نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

اللَّـهُ آيَاتِهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (١).

فقد روى السيوطي في الدرّ المنثور قال : « أخرج البزّار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس قال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ « أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى ، وإنّ شفاعتهن لترتجى » ، ففرح المشركون بذلك ، وقالوا : قد ذكر آلهتنا ، فجاءه جبريل فقال : اقرأ علي ما جئتك به ، فقرأ « أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى » تلك الغرانيق العُلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى ». فقال : ما أتيتك بهذا ! هذا من الشيطان. فأنزل الله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ ) (٢). إلى آخر الآية » (٣).

وأخرج البيهقي والطبراني وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح ، عن سعيد بن جبير قال : « قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكّة النجم ، فلمّا بلغ هذا الموضع : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ) (٤) ألقى الشيطان على لسانه : « تلك الغرانيق العُلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى ». قالوا : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، ثمّ جاءه جبريل بعد ذلك قال : اعرض عليّ ما جئتك به ، فلمّا بلغ : تلك الغرانيق العُلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى. قال له جبريل : لم آتك بهذا ، هذا من الشيطان ، فأنزل الله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ ) (٥) » (٦).

__________________

(١) الحج : ٥٢.

(٢) الحج : ٥٢.

(٣) الدر المنثور ٤ : ٣٦٦.

(٤) النجم : ١٩ ـ ٢٠.

(٥) الحج : ٥٢.

(٦) الدر المنثور ٤ : ٣٦٦.

١٨١
 &

كما أكّد صحّة الرواية الحافظ ابن حجر العسقلاني (١) والحافظ الهيثمي (٢) والشيخ إبراهيم الكوراني (٣) وغيرهم.

وكما ذكرنا ونؤكّد ذلك مرّة أخرى عند مطالعة هذه الروايات وأمثالها ، فإنّه يجب أنْ نتذكّر دائماً أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوم ، ولا يمكن أنْ يتمكّن الشيطان منه ، ولكنّ السلطات الحاكمة والحسّاد وأعداء رسول الله والمبغضين له ، مكّنوا الشيطان منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عشرات الأحاديث المذكورة في صحاح المسلمين ، وقد ذكرنا أحاديث مزامير الشيطان في بيت رسول الله وأمثالها ومنها قضية الغرانيق هذه.

إذن فهم قد مكّنوا الشيطان من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بينما نفوا بأنْ يكون للشيطان أي قدرة على شخص غير معصوم كعمر بن الخطاب ، ووضعوا لذلك أحاديثاً كثيرة تبيّن أنّ الشيطان إذا رأى عمر بن الخطاب فإنّه يهرب منه ومن الفجّ الذي يسلكه (٤).

ثمّ إنّ القضيّة هي قضيّة تشريع ووحي. وكلّ فئات المسلمين وطوائفهم حتّى من لم يعتقد بالعصمة الكاملة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اتّفقوا كلّهم على عصمته بالتشريع والوحي ، ولذلك جاءت قضيّة الغرانيق مناقضة تماماً لآيات العصمة ، وكذلك الآيات التي تقرّر أنّ كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحي من الله تعالى لا يمكن له أنْ يخالفه أو يخطئ به ، وما يتناقض مع القرآن الكريم وآياته لا يجوز القبول به ، بل نعتقد أنّه من وضع البشر الذين أخذوا على عاتقهم العمل

__________________

(١) أنظر فتح الباري ٨ : ٣٣٣. تفسير الآلوسي ١٧ : ١٧٦.

(٢) أنظر مجمع الزوائد ٧ : ١١٥.

(٣) على ما في تفسير روح المعاني ١٧ : ١٧٦.

(٤) صحيح البخاري ٤ : ١٩٩.

١٨٢
 &

ضدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يطعنوا في مقامه ومنزلته ، فهنا جعلوه يضيف على الوحي بفعل الشيطان ، وفي روايات أخرى جعلوه ينسى آيات القرآن (١) ولم يهتمّ به ولا بجمعه وحاشاه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذلك.

ثمّ إنّ القبول بمثل هذا الطعن على رسول الله وإمكانية تدخّل الشيطان ووسوسته في الوحي واللعب فيه كما يحلو له ، تعزّز من إمكانيات التشكيك في كلّ ما جاء به الوحي.

ثمّ إنّه من المعلوم من الدين بالضرورة أنّ الله تعالى تكفّل بحفظ القرآن الكريم ودين محمّد العظيم عندما قال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٢).

فبالتالي يعتبر قبول الطعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو تشكيك في قدرة الله تعالى على حفظ القرآن وآياته ، وتشكيك في صفات الله وأسمائه ، وهو ما يخرج المسلم عن دينه وعقيدته.

ولذلك فإنّه من المقطوع به أنّه لا يجوز تفسير قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (٣) ، لا يجوز تفسيرها بما يتناقض مع القرآن وآياته ، أو بما يتناقض مع مقام النبوّة ومنزلة الرسالة ، بل إنّ الموقف الطبيعي من المؤمن أنْ يرفض كلّ تلك التأويلات ، وكلّ تلك التناقضات ، ولكن وللأسف الشديد تمّ قبول كلّ ما فيه طعن وتنقيص لرسول

__________________

(١) تقدّم ذلك.

(٢) الحجر : ٩.

(٣) الحج : ٥٢.

١٨٣
 &

الله العظيم من قبل أهل السنّة والجماعة ، ولم يعنوا أنفسهم بالدفاع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو في موقف واحد ، بينما تجدهم في حالة دفاع مستمر وبشكل مستميت عن أبي بكر وعمر ومعاوية ويزيد وغيرهم.

إنّ معنى الآية هو أنّ كل نبي أو رسول أو محدّث كما في بعض الروايات يتمنّى أنْ تزال كلّ الحواجز والعوائق والشبهات من أمام دعوته ونشرها للناس ، هذه الأمنية يتصدّى لها الشيطان بأنْ يلقى في قلوب الناس الشبهات والأباطيل ، ويضع العوائق في طريق الدعوة ، فينسخ الله ما يلقى الشيطان من قلوب المؤمنين فيثبتوا على إيمانهم ويزدادوا إيمانا ، وتثبت وترسخ شبهات الشيطان في قلوب المنافقين والمشكّكين والطاعنين بعصمة رسول الله ومنزلته ومقامه العظيم من أمثال واضعي قضيّة الغرانيق وأتباعهم ، ثمّ يحكم الله سبحانه وتعالى بعد الاختبار والصبر والتحمّل آياته ويثبتها في قلوب المؤمنين ، فهو سبحانه وتعالى عليم بقلوب العباد ، ويعرف المؤمن والمنافق وهو سبحانه حكيم في إظهار إرادته بأنْ يقيم الحجّة على الناس ، فيتميّز الخبيث من الطيّب والمؤمن من المنافق.

وقال في التفسير الصافي : « في الاحتجاج ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في حديث مضى بعضه في المقدمة فيذكر الله جلّ ذكره لنبيّه ما يحدّثه عدّوه في كتابه من بعده بقوله : وما أرسلنا من قبلك الآية ، يعني أنّه ما من نبيّ تمنّى مفارقة ما يعانيه من نفاق قومه وعقوقهم والانتقال عنها إلى دار الإقامة إلا ألقى الشيطان المعرض بعداوته عند فقده في الكتاب الذي انزل عليه ذمه والقدح فيه والطعن عليه فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا يقبله ولا يصغي إليه غير قلوب المنافقين والجاهلين ويحكم الله آياته بأن يحمي أولياءه من الضلال والعدوان ومتابعة أهل الكفر والطغيان الذين لم يرض الله أن يجعلهم

١٨٤
 &

كالأنعام حتّى قال : « بل هم أضل سبيلا » (١) » (٢).

لماذا يتّهمون الرسول بشرب النبيذ ؟

ومن القضايا الخطيرة والتي حاولوا وضع روايات من أجلها ، هي موضوع شرب النبيذ ، وهو موضوع اختلفوا فيه كثيراً بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واختلفت كذلك آراء العلماء حوله كثيراً ، وحصل حوله لغط كبير ، حتّى وصلت اجتهادات العلماء إلى أنْ أباح بعضهم نبيذ الخمر وقال بحليته وذلك أنّ تحريمه يؤدي إلى تفسيق العديد من الصحابة (٣).

وحتّى يومنا هذا ، هناك أشياء لا يعتبرها المسلمون خمراً أو من توابعه كالخبيص وكذلك ملبّن العنب ، وهذه أشياء مصنوعة من عصير عنبي لم يذهب ثلثاه بالغلي ، وهو ما يسمّى بالطلاء ، مع أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن الطلاء كما هو مذكور في صحاح ومسانيد المسلمين ، ولكنّ المسلمين اليوم لا يلقون بالاً لذلك ؛ لأنّ عدداً كبيراً من الصحابة قد شرب الطلاء وأباحه.

قال أبو داود : سألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فقال : لا بأس (٤).

وروى النسائي عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الطّفَيْلِ الجَزَرِيّ قَالَ : كَتَبَ إلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ : « لاَ تَشْرَبُوا مِنَ الطّلاَءِ حَتّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى ثُلُثَهُ وَكُلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ » (٥).

__________________

(١) الفرقان : ٤٤.

(٢) تفسير الصافي ٣ : ٣٨٦.

(٣) وهو رأي أبو حنيفة وسيأتي قريباً.

(٤) المغني لابن قدامة ١٠ : ٣٤١.

(٥) سنن النسائي ٨ : ٢٩٩ ، تفسير الثعلبي ٢ : ١٤٤.

١٨٥
 &

وروى النسائي عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ قَالَ : « إذَا طُبِخَ الطّلاَءُ عَلَى الثّلُثِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ » (١).

قال السندي : قوله : « إذا طبخ الطلاء على الثلث " يريد على أنْ يبقى منه الثلث » (٢).

وروى النسائي عن سويد بن غفلة قال : « كتب عمر بن الخطّاب إلى بعض عمّاله أنّ أرزاق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه » (٣).

وروى النسائي في سننه في كتاب الأشربة ، باب ما يجوز شربه من الطلاء وما لا يجوز ، بسنده عن أبي رجاء قال : « سألت الحسن عن الطلاء المنصّف ؟ فقال : لا تشربه » (٤).

وروى أبو داود ، عن مالك بن أبي مريم قال : دخل علينا عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء فقال : حدّثني أبو مالك الأشعري : أنّه سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : « ليشربنَّ ناسٌ من أمّتي الخمر يسمّونها بغير اسمها » (٥).

لقد أطنبت في ذكر الأحاديث التي تتعلق بالطلاء ، وذلك أن الحكم الشرعي عند أهل البيت عليهم‌السلام أنّ العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه فهو حرام ، ولكن عند أهل السنّة والجماعة وبسبب تبرير العلماء لأفعال الصحابة ضاعت الأحكام ، وهاهم أغلب أهل الشام وغيرها من البلدان يأكلون الخبيص وملبّن العنب دون أنْ يدري أحدهم أنّها حرام ، فالجميع وقع في الحرام بسبب

__________________

(١) سنن النسائي ٨ : ٣٣٠.

(٢) حاشية السندي على النسائي ٨ : ٣٣٠.

(٣) سنن النسائي ٨ : ٣٢٩ ، المصنف لعبدالرزاق ٩ : ٢٥٥.

(٤) سنن النسائي ٨ : ٣٣٠.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ ، مسند أحمد ٥ : ٣٤٢.

١٨٦
 &

العلماء الذين لم يريدوا تفسيق الصحابة لشربهم النبيذ ، فكانت آثار ذلك التبرير ، استحلال النبيذ حتّى يومنا هذا.

وإليك بعض ممّا قاله علماء المذاهب.

فقد قال في بدائع الصنائع : « ... وروي هذا المذهب عن عبدالله بن عباس وعبدالله بن سيّدنا عمر أنّه قال حين سئل عن النبيذ : « اشرب الواحد والاثنين والثلاثة ، فإذا خفت السكر فدع » !! وإذا ثبت الإحلال من هؤلاء الكبار من الصحابة فالقول بالتحريم يرجع إلى تفسيقهم وأنّه بدعة ، ولهذا عدّ أبو حنيفة إحلال المثلّث من شرائط مذهب أهل السنّة والجماعة ، فقال في بيانها : أنْ يفضّل الشيخين ويحبّ الختنين وأنْ يرى المسح على الخفّين ، وأنْ لا يحرم نبيذ الخمر لما أنّ في القول بتحريمه تفسيق كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم ! والكفّ عن تفسيقهم والإمساك عن الطعن فيهم من شرائط السنّة والجماعة » (١).

والذي يتبيّن من ذلك هو وجود العديد من الصحابة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا قد أدمنوا على شرب نبيذ الخمر ، بحيث كان الأمر معروفاً للقاصي والداني ، وهنا نشأت الحيرة عند الفقهاء وعلماء السلاطين ، فواجبهم الدفاع عن الصحابة والخلفاء الذين يشربون النبيذ أمام كلّ الناس ، وقد اشتهر في كتب الصحاح والمسانيد عن شرب عمر بن الخطاب وكذلك معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية وكثير من ولاتهم ومقربيهم.

فصار الأمر عند الفقهاء إمّا أنْ يحرّموا شرب نبيذ الخمر وبالتالي تفسيق العديد من الصحابة ، وإمّا أنْ يحلّلوه ويخالفوا القرآن والسنّة الشريفة فاختاروا

__________________

(١) بدائع الصنائع ٥ : ١١٦ ـ ١١٧.

١٨٧
 &

الدفاع عن الصحابة والخلفاء وأفعالهم ومخالفة شرع الله الحنيف !. فالعبارة السابقة واضحة في ذلك فإنّ القول بالتحريم ليس لعدم الدليل ، بل لأنّ ذلك يستلزم تفسيق كبار الصحابة !!

ثمّ قام بعد ذلك مركز وضع الحديث في وضع العديد من الروايات الباطلة والتي يُتهّم فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشرب النبيذ من أجل أن تكون مبرّرات شرب الصحابة والخلفاء للنبيذ أقوى ، فإذا شربه رسول الله بحسب رواياتهم فلا مجال للبحث في من يشربون نبيذ الخمر بعد ذلك.

وهكذا جعلوا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشرب النبيذ ، وألصقوا به تلك التهمة مع غيرها من التهم ، وجعلوه يخالف أحكام القرآن وأحكام الشريعة ، فقد هان عليهم اتّهام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقابل الدفاع عن الذين خالفوا أحكام ربّهم.

وبعد هذا البيان ، فإنّني سوف أذكر الروايات التي تبيّن شرب الصحابة والخلفاء نبيذ الخمر ، ثمّ أذكر الروايات التي وضعوها لتبرير أفعال من شرب النبيذ من خلال الاتّهام المباشر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فقد روى العقيلي بسنده إلى سعيد بن ذي لعوة قال : « شرب أعرابي نبيذاً من إداوة عمر فسكر ، فأمر به فجلد ، فقال : إنّي شربت نبيذاً من أدواتك ، فقال عمر : إنَّما نجلدك على السكر » (١).

وروى ابن أبي شيبة في مصنّفه عن حسّان بن مخارق ، قال : « بلغني أنّ عمر ابن الخطاب ساير رجلاً في سفر ، وكان صائماً ، فلمّا أفطر أهوى إلى قربة لعمر معلقة فيها نبيذ قد خضخضها البعير ، فشرب منها ، فسكر. فضربه عمر الحدّ ، فقال : إنّما شربت من قربتك ، فقال له عمر : إنّما جلدناك لسكرك » (٢).

__________________

(١) ضعفاء العقيلي ٢ : ١٠٥ ، وسيأتي ما يؤيد ذلك.

(٢) المصنّف لابن أبي شيبة ٦ : ٥٠٢ ، نصب الراية ٤ : ١٦٢.

١٨٨
 &

وقال الشافعي في كتاب الأم : قال بعض الناس : الخمر حرام ، والسكر من كلّ الشراب ، ولا يحرم المسكر حتّى يسكر منه ، ولا يحدّ من شرب نبيذاً مسكراً حتى يسكره . فقيل لبعض من قال هذا القول : كيف خالفت ما روي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وثبت عن عمر وروي عن عليّ ولم يقل أحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خلافه ؟ قال روينا فيه عن عمر أنّه شرب فضل شراب رجل حدّه ... (١).

وروى في بدائع الصنائع قال : وأمّا الآثار : فمنها ما روي عن عمر بن الخطاب أنّه كان يشرب النبيذ الشديد ويقول إنّا لننحر الجزور وأنّ العنق منها لآل عمر ولا يقطعه إلا النبيذ الشديد (٢).

وروى في الطبقات الكبرى عن أنس قال : كان أحبّ الطعام إلى عمر الثفل وأحبّ الشراب إليه النبيذ (٣).

وروى البيهقي في سننه عن عمرو بن ميمون قال : قال عمر بن الخطاب : إنّا لنشرب من النبيذ نبيذاً يقطع لحوم الإبل في بطوننا من أنْ تؤذينا (٤).

وروى في كنز العمال عن عتبة بن فرقد قال : قدمت على عمر بسلال خبيص فقال : ما هذا ؟ فقلت : طعام أتيتك به لأنّك تقضي في حاجات الناس أوّل النهار ، فأحببت إذا رجعت أنْ ترجع إلى طعام فتصيب منه فقواك ، فكشف عن سلّة منها فقال : عزّت عليك يا عتبة ، أرزقت كلّ رجل من المسلمين سلّة ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين !. لو أنفقت مال قيس كلّها ما وسعت

__________________

(١) كتاب الأم ٦ : ١٥٦.

(٢) بدائع الصنائع ٥ : ١١٦.

(٣) الطبقات الكبرى الكبرى ٣ : ٣١٨ ـ ٣١٩ ، وعنه في كنز العمّال ١٢ : ٦٢٦.

(٤) السنن الكبرى ٨ : ٢٩٩.

١٨٩
 &

ذلك ، قال : فلا حاجة لي فيه ، ثمّ دعا بقصعة ثريد خبزاً خشناً ولحماً غليظاً وهو يأكل معي أكلاً شهياً ، فجعلت أهوي إلى البيضة البيضاء أحسبها سناماً فإذا هي عصبة : والبضعة من اللحم أمضغها فلا أسيغها ، فإذا غفل عنّي جعلتها بين الخوان والقصعة ، ثمّ دعا بعسّ من نبيذ قد كاد أن يكون خلاً فقال : اشرب ، فأخذته وما أكاد أسيغه ، ثمّ أخذه فشرب ، ثمّ قال : اسمع يا عتبة : إنّا ننحر كلّ يوم جزوراً ، فأمّا ودكها وأطايبها فلمن حضرنا من آفاق المسلمين ، وأمّا عنقها فلآل عمر ، يأكل هذا اللحم الغليظ ويشرب هذا النبيذ الشديد يقطع في بطوننا أنْ يؤذينا (١).

وروى في المصنّف عن عمر قال : اشربوا هذا النبيذ في هذه الأسقية ، فإنّه يقيم الصلب ويهضم ما في البطن ، وإنّه لن يغلبكم ما وجدتم الماء (٢).

وروى البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم أنّ أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا إذا حمض عليهم النبيذ كسروه بالماء (٣).!.

وروى البيهقي في سننه أنّ عمر بن الخطّاب لمّا طعن أتاه الطبيب فقال له : أيّ الشراب أحبّ إليك ؟. قال : النبيذ. قال فدعى بالنبيذ فشرب منه ، فخرج من إحدى طعناته . فقال : إنّما هذا الصديد صديد الدم. قال : فدعي بلبن فشرب فخرج. فقال الطبيب : أوصي … ما أراك تمسي (٤).

معاوية والخمر :

وأمّا معاوية فلم يتوقف عن نبيذ الخمر بل كان يشرب الخمر من دون

__________________

(١) الزهد لهنّاد ٢ : ٣٦٤ ـ ٣٦٥ وعنه في كنز العمّال ١٢ : ٦٢٧ ، واللفظ للثاني.

(٢) المصنّف لابن أبي شيبة ٥ : ٥٢٦ وعنه في كنز العمّال ٥ : ٥٢٢.

(٣) السنن الكبرى ٥ : ٣٠٦.

(٤) السنن الكبرى ٣ : ١١٣ ، وأنظر المصنّف لابن أبي شيبة ٥ : ٤٨٨ ، ٥٢٤.

١٩٠
 &

مبالات بأحكام الشريعة ، وحيث إنّنا بصدد من شرب نبيذ الخمر فلا بأس أنْ نتعرض لشرب معاوية للخمر.

روى أحمد في مسنده عن عبد الله بن بريدة قال : دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ثمّ أتينا بالطعام فأكلنا ، ثمّ أتينا بالشراب فشرب معاوية ، ثمّ ناول أبي ، ثمّ قال : ما شربته منذ حرّمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١).

وروى ابن عساكر عن اسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال : إنّ عبادة بن الصامت مرّت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال : ما هذه ؟ أزيت ؟. قيل : لا ، بل خمر تباع لفلان ـ يعني معاوية ـ ، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها ، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال : ألا تمسك عنّا أخاك عبادة ؟. أمّا بالغدوات فيغدوا إلى السوق فيفسد على أهل الذمّة متاجرهم ، وأمّا بالعشيّ فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا أو عيبنا ، فامسك عنّا أخاك. فأقبل أبو هريرة يمشي حتّى دخل على عبادة فقال له : يا عبادة ! مالك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل ، فإنّ الله يقول : ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ) (٢) قال : يا أبا هريرة ؟ لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أنْ نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم ، وعلى أنْ ننصره إذا قدم علينا يثرب ، فنمنعه ممّا نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنّة ، ومن وفى ، وفى الله له الجنّة ممّا بايع عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

__________________

(١) مسند أحمد ٥ : ٣٤٧ ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥ : ٤٠ وقال : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

(٢) البقرة : ١٤٣.

١٩١
 &

ومن نكث فإنّما ينكث على نفسه » (١).

وروى ابن عساكر وابن حجر في الإصابة وابن الأثير من طريق محمّد بن كعب القرظي قال : غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمن عثمان ، ومعاوية أميراً على الشام ، فمرّت به روايا خمر فقام إليها برمحه فنقر كلّ راوية منها ، فناوشه الغلمان حتّى بلغ شأنه معاوية فقال : دعوه فإنّه شيخ قد ذهب عقله. فقال : كلا والله ما ذهب عقلي ، ولكنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهانا أنْ ندخل بطوننا وأسقيتنا خمراً ، وأحلف بالله لئن بقيت حتّى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأبقرنّ بطنه أو لأموتنّ دونه (٢).

فهكذا كان معاوية بن أبي سفيان مثل أبيه ، وكذلك كان ابنه يزيد عليه اللعنة سكّيراً خمّيراً فاسقاً ، وكذلك كان ولاتهم وأعيانهم يجاهرون في شرب الخمر ومعاقرتها جهاراً نهاراً حتّى في الصلاة.

كما روى عن ولاة عثمان بن عفّان معاقرة الخمر ، فقد كان الوليد بن عقبة ابن أبي معيط والياً على الكوفة ، وكان معاقرا للخمر على الدوام ، حتّى أنّه صلّى بالناس صلاة الصبح أربعاً (٣). وهذا الوليد هو الذي نزل في حقّه قوله تعالى ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ) (٤). والمؤمن في الآية هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. أمّا ما نحن بصدده وهو شرب النبيذ فهناك العشرات من الروايات والتي تبيّن أنّ شرب النبيذ كان مستفحلاً بين المسلمين حتّى في العصر الأوّل غير التي أوردناها ، وخصوصا في فترة حكم معاوية

__________________

(١) تاريخ دمشق ٢٦ : ١٩٧ ـ ١٩٨ ، وأنظر سير أعلام النبلاء : ٢ / ٩ ـ ١٠.

(٢) أنظر تاريخ دمشق ٣٤ : ٤٢٠ ، أسد الغابة ٣ / ٢٩٩ ، الاصابة : ٤ / ٢٦٤ ، واللفظ الأخير.

(٣) أنظر الاستيعاب ٤ : ١٥٥٥ ، أسد الغابة ٥ : ٩١.

(٤) السجدة : ١١٨. وأنظر في تفسير الآية : تفسير الطبري ٢١ : ١٢٩ ، تفسير الثعلبي ٧ : ٣٣٣ ، تفسير القرطبي ١٤ : ١٠٥.

١٩٢
 &

وغيره من الخلفاء الأمويين وولاتهم ، ولا أريد ذكرها خوفاً من الإطالة ، ولكن ما أريد بيانه هو أنّ واقع شرب نبيذ الخمر عند المسلمين كان مبكّراً ومستفحلاً ممّا اقتضى من الوضّاعين الذين كان همهم الدفاع عن شاربي النبيذ أن يضعوا روايات تتهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشرب نبيذ الخمر ، فهكذا يفعلون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما تنقصهم الحجّة ، وهو ما أدّى عند إعادة دراسة التاريخ إلى اكتشاف أنّه لم تكن عندهم القيمة الحقيقية والاعتبار الصحيح لرسول الله وشخصه الكريم ، وإليك بعضاً ممّا وضعوه زوراً وبهتاناً ضدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يتعلق بشرب النبيذ.

فقد روى النسائي في كتاب الأشربة ، باب ذكر الأخبار التي اعتلّ بها من أباح شراب المسكر ، عن عبد الملك بن نافع قال : قال ابن عمر : رأيت رجلاً جاء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقدح فيه نبيذ وهو عند الركن ، ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديداً فردّه على صاحبه ، فقال له رجل من القوم : يا رسول الله ، أحرام هو ؟ فقال : عليّ بالرجل ، فأتي به فأخذ منه القدح ، ثمّ دعا بماء فصبّه فيه فرفعه إلى فيه فقطب ، ثمّ دعا بماء أيضاً فصبّه فيه ، ثمّ قال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء (١).

وأخرج الدارقطني عن القاسم بن بهرام ، ثنا عمرو بن دينار عن ابن عبّاس ، قال : مرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على قوم بالمدينة ، فقالوا : يا رسول الله إنّ عندنا شراباً لنا ، أفلا نسقيك منه ؟ قال : بلى ، فأُتي بقعب ، أو قدح فيه نبيذ ، فلما أخذه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقرّبه إلى فيه ، قطب ، ثمّ دعا الذي جاء به ، فقال : خذه فأهرقه ، فقال : يا رسول الله ، هذا شرابنا ، إنْ كان حراماً لم نشربه ، فأخذه ، ثمّ دعا بماء فشنه عليه ، ثمّ شرب ، وسقى ، وقال : إذا كان هكذا ، فاصنعوا به هكذا (٢).

__________________

(١) سنن النسائي ٨ : ٣٢٣.

(٢) أنظر نصب الراية للزيلعي : ٦ / ٢٤٠ ، وعزاه إلى الدارقطني.

١٩٣
 &

روى البخاري في صحيحه ، ومسلم في صحيحه ، في كتاب الأشربة ، باب اباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكراً ، عن سهل بن سعد رضي‌ الله ‌عنه قال : ذكر للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم امرأة من العرب ، فأمر أبا أسيد الساعدي أنْ يرسل إليها ، فأرسل إليها فقدمت ، فنزلت في أجم بني ساعدة ، فخرج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتّى جاءها ، فدخل عليها فإذا امرأة منكِّسة رأسها ، فلمّا كلَّمها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت : أعوذ بالله منك ، فقال : « قد أعذتك منّي ». فقالوا لها : أتدرين من هذا ؟ قالت : لا ، قالوا : هذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء ليخطبك ، قالت : كنت أنا أشقى من ذلك ، فأقبل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يومئذ حتّى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ، ثمّ قال : « اسقنا يا سهل ». فخرجت لهم بهذا القدح فأسقيتهم فيه ، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه (١).

وروى أحمد في المسند قال : حدثنا روح ، ثنا حمّاد عن حميد ، عن بكر بن عبد الله أنّ أعرابياً قال لابن عبَّاس : ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل ، وآل فلان يسقون اللبن ، وأنتم تسقون النبيذ ، أمن بخل بكم أم حاجة ؟. فقال ابن عبَّاس : ما بنا بخل ولا حاجة ، ولكنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاءنا ورديفه أسامة بن زيد ، فاستسقى فسقيناه من هذا ، يعني : نبيذ السقاية ، فشرب منه. وقال : أحسنتم ، هكذا فاصنعوا (٢).

وروى البيهقي في سننه الكبرى عن عائشة رضي‌ الله ‌عنها قالت : ثمّ كنت إذا أشتدّ نبيذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جعلت فيه زبيباً يلتقط حموضته (٣).

هكذا هي نظرتهم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهكذا دائماً يبرّرون أفعالهم المشينة

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢٥٢ ، صحيح مسلم ٦ : ١٠٣.

(٢) مسند أحمد ١ : ٣٧٢ ، المعجم الكبير ١٢ : ١٦٠.

(٣) السنن الكبرى ٨ : ٣٠٠.

١٩٤
 &

ويحوّلونها فضائل لهم ، ويبقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متّهماً ، وليس من يدافع عنه وعن عصمته ورسالته سوى أهل البيت عليهم‌السلام وأتباعهم وشيعتهم المرضيين.

هل كان رسول الله شهوانيّاً ؟

ومن القضايا المثيرة والتي تضع العديد من علامات الاستفهام عند إعادة دراسة التاريخ ، والتي يتركّز البحث فيها حول القضايا الشهوانيّة والجنسيّة في العصر الأوّل للإسلام ، وهذه القضيّة ترتبط بقضيّة النبيذ ارتباطاً وثيقاً ، فحيثما يكثر شرب النبيذ فلابدّ وأنْ تنشط القضايا الجنسيّة والشهويّة.

فمن خلال عشرات الروايات ومن زوايا موضوعيّة مختلفة ومقصودة من قبل واضعي الحديث ، ومن أجل تبرير ذلك الواقع ، كان ذلك الكمّ الهائل من الروايات والتي تظهر شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبشكل شهواني فاق الوصف ، فتارة يطوف على نسائه في ليلة واحده (١) ، وتارة يقولون أعطي قوّة ثلاثين رجلا (٢) ، وتارة لا يستطيع أنْ يصبر عن النساء حتّى في فترة الحيض (٣) ، أو في شهر رمضان (٤) ، وفي غيرها يقولون بأنّه نظر إلى زينب فأعجبته فتزوجها في قضية طويلة (٥) ، وفي روايات غيرها أن رسول الله كان جالسا مع أصحابه فمرت امرأة فأعجبته فاستأذن أصحابه فدخل إلى إحدى زوجاته فقضى حاجته ، ثمّ خرج إليهم قائلاً : فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت زوجته (٦)

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ١ : ٦٠٧٥ ، ٦ : ١٥٥ ، صحيح مسلم ١ : ١٧١.

(٢) أنظر صحيح البخاري ١ : ٧١ ، مسند أحمد ٣ : ٢٩١ ، صحيح ابن حبّان ٤ : ٩.

(٣) انظر صحيح البخاري ١ : ٧٨ ، سنن أبي داود ١ : ٦٦ ، سنن النسائي ١ : ١٥١.

(٤) أنظر صحيح مسلم ٣ : ١٣٥ ، سنن أبي داود ١ : ٥٣٣.

(٥) أنظر تفسير الطبري ٢٢ : ١٧ ـ ١٨ ، تفسير القرطبي ١٤ : ١٨٩ ـ ١٩٠ ، تفسير الثعلبي ٨ : ٤٩.

(٦) أنظر سنن الترمذي ٢ : ٣١٤ ، مسند أحمد ٣ : ٤٠٧ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٣ : ٤٠٧.

١٩٥
 &

وكذلك روايات عديدة تظهر زواج رسول الله من ميمونة وهو محرم (١).

وهناك روايات أخرى في مجالات غير التي ذكرنا تصف نبيّ الله بأنّه كان يحبّ النساء ويتقصدهنّ ، وربّما يخلو بهنّ وغير ذلك ، وكلّها مذكورة منشورة في صحاح وتفاسير ومسانيد أهل السنّة ، ويقرؤها العلماء والناس صباح مساء من دون بحث عن حقيقة تلك الروايات والسبب في وضعها وما هو الهدف منها ؟. وماذا وراء اتّهام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعلها ؟.

فهذه القضيّة التي بين أيدينا كغيرها من القضايا التي ذكرناها في هذا البحث ، وكشفنا من خلال الاستجابة لنداءات القلب والعقل لإعادة دراسة التاريخ أنّ المسلمين يعتبرون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصيّة عاديّة في كثير من الأمور ، ودون العاديّة في غيرها ، فهو إنسان غير معصوم ، وينظرون إليه نظرة سطحيّة.

والأخطر من ذلك أنّهم جعلوه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم محلّ تبرير لأفعال مشينة فعلها بعض الصحابة والخلفاء ، فصاروا يكيلون التهم له من كلّ صوب ، ويلصقون أفعالهم باتّهام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعل نفس أفعالهم كما مرّ معنا في قضايا سابقة ، وتبيّن أنّهم كانوا هم الفاعلون ، ثمّ يتّهمون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقيام بنفس الفعل المشين حتّى يخرجوا أنفسهم من دائرة الحرج ، وتزول عنهم نظرة الناس إلى فعلهم المشين متحولة إلى فعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان ذلك الأسلوب معتمداً عند ذوي النفوذ ووضاعي الحديث قبل عصر تدوين الحديث ، وهو ما اعتمده من جاء بعدهم ، فذابت أفعال أولئك مع الزمن ، وظلّوا هم أصحاب الفضائل وحماة الدين والعقيدة ، بينما بقيت تلك التهم ملصقة برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحتّى يومنا هذا.

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ٢ : ٢١٤ ، ٥ : ٨٦ ، ٦ : ١٢٩.

١٩٦
 &

وهذه القضيّة التي بين أيدينا هي أيضاً تهمة من ضمن ما ألصقوا بنبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكثرة الروايات في هذا البحث والتي يتّهمون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها تدلّ أيضاً على أنّه كان في فترة وجود رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واقعاً شهوانياً جنسياً كبيراً ، واهتماماً شديدا بقضايا الفروج والنساء والغناء والرقص من خلال تصرّفات العديد من الصحابة ، والذي ازداد بشكل كبير ، وصار أعظم وأشدّ بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ممّا أدّى إلى ضرورة وجود روايات عديدة تبرّر ذلك الواقع الفاسد.

وسنحاول أنْ نضعَ بين يدي القارئ العزيز بعضاً من الروايات على شكل عناويين تبيّن بعض مظاهر ذلك الواقع في عهد رسول الله وبعده ، ثمّ نتطرق إلى الروايات التي تطعن في عصمة رسول الله وشخصيّته ومقامه مع بعض التعليقات على تلك الروايات ، ثمّ نختم بنتيجة البحث.

روى أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبّان والحاكم وصحّحه وغيرهم ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عبّاس قال : كانت امرأة تصلّي خلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حسناء من أحسن الناس ، قال : « فكان بعض القوم يتقدّم حتّى يكون في الصف الأوّل لئلا يراها ، ويستأخر بعضهم حتّى يكون في الصف المؤخّر ، فإذا ركع نظر من تحت إبطه ، فأنزل الله عز وجل ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) (١). » (٢).

فهذه رواية صحيحة ومذكورة في صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة ، وتظهر حقيقة قسم كبير من الصحابة وهم يقفون بين يدي ربّهم وخلف

__________________

(١) الحجر : ٢٤.

(٢) سنن النسائي ٢ : ١١٨ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٥٩ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٢٢ ، مسند أحمد ١ : ٣٠٥ ، المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٥٢ ، صحيح ابن حبّان ٢ : ١٢٦ ، وأنظر الدر المنثور ٤ : ٩٦ ـ ٩٧.

١٩٧
 &

نبيّهم ، قاموا بهذا الفعل المشين وهم في المسجد أثناء الصلاة بين يدي الله تعالى. مع أنّ الأصل أنْ لا يعمر مساجد الله إلّا من آمن بالله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ، فهل من فعل ذلك الفعل مؤمناً حقاً ؟. وهل كان يحسب لله حساباً وهو بين يديه وفي بيته ؟. وهل تذكّر الله وعقابه وجنّته وناره من قام بمثل ذلك الفعل ؟.

ومن الملاحظ أنّ الرواية أخفت أسماء الصحابة الذين قاموا بذلك الفعل ، ولكنّه من المقطوع به أنّهم من سكّان المدينة وسوف يتبيّن من العديد من الروايات أسماء بعضهم.

وروى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود : أنّ رجلا قبل امرأة ، فأتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنّي فعلت كذا وكذا ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) (١). فقال الرجل : هي لي يا رسول الله. قال : لا بل هي لأمّتي (٢).

قال السيوطي وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وأبو الشيخ والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : ما ترى في رجل لقي امرأة لا يعرفها ، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتى فيها غير أنّه لم يجامعها ، فأنزل الله : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ... )(٣) الآية. فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : توضّأ وضوءاً حسناً ، ثمّ قم فصلّ. قال معاذ : فقلت يا رسول الله : أله خاصّة أم للمؤمنين عامّة ؟ قال : للمؤمنين عامّة (٤).

__________________

(١) هود : ١١٤.

(٢) المعجم الكبير ١٠ : ٢٢٠ ـ ٢٣١.

(٣) هود : ١١٤.

(٤) الدر المنثور ٣ : ٣٥٢.

١٩٨
 &

وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه عن ابن عبّاس قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إنّ امرأة جاءت تبايعني فأدخلتها فأصبت منها ما دون الجماع ، فقال : لعلّها مغيّبة في سبيل الله ؟ قال : أظنّ. قال : ادخل. فدخل فنزل القرآن : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ... ) (١) الآية. فقال الرجل : ألي خاصّة أم للمؤمنين عامّة ؟ فضرب عمر في صدره وقال : لا ، ولا نعمة عين ، ولكن للمؤمنين عامة. فضحك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال : صدق عمر ، هي للمؤمنين عامّة (٢).

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عبّاس قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إنّي نلت من امرأة ما دون نفسها ، فأنزل الله : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ) الآية (٣).

وأخرج البزّار وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عبّاس : « أنّ رجلاً كان يحبّ امرأة ، فاستأذن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حاجة ، فأذنَ له فانطلق في يوم مطير ، فإذا هو بالمرأة على غدير ماء تغتسل ، فلمّا جلس منها مجلس الرجل من المرأة ، ذهب يحرك ذكره فإذا هو كأنّه هدبة فندم ، فأتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكر ذلك ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : صلّ أربع ركعات ، فأنزل الله : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ) » (٤).

وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال : جاءت امرأة من الأنصار إلى رجل يبيع التمر بالمدينة ، وكانت امرأة حسناء جميلة ، فلما نظر إليها أعجبته وقال : ما أرى

__________________

(١) هود : ١١٤.

(٢) الدر المنثور ٣ : ٣٥٢.

(٣) المصدر نفسه ٣ : ٣٥٢.

(٤) المصدر نفسه ٣ : ٣٥٢ ـ ٣٥٣.

١٩٩
 &

عندي ما أرضى لك ههنا ، ولكن في البيت حاجتك ، فانطلقت معه حتّى إذا دخلت راودها على نفسها فأبت ، وجعلت تناشد ، فأصاب منها من غير أن يكون أفضى إليها ، فانطلق الرجل وندم على ما صنع ، حتّى أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأخبره ، فقال : ما حملك على ذلك ؟ قال : الشيطان. فقال له : صلّ معنا ، ونزل : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ) يقول : صلاة الغداة والظهر والعصر : ( وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ) المغرب والعشاء : ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) فقال الناس : يا رسول الله لهذا خاصّة أم للناس عامّة ؟ قال : بل هي للناس عامّة (١).

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال : أقبلت امرأة حتّى جاءت إنسانا يبيع الدقيق لتبتاع منه ، فدخل بها البيت ، فلمّا خلا بها قبّلها فسقط في يده ، فانطلق إلى أبي بكر فذكر ذلك له ، فقال : انظر لا تكون امرأة رجل غاز. فبينما هم على ذلك نزل في ذلك : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ). قيل لعطاء : المكتوبة هي ؟ قال : نعم (٢).

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال : جاء فلان بن مقيب رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله إلا أنّي لم أواقعها ، فلم يدر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يجيبه ، حتّى نزلت هذه الآية وهي قوله تعالى ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ) فدعاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقرأها عليه (٣).

أمّا بالنسبة إلى الآية المذكورة فعندي بعض الملاحظات بخصوصها ، فهي أوّلا آية مكّيّة من سورة مكّية نزلت في مكّة قبل الهجرة وهي سورة هود. ثمّ

__________________

(١) المصدر نفسه ٣ : ٣٥٣.

(٢) المصدر نفسه ٣ : ٣٥٢.

(٣) الدر المنثور ٣ : ٣٥٣.

٢٠٠