نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

طويل عن عائشة عندما نزل عليه الأمين جبرئيل في الغار ، من جملته أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال وهو يتحدث حتّى جرى له مع جبرئيل ثم قال لي :

( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) إلى قوله : ( مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (١) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فما نسيت شيئا بعده (٢).

ولكنّ نظرة بعض الصحابة وكذلك أصحاب الصحاح والمسانيد ومن تبعهم وأيّدهم من المسلمين هي الاختلاف مع هذا التعريف لشخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقالوا للقرآن الكريم : أنت تقرّر أنّ الرسول لا ينسى ، ولكنّنا لا نوافقك ، ونقرّر أنّه ينسى ونثبته في قلوب العوام. وهذا هو الواقع اليوم الذي لا يقبل النقاش عند المسلمين من أهل السنّة والجماعة.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات ، باب شهادة الأعمى ، عن عائشة قالت : « سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلاً يقرأ في المسجد ، فقال : رحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية ، أسقطتهنّ من سورة كذا وكذا » (٣). ورواه البخاري في صحيحه أيضا في كتاب فضائل القرآن باب نسيان القرآن (٤). وأيضا في كتاب فضائل القرآن باب من لم يرَ بأسا أنْ يقول سورة البقرة (٥). ورواه أيضا في كتاب الدعوات باب قوله تعالى (وصلّ عليهم) (٦). ورواه أيضا مسلم (٧) وغيرهما من كتب الرواية والحديث (٨).

__________________

(١) العلق : ١ ـ ٥.

(٢) الدر المنثور ٦ : ٣٦٩ ، وعزاه إلى ابن مردويه.

(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٥٢.

(٤) المصدر نفسه ٦ : ١١٠.

(٥) المصدر نفسه ٦ : ١١١.

(٦) المصدر نفسه ٧ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ١٩٠.

(٨) أنظر مثلاً : السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٠ ، السنن الكبري للبيهقي ٣ : ١٢.

١٢١
 &

وكما ترى أخي الكريم فإنّ القرآن الكريم يقرّر إرادة الله تعالى في شيء ما ، ويأتي البخاري وغيره ليناقض ذلك ، ويلقى كلامه القبول والتطبيق من أغلب المسلمين. والأغرب من ذلك أنّ البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح يقرّرون أنّ عدداً من الصحابة كان لا ينسى شيئاً ممّا حفظه ، ويلقى هذا الرأي القبول الواسع عند جمهور العامّة من المسلمين.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب حفظ العلم عن أبي هريرة قال :قلت : يا رسول الله ، إنّي أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه ؟ قال : « أبسط رداءك » ، فبسطته ، قال : فغرف بيديه ، ثم قال : « ضمه » فضممته ، فما نسيت شيئاً بعده (١). ورواه البخاري أيضاً في كتاب المناقب باب سؤال المشركين أنْ يريهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية (٢).

وروى البخاري في صحيحه في كتاب البيوع أنّ أبا هريرة رضي ‌الله ‌عنه قال :

إنّكم تقولون : إنّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدّثون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمثل حديث أبي هريرة ، وإنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ملء بطني ، فأشهدُ إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم ، وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة ، أعي حين ينسون ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حديث يحدثه : « إنّه لن يبسط أحد ثوبه حتّى أقضي مقالتي هذه ، ثمّ يجمع إليه ثوبه ، إلا وعى ما أقول » ، فبسطت نمرة عليّ ، حتّى إذا قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مقالته جمعتها إلى صدري ،

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٣٨.

(٢) المصدر نفسه ٤ : ١٨٨.

١٢٢
 &

فما نسيت من مقالة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلك من شيء (١).

يا سبحان الله ! أبوهريرة لا ينسى ويحفظ كل شيء ويقرّر ذلك العلماء ويفتخرون براوية الإسلام ويقفون أمام ظاهرة حفظه موقف المقرّ المعترف بقدرة أبي هريرة ، بينما رسول الله ينسى آيات القرآن (٢) وينسى عدد ركعات الصلاة (٣) وينسى أنّه جنب (٤) وينسى أمر الجيش وحاجته للماء وغير ذلك من أمور النسيان والسهو والإهمال التي يقرّرونها ويسلّمون لها.

والغريب أنّهم يعتقدون أنّ ظاهرة الحفظ وعدم النسيان عند أبي هريرة كانت بفعل رسول الله الذي وضّع تلك الخاصيّة عند أبي هريرة كما في الروايات ، ولكنّهم يعتقدون بسهو ونسيان من أعطى تلك الخاصيّة ، فهل من عنده القدرة على جعل مثل أبي هريرة لا ينسى ويمنحه القدرة على الحفظ لا يستطيع أن يمنحها لنفسه ؟.

وكما أذكر دائماً وأكرر أنّ كلّ تلك العيوب والنقائص التي يضيفونها ويلصقونها بشخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت من أجل جعله شخصاً عاديّاً وكذلك من أجل تبرير أفعال كانت تحصل من بعض الصحابة ، فحتّى يبرّرونها ويحافظون على قدسيّة تلك الشخصيات المصطنعة يلصقون التهم بالنبيّ المعصوم رسول ربّ العالمين سيد الخلق أجمعين.

ففي موضوع نسيان القرآن الكريم ، ذُكر في الأحاديث أنّ عمر بن الخطاب كان يقرّ على نفسه بأنّه كان ينسى الكثير من سور القرآن الكريم وآياته ، ومعروف أنّه أمضى أكثر من عشر سنوات وهو يحاول حفظ سورة

__________________

(١) صحيح البخاري : ٨ : ١٥٨.

(٢) أنظر المصدر نفسه ٣ : ١٥٢ ، ٦ : ١١٠ ، صحيح مسلم ٢ : ١٩٠٢.

(٣) أنظر المصدر نفسه ١ : ١٢٣ ـ ١٢٤ ، ٢ : ٦٦.

(٤) أنظر المصدر نفسه ١ : ٧٢ ـ ٧٣.

١٢٣
 &

البقرة (١) ، وكان كثيرا ما يرتج عليه في الصلاة وهو يؤمّ المسلمين ولا يستطيع إكمال الآيات (٢) ، وكذلك أقرّ غيره من الصحابة ومنهم عائشة بسقوط عدد من الآيات والسور (٣) ولقد ذكرت عدّة أحاديث تتعلق بذلك في بحث سابق من هذا الكتاب ، ولكنّها كانت هناك في معرض تساؤلات من المستبصر أثناء رحلة اكتشاف الإيمان ، ولكنّني أكرّرها هنا من أجل شاهد آخر وهو إثبات أنّ اتّهام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنسيان القرآن كان تبريراً لمن أقرّوا بأنّه سقط من القرآن آيات كثيرة ، وحتّى يبرّروا عدم مراعاتهم لذلك ، ألصقوا التهمة برسول الله ليبدوا الأمر طبيعيّاً وغير مستنكر ، ثمّ لإظهار شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّها شخصيّة عاديّة لا تختلف عن أحد.

فقد روى السيوطي في الدّر المنثور قال : أخرج عبد الرزاق وأحمد وابن حبّان عن عمر بن الخطاب قال : إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل معه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم ورجمنا بعده ، ثم قال : قد كنا نقرأ : ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم "

وروى السيوطي في الدر المنثور ، قال أخرج الطيالسي وأبو عبيد والطبراني عن عمر ابن الخطاب قال : كنا نقرأ فيما نقرأ : « لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم ، ثمّ قال لزيد ابن ثابت : أكذلك يا زيد ؟ قال : نعم » (٤).

وروى السيوطي في الدر المنثور ، قال : أخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق عدي بن عدي بن عمير بن قزوة عن أبيه عن جدّه عمير بن قزوة ، أنّ عمر بن الخطاب قال لأبي : « أوليس كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : إن

__________________

(١) أنظر الدر المنثور ١ / ٢١ ، وعزاه إلى الخطيب في رواة مالك والبيهقي في شعب الإيمان.

(٢) أنظر نسيانه في الصلاة : الطبقات الكبرى ٣ : ٢٨٦ ، كنز العمّال ٨ : ٢٩٤.

(٣) سيأتي بعد قليل.

(٤) الدر المنثور ١ : ١٠٦.

١٢٤
 &

انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال : بلى. ثم قال : أوليس كنا نقرأ : الولد للفراش وللعاهر الحجر فيما فقدنا من كتاب الله ؟ فقال أبي : بلى (١) ».

وروى السيوطي في الدر المنثور قال وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري عن المسور بن مخرمة قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما أنزل علينا : إن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة. فإنا لا نجدها ؟ قال : أسقطت فيما أسقطت من القرآن (٢).

وروى السيوطي أيضا قال أخرج أبو عبيد وابن الضرّيس وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عمر قال : لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه ، ما يدريه ما كله ؟ قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل : قد أخذت ما ظهر منه » (٣).

وروى السيوطي في الدر المنثور قال : أخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت : كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهنّ فيما يقرأ من القرآن » (٤).

وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت : « لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ثمّ ردّ ذلك إلى خمس ، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم » (٥).

وأخرج ابن ماجه وابن الضريس عن عائشة قالت : « كان ممّا نزل من القرآن ثمّ سقط ، لا يحرّم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات » (٦).

__________________

(١) المصدر نفسه ١ : ١٠٦.

(٢) المصدر نفسه ١ : ١٠٦.

(٣) المصدر نفسه ١ : ١٠٦.

(٤) الدر المنثور ٢ : ٣٥.

(٥) الدر المنثور ٢ : ٣٥.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٦٢٥.

١٢٥
 &

وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها » (١).

وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة ، باب رجم الحبلى في الزنا ، وفي كتاب الإعتصام بالكتاب والسنّة ومسلم في صحيحه ومالك في الموطأ وابن الضريس عن ابن عبّاس أنّ عمر قام ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : « أمّا بعد أيّها الناس إن الله بعث محمدا بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ورجم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورجمنا بعده ، فأخشى أن يطول بالناس زمان ، فيقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله. ! فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله » (٢).

هل يجوز في حقّ الرسول أنْ ينسى في صلاته ؟

لقد تعلمنا منذ صغرنا أنّ قضيّة عصمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قضيّة مختلف فيها بين علماء أهل السنّة والجماعة ، فمنهم من قال : إنّ النبيّ غير معصوم ، ومنهم من قال إنّه معصوم في التبليغ وأمور الشريعة فقط. ولكنّ الذين يقولون إنّه معصوم في أمور الشريعة وتبليغها وبأمور الوحي عموماً ، جعلوه كما مرّ معنا ينسى آيات القرآن الكريم ويسقطها وهذا طعن في عصمته من قبلهم حتّى في التشريع ، ممّا يدلّ على أنّهم لا يعتبرون له عصمة أبداً ، وهنا قضيّة

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٦٢٦ ، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢ : ١٣٥.

(٢) أنظر ذلك في صحيح البخاري ٨ : ٢٦ ، ١٥٢ ، صحيح مسلم ٥ : ١١٦ ، الموطّأ ٢ : ٨٢٤ ، الدر المنثور ٥ : ١٧٩ ـ ١٨٠ ، وعزاه السيوطي مضافاً لما تقدّم لابن الضريس أيضاً ، واللفظ المنقول من الدر المنثور.

١٢٦
 &

أخرى خالفوا فيها القرآن الكريم ، وخالفوا كلّ الآيات التي تدلّ على عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التشريع وغيره ، ويذكرون حديثاً عن أبي هريرة يدّعي فيه أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد نسي في صلاته.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الجماعة والإمامة ، باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس ، عن أبي هريرة : « أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم انصرف من اثنتين ، فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « أصدق ذو اليدين ». فقال الناس : نعم ، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فصلّى اثنتين أخريين ، ثمّ سلّم ، ثمّ كبّر ، فسجد مثل سجوده أو أطول (١) ».

وروى مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب السهو في الصلاة والسجود له عن أبي هريرة قال : « صلّى بنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إحدى صلاتي العشي ، إمّا الظهر وإمّا العصر ، فسلّم في ركعتين ، ثمّ أتى جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فهابا أنْ يتكلّما ، وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة. فقام ذو اليدين فقال : يا رسول الله ! أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فنظر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يميناً وشمالاً. فقال " ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق ، لم تصلّ إلا ركعتين. فصلّى ركعتين وسلم. ثمّ كبّر ثمّ سجد. ثمّ كبّر فرفع. ثمّ كبّر وسجد. ثمّ كبّر ورفع » (٢).

فهذه الروايات تخالف واقع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القرآن الكريم ، وتخالف مبدأ العصمة وتتناقض معه ، وهي روايات يجب أنْ تردّ وللأسباب التي ذكرت.

أضف إليها أنّ راوي الحديث وهو أبو هريرة يحدّث كما في رواية مسلم عن أمر شاهده وعاصره بحيث يصف الحادثة وصفاً دقيقاً ، وساعة حصولها

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٧٥ ، ٢ : ٦٦ ، وأنظر مسند أحمد ٢ : ٤٢٣ ، سنن الترمذي ١ : ٢٤٧.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٦ ، وأنظر سنن النسائي ١ : ٢٠٢.

١٢٧
 &

ومكانها والأشخاص الذين تواجدوا خلالها ، ثمّ يصف كيفيّة جلوس رسول الله بعد الصلاة ، ووصف حال رسول الله بعد الصلاة أنّه كان مغضباً ، وحتّى يكون منصفاً ولا يتقول شيئا ربّما لا يكون دقيقا ، فإنّه يقول إحدى صلوات العشيّ إمّا الظهر أو العصر ، وهكذا استمرّ في سرد القصّة على المسلمين وهي تشكّل في أذهانهم شخصيّة الرسول بالصورة التي تخالف القرآن الكريم ، وهي شخصيّة الرسول الذي ينسى ولا يدرى كم صلّى وشخصيّة المتجبّر المتكبّر الذي يخشى منه الناس ، حتّى أنّ أبا بكر وعمر لم يجرأ على مناقشة الرسول في الموضوع خوفاً منه ، ثمّ نظر الرسول الذي كان مغضباً عابساً في وجوه القوم الذين لا ذنب لهم فيما حصل ، هكذا رسم أبو هريرة شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من نسج خياله ، وكما أراد معاوية. حتّى أخذت هذه القصّة مأخذها في تحديد معالم كثيرة في الشريعة كلّها بنيت عليها ، ولا زال المتلقّون لها بالقبول والتسليم يجعلونها حكماً أساسيّاً في بناء العديد من العقائد والأحكام.

فقد استنبط أهل السنّة والجماعة منها : أنّه يجوز في حقّ الرسول أنْ يكون مجتهداً ـ وإنّ المجتهد يخطئ ويصيب ـ وأنّ الرسول يسهو وينسى ، كما استنبطوا منها أحكام السهو في الصلاة التي لا يزال يعمل بها أهل السنّة والجماعة وفق ما رسمه أبو هريرة ، وعلى ما يبدو أنّ الفتوى كانت لترقيع خلل ما في صلوات خليفته معاوية أو بعض الحكّام في ذلك الوقت من أجل أنْ يكون السهو في الصلاة أمراً طبيعياً على الخليفة ، فلقد كان رسول الله يسهو وينسى.

ومن أهمّ الملاحظات التي تثبت كذب الرواية ووضعها وتناقضها مع حقيقة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتناقضها مع الآيات الدالّة على عصمة رسول الله وكماله ، وأنّ هذه القصة برمّتها مفتراة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يلي :

أنّ ذا اليدين ذلك الصحابي الذي قام وأخبر النبيّ أنّه صلّى ركعتين هو

١٢٨
 &

أحد الصحابة الذين استشهدوا في معركة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، بينما كان إسلام أبي هريرة بعد السنة السابعة من الهجرة النبويّة ، وبناء على ذلك ، فإنّ أبا هريرة لم يشهد الحادثة.

ولا يقال : إنّ أبا هريرة قد سمعها ونقلها ، لا يقال ذلك ؛ لأنّ كلّ المتون التي وردت كانت بصيغة تدلّ على أنّه قد حضرها ، كقوله صلّى بنا رسول الله ، أو صلّينا مع رسول الله ، ثمّ وصفه الحادثة وصف المشاهد يردُّ قول المدافعين عن الرواية.

ثمّ إنّ هناك وصف متعدد لفعل رسول الله بعد السهو حسب ما تدّعي المتون المختلفة للرواية ، فمن الروايات ما تقول إنّه سجد ، ومنها ما ينفي ذلك ، ومنها ما تشير أنّ النبيّ سجد سجدتي السهو وتشهّد وسلم ، ومنها ما تنفي ذلك ، مع العلم أنّ الراوي واحد ، والقصّة واحدة ، فلماذا الاختلاف.

ثمّ إنّ الحادثة حصلت في المسجد وفي صلاة الجماعة ، أي أنّه كان هناك عشرات المصلّين متواجدين في المسجد أثناء الحادثة فلماذا لم يرويها إلا راو واحد وهو أبوهريرة.

فهذه ملاحظات يستطيع أي باحث منصف عند مراجعته للروايات الحديثيّة أو التاريخيّة أنْ يصل إلى نتيجة واضحة بيّنة على أنّ المقصود الأساسيّ من هكذا روايات هو الطعن في شخص الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإيجاد التناقض بين الشخصيّة الربانيّة التي أوجبها الله تعالى في القرآن الكريم.

ولكنّ السؤال لماذا : قاموا بهذا الفعل ؟ ولمصلحة من ؟ ولأجل من ؟ وما هي الأسباب التي دعت إلى ذلك ؟

والجواب هو العودة إلى دراسة المواقف التاريخيّة بشكل منصف ، بعد أن نجعل من القرآن الكريم والسنّة الصحيحة الثابتة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام

١٢٩
 &

وهم من أمر الله تعالى بطاعتهم والأخذ عنهم أو هم الضمان الأكيد للهداية وسلوك الصراط المستقيم ، المرجع والحكم في تقييم الأحداث ، والمحور الذي على أساسه نميّز الصحيح من السقيم ، والمنبع الذي نستقي منه عقيدتنا السليمة وشريعتنا الغرّاء.

تهم أخرى لرسول الله لصنع فضائل للصحابة :

روى البخاري في صحيحه في كتاب التيمم باب الصعيد الطيّب ، عن عمران قال :

« كنّا في سفر مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنّا أسرينا ، حتّى كنّا في آخر الليل ، وقعنا وقعة ، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس ، وكان أوّل من استيقظ فلان ثمّ فلان ثمّ فلان ـ يسميهم أبو رجاء فنسى عوف ـ ثمّ عمر ابن الخطاب الرابع ، وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا نام لم يوقظ حتّى يكون هو يستيقظ ، لأنّا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلمّا استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس ، وكان رجلاً جليداً ، فكبّر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبّر ويرفع صوته بالتكبير ، حتى استيقظ بصوته النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، قال : « لا ضير أو لا يضير ، ارتحلوا ». فارتحل ، فسار غير بعيد ، ثمّ نزل فدعا بالوضوء ، فتوضّأ ، ونودي بالصلاة فصلّى بالناس » (١). ورواه مسلم في صحيحه وغيرهما كثير (٢).

والملاحظ في هذه الروايات كثرة تناقضها الواضح ، فبعد اتّهام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنوم والسهو عن الصلاة ، فإنّنا نلاحظ قضيّة هامّة ملفتة للنظر ، وهي أنّه

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٨٨ ـ ٨٩.

(٢) أنظر صحيح مسلم ٢ : ١٤١ ـ ١٤٢ ، مسند أحمد ٤ : ٤٣٤ ، صحيح ابن حبّان ٤ : ١٢٠.

١٣٠
 &

ومن خلال الطعن على شخص رسول الله واتّهامه بالتقصير والنسيان واللامبالاة والنوم والسحر وغيرها ممّا ذكرنا وسنذكر ، نجد أنّ التهمة والمنقصة بعد إظهارها في الرواية تتحوّل إلى فضيلة لشخص آخر أو أشخاص آخرين غير رسول الله حتّى أنّهم يظهرونهم بمظهر الأبطال والمنقذين ولذلك يُظهَر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه شخصاً عاديّاً بل تبيّن هذه الروايات وأمثالها أنّ هناك من هو أفضل من النبيّ وأجلد منه وأحرص منه على دين الله وشريعته ، فبالتالي يفقد رسول الله عصمته ومقامه ، ويمنح الفضل لأشخاص آخرين ، وهذا هو المقصود الرئيسي من هذه الروايات وأمثالها عند أهل السنّة والجماعة.

وتعليقا على الرواية السابقة ، والتي تتناقض مع بعضها ، وتتناقض مع حقيقة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري :

وقد اختلف العلماء ، هل كان ذلك مرّة أو أكثر ، أعني نومهم عن صلاة الصبح ، فجزم الأصيلي بأنّ القصّة واحدة ، وتعقّبه القاضي عياض بأنّ قصّة أبي قتادة مغايرة لقصّة عمران بن حصين ، وهو كما قال ، فإنّ قصّة أبي قتادة فيها أنّ أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا نام ، وقصّة عمران فيها أنّهما كانا معه كما سنبيّنه ، وأيضاً فقصّة عمران فيها أنّ أوّل من استيقظ أبو بكر ولم يستيقظ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتّى أيقظه عمر بالتكبير ، وقصّة أبي قتادة فيها أنّ أوّل من استيقظ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات (١).

وعلى ما يبدو وكما ذكرنا ، فإنّ كلّ تلك المتناقضات والطعونات على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ما وضعت إلا لاصطناع فضائل لشخصيّات معيّنة ، أو تبريراً لأفعال مشينة قد فعلها بعض أولئك ، فحتّى تكون الأمور طبيعيّة استشهدوا

__________________

(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١ : ٣٧٩.

١٣١
 &

بحصولها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وحاشاه من ذلك ـ فَتَظْهَرُ أفعالهم مبرّرة ولا تعتبر في حقّهم منقصة ، بل إنّها تتحوّل إلى فضائل لهم ، فكما ترى ، فإنّ مصنفي الحديث كانوا يَصنّفونها في كتبهم تحت كتاب فضائل الصحابة ، وسوف ترى في البحث كيف أنّ جنابة أبي هريرة صارت أمراً طبيعيّاً بعد الاستشهاد بحادثة حصلت مع رسول الله على شاكلتها ، وكذلك بقيّة القضايا كالسهو عن الصلاة وعدم الاهتمام بها.

وإليك حادثة أخرى سهى فيها بعض الصحابة عن صلاتهم ، فحتّى يكون السهو طبيعيّاً ومبرّراً أضافوا السهو إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة ، باب من صلّى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت ، عن جابر بن عبد الله : « أنّ عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس ، فجعل يسبّ كفّار قريش ، قال : يا رسول الله ، ما كدت أصلّي العصر ، حتّى كادت الشمس تغرب ، قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « والله ما صليتها ». فقمنا إلى بطحان ، فتوضأ للصلاة وتوضّأنا لها ، فصلّى العصر بعدما غربت الشمس ، ثمّ صلّى بعدها المغرب ». ورواه البخاري في صحيحه في أكثر من موضع في كتاب الأذان باب قول الرجل ما صلّينا ، وفي أبواب صلاة الخوف وفي كتاب المغازي باب غزوة الخندق ، ورواه مسلم وغيرهما كثير (١).

يقول النووي في شرح صحيح مسلم : « وإنَّما حلف النَّبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تطييباً لقلب عمر فإنَّه شقَّ عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب ، فأخبره النَّبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنَّه لم يصلِّها بعد ، ليكون لعمر به أسوة ، ولا يشقَّ عليه ما جرى وتطيب نفسه ،

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ١ : ١٤٧ ، ١٥٧ ، ٢٢٧ ، ٥ : ٤٩ ، صحيح مسلم ٢ : ١١٣ ، سنن النسائي ٣ : ٨٤ ـ ٨٥ ، سنن الترمذي ١ : ١١٦.

١٣٢
 &

وأكَّد ذلك الخبر باليمين » (١).

لاحظوا في الشروحات ، فإنّها تكون دائماً لتبرير فعل الصحابي ثمّ استنباط الأحكام بناء على ذلك التبرير ، ولا يلفت النظر نهائيّاً إلى شخص رسول الله وعصمته وأدبه وخلقه ، بل تتجّه إلى اصطناع فضائل وتبرير مواقف فعلها الصحابة حتّى ولو خالفت القرآن الكريم وكلام ربّ العالمين الذي يقول : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ) (٢).

وقد ذكر في كتب التاريخ والحديث أنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام كان لا يدع صلاته حتّى في أشدّ المواقف ، وقد ذكرت صلاته في معركة صفّين عندما كانت تنهال عليه النبال من كلّ صوب وهو مستمر في صلاته (٣) ، فهذا تلميذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف برسول الله الذي علم أمير المؤمنين عليه‌السلام كيف يكون الرجل رجلاً في المواقف الصعبة وكيف كانوا كلّما اشتدت الأمور كانوا يزدادون قرباً من الله تعالى.

هل يجوز في حقّ الرسول أنْ ينسى الطهارة من الحدث ؟

بالإضافة إلى ما ذكرنا من إدخال التناقضات والنقص والسهو على شخص الرسول الكريم في الصحاح والمسانيد وفي الروايات التاريخيّة عند أهل السنّة والجماعة وهو ما بيّناه ومن خلال أصحّ الكتب عندهم ، فإنّني أضيف هنا قضيّة أخرى طعنوا فيها على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أكّدتها الروايات وأقرّها العلماء وتلقّاها العامة بالرضا والقبول من دون بحث أو محاولة للردّ دفاعاً عن رسول

__________________

(١) شرح صحيح مسلم للنووي ٥ : ١٣١.

(٢) النساء : ١٠٣.

(٣) أنظر صلاته في ليلة الهرير في شرح نهج البلاغة ١ : ٢٧. وأنظر صلاته في معركة صفين في إرشاد القلوب ٢ / ٢٢.

١٣٣
 &

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي إضافة أخرى لحالات النسيان والسهو ، ألصقوها برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والقضيّة هي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى بالناس وهو جنب ، وتذكّر أثناء الصلاة ، وطلب من المصلّين الانتظار إلى أنْ يذهب ليسقط الحدث الأكبر ، ثمّ يعود إليهم وهم ينتظرونه في أماكنهم.

والسبب في قبولهم لكلّ ما ذكرنا من طعن في شخصيّة الرسول الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أنّهم يعتبرونه شخصاً عاديّاً لا يتميّز عنهم بشيء لكي يسهل بعد ذلك قبول أيّ منقصة يلصقونها بشخصه الكريم ، وبالتالي يكون كأيّ واحد منهم ولا يزيد عنهم بشيء ، وهو ما تحقّق لمن أراد رسم تلك الشخصيّة المتناقضة.

روى البخاري في صحيحه في كتاب الغسل ، باب إذا ذكر في المسجد أنّه جنب ، عن أبي هريرة قال : « أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما ، فخرج إلينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا قام في مصلّاه ، ذكر أنّه جنب ، فقال لنا : « مكانكم ». ثمّ رجع فاغتسل ، ثمّ خرج إلينا ورأسه يقطر ، فكبّر فصلّينا معه ».

ورواه البخاري أيضا في كتاب الأذان ، باب إذا قال الإمام مكانكم. ورواه مسلم في صحيحه وغيرهما كثير (١).

ومن الملاحظات على هذه الروايات وأمثالها أنّها أيضاً تتقاطع وتتعارض مع وصف رسول الله وشخصيّته القرآنيّة العظيمة ، كما أنّها تتعارض مع فعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع سلوكه وتطبيقه لأحكام الشريعة الغرّاء ، كما أنّها بالإضافة إلى كلّ ذلك تتعارض مع عشرات الأحاديث الأخرى والتي تؤكّد استحالة وقوع هكذا فعل منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأيضا فإنّ الرواية لم ترد إلا عن راو واحد وهو

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ١ : ٧٢ ، ١٥٧ ، صحيح مسلم ٢ : ١٠١ ، سنن النسائي ٢ : ٨٢ ، سنن أبي داود ١ : ٥٩.

١٣٤
 &

أبوهريرة الدوسي ، مع أنّها وحسب ما يدّعي كانت في المسجد وعلى مرأى من عشرات الصحابة الذين شاهدوا الحادثة ، وبالرغم من التواجد الكثيف للمسلمين في المسجد فإنّها لم ترد إلا من طريق أبي هريرة.

إنّ من المتسالم عليه عند كلّ المسلمين أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان دائم الطاعة لربّه ، وكان المثال العظيم للامتثال لطاعة ربّه والاستجابة لأوامره سبحانه وتعالى ، بحيث لم يكن يسبقه أحد في تطبيقها ، فكان دائماً المثل الأعلى في كلّ طاعة وفي كلّ عبادة.

فعندما يقول الله تعالى في سورة المائدة : ( وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ) (١). فمن المقطوع به أنّه كان من السابقين الأوّلين والمبادرين لتطبيق هذا الأمر الإلهي ، وحمله على محمل الطاعة والالتزام المطلق لكلّ ما يرد عن الله تعالى.

ويقول تعالى في سورة النساء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ) (٢).

وهذا خطاب لا يغفل عنه مسلم عاديّ ، والمسلمون جميعاً يطبّقونه ، وهو ما نعرفه حتّى من أقلّ الناس علماً ومعرفة بالأحكام الشرعيّة.

ثمّ إنّه من المقطوع به والمتسالم عليه عند كلّ المسلمين أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان دائماً على وضوء وطهارة ، وكان دائم التجديد لطهارته.

روى أبوداود في سننه في كتاب الطهارة عن المهاجر بن قنفذ : « أنّه أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يبول ، فسلّم عليه فلم يرد عليه ، حتّى توضّأ ، ثمّ اعتذر إليه فقال : " إنّي كرهت أنْ أذكر الله إلّا على طهر " أو قال : " على طهارة ".‏ ورواه النسائي

__________________

(١) المائدة : ٦.

(٢) النساء : ٤٣.

١٣٥
 &

وابن ماجة وقال النووي رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم بأسانيد صحيحة » (١).

ثمّ إنّ النبيّ الأكرم محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأمر المسلمين بأنْ لا يناموا على جنابة ، وأنّ يداوموا على الطهارة ؛ لأنّ في ذلك الثواب العميم ومرضاة لربّ العالمين. روى السيوطي في الدر المنثور قال : « أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيّوب الأنصاري قال : قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذي قال الله فيهم : ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) (٢) ؟. قال : كانوا يستنجون بالماء ، وكانوا لا ينامون الليل كله وهم على الجنابة » (٣).

وروى أبو داود في سننه ، باب النوم على طهارة ، عن معاذ بن جبل : عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : « ما من مسلمٍ يبيت على ذكرٍ طاهراً فيتعارَّ من الليل ، فيسأل الله خيراً من الدنيا والآخرة إلَّا أعطاه إيّاه » (٤).

ثمّ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تكن تشغله قضيّة الجماع أكثر من صلاة الليل التي فرضها الله تعالى عليه ، وكان يصلّي في بيته قبل خروجه إلى الناس ، وكذلك تضافرت الروايات عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان دائم التعلق بالملأ الأعلى ولذلك قال : « تنام عيناي ولا ينام قلبي » (٥).

ثمّ إنّ دفع حدث الجنابة بالنسبة لأيّ إنسان عاديّ مسألة ذات أهمية كبرى ،

__________________

(١) أنظر سنن أبي داود ١ : ١٢ ، سنن النسائي ١ : ٣٧ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٢٦ ، مسند أحمد ٤ : ٣٤٥ ، المجموع ٢ : ٨٨.

(٢) التوبة : ١٠٨.

(٣) الدر المنثور ٣ : ٢٧٨ ـ ٢٧٩.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ٤٨٥ ، مسند أحمد ٥ : ٢٣٥ ، السنن الكبرى ٦ : ٢٠١.

(٥) مسند أحمد ١ : ٢٢٠ ، ٦ : ٣٦ ، سنن أبي داود ١ : ٥٢ ، المصنّف لعبدالرزاق الصنعاني ٢ : ٤٠٥.

١٣٦
 &

وعلى حسب ما ندرك من طبيعة المسلمين ونرى ونسمع ، لا يمكن لمسلم مهتمّ بصلواته وطاعة ربّه أنْ يغفل عن وجوب رفع الحدث الأكبر ، ولا يمكن لإنسان عاديّ غير معصوم وليس لديه مهام نبويّة أو رساليّة قد جامع زوجته ثمّ ينسى أنّه جنب ، فما بالك برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي عصمه الله من الزلل.

فهذه أيضا من المواقف التاريخيّة التي ألصقوا بها التهم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي لا تليق به ، ولا تجوز عليه ، وما أظنّها وضعت إلا لحفظ ماء الوجه أمام الناس لأشخاص كانوا يستيقظون وينامون ويستيقظون على جنابة من دون مراعاة لأمور العبادة والطاعة ، فكانت الحقيقة أنْ كُشف أمرهم أمام الناس ، فلم يبقَ مجال أمامهم إلا أنْ يقولوا للناس وبصفتهم صحابة قد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينسى أنّه جنب ، فما بالكم اعتبرتم الأمر منقصة علينا ، وهكذا يبدو الأمر طبيعيّا لا غرابة فيه ولو كان على حساب مقام النبوّة ومنزلة الرسالة وخلق النبيّ العظيم.

روى البخاري في صحيحه في كتاب الغسل ، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره ، عن أبي هريرة قال : لقيني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا جنب ، فأخذ بيدي ، فمشيت معه حتى قعد ، فانسللت ، فأتيت الرحل ، فاغتسلت ثمّ جئت وهو قاعد ، فقال : أين كنت يا أبا هريرة. فقلت له ، فقال : سبحان الله يا أبا هريرة ، إنّ المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم وغيرهما كثير (١).

ثمّ إنّ هناك تناقض آخر في الروايات وهو أنّ بعض روايات أبي هريرة تقول إنّ الرسول كبّر تكبيرة الصلاة ، وفي بعضها لم يكبّر بل أقيمت الصفوف مع أنّ الراوي واحد.

تخيّل نفسك أخي المؤمن أنّك معتاد لإمامة قوم معيّنين ، وكانوا يعتبرونك

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ١ : ٧٤ ـ ٧٥ ، صحيح مسلم ١ : ٩٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٧٨ ، صحيح ابن حبّان ٤ : ٧٠.

١٣٧
 &

إمامهم وقدوتهم لسنوات ، ثمّ تخرج عليهم يوماً وتقام الصلاة وتكبّر ويكبّر الناس ثمّ فجأة تقطع صلاتك وتلتفت إلى الناس وتقول لهم : انتظروا فإنّني قد جامعت الليلة ونسيت أنّني جنب ، انتظروني حتّى أغتسل ثمّ أعود إليكم ونكمل الصلاة معاً !!. أخبرني أخي المؤمن ما هو موقفك من الناس ؟. وما هو موقف الناس منك ؟. ولنفرض جدلاً أنّ شخصاً ما من غير المعصومين نسي ، أليس الأليق به أن ينيب في الإمامة ويعتذر بشكل يحفظ الكرامة والأدب ويردّ بطريقة لا تخرجه عن حدّ المروءة ، وأنا أجزم أخي المؤمن بأنّك لا يمكن أن تقبل هذا الفعل والوصف على نفسك ، فهل تقبله على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟.

هل يجوز في حقّ الرسول أنْ ينسى مهمّته الرساليّة ؟

ولقد وصل بهم الأمر أنْ تجاوزوا حدّ النسيان إلى الإهمال في شؤون الدعوة والجهاد ، ووضعوا روايات وصلت إلى أبعد حدّ في الطعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن المؤلم جدّاً أنْ نرى الأمّة تتلقى تلك الروايات بالقبول والرضا من دون أنْ تبادر إلى الدفاع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولولا أنّ المسلمين تطاولوا في رواياتهم على شخصه الكريم وطعنوا في عصمته ، لما تجرّأ الكافرون على ذلك.

فهلمّوا يا أصحاب الضمير الحيّ والعقول السليمة لنفتح ملفات التاريخ ونزيل منها ما يؤذي نفوسنا ويدمي قلوبنا وتأباه عقولنا من طعن وتنقيص لمنزلة النبوّة ومقام الرسالة.

روى البخاري في صحيحه ، كتاب فضائل الصحابة عن عائشة أنّها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بعض أسفاره ، حتّى إذا كنّا بالبيداء ، أو بذات

١٣٨
 &

الجيش ، انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، فأتى الناس أبا بكر ، فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ، أقامت برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبالناس معه ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ؟ فجاء أبو بكر ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام ، فقال : حبست رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والناس ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، قالت : فعاتبني ، وقال ما شاء الله أنْ يقول ، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرّك إلّا مكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على فخذي ، فنام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتّى أصبح على غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم فتيمّموا ، فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر ، فقالت عائشة : فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته (١). ورواه البخاري في أكثر من موضع ورواه مسلم وغيره (٢).

تبيّن هذه الروايات اهتمام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعقد المقطوع وإهماله أمر المسلمين وجيش المسلمين بالرغم من أنّهم يمرّون بحالة صعبة.

وتبيّن أيضاً أنّه لم يكن مع المسلمين ماء ، أيّ أنّهم كانوا يتعرّضون لحالة طوارئ قصوى ، كما وتظهر الروايات أنّ المسلمين لم يصلّوا بسبب فقدان الماء ، ثمّ تبيّن الروايات أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك كلّ تلك الأمور الشداد وأهمل أمر المسلمين وجيشهم وصلاتهم ، وبدلاً من وضع الحلول والخطط للخروج من تلك الأزمة القاسية ، نام على فخذ عائشة حتّى الصباح ، وفي روايات حتّى طلعت الشمس ، وكلّ ذلك وعائشة جالسة ورسول الله نائم وأبو

__________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١٩٥.

(٢) أنظر صحيح البخاري ١ : ٨٦ ، ٥ : ٨٦ ، صحيح مسلم ١ : ١٩٢ ، سنن النسائي ١ : ١٦٤ ، صحيح ابن حبّان ٤ : ١١٧.

١٣٩
 &

بكر يطعنها في خاصرتها لأنّها جعلت رسول الله يهمل وينسى أمر المسلمين ، فهو الحريص أكثر من رسول الله على شؤونهم ورعايتهم.

ثمّ إنّه بعد كلّ ذلك الطعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلصاق تهمة الإهمال والنسيان عليه تأتي الفضيلة لآل أبي بكر ، ومن أين أتت ؟. وكيف أتت ؟. فبعد أنْ كان يضرب عائشة في خاصرتها على تقصيرها وتقصير رسول الله بسبب طاعته لها حيث يقول (حبست رسول الله) وكأنّه طفل صغير لا يدرك مسؤولياته اتجاه ربّه ودينه وأمّته ، فبعد كلّ ذلك صارت التهمة والطعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضيلة لآل أبي بكر ، عجباً والله !.

هل يجوز في حق الرسول أنْ يهمل أمور بيته وعرضه ؟

ثمّ إنّ الأمور تجاوزت الحدود أكثر بكثير بالتطاول على شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووصلت إلى نسائه وداخل بيته الشريف ، وتعدّدت الروايات ومن جوانب عديدة وبأشكال تظهر مقاصد واضعيها بشكل جليّ وهو التنقيص من مقام النبوّة ومنزلة الرسالة ، أو لاستغلال تلك الروايات من أجل فرض فضائل مصطنعة لشخصيّات ربّما كانت تلك النقائص تنسب إليهم ، ولكنّ واضعي تلك الروايات استطاعوا أنْ يحيلوها على رسول الله ، وحولت بعد ذلك إلى فضائل لتلك الشخصيات ، وصار المسلمون يقفون أمام تلك الفضائل موقف الخاشع المقرّ من غير التفات إلى مقام رسول الله وعظمته وأدبه وخلقه.

ولولا وجود تلك الروايات في صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة لما تطاول شخص حقير كسلمان رشدي أو ذلك الكاتب النجس في الصحيفة الدنماركية على شخص رسول الله وعلى بيته وعرضه.

ومن أهم الجوانب التي تناولتها تلك الروايات هي عدم ستر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

١٤٠