نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الشعور بالغربة :

في هذا الوقت يشعر المستبصر بالغربة في مجتمعه وبين أهله وعشيرته ، ويشعر بالحزن والأسى لكثرة ما يعاين من عقليّات ونفسيّات غريبة ، متناقضة مع ما يعرفه عن حبّ المسلم للحقيقة ، واستسلامه لأوامر الله تعالى وانقياده لها ، ومتناقضة مع ما يعرفه عن المسلمين من حبهم لرسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام ، والتزامهم بطاعتهم ، بل على العكس من ذلك ، فإنّه يبصر أنّ الحقيقة ليست هي الحقيقة ، فكلّ تلك الشعارات من حبّ لله ولرسوله ، وشعارات طاعة الله ورسوله ، وشعارات الإخلاص وابتغاء ما فيه رضاً لله ولرسوله ، لا قيمة لها نهائياً عندهم ، بل إنّ الموازين هي الأخرى متناقضة لأمر الله تعالى ونهيه ، ومغايرة لنهج رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومتضاربة مع العقل والفطرة ، فيبدأ الإحساس الشديد بالغربة مع المجتمع والناس ، وليس للمؤمن المستبصر في هذه اللحظات إلا إيمانه الشديد ، وعزيمته الصادقة ، بالإضافة إلى ما يسري عنه في غربته من نصوص شرعيّة تجعله مطمئنّاً عزيزاً شامخاً راسخاً.

روى الترمذيّ والسيوطيّ والطبريّ والقرطبيّ وغيرهم كثير أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء يوم القيامة. قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : هم الذين إذا فسد الناس صلحوا ، ثمّ قال : ألا لا غربة على مؤمن ، وما مات مؤمن في غربة غائباً عنه بواكيه ، إلا بكت عليه السماء والأرض ، ثمّ قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) (١) ، ثمّ قال : ألا إنّهما لا يبكيان على الكافر » (٢).

__________________

(١) الدخان : ٢٩.

(٢) سنن الترمذي ٤ : ١٢٩ ، الدر المنثور ٦ : ٣٠ ، تفسير الطبري ٢٥ : ١٦٢ ، تفسير القرطبي ١٦ : ١٤٠ ـ ١٤١ واللفظ للأخير.

٢١
 &

وروى في كنز العمال عن أنس قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : متى ألقى أحبابي ، فقال بعض الصحابة : أوليس نحن أحباؤك ؟ قال : أنتم أصحابي ، ولكن أحبابي قوم لم يروني وآمنوا بي أنا إليهم بالأشواق » (١).

وروى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته » (٢). ورواه ابن عساكر عن أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام ، في تاريخ دمشق والمتّقي الهندي في كنز العمّال.

وروى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر » (٣).

وروى في كنز العمال عن ابن مسعود أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « المتمسك بسنّتي عند اختلاف أمّتي كالقابض على الجمر » (٤).

هذا حال المؤمنين في زمن الضلال والجهل ، وهذا هو حال المؤمن المستبصر في زمن قلّ فيه الناصر وكثر فيه النفاق والضلال ، ولكنّ المؤمن المستبصر وبالرغم من كلّ ما يواجهه من ظروف ومن تقلّبات الزمان والأحوال ، يبقى عزيزاً بالله قويّاً شامخاً ، مؤمناً بالله تعالى ووعده ونصره للمؤمنين ، صابراً على الأذى ، متحملاً في سبيل الله كلّ ذلك ، مقتدياً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام ، مستشعراً حال أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام ، موقناً أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين.

فإذا ما بيّن المستبصر حقيقة معيّنة وأقام عليها الدليل الشرعي والعقلي ، فإنّ

__________________

(١) كنز العمّال ١٤ : ٥١.

(٢) الجامع الصغير ٢ : ٧٥٩ ، تاريخ دمشق ٥٤ : ٤١٤ ، كنز العمّال ١١ : ١٣٧.

(٣) الجامع الصغير ٢ : ٧٥٩.

(٤) كنز العمّال ١ : ١٨٤.

٢٢
 &

النتيجة عند أغلب الناس هي المراوغة والتشكيك والإنكار ، وربّما التأويل النفسي والشهواني ، أو رفض كلام الله تعالى ، وحديث رسول الله ، ورفض القواعد العقليّة البديهية ، مقابل رأي أو هوى لشخص ممّن يسمّونهم علماء يستسلمون له ولكلامه واجتهاده ، تاركين كلام الله تعالى ، وأحاديث الرسول الكريم ، ضاربين بها عرض الحائط ، وبعد البيان وعند إفلاسهم يوجّهون لك سؤالاً ينبع من مقاييس جاهليّة لطالما حذّر الشارع المقدّس منها ومن نتائجها ، وهي الاحتكام إلى ما ألفوا ووجدوا عليه آباءهم ، وليس تحكيم الشرع والعقل ، ويكون السؤال على الشكل التالي وبشكل استهزائي وبسخرية واستكبار :

هل أنت على صواب ، وكلّ تلك الجموع من العلماء والناس على خطأ ؟. أو يكون السؤال بصيغ مختلفة ، لكنّها تحمل نفس مضمون السؤال المذكور. المهم أنّه يبيّن المقياس العددي الذي يحتكمون إليه ، فإذا رفض أغلبيّة المجتمع مبادئ الإسلام وأحكامه فبحسب مقياسهم الديمقراطي المذكور ، فإنّ النتيجة يجب أنْ تكون مقبولة وطبيعية. ثمّ بعد ذلك يواجه المستبصر التكفير والتشهير والمقاطعة ، والنظرة الغريبة المريبة ، وفي كثير من الأحوال يصبح العدو الأوّل للإسلام والمسلمين.

قال تعالى في سورة يونس : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) (١).

ضرورة التعمّق في فكر وتراث أهل البيت عليهم‌السلام :

إنّ طبيعة التعامل مع المجتمع والناس من خلال مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، تتطلّب المزيد من الدراسة والمعرفة لأحكامه وعقائده الإسلاميّة الأصيلة من قبل المستبصر ، وتتطلّب أيضاً التعمّق بدراسة أخلاق وسلوكيّات الأئمة من

__________________

(١) يونس ، ٣٩.

٢٣
 &

أهل البيت عليهم‌السلام ، ومن ثمّ تعلّم تطبيقها ، قبل التسرّع في نقل كلّ ما يعرف وإذاعته بين العوام بشكل ربّما لا يرضي الله تعالى ، ولا يرضي رسول الله ولا أئمّة الهدى من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

ولذلك حثّ الأئمّة عليهم‌السلام أتباعهم وشيعتهم على تعلّم كيفيّة معرفة واستنباط فئات المجتمع ، وكيفيّة التعامل معها. وكذلك شدّدوا على موضوع ومضمون التقيّة ، وعلى معرفة مفهومها وكيفية تطبيقها ، كما أكّدوا عليهم‌السلام على كتمان سرّ أهل البيت ، وصونه عن كلّ من لا يستحقّه ، ونهوا شيعتهم أنْ يكونوا بذراً مذاييع ، وأمروهم بأنْ يكونوا زيناً لهم لا شيناً عليهم ، وأنْ يكونوا دعاة لهم بغير ألسنتهم ، وأنْ يلتزموا بالتطبيق الصحيح المطابق لقول رسول الله وفعله وتقريره والأئمّة من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام.

رويَ في بحار الأنوار ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال لكميل بن زياد في وصيّة طويلة :

« يا كميل ، إذا جادلت في الله تعالى فلا تخاطب إلا من يشبه العقلاء. يا كميل هم على كلّ حال سفهاء كما قال الله تعالى : ( أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ) (١).

يا كميل ، في كلّ صنف قوم أرفع من قوم ، وإيّاك ومناظرة الخسيس منهم ، وإنْ أسمعوك فاحتمل وكن من الذين وصفهم الله تعالى بقوله : ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) (٢).

يا كميل ، قل الحقّ على كلّ حال ، ووازر المتّقين ، واهجر الفاسقين . يا كميل ، جانب المنافقين ، ولا تصاحب الخائنين .

__________________

(١) البقرة ، ١٣.

(٢) الفرقان ، ٦٣.

٢٤
 &

يا كميل ، إيّاك إيّاك والتطرّق إلى أبواب الظالمين ، والاختلاط بهم والاكتساب منهم ، وإيّاك أنْ تطيعهم ، وأنْ تشهد في مجالسهم بما يسخط الله عليك.

يا كميل ، إذا اضطررت إلى حضورهم ، فداوم ذكر الله تعالى والتوكل عليه واستعذ بالله من شرّهم ، واطرق عنهم وانكر بقلبك فعلهم ، واجهر بتعظيم الله تعالى لِتُسمعهم ، فإنّهم يهابوك ، وتكفى شرّهم .

يا كميل ، إنّ أحبّ ما امتثله العباد إلى الله ، بعد الإقرار به وبأوليائه ، التجمّل والتعفّف والإصطبار .

يا كميل ، لا بأس بأنْ لا يعلم سرّك.

يا كميل ، لا ترينّ الناس افتقارك واضطرارك ، واصطبر عليه احتسابا بعزّ وتستّر.

يا كميل ، لا بأس بأنْ تُعلم أخاك سرّك.

يا كميل ، ومَن أخوك ؟. أخوك الذي لا يخذلك عند الشدّة ، ولا يغفل عنك عند الجريرة ، ولا يخدعك حين تسأله ، ولا يتركك وأمرك حتّى تعلمه ، فإنْ كان مميلاً أصلحه.

يا كميل ، المؤمن مرآة المؤمن يتأمّله ، ويسدّ فاقته ، ويجمل حالته.

يا كميل ، المؤمنون إخوة ، ولا شيء آثر عند كلّ أخ من أخيه.

يا كميل ، إذا لم تحب أخاك فلست أخاه.

يا كميل إنّما المؤمن من قال بقولنا ، فمن تخلّف عنّا قصر عنّا ، ومن قصر

٢٥
 &

عنّا لم يلحق بنا ، ومن لم يكن معنا ففي الدرك الأسفل من النار… » (١).

وروي في الكافي قال : خرجتْ هذه الرسالة من أبي عبد الله عليه‌السلام إلى أصحابه :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد : فاسألوا ربّكم العافية ، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة ، وعليكم بالحياء والتنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم ، وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحمّلوا الضيم منهم ، وإيّاكم ومماظتهم ، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام ، فإنّه لا بدّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقيّة التي أمركم الله أنْ تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم ، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنّهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ، ولولا أنّ الله تعالى يدفعهم عنكم ، لسطوا بكم ، وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر ممّا يبدون لكم ، مجالسكم ومجالسهم واحدة ، وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف ، لا تُحبّونهم أبداً ولا يُحبّونكم ، غير أنّ الله تعالى أكرمكم بالحقّ وبصّركموه ولم يجعلهم من أهله ، فتجاملونهم وتصبرون عليهم ، وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شيء ، وحيلهم وسواس بعضهم إلى بعض ، فإنّ أعداء الله إنْ استطاعوا صدوكم عن الحقّ ، فيعصمكم الله من ذلك ، فاتّقوا الله وكفّوا ألسنتكم إلا من خير » إلى أن قال :

« فاتقوا الله أيّتها العصابة الناجية إنْ أتمّ الله لكم ما أعطاكم به ، فإنّه لا يتمّ الأمر حتّى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم ، وحتّى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم ، وحتّى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم ، وحتّى يستذلّوكم ويبغضوكم ، وحتّى يحملوا عليكم

__________________

(١) بحار الأنوار ، ٧٤ : ٢٦٩.

٢٦
 &

الضيم فتحملوا منهم ، تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة ، وحتّى تكظموا الغيظ الشديد في الأذى في الله عزّ وجلّ يجترمونه إليكم ، وحتّى يُكذّبوكم بالحقّ ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه ، فتصبروا على ذلك منهم ، ومصداق ذلك كلّه في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل عليه‌السلام على نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سمعتم قول الله عزّ وجلّ لنبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ) (١). ثمّ قال : ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا ) (٢). فقد كُذّب نبيّ الله والرسل من قبله ، وأوذوا مع التكذيب بالحقّ ، فإنّ سرّكم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل ، أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أنْ يخلقهم له في الأصل ، ومن الذين سمّاهم الله في كتابه في قوله : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) (٣). فتدبّروا هذا ، واعقلوه ولا تجهلوه ، فإنّه من يجهل هذا وأشباهه ممّا افترض الله عليه في كتابه ممّا أمر الله به ونهى عنه ، ترك دين الله وركب معاصيه ، فاستوجب سخط الله ، فأكبّه الله على وجهه في النار » (٤).

وروي عن ميسرة قال ، قال أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : « يا ميسرة ، ألا أخبرك بشيعتنا ، قلت : بلى جعلت فداك. قال : إنّهم حصون حصينة في صدور أمينة ، وأحلام رزينة ، ليسوا بالمذاييع البذر (٥) ، ولا بالجفاة المرائين ، رهبان بالليل ، أسد بالنهار » (٦).

__________________

(١) الأحقاف ، ٣٥.

(٢) الأنعام ، ٣٤.

(٣) القصص ، ٤١.

(٤) الكافي ٨ : ٢ ـ ٥.

(٥) البذر : القوم الذين لا يكتمون الكلام.

(٦) مشكاة الأنوار : ١٢٦.

٢٧
 &

وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام قال : « إنّما الشيعة من لا يعدو سمعه صوته ، ولا شجنه بدنه ، ولا يحبّ لنا مبغضاً ، ولا يبغض لنا محبّاً ، ولا يجالس لنا غالياً ولا يهرّ هرير الكلب ، ولا يطمع طمع الغراب ، ولا يسأل الناس وإنْ مات جوعاً ، المتنحّي عن الناس ، الخفيّ عليهم ، وإنْ اختلفت بهم الدار لم تختلف أقاويلهم ، إنْ غابوا لم يفقدوا ، وإنْ حضروا لم يؤبه بهم ، وإنْ خطبوا لم يزوّجوا ، يخرجون من الدنيا وحوائجهم في صدورهم ، إنْ لقوا مؤمناً أكرموه ، وإنْ لقوا كافراً هجروه ، وإنْ أتاهم ذو حاجة رحموه ، وفي أموالهم يتواسون. ثمّ قال : يا مهزم ، قال جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ عليه‌السلام ، يا علي ، كذب من زعم أنّه يحبني ولا يحبّك أنا المدينة وأنت الباب ومن أين تؤتى المدينة إلا من بابها » (١).

وروي في التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه‌السلام أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « إِنَّ شيعتنا مَنْ شَيَّعَنَا ، وَاتَّبَعَ آثَارَنا ، واقتدى بِأعْمَالِنا » (٢).

وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام قال : « امتَحِنُوا شيعتنا عِنْدَ مَواقِيتِ الصَّلاة ، كَيْفَ مُحَافَظَتُهُمْ عليهَا ؟ وَإِلَى أَسْرَارِنَا ، كَيْفَ حِفْظُهُمْ لَهَا عِنْدَ عَدُوِّنَا ؟ ، وَإِلَى أَمْوَالِهِمْ ، كَيْفَ مُواساتُهُمْ لإخْوَانِهِمْ فِيهَا » ؟ (٣).

وروى سليمان بن مهران أنـّه قال : دَخَلتُ على الصَّادقِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ عليه‌السلام وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ الشِّيعَةِ وَهُوَ يَقُولُ : « مَعَاشِرَ الشِّيعَةِ ، كُونُوا لَنَا زَيْناً وَلا تَكُونُوا علينا شَيْناً ، قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ، وَاحْفَظُوا أَلسِنَتَكُمْ وَكُفّوها عَنِ الفُضُولِ وَقُبْحِ القَوْلِ » (٤).

__________________

(١) مشكاة الأنوار ، ١٢٥.

(٢) تفسير الامام العسكري : ٣٠٧.

(٣) قرب الاسناد : ٧٨.

(٤) الأمالي ، الشيخ الصدوق ، ٤٨٤.

٢٨
 &

وروي في الكافي عن عمرو بن أبي مقدام أنّه قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عبد الله الصادق عليه‌السلام يَقُولُ « خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حتّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ القَبْرِ وَالمِنبَرِ ، إِذَا هُوَ بِأُنَاسٍ مِنَ الشِّيعَةِ ، فَسَلَّمَ عليهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي وَاللهِ لأحبّ رِياحَكُمْ وَأَرْوَاحَكُمْ ، فَأَعِينُونِي على ذَلِكَ بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ وِلاَيَتِنَا لاَ تُنَالُ إِلّا بِالوَرَعِ وَالاجْتِهَادِ ، مَنِ ائتمّ مِنْكُمْ بِعَبدٍ فَليَعْمَل بِعَمَلَهِ ، أَنْتُم شِيعَةُ اللهِ ، وَأَنْتُم أَنصَارُ اللهِ ، وَأَنْتُمُ السَّابِقُونَ الأولون ، وَالسَّابِقُونَ الآخِرُونَ ، وَالسَّابِقُونَ في ‌الدُّنْيَا وَالسَّابِقُونَ فِي الآخِرَةِ ، قَدْ ضَمِنَّا لَكُمُ الجَنَّةَ بِضَمَانِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ ، وَضَمانِ رَسُولِ اللهِ ، وَاللهِ ما على‌ دَرَجَةِ الجَنَّةِ أَكْثَرُ أَرْواحاً مِنْكُمْ ، فَتَنافَسُوا فِي‌ فَضَائِلِ الدَّرَجَاتِ ، أَنْتُم الطَّيِّبُونَ ، وَنِسَاؤُكُمُ الطَّيِّباتُ ، كُلُّ مُؤمِنَةٍ حَوْراءُ عَيْنَاءُ ، كُلُّ مُؤمِنٍ صِدّيقُّ. وَلَقَدْ قَالَ أَميرُ المؤمِنِينَ لِقَنبرٍ : يَا قَنبرُ ؛ أَبْشِرْ وَبِشِّرْ وَاستَبْشِرْ ، فَوَاللهِ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ وَهُوَ على أُمَّتِهِ سَاخِطٌ إِلّا الشِّيعَةَ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شيء عِزاً وَعِزُّ الإسلامِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيءٍ دِعَامَةً وَدِعامَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ ذِرْوَةٌ و ذِروَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيءٍ سَيِّداً وسَيِّدُ المَجَالِسِ مَجَالِسُ الشِّيعَةِ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ شَرَفاً وَشَرَفُ الإسلاَمِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ إماما وَإِمَامُ الأرض أَرْضٌ تَسكُنُهَا الشِّيعَةُ » (١).

وجوب إحياء أمر أهل البيت عليهم‌السلام :

بالمقابل فإنّ الواجب على المستبصر أنْ يحيي أمر أهل البيت عليهم‌السلام ، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم ، ويربّي نفسه ومن معه على أخلاق أهل البيت عليهم‌السلام ، وعلى عقائدهم وأحكامهم ، مع المحافظة على عدم تجاوز المحاذير التي حثّ على الحذر منها واجتنبها أئمتنا عليهم‌السلام ، فيعيش مع واقعه وأفراد مجتمعه كواحد

__________________

(١) الكافي ، ٨ : ٢١٢ ـ ٢١٣.

٢٩
 &

منهم ، بينما في داخله بر كان يغلي حبّاً وولاءً وصدقاً وإخلاصاً ومتابعة واقتداءً لأهل البيت عليهم‌السلام ، وكذلك حزناً وألماً عند ذكر مظلوميات أهل البيت عليهم‌السلام ، أو عند رؤية ما يعانيه المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها من ظلم وبطش وتقتيل وتكفير.

ولذلك فإنّ المؤمن المستبصر يحاول دوما أن يجمع بين شخصيّتين ، وهذا يوجب عليه التدقيق في أحوال الناس الذين يعايشهم ، حتّى يطّلع على فئاتهم ويتعرّف على أصنافهم وأقسامهم ، ويتعلّم كيف يتفاعل مع واقعه من خلال تطبيق ما أمر به الأئمّة الأطهار من أهل بيت العصمة والرسالة عليهم‌السلام ، حتّى يعيش في أمن وأمان وراحة بال وطمأنينة ، وهو العنوان الذي وعد الله تعالى به أولياءه المؤمنين المتّقين ، المطيعين للرسول الكريم ، والموالين لأولياء الله تعالى الأئمّة المعصومين عليهم جميعا أفضل الصلوات وأتمّ التسليم.

قال تعالى في سورة يونس : ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١).

وقال تعالى في سورة الزمر : ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى الله لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأُولَـٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (٢).

فئات المجتمع وأصناف الناس :

وبناء على ذلك ، فإنّ المؤمن المستبصر المدقّق في أحوال المسلمين الذين

__________________

(١) يونس : ٦٢ ـ ٦٤.

(٢) الزمر : ١٧ ـ ١٨.

٣٠
 &

يعيش معهم وبينهم ، يستطيع أنْ يصنّفهم ويقسّمهم إلى عدّة أصناف وأقسام ، لابدّ للمستبصرين من معرفتهم ، ولابدّ لكلّ منصف محبّ للحقّ أنْ يميّزهم ، حتّى يعرف كيفيّة التعامل معهم في غربته ووحدته ، وحتّى يستطيع المحافظة على عقيدته وإيمانه ، وحتّى يعرف متى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ومتى تتحقّق شروطه ومتى لا تتحقّق ، حتّى تكون أفعاله وتصرّفاته مقبولة ، وسلوكه متوافق مع ما فيه رضا لله تعالى ورسوله والأئمّة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أمام كلّ تلك الفئات.

ومن تلك الفئات ، فئة المكفّرين النواصب من العلماء ، وكثير من العوام ، والذين يطعنون في مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وينصبون العداء لهم عن علم أو بسبب الضلال والجهل الذي أخذوه عن ضلال وجهّال ممّن سبقهم ، ويدّعون أنّهم عن البدع يترفّعون ، لكنّهم بينها يضطجعون كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام.

يقول الإمام عليّ عليه‌السلام في خطبة له من نهج البلاغة : « ... وآخر قد تسمّى عالماً وليس به ، فاقتبس جهائل من جهّال ، وأضاليل من ضُلّال ، ونصب للناس شركاً من حبائل غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف الحقّ على أهوائه ، يؤمن من العظائم ، ويُهوّن كبير الجرائم ، يقول : أقفُ عند الشبهات وفيها وقع ، واعتزل البدع وبينها اضطجع ، فالصورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه ، ولا باب العمى فيصدّ عنه ، فذلك ميت الأحياء ، فأين تذهبون » (١) ؟.

وهؤلاء هم خوارج العصر الحديث ، الذين يُصلّون ويصومون ويقرؤون

__________________

(١) نهج البلاغة بشرح الشيخ محمّد عبده ١ : ١٥٣.

٣١
 &

القرآن ويدعون إلى الإسلام ، وكلّ همهم هو تكفير المسلمين ، خصوصاً أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، فهم دوماً يكفّرونهم ويستهزؤون بهم ويثيرون حولهم الشبهات ، ويكيلون لهم التهم ، بل تجاوز الأمر إلى أكثر من ذلك بأنْ أباحوا دماء المؤمنين من أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، وما ذنبهم إلا أنْ آمنوا بالله وأطاعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتزموا بالشريعة السمحاء ، وعملوا على تطهير أنفسهم باتّباع أهل البيت عليهم‌السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

قال تعالى في سورة البروج : ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (١).

وقال تعالى في سورة الأعراف : ( وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (٢).

وهؤلاء المكفّرون والتكفيريون النواصب (الذين يعادون الله ورسوله ، ويحاربون أحباب الله من المؤمنين الموقنين بوعد الله ونصره) قد وصفهم القرآن الكريم وحذّر منهم الرسول الكريم ، حتّى لا ينخدع الناس بهم وبكذبهم وفتنتهم ، فالله متمّ نوره ولو كره المبغضون والمكفّرون الحاقدون ؛ لأنّهم وللأسف الشديد استطاعوا بمظاهرهم وغرورهم أنْ يخدعوا ويضلّلوا كثيراً من الناس ، ويضعوهم في دائرة المجرمين لكي يلاحقوا المؤمنين ويستهزؤوا بهم ، ويتّهمونهم بالضلال ، وحتّى لا يبصروا الحقّ وإن أبصروه تكرهه نفوسهم ، فيدخلون في قائمة من يحارب الله ورسوله.

قال تعالى في سورة المطففين : ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ *

__________________

(١) البروج : ٨ ـ ٩.

(٢) الأعراف : ٨٢.

٣٢
 &

وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَـٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ) (١).

وقال تعالى في سورة الزخرف : ( لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة المجادلة : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ الله لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (٣).

وقال تعالى في سورة المائدة : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٤).

وقال تعالى في سورة الأحزاب : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (٥).

وروى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « سيكون في أمّتي اختلاف وفرقة ، قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، لا يرجع حتّى يرد السهم على فوقه ، وهم شرار الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم ، قالوا :

__________________

(١) المطففين : ٢٩ ـ ٣٣.

(٢) الزخرف : ٧٨.

(٣) المجادلة : ٢٠ ـ ٢١.

(٤) المائدة : ٣٣.

(٥) الأحزاب : ٥٧.

٣٣
 &

يا رسول الله ، ما سيماهم ؟ قال : التحليق » (١).

وهناك فئة ثانية يعايشها المستبصر ، وهم كما ذكرت الذين إذا رأوا شيئاً رفعه الله وأعلا شأنه ، فإنّهم لحسدهم يعملون لوضعه والحطّ من شأنه ، وبسبب الأمراض النفسيّة التي تعشعش في عقولهم وقلوبهم ، فإنّهم لا يتحملون رؤية من هو أفضل منهم ، ولا يستطيعون أن يرتفعوا إلى منزلته ، فيقاومونه بمحاولات التحقير والاستهزاء والطعن ، وكلّ ذلك حسد من عند أنفسهم.

قال تعالى في سورة النساء : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) (٢).

وقال تعالى في سورة الأنفال : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٣).

وفئة ثالثة قد ألفوا ما وجدوا عليه آباءهم وعلماءهم ، فلا يقبلون سماع أو رؤية غيره ممّا هو موجود عند غيرهم ، جمدت عقولهم وأفكارهم على ما ورثوا من عادات وتقاليد وجهالات لا يعرفون غيرها ، ولا يستطيعون تغييرها ، بل لا يقبلون البحث في واقعها ، وهذا الواقع في المسلمين يمثّل شريحة كبيرة جدّاً منهم ، فتقول مثلاً : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذا ، فيقول : قال آباؤنا وعلماؤنا أو قال ابن تيمية : كذا وكذا. وكما الفئة الأولى لها أصول وجذور منذ زمن بعيد كذلك هذه الفئة أيضاً لها جذور بعيدة ، ويحضرني الحديث المرويّ في سير أعلام النبلاء « عن ابن عبّاس قال : تمتّع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عروة : نهى أبو بكر

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٢ : ١٤٧.

(٢) النساء : ٥٤ ـ ٥٥.

(٣) الأنفال : ٤٩.

٣٤
 &

وعمر عن المتعة ، فقال ابن عبّاس : فما يقول عرية ؟ قال : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. قال : أراهم سيهلكون ، أقول : قال رسول الله ، ويقولون : قال أبو بكر وعمر » (١).

ولقد حذّر القرآن الكريم والحديث الشريف من هذه المحاكاة العمياء للآباء والأجداد ، والجمود عليها ، ورفض وإنكار ما سواها ، كما أنّ الشارع المقدّس قد حذّر ونهى عن التقليد في المعتقدات.

قال تعالى في سورة البقرة : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة المائدة ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) (٣).

وقال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف : ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّـهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (٤).

وفئة رابعة قد استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة ، وشغلهم طول الأمل ، فهم يعتبرون الدنيا دار خلود وبقاء ، حتّى أنّهم يرفضون كلّ ما يذكّرهم بحقيقة دنياهم الفانية ، ويتمسكون بكلّ ما يذكّرهم بها ، ويملكون من الاستعداد لبيع القيم والمبادئ بعرض من الدنيا قليل ، وهؤلاء تجد منهم من يبيع الدين

__________________

(١) سير أعلام النبلاء ١٥ : ٢٤٣.

(٢) البقرة : ١٧٠.

(٣) المائدة : ١٠٤.

(٤) الأعراف : ٢٨.

٣٥
 &

بالدنيا ، وتجد منهم أيضاً من يتّخذ الدين مطيّة لتحقيق مآربهم الدنيويّة ، فيُصلّون في الصفوف الأولى ، ويقومون بالعبادات وأعمال البرّ والتقوى أمام الناس ، ويطلقون اللحى ، يراؤون فيها من أجل الشهرة والسمعة ، حتّى تتحقّق لهم من وراء ذلك عمليات النصب والاحتيال على عباد الله تعالى. وفي الحقيقة فإنّ هذا الصنف من الناس يعمل على الصدّ عن سبيل الله ، ولا يمكن له أنْ يحبّ الحقيقة لأنّها تضر بمصالحه ، وبسبب حبّهم للدنيا وزينتها ، فإنّ ديدنهم السخرية من المؤمنين ، والعمل على إبقاء العادات والتقاليد الفاسدة ، وصدّ الناس عن رؤية فساد الواقع ، حتّى تبقى مجريات الأمور تصبّ في صالحهم ومصلحتهم ، فهم على حسب اعتقادهم عليّة القوم والمجتمع بسبب أموالهم ودنياهم ، فلا يجوز أنْ يوجد بينهم من هو أفقه منهم.

قال تعالى في سورة إبراهيم : ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَـٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ) (١).

وقال تعالى في سورة البقرة : ( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة البقرة : ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (٣).

وقال تعالى في سورة آل عمران : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ

__________________

(١) إبراهيم : ٣.

(٢) البقرة : ٨٦.

(٣) البقرة : ٢١٢.

٣٦
 &

وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (١).

وفئة خامسة لا يدرون ماهم عليه ، ولا يوجد عندهم استعداد لمعرفة ماغاب عنهم من الحقيقة ، بل أكثر من ذلك ، إذ إنّهم لا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة ماهم عليه أصلاً ، بل إنّهم لا يستطيعون إعمال عقولهم وحواسّهم إلا لخدمة شهواتهم الحيوانيّة ، وهؤلاء لا يهمّهم دينهم فضلاً عن أهل البيت عليهم‌السلام ، وإذا ما حاولت أنْ تستفزّ عقولهم وحواسّهم أو تستنهضها ، فإنّهم لا يسمعون ولا يعقلون ويولّون مدبرين ، قد طغت عليهم قوى الشهوة ، فأظلمت عقولهم وقلوبهم فصاروا دون البهائم.

قال تعالى في سورة الأعراف : ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة الفرقان : ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) (٣).

وقال تعالى في سورة الروم : ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) (٤).

وفئة سادسة يعرفون الحقيقة والأحقيّة ، ويدركونها بل إنّهم مستيقنون منها ولكنهم لخوفهم على أنفسهم وعلى مناصبهم ومصالحهم الدنيوية ومراكزهم فيها ، فإنّهم يجحدون الحقيقة وينكرونها ويعادونها ابتغاء مرضاة أسيادهم ،

__________________

(١) آل عمران : ١٤.

(٢) الأعراف : ١٧٩.

(٣) الفرقان : ٤٤.

(٤) الروم : ٥٢ ـ ٥٣.

٣٧
 &

ومناصبهم ومصالحهم ، وخشية أنْ تصيبهم دائرة ، ولأجل المناصب والمصالح الدنيوية ، فإنّهم يصبّون غضبهم على الحقيقة وأتباعها ، بل ويعتبرونهم العدو الأوّل للإسلام والمسلمين ، وبالتالي تستشري فيهم وبينهم الأمراض وعوارضها ، وأهمّها جحد الحقيقة وإنكارها وبغضها والعداوة والبغضاء لحملتها.

قال تعالى في سورة النمل : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) (١).

وقال تعالى في سورة المائدة : ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) (٢).

وفئة سابعة من الناس يحبّون أهل البيت ويطربون عند سماع أخبارهم وفضائلهم ، ولكنّهم لا يريدون دراسة التاريخ والبحث فيه ، ولا ينتمون إلى مذهب معيّن ، بل يقولون بكل ما يسمعون ، ويأخذون من كلّ عالم ، ويفضلون فصل الشريعة عن الحقيقة ، ولذلك تجدهم إلى التصوّف أقرب ، فيحبّون أهل البيت عليهم‌السلام ، وفي نفس الوقت يترضّون على أعدائهم ، أي أنّهم يدّعون محبّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وفي نفس الوقت يوالون أعداءهم ، وهذا الواقع غير مقبول شرعاً وعقلاً ، لأنّ الأصل في المحبّة هو الاتباع والاقتداء ، والولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائهم ، ولا يمكن للمحبّة أنْ تكون إلا بعد المعرفة ، فمن ادّعى المحبّة من دون معرفة فهو كاذب ، كما أنّه لا يمكن للمحبّة أنْ تتجسّد إلا بالاتّباع والاقتداء والسلوك ، وعنوان تجسّدها الولاء والبراءة ، فمن ادّعى المحبّة من غير اقتداء فهو كاذب.

__________________

(١) النمل : ١٤.

(٢) المائدة : ٥٢.

٣٨
 &

قال سبحانه وتعالى في سورة المجادلة : ( لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (١).

وقال تعالى في سورة آل عمران : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة التوبة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٣).

وقال تعالى في سورة الممتحنة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) (٤).

وفئة ثامنة هي من أهل الدوافع ، وليس الدوافع النفسيّة المريضة فقط ، بل من دافع الفضول الشخصيّ أو الدافع الاخباراتي لحساب أعداء الله ورسوله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، فهؤلاء يسعون وراء المؤمنين المستبصرين ويتبنون أفكارهم ، بل وربّما يجعلون أنفسهم في المقدّمة ويظهرون الانفعالات الشديدة المتعاطفة مع المؤمنين ، ويتقرّبون منهم ، من أجل أنْ يكونوا على قرب شديد من المؤمنين ، حتّى يكشفوا أحوالهم وأعدادهم وأماكن تواجدهم ، ويعملون على معرفة كلّ صغيرة وكبيرة عنهم ، خدمة لدوافعهم

__________________

(١) المجادلة : ٢٢.

(٢) آل عمران : ١١٨.

(٣) التوبة : ٢٣.

(٤) الممتحنة : ١.

٣٩
 &

النفسيّة المريضة ، من أجل التشهير بالمؤمنين ، وإشاعة الشائعات الكاذبة ، والافتراءات المضلّلة للبسطاء من المسلمين ، أو تقوم هذه الفئة بتلك الأعمال ، عمالة لمن يؤزهم من الجهات الاستخباراتيّة الشيطانية ، حتّى تكون تلك الجهات على معرفة بالمؤمنين من أجل استغلال أوضاعهم ، لإثارة الفتن بين المسلمين ، ومن أجل تحقيق مآرب سياسيّة معيّنة لصالح أعداء الله ورسوله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، وهناك هدف آخر لهذه الفئة ، وهو امتصاص عواطف الناس إذا ما توجّهت نحو الحقيقة ، ثمّ وفي اللحظة المناسبة يقومون بتوجيه مسار عواطف الناس إلى حيث يشاء هؤلاء الموجّهون ، إرضاءً لدوافعهم الشيطانيّة والنفسيّة الخبيثة الموجّهة. قال تعالى في سورة البقرة : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (١).

وهذه الفئة لا تقلّ خطورة عن فئة التكفيرين والنواصب ، بل إنّ التكفيرين حالهم مكشوف ومعروف للقاصي والداني ، ولكنّ هذه الفئة أكثر خطورة منهم لأنّهم يعملون تحت ستار الإيمان ، ومعلوم أنّ المؤمن المستبصر الحقيقي ، قلبه رهيف سريع التعاطف مع إخوانه المؤمنين ، فلربّما يقع في المخاطر ، وهو يظن أنّه في خدمة الله تعالى ورسوله وأئمّته عليهم الصلاة والسلام ، فالحذر الحذر إخواني المؤمنين ، خصوصا أنّ المنطقة مقبلة على تغيير شامل نحو الخير والعدل ، وأعلام التغيّر واضحة للعيان ، ودلائل قرب الفرج كثيرة ، والتقيّة واجبة حتّى يظهر الإمام المهدي عليه‌السلام وعجلّ الله تعالى فرجه الشريف.

__________________

(١) البقرة : ٢٠٤ ـ ٢٠٥.

٤٠