أراد أن لا يحرج أمّته. قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِن غَيرِ وَجْهٍ : رَوَاهُ جَابِرُ بنُ زَيدٍ ، وَسَعيدُ بنُ جُبَيرٍ ، وَعَبدُاللهِ ابن شَقِيقٍ العُقَيْلِيُّ (٢).

وروي في كنز العمال ، عن عمرو بن شعيب قال : قال عبدالله : جمع لنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء

__________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ١٥٢ ، سنن أبي داود ١ : ٢٧٢ ، سسن الترمذي ١ : ١٢١ ، مسند أحمد ١ : ٢٢٣.

(٢) سنن الترمذي ١ : ١٢١.

٤٦٨
 &

فقال رجل لابن عمر : لمَ ترى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فعل ذلك ؟ قال : لأنْ لا يحرج أمّته إنْ جمع رجل (١).

وروى أحمد في مسنده ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس قال : صلّيت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثمانياً جميعاً ، وسبعاً جميعا ، قلت لابن عبّاس : لمَ فعل ذاك قال : أراد أنْ لا يحرج أمّته (٢).‏

وروى مسلم في صحيحه ، عن عبدالله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس ، وبدت النجوم ، وجعل الناس يقولون : الصلاة ، الصلاة. قال : فجاءه رجل من بني تميم ، لا يفتر ولا ينثني : الصلاة ، الصلاة. فقال ابن عبّاس : أتعلّمني بالسنّة لا أمّ لك ! ثمّ قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء. قال عبدالله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة ، فسألته ، فصدّق مقالته (٣).

وروى مسلم في صحيحه ، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : قال رجل لابن عباس : الصلاة ، فسكت ، ثمّ قال : الصلاة ، فسكت ، ثمّ قال : الصلاة ، فسكت ، ثمّ قال : لا أمّ لك ! أتعلّمنا بالصلاة ؟ وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (٤).‏

وقال النوويّ في شرح صحيح مسلم قال : وذهب جماعة من الأئمَّة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتَّخذه عادة ، وهو قول ابن سيرين ، وأشهب من أصحاب مالك ، وحكاه الخطَّابيُّ عن القفَّال ، والشاشيّ الكبير من

__________________

(١) كنز العمّال ٨ : ٢٤٦.

(٢) مسند أحمد ١ : ٣٤٩.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ١٥٣.

٤٦٩
 &

أصحاب الشافعيّ ، عن أبي إسحاق المروزيّ ، عن جماعة من أصحاب الحديث ، واختاره ابن المنذر ، ويؤيِّده ظاهر قول ابن عبَّاس : « أَرَادَ أَنْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ » فلم يعلِّله بمرض ولا غيره (١).

وقال في عون المعبود شرح سنن أبي داود عند كلامه « أراد أن لا يحرج أمّته » وقال ابن المنذر : ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار ، لأنّ ابن عبّاس قد أخبر بالعلّة فيه ، وهو قوله : « أراد أن لا يحرج أمته » (٢).

وقال في نيل الأوطار : وقد استدلّ بحديث الباب ، القائلون بجواز الجمع مطلقاً ، بشرط أن لا يتّخذ ذلك خلقاً وعادةً. قال في الفتح : وممّن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفّال الكبير ، وحكاه الخطّابي عن جماعة من أصحاب الحديث (٣).

وكما ترى ، فإنّ كلّ الروايات مطلقة غير مقيّدة لا بسفر ولا بخوف ولا مطر ولا مرض ، وكلّ من حاول تقييد تلك الروايات أو تأويلها بما لا تحتمل ، فإنّ كلّ تلك التقييدات والتأويلات باطلة ؛ لأنّها بدون تخصيص أو تعليل ، وكلّ من فعل ذلك ، فإنّه يجتهد بالرأي مقابل النصّ الواضح ، وهذا لا يجوز ؛ لأنّه تَرْكٌ للسنّة ولفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتقريره.

فهل من أنكر الجمع بدون عذر يحاول أنْ يقول لنا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لا ينطق ولا يشرّع عن الهوى ، قد فعل الجمع خطأً أو عن الهوى ؟.

وهل الواجب علينا أنْ نلتزم بتلك التأويلات الخاطئة المنبثقة عن الرأي والهوى ، أُم الواجب علينا أنْ نلتزم بفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟. فالمسألة واضحة

__________________

(١) شرح صحيح مسلم ٥ : ٢١٩.

(٢) عون المعبود ٤ : ٥٦.

(٣) نيل الأوطار ٣ : ٢٦٤.

٤٧٠
 &

جليّة ، وهذه الروايات الصحيحة الواضح من عند من ينكر الجمع في الحضر من غير عذر أكثر من أنْ تحصى ، وكلّها صحيحة ، وليست بحاجة لأيّ تأويل أو تقييد.

التكبيرات في صلاة الجنازة :

يقول الشيعة الإماميّة بأنّ عدد التكبيرات في صلاة الجنازة هو خمس تكبيرات وهو الوارد في السنّة الصحيحة ، وعن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، في حين أنّ العامّة يكبّرون أربعاً ، مع أنّ كتبهم ممتلئة بالأدلّة على صحّة ما عليه الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، وهم يقرّون أيضاً بأنّ أوّل من ألغى التكبيرة الخامسة هو عمر بن الخطاب ، أي أنّ العمل كان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على خمس تكبيرات ، حتّى جاء عمر وجعلهنّ أربعا.

وأمّا من يقول بإنّ الإجماع قد انعقد على أربع تكبيرات ، فإنّ هذا غير صحيح ، وذلك أنّ المسألة ليست بحسب رأي الناس ، وإنّما بحسب ما يقرّره الشارع المقدّس ، فلا يجوز أنْ يجتمع الناس على مخالفة ما يقرّره الشرع الحنيف.

ثمّ إنّ عدداً كبيراً من الصحابة خالف عمر في عدد التكبيرات ، فمنهم من خمّس ، ومنهم من قال بست تكبيرات ، ومنهم من قال بسبع ، ومنهم من قال بتسع كما ورد في روايات عديدة ، فكيف يقال : إنّ الإجماع انعقد على أربع ، لا يمكن أنْ يقال ذلك.

وأمّا بالنسبة لما ذكر في كتب العامّة من أدلّة وروايات بخصوص ما عليه الشيعة الإماميّة ، فإليك بعض مما روي في ذلك ، مع بيان أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي خالف تلك الروايات ، وجمع الناس على أربع تكبيرات ، فمن كان يأخذ بما حدّد الله ورسوله ، فإنّه يدعم اعتقاده بما سنقدّم من روايات ، وأمّا من

٤٧١
 &

كان يقدّم الرأي على الشرع ، فليتقيّد بما فرضه الرجال بالرأي ، ولو خالف الكتاب والسنة.

روى الترمذي ، وابن ماجة ، عَن عَبْدُ الرحمن ابن أبي ليلى قَالَ : كان زيد بن أرقم يكبّر على جنائزنا أربعاً. وإنّه كبّر على جنازة خمساً. فسألته ، فقال : كان رَسُول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكبّرها (١).‏ وقال في نيل الأوطار : رواه الجماعة ـ يعني الخمسة ـ إلا البخاري (٢).

وروى المتّقي الهندي في كنز العمال ، عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام قال : نزل جبريل عليه‌السلام ، على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلّمه السلام على الناس والصلاة على الجنازة ، فقال : يا محمّد ، إنّ الله عزّوجلّ فرض الصلاة على عباده خمس صلوات ، في كلّ يوم وليلة ، فإن مرض الرجل ، فلم يقدر يصلّي قائماً صلّى جالسا ، فإنْ ضعف عن ذلك ، جاءه وليّه فقال له : يكبّر عن وقت كلّ صلاة خمس تكبيرات ، فإذا مات ، صلّى عليه وليّه ، وكبّر عليه خمس تكبيرات ، مكان كلّ صلاة تكبيرة ، حتّى يوفّيه صلاة يومه وليلته (٣).

وروى الطبرانيّ في المعجم الكبير ، قال حدّثنا عليّ بن عبد العزيز ، ثنا أبو نعيم ، ثنا العلاء بن صالح ، ثنا أبو سلمان : أنّه صلّى مع زيد بن أرقم على جنازة ، فكبّر عليها خمس تكبيرات ، فقلت : أوهمت أم عمداً ، فقال : بل عمداً ، إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلّيها (٤).

قال أبو عيسى الترمذي : حديثُ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ، وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلمِ إلى هذا مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وغَيْرِهِم رأوْا التّكبِيرَ

__________________

(١) سنن الترمذي ٢ : ٢٤٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٨٢.

(٢) نيل الأوطار ٤ : ٩٨.

(٣) كنز العمّال ٣ : ٧٥٢ ـ ٧٥٣.

(٤) المعجم الكبير ٥ : ١٧٤.

٤٧٢
 &

على الجَنَازَةِ خَمْساً ، وقالَ أحمدُ وإسْحَاقُ : إذَا كَبّرَ الإمَامُ على الجَنازَةِ خَمْساً ، فإِنّهُ يَتبَعُ الإمَامَ (١).

وروى مالك في الموطّأ قال : وروي عن ابن مسعود ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة ، خمس تكبيرات (٢).

وقال في المبسوط : والصلاة على الجنازة أربع تكبيرات ، وكان ابن أبي ليلى يقول : خمس تكبيرات ، وهو رواية عن أبي يوسف (٣).

وقال في تحفة الأحوذي : وقد اختلف السلف في ذلك ، فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنّه يكبّر خمساً ، ورفع ذلك إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنّه صلّى على جنازة رجل من بني أسد فكبّر خمساً. وروى ابن المنذر وغيره عن عليّ أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستّاً ، وعلى الصحابة خمساً ، وعلى سائر الناس أربعاً ، وروى أيضاً بإسناد صحيح عن أبي معبد قال : صلّيت خلف ابن عبّاس على جنازة فكبّر ثلاثاً. قال ابن المنذر : ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع ، وفيه أقوال أخر ، فذكر ما تقدّم ، قال : والذي نختار ما ثبت عن عمر. ثمّ ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيّب قال : كان التكبير أربعاً وخمساً ، فجمع عمر الناس على أربع. وروى البيهقي بإسناد حسن ، إلى أبي وائل قال : كانوا يكبّرون على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعاً وستّاً وخمساً وأربعاً ، فجمع عمر الناس على أربع (٤).

وروى مالك في الموطّأ ، عن النخعيّ أنّ الناس كانوا يصلّون على الجنائز خمساً وستّاً وأربعاً ، حتّى قُبض النبيّ ، ثمّ كبَّروا كذلك في ولاية أبي بكر ، ثمّ

__________________

(١) سنن الترمذي ٢ : ٢٤٤.

(٢) الموطأ ٢ : ١٠٩.

(٣) المبسوط ٢ : ٦٣.

(٤) تحفة الأحوذي ٤ : ٨٩.

٤٧٣
 &

وُلِّي عمر فقال لهم : إنّكم معشرَ أصحاب محمّد ، متى تختلفون يختلف الناس بعدكم ، والناس حديثو عهد بالجاهليّة ، فأجمع رأيهم أنْ ينظروا آخر جنازةٍ كبَّر عليها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيأخذون به ، ويرفضون ما سواه ، فنظروا فوجدوا آخر ما كبّر أربعاً (١).

وقال الصنعاني في سبل السلام : وقد اختلفت الروايات في عدّة تكبيرات الجنازة ، فأخرج البيهقي ، عن سعيد بن المسيّب : أنّ عمر قال : كلّ ذلك قد كان ، أربعاً وخمساً ، فاجتمعنا على الأربع. ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن سعيد ، ورواه البيهقي أيضاً ، عن أبي وائل قال : كانوا يكبّرون على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أربعاً ، وخمساً وستّاً ، وسبعاً ، فجمع عمر أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأخبر كلٌّ بما رأى ، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. وروى ابن عبد البرّ في الاستذكار بإسناده : كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكبّر على الجنائز أربعاً ، وخمساً ، وستاً ، وثمانياً ، حتّى جاء موت النجاشي ، فخرج إلى المصلّى ، وصفّ الناس وراءه ، وكبّر عليه أربعاً ، ثمّ ثبت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، على أربع ، حتّى توفاه الله ؛ فإنْ صحّ هذا فكأنّ عمر ومن معه لم يعرفوا استقرار الأمر على الأربع ، حتّى جمعهم وتشاوروا في ذلك (٢).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار ، في قوله « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكبّرها » استدلّ به من قال : إنّ تكبير الجنازة خمس ، وقد حكاه في البحر عن العترة جميعاً ، وأبي ذرّ ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة ، وابن عبّاس ، ومحمّد بن الحنفيّة ، وابن أبي ليلى ، وحكاه في المبسوط عن أبي يوسف (٣).

__________________

(١) الموطأ ٢ : ١٠٩.

(٢) سبل السلام ٢ : ١٠٣.

(٣) نيل الأوطار ٤ : ٩٩.

٤٧٤
 &

وقال السيوطيّ في تاريخ الخلفاء قال العسكري ـ في الحديث عن أوليات عمر ـ : وأوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات (١).

وهكذا يتبيّن أنّ عند العامّة أصل صحيح وصريح ، بأنّ ما عليه الشيعة الإماميّة هو الحقّ ، وأنّهم لم يأتوا بأحكامهم من فراغ ، وإنّما هم يستندون في كلّ شيء إلى دليل صحيح ، حتّى من كتب خصومهم ، وهو ما بيّناه لك أخي الكريم في أغلب أبحاثنا. وقد رأيت كيف أنّهم في هذا الحديث يتخبطون في عدد التكبيرات ، ولا يوجد عندهم دليل واضح يتمسكون به ويستدلّون على تكبيراتهم الأربع ، وقد نقلنا لك قارئي العزيز كلماتهم من دون تعليق ، لتحكم بنفسك عليها ، وتعرف أنّ ما عليه أتباع أهل البيت هو الحقّ.

خلاصة إثبات المذهب الحقّ من أدلة الخصوم :

وخلاصة هذه النقطة ، وبعد أنْ طرحنا عدّة أمور بارزة من مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، والتي يعتبرها الخصوم من أكثر المسائل بروزاً في مذهب الشيعة ، ويعترضون عليها ويطعنون فيها وفي صحّتها ، ومنهم من يكفّر الشيعة بسببها ، وهذه المسائل من أكثر المسائل التي يواجهها المستبصرون عندما يطعن العامّة على الشيعة.

ولقد وضعت تلك المسائل وأسندتها بأدلّة دامغة من نفس كتب ومصادر الطاعنين في حقيقتها ، فتبيّن لنا أنّها عقائد وأحكام إسلاميّة حقيقيّة مستندة إلى أدلّة قويّة ومتعدّدة من مصادر التشريع الإسلامي ، ممّا يقطع أمام كلّ الناس أنّ الشيعة مسلمون ملتزمون بالنصّ ، لا يأتون بالأحكام والعقائد إلا بما يرضي الله تعالى ، ويوافق الشريعة ومصادرها الحقيقيّة.

__________________

(١) تاريخ الخلفاء : ١٢٣.

٤٧٥
 &

ولقد كان إثبات عقائد وأحكام مذهب الشيعة الجعفريّة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام من أدلّة الخصوم ، ومن أدلّة العامّة وكتبهم ومصادرهم سبباً هامّاً ومؤثّراً في استبصار العديد من المؤمنين ، وكما ذكرت ، فإنّ هذه الميزة ، وهي إثبات ما عند الشيعة من أدلّة الخصوم ، ميزة رئيسيّة في المذهب الحقّ تميّزه عن غيره ، وتعتبر هذه الميزة إعجازا إلهيّاً من أجل إقامة الحجّة الدامغة على الناس ، فلله الحجّة البالغة التي تقطع عذر المحجوج ، وتزيل الشكّ عمّن نظر فيها.

كلمة لا بد منها :

وهكذا أخي الكريم ، فلقد ذكرت من أحوال المستبصرين ما يشير إلى كيفيّة سيرهم وسلوكهم من البداية ، ثمّ التدرج في الترقّي في المذهب الحقّ ، وذكرت أنّ الاستبصار يدلّ على الطهارة النفسيّة والمعنويّة عند المستبصر ، وأنّه لابدّ وأنْ يستجيب لنداء الحقيقة القلبي ، ويمزجه بالعقليّ ، حتّى تنتهي إلى الحقيقة الإيمانيّة الخالدة.

كما وأنّ هناك نداءات أخرى كثيرة وقويّة يعايشها المستبصر قبل استبصاره ، ومنها : كثرة التناقضات في كتب العامّة ، وفي كلّ المجالات ، كأنْ يأتي حديث يثبت البسملة وفي نفس الصفحة حديث آخر يمنعها ، وكأنْ يكون هناك حديث ينهى عن استقبال القبلة في الخلاء وفي نفس الصفحة حديث يشير إلى أنْ ابن عمر رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستقبل القبلة في الخلاء ، وغيرها المئات من التناقضات التي أوجبت من أحبّ حقيقة الإيمان وعشقها أنْ يبحث في تفاصيلها ، فقد تبيّن للمستبصر من خلال التناقضات أنّ هناك خللاً مخفيّاً لابدّ من التوصل إليه ، وأهم ملاحظة يستنتجها المستبصر من خلال دراسة التناقضات تلك أنّ دين الله القويم لا يدخله التناقض ولا يعتريه خلل أو نقص.

وكذلك كثرة الأمور الغامضة ، والتي لا يسمحون بتفسيرها أو التطرّق إليها ،

٤٧٦
 &

وعلى سبيل المثال الحروب التي حصلت بين الصحابة ، كمعركة الجمل ، وصفين ، وأنْ يثبت عن بعض الصحابة تصرّفات معيّنة تنافي وتتناقض مع ما قيل عنهم ، وغير ذلك مما يحتاج إلى تفصيل كبير.

ومن النداءات أيضاً ، بل ومن أهمّها : كثرة النصوص القرآنيّة والحديثيّة التي تتحدّث عن أهل البيت عليهم‌السلام عموماً ، وعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وإمامته وولايته وحقّه وحقيقته ، وكذلك عن مظلوميّته ومظلومية السيّدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، وعن فضلها وكذلك فضائل أهل البيت عموما وعن الأمر الإلهي بلزومهم ولزوم طاعتهم وولايتهم ونصرتهم والبراءة من أعدائهم وغير ذلك من النصوص وفي شتّى المجالات.

ومنها أيضا : دراسة واقع المسلمين السيّئ ، والذي يستدعي توسيع دائرة البحث والتقصيّ واستخلاص العبر.

هذه الأمور كلّها بحاجة إلى كتاب خاصّ بها ، فلا يسع المجال للتفصيل فيها في هذا الكتاب ، وإن شاء الله تعالى يأذن في إنجازه ، ونستكمل كلّ تلك المسائل في جزء ثان بإذن الله تعالى.

تم بحمد الله تعالى وفضله ، فهو الموفّق والحمد لله رب العالمين.

٢١ / ١ / ٢٠٠٧

١ محرم ١٤٢٨

٤٧٧
 &

٤٧٨
 &

مصادر الكتاب

١ ـ القرآن الكريم

٢ ـ أحكام القرآن ، أحمد بن عليّ الرازي الجصّاص ، تحقيق عبدالسلام محمّد علي شاهين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان ، الطبعة الأولى ، ١٤١٥ هـ ـ ١٩٩٤ م.

٣ ـ الأذكار النووية ، يحيى بن شريف النووي ، دار الفكر للطباعة والنشر ـ بيروت ـ لبنان ـ طبع سنة ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٤ م.

٤ ـ إرشاد القلوب ، الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي ، تحقيق السيّد هاشم الميلاني ، نشر : دار الأسوة للطباعة والنشر ، إيران ـ قم ، الطبعة الأولى ، ١٣٧٥ هـ. ش ، ١٤١٧ هـ. ق.

٥ ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، يوسف بن عبدالله ، ابن عبدالبر القرطبي ، تحقيق : عليّ محمّد البجاوي ، نشر دار الجيل ، بيروت ـ لبنان ، الطبعة الأولى ، ١٤١٢ هـ.

٦ ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة ، عزالدين عليّ بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري ، نشر دار الكتاب العربي ، بيروت ـ لبنان.

٧ ـ أسنى المطالب في مناقب سيدنا عليّ بن أبي طالب ، شمس الدين بن الجزري ، مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامّة ، إصفهان ـ إيران.

٨ ـ الإصابة في تمييز الصحابة ، أحمد بن حجر العسقلاني ، تحقيق : عادل أحمد عبدالموجود ، عليّ محمّد معوض ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان ، الطبعة الأولى ، ١٤١٥ هـ.

٤٧٩
 &

٩ ـ الأمالي ، محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : قسم الدراسات الاسلامية ، مؤسسة البعثة ، نشر دار الثقافة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٤ هـ.

١٠ ـ الأمالي ، محمد بن عليّ الصدوق ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة ، نشر مؤسسة البعثة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٧ هـ.

١١ ـ الأمالي ، محمّد بن النعمان المفيد ، تحقيق : حسين الأستاد ولي وعلي أكبر غفاري ، دار المفيد للطباعة والنشر ، بيروت ـ لبنان ، الطبعة الثانية ، ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٣ م.

١٢ ـ بحار الأنوار ، محمّد باقر المجلسي ، تحقيق : علي أكبر غفاري ، نشر دار إحياء التراث ، بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الثالثة ، ١٤٠٣ هـ ـ ١٩٨٣ م.

١٣ ـ بدائع الصنائع ، أبو بكر الكاشاني ، نشر المكتبة الحبيبية ، باكستان ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٩ هـ ـ ١٩٨٩ م.

١٤ ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (ابن رشد الحفيد) ، تنقيح وتصحيح : خالد العطّار ، دار الفكر للطباعة والنشر ، بيروت ـ لبنان ، ١٤١٥ هـ ـ ١٩٩٥ م.

١٥ ـ البداية والنهاية ، ابن كثير الدمشقي ، تحقيق : علي شيري ، نشر دار احياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٨ هـ ـ ١٩٨٨ م.

١٦ ـ بصائر الدرجات ، محمّد بن الحسن الصفار ، تصحيح وتعليق : الميرزا حسن كوجه باغي ، منشورات الأعلمي ، طبع سنة ١٤٠٤ هـ ـ ١٣٦٢ هـ. ش.

١٧ ـ تاريخ بغداد ، أحمد بن عليّ الخطيب البغدادي ، تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان ، الطبعة الأولى ،

٤٨٠