نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أمّ الكتاب قبل أن يؤمّن الإمام ؛ لأنّ الإمام كما قال عليه الصلاة والسلام : إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به. إلا أن يخصّ هذا من أقوال الإمام ، أعني أنْ يكون للمأموم أنْ يؤمّن معه أو قبله ، فلا يكون فيه دليل على حكم الإمام في التأمين ، ويكون إنّما تضمّن حكم المأموم فقط ، لكنّ الذي يظهر أنّ مالكا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه ؛ لكون السامع هو المؤمّن لا الداعي ، وذهب الجمهور لترجيح الحديث الأوّل ؛ لكونه نصّا ؛ ولأنّه ليس فيه شيء من حكم الإمام ، وإنّما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط ، لا في هل يؤمّن الإمام أو لا يؤمّن ، فتأمّل هذا. ويمكن أيضا أنْ يتأوّل الحديث الأول بأنْ يقال : إنّ معنى قوله : فإذا أمّن فأمّنوا ، أي إذا بلغ موضع التأمين ، وقد قيل : إنّ التأمين هو الدعاء ، وهذا عدول عن الظاهر لشيء غير مفهوم من الحديث إلا بقياس : أعني أنْ يفهم من قوله : فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأمّنوا. أنّه لا يؤمّن الإمام (١).

الجهر بالبسملة من علائم الإيمان :

يعتبر الشيعة الإماميّة البسملة آية من آيات القرآن الكريم ، وأنّ الجهر بها في الصلوات الجهريّة والسريّة من علامات الإيمان ، وأيضاً فإن هذا الحكم كغيره من الأحكام له أصول ودلائل كثيرة من عند العامّة ، وبه قال العديد من علمائهم.

ولقد كانت البسملة في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آية من القرآن الكريم ، بل من أعظم آياته الشريفة ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرؤها ويجهر بها ، وكذلك الصحابة من بعده ، حيث لم يشكّ أحد بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

__________________

(١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ : ١١٩.

٤٤١
 &

واستمرّ الوضع على الإقرار بأنّها آية عظيمة من القرآن الكريم ، حتّى جاء عمرو بن العاص ، وبأمر من معاوية بن أبي سفيان وعمد إلى أعظم آية في القرآن الكريم فأنكرها ووضع قواعد إزالتها من الفاتحة ، بل من القرآن وسوره.

فقد قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج البيهقي ، عن الزهري قال : من سنّة الصلاة أن يقرأ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) وإنّ أوّل مَنْ أسرّ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) عمرو بن العاص بالمدينة.

ولقد كان معاوية بن أبي سفيان قد قرّر ترك البسملة ، حقداً وبغضا لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، ولقد قام بعدّة محاولات قبل أنْ يعلن أنّ البسملة ليست من آيات القرآن الكريم ، ولكنّه في كلّ مرّة كان المهاجرون والأنصار يتصدّون له.

روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، عن أنس بن مالك قال : صلّى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فقرأ فيها : بسم الله الرحمن الرحيم لأمّ القرآن ، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتّى قضى تلك القراءة ، فلمّا سلّم ، ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كلّ مكان : يا معاوية ، أسرقت الصلاة ، أم نسيت ؟ (١).

وقال السرخسيّ في المبسوط : ولمّا صلّى معاوية بالمدينة ، ولم يجهر بالتسمية ، أنكروا عليه وقالوا : أسرقت من الصلاة ، أين التسمية ، فدلّ أنّ الجهر بها كان معروفاً عندهم (٢).

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ١ : ٢٣٣.

(٢) المبسوط ١ : ١٥.

٤٤٢
 &

ثمّ جاء بعد ذلك وضّاعوا الحديث ، وبأموال حكومة بني أميّة ، وأوامر معاوية ليثبتوا هذا التحريف الخطير في القرآن الكريم وآياته ، ووضعوا أحاديث مزوّرة من أجل تأييد ذلك التحريف الخطير ، ولكن يأبى الله إلا أنْ يتمّ نوره ولو كره المبغضون والحاقدون ، فلقد امتلأت كتب الحديث عند العامّة بالروايات الصحيحة ، والتي تقرّر بأنّ البسملة آية من الفاتحة ، وأيضا بالروايات التي تقرّر الجهر بها ، وإليك بعض من تلك الروايات :

روى الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح ، عن عبد خير قال : سُئل عليّ رضي‌ الله ‌عنه عن السبع المثاني فقال : ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ ) فقيل له : إنّما هي ستّ آيات ! فقال : ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) آية (١).

قال السيوطي في الدر المنثور : أخرج الطبراني في الأوسط ، وابن مردويه في تفسيره ، والبيهقي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) سبع آيات ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) إحداهن ، وهي السبع المثاني ، والقرآن العظيم ، وهي أمّ القرآن ، وهي فاتحة الكتاب (٢).

فإخرج الدارقطني ، والبيهقي عن أبي هريرة : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا قرأ وهو يؤمّ الناس افتتح بسم الله الرحمن الرحيم ، قال أبو هريرة : آية من كتاب الله ، اقرؤا إنْ شئتم فاتحة الكتاب ، فإنّها الآية السابعة (٣).

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف ، عن أمّ سلمة قالت : " قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *

__________________

(١) سنن الدارقطني ١ : ٣١١ ، السنن الكبرى ٢ : ٤٥. وأورده في الدرّ المنثور ١ : ٣.

(٢) الدرّ المنثور ١ : ٣ ـ ٤.

(٣) نفس المصدر السابق.

٤٤٣
 &

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) وقال : « هي سبع يا أمّ سلمة » (١).

وروى ابن الضريس ، عن ابن عبّاس قال : ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) آية (٢).

وروى الحاكم في المستدرك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس في السبع المثاني قال : هنّ فاتحة الكتاب ، قرأها ابن عبّاس : بسم الله الرحمن الرحيم سبعاً.

قال ابن جريح : فقلت لأبي : أخبرك سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس أنّه قال : بسم الله الرحمن الرحيم آية من كتاب الله ؟ قال : نعم ، ثمّ قال : قرأها ابن عبّاس : بسم الله الرحمن الرحيم في الركعتين جميعا (٣).

وروى الثعلبي ، عن أبي هريرة قال : كنت مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد إذ دخل رجل يصلّي ، فافتتح الصلاة ، وتعوذ ثمّ قال : ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) فسمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رجل قطعت على نفسك الصلاة ، أما علمت أنّ ( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) من الحمد. فمن تركها فقد ترك آية ، ومن ترك آية فقد أفسد عليه صلاته (٤).

قال السيوطيّ : وأخرج أبو داود ، والترمذي ، والدارقطني ، والبيهقي ، عن ابن عبّاس قال : كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفتتح صلاته بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) (٥).

وروى الثعلبي ، عن عليّ أنّه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ ( بِسْمِ

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) أنظر الدر المنثور ١ : ٧.

(٣) المستدرك على الصحيحين ١ : ٥٥١.

(٤) تفسير الثعلبي ١ : ١٠٤ ، وعنه في الدر المنثور ١ : ٧ ، واللفظ للثاني.

(٥) الدرّ المنثور ١ : ٨.

٤٤٤
 &

اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) وكان يقول : من ترك قراءتها فقد نقص. وكان يقول : هي تمام السبع المثاني (١).

وروى الثعلبي ، عن طلحة بن عبيد الله قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ترك ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) فقد ترك آية من كتاب الله (٢).

هذه مجموعة مختصرة من روايات العامة تقرر ما أقره الله تعالى ورسوله من أن البسملة آية من الفاتحة بل هي أعظم آية من آيات القرآن الكريم ، وأما فيما يتعلق بالجهر بها فإليك مجموعة أخرى من الروايات تدعم ما عليه الشيعة الإمامية أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.

قال السيوطيّ : وأخرج البزار ، والدارقطني ، والبيهقي ، في شعب الإيمان ، من طريق أبي الطفيل قال : سمعت عليّ بن أبي طالب ، وعماراً يقولان : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يجهر في المكتوبات بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) في فاتحة الكتاب (٣).

وروى الدارقطني ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : علّمني جبرئيل الصلاة فقام فكبّر لنا ، ثمّ قرأ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) فيما يجهر به في كلّ ركعة (٤).

وروى الثعلبي عن عليّ بن زيد بن جدعان أنّ العبادلة كانوا يستفتحون القراءة بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) يجهرون بها. عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبدالله بن صفوان (٥).

__________________

(١) تفسير الثعلبي ١ : ١٠٣.

(٢) المصدر نفسه ١ : ١٠٤.

(٣) الدرّ المنثور ١ : ٨.

(٤) سنن الدارقطني ١ : ٣٠٥.

(٥) تفسير الثعلبي ١ : ١٠٦.

٤٤٥
 &

قال السيوطي : وأخرج الطبرانيّ في الأوسط ، والدارقطني ، والبيهقي عن نافع. أنّ ابن عمر إذا افتتح الصلاة يقرأ بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) في أمّ القرآن وفي السورة التي تليها ، ويذكر أنّه سمع ذلك من رسول الله (١).

وأخرج الدارقطني ، والحاكم ، والبيهقي ، عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجهر بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) في الصلاة (٢).

وروى الدارقطني ، عن ابن عمر قال : صلّيت خلف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأبي بكر ، وعمر ، فكانوا يجهرون بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) (٣).

وروى الدارقطني ، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أمني جبريل عليه‌السلام عند الكعبة ، فجهر بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) (٤).

وأخرج الدارقطني ، عن الحكم بن عمير ، وكان بدريا ، قال : صلّيت خلف النبيّ ، فجهر في الصلاة بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في صلاة الليل ، وصلاة الغداة ، وصلاة الجمعة (٥).

وأخرج الدارقطني عن عائشة : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يجهر بـ ( بِسْمِ الله الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) (٦).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : قال الخطيب : وأمّا التابعون ومن بعدهم ممّن قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا ، وأوسع من أن يحصروا ، منهم : سعيد بن المسيّب ، وطاووس ، وعطاء ، ومجاهد ، وأبو وائل ، وسعيد بن جبير ،

__________________

(١) الدرّ المنثور ١ : ٨.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) سنن الدارقطني ١ : ٣٠٤.

(٤) المصدر نفسه ١ : ٣٠٧.

(٥) المصدر نفسه ١ : ٣٠٨.

(٦) المصدر نفسه.

٤٤٦
 &

وابن سيرين ، وعكرمة ، وعلي بن الحسينّ وابنه محمّد بن عليّ ، وسالم بن عبدالله بن عمر ، ومحمّد بن المنكدر ، وأبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم ، ومحمّد بن كعب ، ونافع مولى ابن عمر ، وأبو الشعثاء ، وعمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، وحبيب بن أبي ثابت ، والزهريّ ، وأبو قلابة ، وعليّ بن عبدالله ، بن عبّاس ، وابنه ، والأزرق بن قيس ، وعبدالله بن معقل بن مقرن. وممّن بعد التابعين عبيدالله العمري ، والحسن بن زيد ، وزيد بن عليّ بن حسين ، ومحمّد ابن عمر بن عليّ ، وابن أبي ذئب ، والليث بن سعد ، وإسحاق ابن راهويه. وزاد البيهقي في التابعين : عبدالله بن صفوان ، ومحمّد بن الحنفيّة ، وسليمان التيمي. ومن تابعيهم : المعتمر بن سليمان ...

وذكر البيهقي في الخلافيات : أنّه اجتمع آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، حكاه عن أبي جعفر الهاشميّ ، ومثله في الجامع الكافي وغيره من كتب العترة.

وقد ذهب جماعة من أهل البيت إلى الجهر بها في الصلاة السريّة والجهريّة.

وذكر الخطيب عن عكرمة : أنّه كان لا يصلّي خلف من لا يجهر بالبسملة. وعن أبي جعفر الهاشميّ مثله ، وإليه ذهب الشافعيّ وأصحابه ، ونقل عن مالك قراءتها في النوافل في فاتحة الكتاب وسائر سور القرآن (١).

هذا بعض ما يتعلّق بالبسملة ، ومن خلاله يتبيّن أنّ ما عليه شيعة أهل البيت عليهم‌السلام هو الحقّ ، فهم دائماً يحافظون على كتاب الله وسنّة نبيّه ، ويحيونها بعد أنْ حاول أعداء الله ورسوله طمسها ، فالله متمّ نوره ولو كره المشركون.

__________________

(١) نيل الأوطار ٢ : ٢١٧.

٤٤٧
 &

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله :

الشهادة خبر قاطع ، وشهده شهوداً : سمعه وحضره ، وشهد لفلان ، أي : أدّى ما عنده من شهادة ، وأشهد بكذا ، أي : أحلف بكذا ، والشهادة هي الحضور والإخبار بما شاهد وشهد ، والشهادة هي الإقرار والاعتراف.

والشهادة التي نريدها في البحث : هي الإقرار والاعتراف والإيمان بولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام.

ومن المعروف أنّ الإقرار والاعتراف بشيء يكون بناءً على حضور ومشاهده ، أو من مصدر موثوق قطعيّ ، بحيث إنّك لو شهدت بشيء بناءً على قول الموثوق تكون الشهادة هنا كالحضور ، وهذه كشهادة الصحابيّ الجليل ذو الشهادتين ، الذي شهد بما لم يرَ ، ولكن لثقته وإيمانه بصدق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهد ، فكانت تلك الشهادة دليلاً على مصداقيّة الإيمان بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمنحه الله تعالى ورسوله لقب ذي الشهادتين ، أي أنّ الإقرار بالإيمانيّات التي أمر الله تعالى بها ، وأمر بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أقوى من الحضور الماديّ بضعفين.

روى عبدالرزاق عن الزهريّ أو قتادة أو كليهما : أنّ يهوديّا جاء يتقاضى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد قضيتك فقال اليهودي : بينتك ! قال فجاء خزيمة الأنصاري فقال : أنا أشهد أنّه قد قضاك ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما يدريك ؟ فقال : إنّي أصدّقك بأعظم من ذلك ، أصدّقك بخبر السماء ، فأجاز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شهادته بشهادة رجلين (١).

وروى العجلوني في كشف الخفاء ، عن النعمان بن بشير : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اشترى من أعرابي فرساً فجحده الأعرابي ، فجاء خزيمة فقال : يا أعرابي

__________________

(١) المصنّف ٨ : ٣٦٧ ، ١١ : ٢٣٦ وأورده في كنز العمّال ١٣ : ٣٨٠.

٤٤٨
 &

أتجحد ؟ أنا أشهد عليك أنّك بعته ، فقال الأعرابي : إنْ شهد عليّ خزيمة فأعطني الثمن ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا خزيمة ، إنّا لم نشهدك ، كيف تشهد ؟ قال : أنا أصدّقك على خبر السماء ، ألا أصدقك على ذا الأعرابي ، فجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شهادته بشهادة رجلين (١).

وروى الحاكم في المستدرك ، عن محمّد بن إسحاق قال : شهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، مع عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه صفين ، وقتل يومئذ سنة سبع وثلاثين من الهجرة (٢).

ونأتي إلى موضوع الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، والتي طالما شنّع خصوم الشيعة على أتباع أهل البيت عليهم‌السلام بسببها كثيراً ، مع أنّها حقيقة واضحة في دين الإسلام ، وفي تاريخ المسلمين ، وأحاديث كلّ طوائف المسلمين.

إنّنا عندما نعلم بأنّ فلانا عالما ، فإنّنا نقول نشهد أنّ فلانا عالم ، ونشهد على عشرات القضايا صباح مساء من دون أي اعتراض من أحد ، فلماذا عندما نشهد بالولاية لأمير المؤمنين عليه‌السلام تقوم الدنيا ولا تقعد ؟ مع أنّ الشهادة بالولاية هي أمر إلهي واضح جليّ لكلّ المسلمين ، ولطالما نطق بولاية أمير المؤمنين نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى ، ولقد اعترف بولاية أمير المؤمنين أيضاً جلّ الصحابة ، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وسنأتي على الروايات بخصوص الأمر.

قال تعالى في سورة المائدة : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ

__________________

(١) كشف الخفاء ٢ : ١٤.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٩٧.

٤٤٩
 &

يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١).

روى القرطبي في تفسيره ، عن ابن عبّاس قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب. وقاله مجاهد والسدي ... وذلك أنّ سائلاً سأل في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يعطه أحد شيئاً ، وكان عليّ في الصلاة في الركوع ، وفي يمينه خاتم ، فأشار إلى السائل بيده حتّى أخذه ، فنزلت الآية (٢).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبدالرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، في قوله : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ ) الآية ، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب (٣).

أخرج الطبراني في الأوسط ، وابن مردويه ، عن عمّار بن ياسر قال : وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوّع ، فنزع خاتمه ، فأعطاه السائل ، فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاعلمه ذلك ، فنزلت على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذه الآية ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) فقرأها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أصحابه ، ثمّ قال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه (٤). ورواه أبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (٥).

روت صحاح ومسانيد المسلمين الحديث المتواتر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال في عدّة مواقف : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه وعاد

__________________

(١) المائدة : ٥٥.

(٢) تفسير القرطبي ٦ : ٢٢١.

(٣) راجع الدرّ المنثور ٢ : ٢٩٣.

(٤) نفس المصدر السابق.

(٥) نفس المصدر السابق.

٤٥٠
 &

من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله (١).

وروى أحمد في مسنده ، والنسائي ، والحاكم ، عن بريدة : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من كنت وليه فعليّ وليّه (٢).

وروى الحاكم في المستدرك ، عن ابن عبّاس : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ بن أبي طالب : يا عليّ ، أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة (٣).

وروى الترمذيّ ، عن عمران بن حصين : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن من بعدي. ورواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك ، وكنز العمال ، وغيرهم عن ابن عبّاس وعن البرّاء بن عازب (٤).

فهذه روايات ، وهناك غيرها كثير ، كلّها تأمر بولاية أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام ، وتعيّنه عليه‌السلام وليّاً ومولى للمؤمنين في كلّ مكان وزمان ، وهذا التعيين والتنصيب الربّانيّ يستحقّ منّا أنْ نقرّ ونشهد بولايته عليه‌السلام ، فنقول أشهد وأقرّ وأعترف أنّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وليّ الله وحجّته ووصيّ رسوله.

أمّا بالنسبة لأضافتها في الأذان ، فإنّ الشيعة لا يعتبرونها جزءاً من الأذان ، وبأنّ عموم المسلمين يعتبرون الأذان سنّة ، فلا مانع من التحدّث بين ألفاظ الأذان بشيء ، وهذا ما يفعله غالب المسلمين ، ولا مانع بعد الشهادة الثانية في الأذان أن نستحضر الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين عليه‌السلام.

__________________

(١) أنظر مسند أحمد ١ : ١١٨ ، ١١٩/ ٤ : ٢٨١ ، ٣٧٠ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩ ، سنن النسائي الكبرى ٥ : ١٣٢ ، وغيرها كثير جداً.

(٢) مسند أحمد ٥ : ٣٥٠ ، ٣٥٨ ، ٣٦١ ، السنن الكبرى ٥ : ٤٥ ، ١١٣ ، ١٣٠ ، المستدرك ٢ : ١٣٠.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٣٤.

(٤) سنن الترمذي ٥ : ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ، مسند أحمد ٤ : ٤٣٨ ، ٥ : ٣٥٦ ، المستدرك ٣ : ١١١ ، مسند أبي داود : ٣٦٠.

٤٥١
 &

عيد الولاية ، عيد الغدير :

يوم الغدير وعيد الغدير هو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة على المسلمين والمؤمنين بتنصيب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وهو يوم عظيم يحتفل فيه المؤمنون ، ويفرحون فيه ، وذلك للأدلّة التي وردت في فضله وعظمته وأهميّته.

وبالرغم من وضوح أهميّة ذلك اليوم ، والآيات النازلة فيه ، والأحاديث الواردة بخصوصه ، فإنّ العامّة يشنّعون على أحباب أهل البيت وشيعتهم احتفالهم بذلك اليوم ، غافلين عن كلّ ما ورد بخصوص ذلك اليوم من آيات وأحاديث ، ويأخذون بتعليمات من حرف وحظر عليهم معرفة فضيلة هذا اليوم ، حتّى صار ذلك العيد نسياً منسيّاً ، إلا ما كان من الشيعة الذين حافظوا على الاحتفاء به ، لأهميّته وعظيم قدره.

روى الخطيب البغدادي بأكثر من سند عن أبي هريرة قال : من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهراً ، وهو يوم غدير خمّ ، لمّا أخذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال : ألست وليّ المؤمنين ؟ قالوا : بلى ، يارسول الله ، قال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، فقال عمر بن الخطّاب : بخٍّ بخٍّ لك يابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم ، فأنزل الله ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ) (١). ورواه ابن عساكر وابن المغازلي (٢).

ومن ذلك نستدلّ أنّ عيد الغدير كان معروفاً في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذلك في العصور التي تلت ، إلى أنْ جاء عصر التحريف والتدوين بحسب

__________________

(١) المائدة : ٣.

(٢) تاريخ بغداد ٨ : ٢٨٤ ـ ٢٨٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٢٣٣ ـ ٢٣٤ ، مناقب الإمام عليّ : ٦٩.

٤٥٢
 &

رغبات السلطة الحاقدة المبغضة لعليّ وأهل بيته عليهم‌السلام ، ولا يعني إنكارهم لفضيلة هذا اليوم شيئاً ، فالأحاديث الواردة في هذا اليوم والآيات النازلة فيه تدلّل على فضله ، وإليك بعضٌ من تلك الروايات من عند العامّة ، ومن عند من ينكر فضيلة وبركات يوم الغدير.

قال تعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (١).

هذه الآية الشريفة نزلت في أواخر عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند عودته من ما يعرف بحجّة الوداع بين مكّة والمدينة عند غدير خمّ ، وقد مضى من دعوته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر من عشرين عاماً ، كان فيها رسول الله قد بلّغ كلّ أمور الشريعة وعرّفها للمسلمين من صلاة وصوم وحجّ وأحكام الزكاة وغيرها من أحكام الشريعة ، ولم يبق شيء إلا وبلغه ، فماذا يعني هذا الأمر الإلهي بتبليغ ما أنزل إليه ؟ وما هو الأمر الذي أمر بتبليغه للناس وأمام عشرات الألوف من المسلمين.

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، عن أبي سعيد الخدريّ قال : نزلت هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خمّ ، في عليّ بن أبي طالب (٢).

وقال السيوطي : أخرج ابن مردويه ، عن ابن مسعود قال : كنّا نقرأ على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) إنّ عليّاً مولى

__________________

(١) المائدة : ٦٧.

(٢) الدر المنثور ٢ : ٢٩٨.

٤٥٣
 &

المؤمنين ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١).

وبعد أنْ أعلن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تنصيب أمير المؤمنين عليه‌السلام أمام كلّ تلك الحشود في غدير خمّ ، وبذلك تمّت النعمة ، وكمل الدين بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، نزلت بعد ذلك آية إكمال الدين وتمام النعمة ، لتعلن ذلك اليوم عيداً للولاية.

قال تعالى في سورة المائدة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٢).

وقد قال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج ابن مردويه ، والخطيب ، وابن عساكر ، عن أبي هريرة قال : لمّا كان يوم غدير خمّ ، وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجّة ، قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من كنت مولاه فعليّ مولاه. فأنزل الله ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (٣).

الطلاق وحكمه :

يشترط الشيعة الإماميّة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام في حال الطلاق ، طهارة المرأة من الحيض والنفاس ، فلا يصحّ الطلاق والمرأة حائض ، ولا يصحّ في طهر فيه جماع.

وهذا الحكم الشرعيّ يستدل عليه من القرآن الكريم ، وكذلك من عشرات الروايات عند كلّ طوائف المسلمين ، ومن العجيب أنّ كتب الحديث والصحاح وكتب التفسير تنظر إلى الحكم كما هو عند الشيعة ولكنّهم لا

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) المائدة : ٣.

(٣) الدر المنثور ٢ : ٢٩٥.

٤٥٤
 &

يعملون به ، فتطلّق المرأة دون مراعاة تلك الشروط ، وكذلك تطلّق ثلاثا دفعة واحدة ، وهو ممّا لم يقم عليه أيّ دليل ، بل إنّه كما قلنا : أنّ الأدلّة عند أهل السنّة هي في الحقيقة داعمة ومؤيّدة لما عليه أهل المذهب الحقّ الشيعة أتباع أهل البيت عليهم‌السلام. وإليك بعض ممّا عند العامّة فيما يتعلّق بمسألة الطلاق ، وموافقتهم لما عليه الشيعة.

قال تعالى في سورة الطلاق : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا الله رَبَّكُمْ ) (١).

روى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند قوله تعالى فطلقوهنّ لعدتهنّ قال : ولا خلاف أنّه يؤمر بالطلاق وقت الطهر ، فيجب أنْ يكون هو المعتبر في العدّة ، فإنّه قال : ( فَطَلِّقُوهُنَّ ) يعني وقتا تعتدّ به ، ثمّ قال تعالى ( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) يريد ما تعتدّ به المطلقة وهو الطهر الذي تطلّق فيه ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمر : « مره فليراجعها ، ثمّ ليمسكها حتّى تطهر ، ثمّ تحيض ، ثمّ تطهر ، فتلك العدّة التي أمر الله أنْ تطلّق لها النساء ». أخرجه مسلم وغيره. وهو نصّ في أنّ زمن الطهر ، هو الذي يسمّى عدّة ، وهو الذي تطلّق فيه النساء (٢).

وروى القرطبي في الجامع قال : قال السدّي نزلت الآية في عبدالله بن عمر ، طلّق امرأته حائضا تطليقة واحدة ، فأمره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنْ يراجعها ، ثمّ يمسكها حتّى تطهر وتحيض ثمّ تطهر ، فإذا أراد أنْ يطلّقها ، فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها. فتلك العدّة التي أمر الله تعالى أنْ يطلّق لها النساء (٣).

__________________

(١) الطلاق : ١.

(٢) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٣ : ١١٥.

(٣) المصدر نفسه ١٨ : ١٤٨.

٤٥٥
 &

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج البيهقي ، عن ابن عبّاس قال : طلّق ركانة أمرأته ثلاثاً في مجلس واحد ، فحزن عليها حزناً شديداً ، فسأله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كيف طلّقتها ؟ قال : طلقتها ثلاثا في مجلس واحد. قال : نعم ، فإنّما تلك واحدة ، فأرجعها إنْ شئت. فراجعها. فكان ابن عبّاس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر ، فتلك السنّة التي كان عليها الناس والتي أمر الله بها ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) (١).

وأخرج أبو داود ، عن ابن عبّاس قال : إذا قال أنت طالق ثلاثاً بفم واحد فهي واحدة (٢).

وروى الطبريّ في جامع البيان القول في تأويل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) : يعني تعالى ذكره بقوله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) يقول : إذا طلقّتم نساءكم فطلّقوهنّ لطهرهنّ الذي يحصينه من عدتهنّ ، طاهراً من غير جماع ، ولا تطلّقوهنّ بحيضهنّ الذي لا يعتددن به من قرئهنّ (٣).

وروى الطبري عن قتادة ، قوله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) والعدّة : أنْ يطلّقها طاهراً من غير جماع تطليقة واحدة (٤).‏

وروى الطبري عن قتادة ، في قوله : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال : إذا طهرت من الحيض في غير جماع ، قلت : كيف ؟ قال : إذا طهرت فطلّقها من قبل أنْ تمسّها ، فإن بدا لك أنْ تطلّقها أخرى ، تركتها حتّى تحيض حيضة أخرى ، ثمّ

__________________

(١) الدرّ المنثور ١ : ٢٧٩.

(٢) سنن أبي داود ١ : ٤٨٩.

(٣) تفسير الطبري (جامع البيان) ٢٨ : ١٦٤.

(٤) المصدر نفسه ٢٨ : ١٦٦.

٤٥٦
 &

طلّقها إذا طهرت الثانية ، فإذا أردت طلاقها الثالثة أمهلتها حتّى تحيض (١).

وروى الطبري عن ابن عباس في قوله : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) يقول : لا يطلّقها وهي حائض ، ولا في طهر قد جامعها فيه ، ولكن يتركها حتّى إذا حاضت وطهرت طلّقها تطليقة (٢).

وروى النسائي ، عن نافع ، عن ابن عمر ... أنّ ابن عمر طلّق امرأته وهي حائض ، فذكر عمر رضي ‌الله ‌عنه للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : مره فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى ، فإذا طهرت ، فإنْ شاء طلّقها وإن شاء أمسكها ، فإنّه الطلاق الذي أمر الله عزّوجلّ به ، قال تعالى : فطلّقوهنّ لعدتهنّ (٣).‏

روى البخاري ، في صحيحه ، في كتاب التفسير ، باب تفسير سورة الطلاق ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم : أنّ عبدالله بن عمر أخبره أنّه طلّق امرأته وهي حائض ، فذكر عمر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتغيّظ فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال : ليراجعها ، ثمّ يمسكها حتّى تطهر ، ثمّ تحيض فتطهر ، فإنْ بدا له أنْ يطلّقها فليطلّقها طاهراً قبل أنْ يمسّها ، فتلك العدّة كما أمره الله (٤).

وقال في فتح الباري شرح صحيح البخاري : وطلاق السنّة أنْ يطلّقها طاهراً من غير جماع ، روى الطبري بسند صحيح ، عن ابن مسعود في قوله تعالى ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال : في الطهر من غير جماع ، وأخرجه عن جمع من الصحابة ومن بعدهم كذلك ، وهو عند الترمذيّ أيضاً (٥).

__________________

(١) المصدر نفسه ٢٨ : ١٦٦.

(٢) المصدر نفسه ٢٨ : ١٦٨.

(٣) سنن النسائي ٦ : ٢١٢.

(٤) صحيح البخاري ٦ : ٦٧.

(٥) فتح الباري ٩ : ٣٠١.

٤٥٧
 &

وروى مسلم ، في صحيحه ، في كتاب الطلاق ، عن ابن عمر ؛ أنّه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فسأل عمر بن الخطّاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : مره فليراجعها. ثمّ ليتركها حتّى تطهر ، ثمّ تحيض ، ثمّ تطهر ، ثمّ إنْ شاء أمسك بعد ، وإنْ شاء طلّق قبل أنْ يمسّ ، فتلك العدّة التي أمر الله عزّوجلّ أنْ يطلّق لها النساء (١).

وقال الصنعانيّ في سبل السلام : وفي قوله : حتّى تطهر ، ثمّ تحيض ، ثمّ تطهر ، دليل على أنّه لا يطلّق إلا في الطهر الثاني دون الأوّل.

وقد ذهب إلى تحريم الطلاق فيه مالك وهو الأصحّ عند الشافعيّة ، مستدلّين بقوله : (وفي رواية لمسلم) أي عن ابن عمر : مُرْهُ فَليُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ ليُطَلِّقْهَا طَاهِراً أَوْ حَامِلاً ...

وفي قوله : قبل أنْ يمسّ دليل على أنّه إذا طلّق في الطهر بعد المسّ فإنّه طلاق بدعي محرّم ، وبه صرّح الجمهور.

وقال بعض المالكيّة : إنّه يجبر على الرجعة فيه ، كما إذا طلّق وهي حائض (٢).

وروى الشوكاني في نيل الأوطار ، عن ابن عمر : « أنّه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك عمر للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : مره فليراجعها ، ثمّ ليطلّقها طاهراً أو حاملاً. رواه الجماعة إلا البخاري ، وفي رواية عنه : « أنّه طلّق امرأة له وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتغيظّ فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال : ليراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر ، ثمّ تحيض ، فتطهر ، فإنْ بدا له أنْ يطلّقها فليطلّقها قبل أن يمسّها فتلك العدّة كما أمر الله تعالى » وفي لفظ : « فتلك العدّة

__________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٧٩.

(٢) سبل السلام ٣ : ١٦٩.

٤٥٨
 &

التي أمر الله أنْ يطلّق لها النساء » رواه الجماعة إلا الترمذي ، فإنّ له منه إلى الأمر بالرجعة. ولمسلم والنسائي نحوه ، وفي آخره قال ابن عمر : وقرأ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) (١).

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج مالك ، والشافعي ، وعبد الرزاق في المصنّف ، وأحمد ، ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو يعلى ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه ، عن ابن عمر : أنّه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتغيّظ فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال : ليراجعها ، ثمّ يمسكها حتّى تطهر ، ثمّ تحيض فتطهر ، فإنْ بدا له أنْ يطلقّها فليطلقها طاهراً قبل أنْ يمسّها ، فتلك العدّة التي أمر الله أنْ يطلّق لها النساء ، وقرأ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم (يا أيّها النبيّ إذا طلقتم النساء فطلقّوهنّ في قبل عدتهنّ) (٢).

زواج المتعة :

من الأحكام الشرعيّة ، والتي يطعن فيها خصوم الشيعة الزواج المؤقّت (المتعة). ومع أنّ الأدلّة على جواز هذا النوع من الزواج بل فعله من قبِل الصحابة بعد أنْ شرّعه الله تعالى رحمة للمؤمنين والمؤمنات.

ولقد أكدّت الروايات الصحيحة على العمل في هذا الحكم في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي عهد أبي بكر ، ونصفاً من خلافة عمر ، حتّى منعه عمر بن الخطّاب ، ممّا يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا الزواج بقي مباحاً بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعُمل به في عهد أبي بكر وعمر ، فلم ينزل فيه تحريم ،

__________________

(١) نيل الأوطار ٧ : ٤.

(٢) الدرّ المنثور ٦ : ٢٢٩.

٤٥٩
 &

وهذا ما تقرّره الأدلّة من عند خصوم الشيعة ، وإنّما عمر هو الذي نهى عنه وعاقب عليه.

قال تعالى في سورة النساء : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (١).

روى القرطبي في تفسيره قال : قال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام. وقرأ ابن عبّاس ، وأبي ، وابن جبير [ إلى أجل مسمّى ] ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (٢).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن الأنباري في المصاحف ، والحاكم وصحّحه ، من طرق عن أبي نضرة قال : قرأت على ابن عبّاس : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) قال ابن عبّاس : (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . فقلت : ما نقرؤها كذلك ! فقال ابن عبّاس : والله لأنزلها الله كذلك (٣).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن قتادة قال : في قراءة أبي بن كعب (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى) (٤).

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف ، عن سعيد بن جبير قال : في قراءة أبي ابن كعب (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى) (٥).

__________________

(١) النساء : ٢٤.

(٢) تفسير القرطبي ٥ : ١٣٠.

(٣) الدر المنثور ٢ : ١٤٠.

(٤) الدرّ المنثور ٢ : ١٤٠.

(٥) نفس المصدر السابق.

٤٦٠