نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فقلت : وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : « ناس من أمّتي ، عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله ، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة ، أو : مثل الملوك على الأسرة ». شكّ إسحاق ، قالت : فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أنْ يجعلني منهم ، فدعا لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثمّ وضع رأسه ، ثمّ استيقظ وهو يضحك ، فقلت : وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : « ناس من أمّتي ، عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله ». كما قال في الأول ، قالت : فقلت يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم ، قال : « أنت من الأوّلين ». فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان ، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر ، فهلكت (١).

١٥ ـ وروى الترمذي في سننه عن أنس قال : كانَ رَسُولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدخلُ على أمِّ حرامٍ بنتِ ملحانَ فتطعمهُ وكانت أمِّ حرامٍ تحتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ فدخلَ عليها رَسُول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوماً فأطعمتهُ وحبستهُ تفلّي رأسهُ فنامَ رَسُول اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثُمَّ استيقظَ وهو يضحكُ قالت فقلتُ ما يُضحكُكَ يا رسولَ اللهِ قال : ناسٌ من أُمَّتي عُرضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللهِ يركبونَ ثبجَ هذا البحرِ ملوكاً على الأسرَّةِ أو مثلَ الملوكِ على الأسرَّةِ قلتُ يا رسولَ اللهِ ادعُ اللهَ أن يجعلني منهُم فدعا لها ثُمَّ وضعَ رأسهُ فنامَ ثُمَّ استيقظَ وهو يضحكُ فقلتُ لهُ ماذا يضحكُكَ يا رسولَ اللهِ قال ناسٌ من أُمَّتي عرضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللهِ نحو ما قال في الأوَّلِ قالت فقلتُ يا رسولَ اللهِ ادعُ اللهَ أن يجعلني منهُم قال أنتِ من الأوَّلينَ فركبتْ أمُّ حرامٍ البحرَ في زمنِ معاويةَ بنِ أبي سُفيَانَ فصرعَت عن دابَّتها حينَ خرجتْ من البحرِ فهلكَتْ (٢).

هذه الرواية من صحيح البخاري وسنن الترمذي وغيرهما ، تظهر أنّ رسول

__________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٢٠١ ، ٨ : ٧٣ ، صحيح مسلم ٦ : ٤٩.

(٢) سنن الترمذي ٣ : ٩٩.

٢٢١
 &

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدخل على نساء المسلمين ونساء الصحابة ويختلي بهنّ ويجلس كأنّه في بيته ، وتجلس زوجة الصحابي وتضع رأس رسول الله في حجرها ، ثمّ تفلي رأسه ، وينام رسول الله ثمّ وهو في نومه يرى رؤيا !.

وهذا القسم من الرواية من بدايتها إلى حين سرد الرؤيا ، فيه اتّهام لرسول الله بالاختلاء بزوجات المسلمين ، وهو ما يستحيل على رسول الله أنْ يفعله ، وقد نهى الله تعالى عن ذلك ، وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يخلونّ أحدكم بامرأة فإنّ الشيطان ثالثهما » (١). فلا يمكن أن يفعل ذلك رسول الله ويخالف أحكام القرآن وأحكام الخلوة ، ممّا يؤكّد بأنّ هذه الرواية موضوعة من قبل الكذّابين المفترين على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عصر معاوية بن أبي سفيان خدمة لحكومته وسلطته وتملّقا لشخصه ، من أجل صناعة فضائل ، وهو ما يشير إليه القسم الثاني من الرواية.

أمّا بالنسبة للقسم الثاني من الرواية ، فهي تتحدّث أنّ رسول الله استيقظ وهو يضحك ، ثمّ سألته أمّ حرام لماذا تضحك يا رسول الله ؟!. فأخبر عن رؤيا عجيبة تحمل في طيّاتها فضائل عديدة ، وتبريرات واضحة لمعاوية بن أبي سفيان وطغيانه في زمانه.

فقد كان معاوية يلبس الذهب والحرير والديباج ويجلس على عرش كعروش القياصرة والأكاسرة ، وكان المسلمون ينتقدون تلك الأفعال منه على الدوام ، وفي خلافة عمر بن الخطّاب وكان معاوية والياً على الشام ، شكى المسلمون معاوية إلى الخليفة كثيراً بسبب ديباجه وحريره وذهبه ولذلك نرى عمر بن الخطاب حين ينظر إلى معاوية يقول : هذا كسرى العرب (٢).

__________________

(١) مسند أحمد ١ : ١٨ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ١١٥.

(٢) أسد الغابة ٤ : ٣٨٦ ، سير أعلام النبلاء ٣ : ١٣٤.

٢٢٢
 &

ولذلك جاءت هذه الرواية لتعطى شرعيّة واضحة بيّنة لأفعال معاوية بن أبي سفيان ، فعندما تقول الرواية : « ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله » فهي تصف معاوية بالمجاهد.

ثمّ تقول الرواية : « ملوكا على الأسرة » فهذا يعني شرعيّة أفعال معاوية وتشبهه بالأكاسرة وحليّة لبس الذهب والحرير له.

ولذلك كانت هذه الرواية فيها تعدٍّ وتطاول على شخص رسول الله وأخلاقه ، ومخالفة واضحة للقرآن وآياته ، بينما تصنع في مقابل ذلك فضائل لمعاوية بن أبي سفيان وتستبيح له المحرمات ، فكما يحقّ لرسول الله أنْ يختلي بالأجنبيّة وينام عندها وتجلس تفلي رأسه ، ألا يحق لمعاوية أنْ يجلس جلسة الملوك والأكاسرة والقياصرة ويلبس الحرير والذهب.

وعلى ما يبدو كان الدخول على نساء المسلمين والاختلاء بالأجنبيّات أمراً شائعاً في ذلك الوقت ، وحتّى يضفوا على ذلك الواقع الشرعيّة ، افتروا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الرواية وأمثالها ، لتمنح من خلال اتّهام رسول الله شرعيّة لهم ، وتصنع فضائل لمعاوية ، ومن خلال فعل الحرام ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

١٦ ـ وروى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت : دخل عليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعندي جاريتان ، تغنيّان بغناء بعاث : فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأقبل عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : دعهما. فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا.

وكان يوم عيد ، يلعب السودان بالدرق والحراب ، فإمّا سألت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإمّا قال : تشتهين تنظرين. فقلت : نعم ، فأقامني وراءه ، خدّي على خدّه ، وهو يقول :

٢٢٣
 &

دونكم يا بني أرفدة ، حتّى إذا مللت ، قال : حسبك. قلت : نعم ، قال : فاذهبي (١).

وهذه الرواية تظهر رسول الله واضعاً خدّه على خدّ عائشة أمام الناس ، وهما يراقبان السودان وهم يلعبون ويرقصون ، بالإضافة إلى وجود مزمارة الشيطان في بيت رسول الله ، وقد علقنا على هذه الرواية وأمثالها في بحث سابق.

١٧ ـ روى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هشام قال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لمّا كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول : أين أنا غداً ؟ أين أنا غدا ؟ حرصاً على بيت عائشة. قالت عائشة : فلمّا كان يومي سكن (٢).

١٨ ـ روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي ‌الله ‌عنها. قالت : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقبّل وهو صائم ، ويباشر وهو صائم ، ولكنّه أملككم لإربه » (٣).

١٩ ـ روى أبو داود في سننه ، حدّثنا مُسْدَدٌ ، أخبرنا أبو مُعَاوِيَةِ ، عن الأعمَشِ ، عن إبْرَاهِيمَ ، عن الأسْوَدِ وَعَلقَمَةَ ، عن عَائِشَةَ قالَتْ : " كَانَ رَسُولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يُقَبّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَلَكِنّهُ كَانَ أمْلَكَ لإرْبِهِ " (٤).

٢٠ ـ روى البخاري في صحيحه ، حدّثنا محمّد بن يوسف ، حدّثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي‌ الله ‌عنها قالت : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يباشرني وأنا حائض ، وكان يخرج رأسه من المسجد ، وهو معتكف ، فأغسله وأنا حائض (٥).

٢١ ـ روى البخاري في صحيحه أيضاً ، حدّثنا إسماعيل بن خليل قال : أخبرنا عليّ بن مسهر قال : أخبرنا أبو إسحاق هو الشيباني ، عن عبد الرحمن بن

__________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٢٢٨.

(٢) صحيح البخاري ٤ : ٢٢٠ ـ ٢٢١.

(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٣٥.

(٤) سنن أبي داود ١ : ٥٣٣.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٢٥٦.

٢٢٤
 &

الأسود ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضا ، فأراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنْ يباشرها ، أمرها أن تتزر في فور حيضتها ، ثمّ يباشرها. قالت : وأيّكم يملك إربه ، كما كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يملك إربه (١).

ولا تعليق لديّ على كلّ الروايات الآنفة الذكر أكثر مما ذكرت في البحث ، ولكن أذكّر مرّة أخرى أنّ اتّهام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الطريقة والتنقيص من منزلته وعظمته والطعن في عصمته يحتاج إلى موقف دفاع من المؤمن ، الذي نظر وراجع ودقّق واستجاب لنداءات القلب والعقل لضرورة إعادة دراسة التاريخ والنظر فيه بشكل نحافظ فيه على رسولنا العظيم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن أجل الدفاع عنه وعن رسالته العظيمة ، وإظهار الحقيقة للناس حتّى يتخذوا موقفاً رجوليّاً مع رسول الله وأهل بيته عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتمّ السلام.

هل يمكن أنْ يجيز النبيّ رضاعة الرجل الكبير ؟!

ونأتي الآن إلى تهمة خطيرة وعظيمة ، وهي واحدة من عشرات التهم التي ألصقت برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل الطعن فيه وفي عصمته ومنزلته ، ومن أجل صناعة الفضائل ، ومن أجل تبرير أفعال مشينة فعلها بعض الصحابة ، حتّى صارت هذه الروايات مرجعاً للمسلمين يستنبط منها العلماء أحكام دينهم ، ويؤسسون واقعاً من الفساد والضلال لا يمكن أنْ يقرّه الشرع الحنيف.

وبما أنّهم قد وضعوا شروطاً لقبول الرواية أو ردّها فكان لا يمكن عندهم أنْ تردّ الرواية إذا ثبتت صحّتها وفق الشروط الموضوعة من خلال قبول رجال سندها والرضا عنهم ، وكلّ ذلك بحسب موازينهم ومقاييسهم ، ولذلك نتجت

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٧٨.

٢٢٥
 &

اشكاليّات خطيرة جدّاً ، وحيرة عند العلماء ، فهم قد أحاطوا أنفسهم وقيّدوها بشروطهم ، والتي منها عدالة الصحابة أجمعين ، وكذلك شروط قبول الرواية أو ردّها ، أدّى ذلك في النهاية إلى الرضا والسكوت عن عشرات الروايات ، والتي تطعن في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعصمته ومنزلته ، وقد ذكرنا قسماً كبيراً منها ، وبدلاً من ردّها ورفضها ، قام العلماء بعد قبولها والإقرار بصحّتها ، بشرحها واستنباط الأحكام منها ، فصار بين أيدي المسلمين الكثير من أحكام التحريم والتحليل ، استنبطت من خلال روايات مكذوبة موضوعة ومفتراة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيدخل المسلم في سخط الله ، وهو يظنّ أنّه في طاعته.

وما هذا الضلال الذي نراه ونعاني منه إلّا بسبب تلك القيود التي قيّدوا أنفسهم بها ، فلو أنّهم اخترقوا دائرة العدالة عند الصحابة أجمعين ، وبدلاً من الطعن في رسول الله وعصمته اعترفوا بأخطاء بعض الصحابة ونفاق البعض منهم أيضاً لانحسرت نسبة التهم والنقائص التي ألصقت برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو أعيد النظر في شروط أخذ الحديث أو ردّه ، لمّا أقرّ المسلمون تلك التهم التي ذكرنا عدداً كبيراً منها.

فبسبب كلّ ما ذكرت ، دخلت مسألة رضاع الرجل الكبير على المسلمين وفقههم بكلّ سهولة ويسر ، ومن دون أيّة مقاومة تذكر ، بل إنّها استقبلت بالرضا والقبول والتسليم كغيرها من التهم والافتراءات ، وقبل المسلمون أنْ يطعن في رسول الله وعصمته.

إنّ مسألة رضاع الكبير من المسائل الخطيرة ، والتي إذا طبّقت في المجتمعات الإسلاميّة فإنّها سوف تكون عاملاً أساسيّاً في إشاعة الفاحشة ونشر الرذيلة وبشكل شرعي ، وهذا الموضوع يشبه في أهدافه الموضوع السابق الذي يجيز الاعتداء على أعراض المسلمين ويجيز اغتصاب النساء ، وما

٢٢٦
 &

على الفاعل سوى الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل ، فموضوع رضاعة الكبير يشبه في الموضوع والمضمون ذلك الأمر لو حاول المنصف المدقّق المقارنة بينهما ومعرفة الأسباب والدوافع لطرح مثل هذه الأمور.

ومن المستهجن أنْ يقرّر العلماء موضوعاً خطيراً مثل هذا الموضوع المفترى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهل يسمح أحدهم أنْ يدخل الرجل الكبير الملتحي على زوجته ، ثمّ تكشف عورتها أمامه ، ثمّ يقوم بالرضاعة منها ؟! وهل يسمح أصلاً أيّ إنسان عنده شهامة وكرامة أنْ يفعل ذلك أو يجيزه ؟! وإذا كان الجواب لا يمكن أن نسمح بذلك ، فكيف رضيتم أنْ يفترى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ؟! وهل هانت نفس رسول الله عندكم إلى هذا المستوى ؟!.

لقد ذكر العلماء وصنّفوا كلّهم في كتب الصحاح والسنن باباً سمّوه باب رضاعة الكبير ، ممّا يدلّ على اهتمامهم وانشغالهم بهذه القضيّة وعدم ردّها أو وضعها ، ولا يجد القارئ عند أهل السنّة والجماعة من يحاول أنْ يدافع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويردّ أحاديث القضيّة ولا تجد من يجرؤ على نفيها أو تكذيبها ، والسبب كما ذكرنا الاعتقاد بعدالة الصحابة ، والمقاييس التي وضعت لأخذ الحديث أو ردّه بالإضافة إلى أسباب أخرى ، ولكنّ هذين السببين هما الأهم طبعاً بعد السبب الأوّل والأساسي وهو عدم متابعة أهل البيت عليهم‌السلام وترك الاقتداء بهم وعدم متابعتهم والتعلّم منهم ، فهذا هو أسّ الأسباب كلّها ، وما بعده هي أمور بنيت عليه.

وإليك أخي الكريم المنصف بعض من تلك الروايات الموجودة في صحاح وسنن أهل السنّة والجماعة ، والتي يتّهمون فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه قد أجاز رضاعة الرجل الكبير الملتحي.

روى مسلم في صحيحه عن عائشة : أنّ سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم ، فأتت (تعني ابنة سهيل) النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت : إنّ

٢٢٧
 &

سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال ، وعقل ما عقلوا. وإنّه يدخل علينا ، وإنّي أظنّ أنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً. فقال لها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أرضعيه تحرمي عليه ، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة !. فرجعت فقالت : إنّي قد أرضعته ، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة (١) !. وأشار إليه البخاري في صحيحه ، ورواه النسائي ، وأبو داود (٢).

وروى مسلم في صحيحه أيضاً : وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع (واللفظ لابن رافع) قال : حدّثنا عبد الرزاق. أخبرنا ابن جريح ، أخبرنا ابن أبي مليكة ؛ أنّ القاسم بن محمّد بن أبي بكر أخبره ؛ أنّ عائشة أخبرته : أنّ سهلة بنت سهيل بنت عمرو جاءت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله ! إنّ سالماً (لسالم مولى أبي حذيفة) معنا في بيتنا. وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال. قال : أرضعيه تحرمي عليه !. قال : فمكثت سنة أو قريبا منها لا أحدّث به وهبته ، ثمّ لقيت القاسم فقلت له : لقد حدّثتني حديثاً ما حدّثته بعد. قال : فما هو ؟ فأخبرته. قال : فحدّثه عنّي ؛ أنّ عائشة أخبرتنيه (٣).

وروى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت : قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله ، والله إنّي لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم قالت : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرضعيه ، فقالت : إنّه ذو لحية. فقال : « ارضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة ». فقالت : والله ! ما عرفته في وجه أبي حذيفة (٤).

__________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٦٨.

(٢) أنظر صحيح البخاري ٦ : ١٢٢ ، وشرحه فتح الباري ٩ : ١١٤ وما بعدها ، سنن النسائي ٦ : ١٠٥ ـ ١٠٦ ، سنن أبي داود ١ / ٤٥٧ ـ ٤٥٨.

(٣) صحيح مسلم ٤ : ١٦٨.

(٤) صحيح مسلم ٤ : ١٦٩.

٢٢٨
 &

وروى في مجمع الزوائد عن سهلة بنت سهيل أنّها قالت : يا رسول الله ، إنّ سالماً مولى أبي حذيفة يدخل عليّ وهو ذو لحية. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أرضعيه. فقالت : كيف أرضعه وهو ذو لحية ؟. فأرضعته فكان يدخل عليها. قال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني في الثلاثة ورجال أحمد رجال الصحيح (١).

وروى ابن ماجة في سننه ، عن عائشة قالت : جاءت سهلة بنت سهيل إلى النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يَا رَسُولَ اللَّه ! إنّي أرى في وجه أبي حذيفة الكراهيّة من دخول سالم عليّ. فقال النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم « أرضعيه » قالت : كيف أرضعه وهو رجل كبير ؟!. فتبسّم رَسُول اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقَالَ : « قد علمت أنّه رجل كبير ». ففعلت. فأتت النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : ما رأيت في وجه أبي حذيفة شيئاً أكرهه بعد. وكان شهد بدراً (٢).

وروى مالك في الموطّأ عن ابن شهاب أنّه سئل عن رضاعة الكبير ؟ فقال : أخبرني عُروة بن الزبير أنّ أبا حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة كان من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان قد شهد بدراً ، وكان تَبَنَّى سالماً الذي يُقال له سالم مولى أبي حُذيفة ، كما تبنَّى رسولُ الله زيدَ بن حارثة ، وأنكح أبو حذيفة سالماً وهو يرى أنّه ابنه أنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وهي من المهاجرات الاُوَل وهي من أفضل أَيَامَى قريش ، فلمّا أنزل الله تعالى في كتابه في زيد بن حارثة ما أنزل فقال : ( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّـهِ ) (٣) ردّ كلّ واحد تَبَنِّي من أولئك إلى أبيه ، فإن لم يُعلم أبوه رُدَّ إلى مولاه. فجاءَت سَهلة بنت سُهَيل وهي امرأة أبي حذيفة وهي من بني عامر بن لُؤَيٍّ إلى رسول

__________________

(١) مجمع الزوائد ٤ : ٢٦١.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٦٢٥.

(٣) الأحزاب : ٥.

٢٢٩
 &

الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت يارسول الله : كنا نُرى سالماً ولداً ، وكان يدخل عليّ وأنا فُضل وليس لنا إلا بيت واحدٌ ، فماذا ترى في شأنه ؟ فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « أَرضعيه خمس رضعاتٍ ، فيحرم بلبنها » ، وكانت تراه ابناً من الرضاعة ، فأخذت بذلك عائشة فيمن تحبُّ أن يدخل عليها من الرجال ، فكانت تأمر أمّ كلثوم وبناتِ أخيها أن يُرضِعنَ من أحبَبنَ أنْ يدخل عليها ، وأبى سائر أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس ، وقلنَ : والله ما نرى الذي أمَرَ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سهلة بنت سهيل إلا رخصةً من رسول الله في رضاعة سالم وحده ، لا والله ، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد ، فعلى هذا كان أزواجِ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في رضاعة الكبير (١). ورواه الشافي في كتاب الأم (٢) وابن حبّان في صحيحه (٣).

هذا بعض من الروايات من كتب أهل السنّة والجماعة الواردة في الصحاح والمسانيد والسنن ، وقد صحّت كلّ تلك الروايات ، وهي عند العلماء معتبرة ولا يمكن ردّها ، ولذلك فإنّ مسألة رضاعة الرجل الكبير الملتحي مسألة ثابتة عندهم ، وهي أيضاً رأي ثابت للعديد من علمائهم.

وهذه المسألة هي كغيرها من المسائل التي تحمل اتّهامات باطلة ضدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي كغيرها أيضاً تتناقض مع القرآن الكريم تناقضاً تامّاً ، وتتعارض معه تعارضاً بيّناً واضحاً ، ممّا يدلّ دلالة قطعيّة أنّ هذه المسألة هي مسألة من وضع البشر ، وليست من الله تعالى ، ولم يقلها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي مسألة كغيرها أيضاً تطعن في رسول الله وعصمته وأخلاقه ، وتعمل على صناعة فضائل لمن لا يستحقّها ، ثمّ إنّها والأخطر من ذلك ، تبرّر واقعاً فاسداً تسوده

__________________

(١) الموطّأ ٢ : ٦٠٥ ـ ٦٠٦.

(٢) الأم ٥ : ٢٩ ـ ٣٠.

(٣) صحيح ابن حبّان ١٠ : ٢٧ ـ ٢٨.

٢٣٠
 &

الفاحشة وانعدام الأخلاق بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ممّا اقتضى من واضعي الحديث الذين هم في خدمة السلطة الحاكمة وأعوانها أنْ يفتروا على الله ورسوله ويبرّروا تلك الأفعال بمبرّرات شرعيّة لا يمكن لأحد أنْ يطعن فيها ، وذلك على حسب رأيهم وتخطيطاتهم ، وهكذا كان ، وهو ما أصرُّ على كشفه وإثباته من خلال هذا البحث.

إن مسألة رضاعة الكبير تتعارض مع القرآن في آياته ، ومتى تعارض أمر مع القرآن فإنّه يردّ ولا يؤخذ به ، قال تعالى في سورة البقرة : ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) (١). وفي هذه الآية الشريفة تحديد واضح بأنّ مدّة الرضاع سنتين ، وأنّ الذي يحرّم هو خلال السنتين فقط ، ولا يمكن أنْ يحرّم ما بعدهما.

ويقول تعالى في سورة لقمان : ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (٢).

وروي في الحديث الصحيح قول الرسول الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا رضاع إلا ما كان في الحولين. رواه البيهقي والدارقطني (٣).

وروى الترمذي وصحّحه عن أمّ سلمة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « لا يحرم من الرضاع إلّا ما فتق الأمعاء في الثدي ، وكان قبل الفطام » (٤).

وروى الطيالسي والبيهقي قال : عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنّه قال : « لا رضاع بعد فصال » (٥).

وكلّ ذلك يعني أنّه لا رضاع يحرّم إلا ما كان خلال السنتين وهو ما يتطابق

__________________

(١) البقرة : ٢٣٣.

(٢) لقمان : ١٤.

(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٧ : ٤٦٢ ، سنن الدارقطني ٤ : ١٠٣ ، وأنظر الدر المنثور ١ : ٢٨٨.

(٤) سنن الترمذي ٢ : ٣١١.

(٥) مسند أحمد داود الطيالسي : ٢٤٣ ، السنن الكبرى للبيهقي ٧ : ٣١٩ ، ٣٢٠.

٢٣١
 &

مع الآية الكريمة. وقد ذكر العلماء أنّ هذا الحديث مع الآية ينفي رضاعة الكبير وأنّه لا حرمة له.

وروى البخاري ومسلم عن عائشة أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إنّما الرضاعة من المجاعة (١). أي أنّ الرضاعة المحرّمة هي ما كان قبل الحولين فقط.

ومن الملاحظ أنّ هذه الرواية التي تحرّم رضاعة الكبير هي عن عائشة ، ولكنّها في روايات رضاعة الكبير هي التي تجيزها وترخّصها لمن شاء.

وروى السيوطي في الدّر المنثور قال : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني قال : تزوّج رجل منّا امرأة من جهينة فولدت له تماماً لستّة أشهر ، فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فأمر برجمها ، فبلغ ذلك عليّاً رضي‌ الله ‌عنه ، فأتاه ، فقال : ما تصنع ؟ قال : ولدت تماماً لستّة أشهر وهل يكون ذلك ؟!. قال عليّ رضي ‌الله ‌عنه : أما سمعت الله تعالى يقول : ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) (٢) وقال : ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ). فكم تجده بقي إلا ستة أشهر ؟. فقال عثمان : والله ما فطنت لهذا ، علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها. وكان من قولها لأختها : يا أخيّة لا تحزني ، فوالله ما كشف فرجي أحد قطُّ غيره. قال : فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به ، وكان أشبه الناس به. قال : فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه (٣).

وروى السيوطي في الدرّ المنثور قال : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق قتادة عن أبي حرب ابن أبي الأسود الدؤلي قال : رفع إلى عمر بن الخطّاب امرأة ولدت لستّة أشهر ، فسأل عنها أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ٣ : ١٥٠ ، ٦ : ١٢٦ ، صحيح مسلم ٤ : ١٧٠.

(٢) الاحقاف : ١٥.

(٣) الدرّ المنثور ٦ : ٤٠ ، والاستشهاد هنا ناظر إلى استشهاد الامام عليّ بالآيات القرآنية.

٢٣٢
 &

فقال عليّ رضي‌الله‌عنه : لا رجم عليها ، ألا ترى أنّه يقول : ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) وقال : ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ). وكان الحمل ههنا ستة أشهر. فتركها عمر (١).

ثمّ إنّه من الملاحظ في روايات إجازة رضاعة الرجل الكبير أنّ أمّهات المؤمنين وخاصّة أمّ سلمة رضي ‌الله ‌عنها قد رفضن ذلك الأمر ولم يقبلن به.

ثمّ إنّ هناك مسألة خطيرة في قضيّة رضاع الكبير ، فكيف يجوز للمرأة أنْ تكشف عورتها أمام الأجنبي وهذا في حال ما قررت إرضاعه ؟! وهل يجوز للرجل الأجنبي مسّ امرأة لا تحلّ له ؟. فمن الطبيعي للمرأة إذا أرادت أنْ ترضع رجلاً بالغا ملتحيا كبيراً أن تتكشف أمامه ، وأن تكشف عن صدرها على الأقل. فهل يقبل العقل والشرع أنْ يجيز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك ؟ وهل يسمح أحد من الناس بأنْ تكشف زوجته عن عورتها لترضع رجلاً كبيراً ؟ وهل تؤيد أخي المؤمن أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجيز الفعل الحرام ؟.

أعتقد أنّه لا يمكن لأيّ مؤمن حقّاً أنْ يقبل تلك التهمة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن وللأسف ، فقد رضي المسلمون بذلك ، وأجازوا على رسول الله ذلك ، كما أجازوا عليه العديد من الأمور التي ذكرناها في هذا البحث عند إعادة دراسة التاريخ والتدقيق في الحقائق التاريخيّة.

هل كان رسول الله فحاشاً وبذيئاً وظالماً ؟

ومن القضايا المثيرة للجدل في تاريخنا عند مطالعته وإعادة دراسته ، قضيّة أعتقد جازماً أنّهم قد وضعوها في التاريخ والحديث طعناً في شخص رسول الله وحطّاً من منزلته ومقامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي قضيّة دعاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عدد كبير

__________________

(١) الدر المنثور ٦ : ٤٠.

٢٣٣
 &

من الكفار والظالمين والمنافقين والفاسقين وقيامه بلعنهم جهاراً أمام الناس حتّى حفظ الناس ذلك ووعوه ، ولم يكن هناك مجال بأنْ ينسوه ، فالقائل واللاعن رسول الله ، وأنّى لرسول الله أنْ يقوم بذلك من نفسه وإنّما بأمر من ربّه جلّ شأنه.

وعندما تربّع على عرش الخلافة عدد من أولئك الملعونين على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لابدّ أنْ يتحرّك جهاز وضع الحديث وصناعته لخدمة السلطة الحاكمة وتلك الشخصيّات الملعونة ، فبدؤوا بوضع روايات مفتراة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل وجعلوا سبب نزول عدد من الآيات عتاباً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونزلت الأوامر تمنع رسول الله من لعن أحد أو الدعاء عليه.

ثمّ ولأنّهم لا يستطيعون طمس أسماء من لعنهم رسول الله ودعا عليهم وضعوا روايات تجعل من لعن رسول الله لأحد منهم فضيلة للملعون ، وهو ما أسموه في تلك الروايات المكذوبة زكاة اللعن ، وسنعرض بالتفصيل لتلك الأدلّة ، لكنّ المهمّ هنا ، أنّهم استطاعوا بخبثهم ودهائهم أنْ يزيلوا أثر اللعن عن الملعون ، وجعلوا ذلك اللعن فضيلة له ، واستطاعوا أنْ يستخفّوا بعقول المسلمين ، ولا أدري كيف استطاع أصحاب العقول والفكر أنْ يقتنعوا بذلك.

بعد كلّ ذلك ، كانت النتيجة اتّهام رسول الله بظلم الناس ولعنهم بسبب وبدون سبب ، وتهمة أخرى ألصقوها برسول الله وهي أنّ الله منعه من الدعاء على الكافرين ولعنهم ، وكان أيضاً من النتيجة الحطّ من شخص رسول الله واعتباره شخصاً عاديّاً ودون العادي ، بينما صار الملعونون من أصحاب الفضائل العظيمة والمنازل الجليلة عند كلّ الناس ، كما وصار اللعن الذي هو حكم شرعي مأمور به من الله تعالى صار مستهجناً ومستنكراً ، وهكذا قلبت الحقائق في هذه القضيّة والتبست كلّ الأمور وصار لابدّ من إعادة دراسة هذه

٢٣٤
 &

القضيّة حتّى نضع الأمور في نصابها الصحيح دفاعاً عن رسولنا الكريم وشخصه العظيم ومقامه السامي ومنزلته الرساليّة العظيمة ، حتّى يرى القارئ العزيز أنّنا عندما استجبنا لنداء القلب والعقل أثناء رحلة الاستبصار وأعدنا دراسة التاريخ والحديث والسير ، كان ذلك سبباً رئيساً لسلوك خطّ الهدى والإيمان ، ووجدنا أنفسنا في موقع الدفاع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتبرئته من كلّ ما اتّهموه به وافتروه عليه.

وسنعرض في دفاعنا هنا عدّة أمور منها : اللعن والدعاء على الظالمين حقيقته وحكمه ، وأيضاً نعرض الأحاديث المفتراة التي يدّعون فيها أنّ الله تعالى أنزل آيات تمنع رسول الله من لعن الكافرين والدعاء عليهم ، وسنناقش الآية ، ونكشف أسرارها الحقيقيّة ، ثمّ نتطرّق إلى الروايات التي تحوّل لعن رسول الله إلى فضائل للملعون ونعلّق على بعضها ، وبعد ذلك نكشف عمّن لعنهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى نكشف حقيقة العملية كلّها أمام أصحاب العقول السليمة والأفكار المستنيرة حتّى يتميّز الخبيث من الطيب.

يقول تعالى في سورة البقرة : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) (١).

وقال تعالى في سورة البقرة : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة آل عمران : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ

__________________

(١) البقرة : ١٥٩.

(٢) البقرة : ١٦١.

٢٣٥
 &

الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (١).

وقال تعالى في سورة آل عمران : ( أُولَـٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة الأعراف : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٣).

وقال تعالى في سورة هود : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى الله كَذِبًا أُولَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) (٤).

وقال تعالى في سورة هود : ( وَأُتْبِعُوا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (٥).

وقال تعالى في سورة الأحزاب : ( لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا ) (٦).

وقال تعالى في سورة البقرة : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ

__________________

(١) آل عمران : ٦١.

(٢) آل عمران : ٨٧.

(٣) الأعراف : ٤٤.

(٤) هود : ١٨ ـ ١٩.

(٥) هود : ٦٠.

(٦) الأحزاب : ٦٠ ـ ٦٢.

٢٣٦
 &

فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ) (١).

وقال تعالى في سورة النور : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢).

وقال تعالى في سورة المائدة : ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) (٣).

وقال تعالى في سورة الأحزاب : ( رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) (٤).

وروى السيوطي في الدرّ المنثور قال : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عبّاس رضيّ ‌الله ‌عنهما في قوله ( قَاتَلَهُمُ اللَّـهُ ) (٥) قال : لعنهم الله ، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن (٦).

واللعن هو الطرد والإبعاد على سبيل السخط ، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة ، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه ، ومن الإنسان دعاء على غيره.

واللعن غير السبّ والشتم ، فاللعن هو طرد من الله وإبعاد ، ومن العباد هو دعاء من العباد لله أنْ يطرد أناساً من رحمته ، بحيث يكون اللعن ضمن أوامر إلهية وضوابط شرعية ضمن دائرة الولاء والبراء المنبثقة عن لا إله إلا الله وشروطها.

__________________

(١) البقرة : ٨٨.

(٢) النور : ٢٣.

(٣) المائدة ١٣.

(٤) الأحزاب : ٦٨.

(٥) التوبة : ٣٠ ، المنافقون : ٤.

(٦) أنظر الدر المنثور ٣ : ٢٣٠.

٢٣٧
 &

بينما السبّ والشتم هو استخدام ألفاظ وكلمات على سبيل التنقيص والذمّ من دون وجود مبرّر شرعيّ ، بل بتجاوز عن الأوامر الإلهيّة والضوابط الشرعيّة ، ويكون ذلك نابعاً من الهوى أو الطبع السلبي.

وكما ترى ، فإنّ الله تعالى لعن أناس معيّنين ، ثمّ في آيات أخرى أخبر أنّه وكذلك الملائكة والناس أجمعين يلعنون فئة من الناس بسبب أفعال معيّنة أو صفات سيّئة فيهم أو بسب تجاوزات للضوابط الشرعيّة التي جاءت بأوامر إلهية.

فنقض العهود والمواثيق يوجب اللعن من الله تعالى والملائكة ، وكذلك يوجبه من الناس على ناقض العهد والميثاق ، وكذلك قذف المحصنات يوجب اللعن أيضاً ، ورؤية المنكر والترحيب به وتأييده مع توفر كلّ شروط القدرة على تغييره يوجب اللعن والطرد والإبعاد ، والكفر يوجب اللعن وكذلك الفسق والفجور والنفاق وكثير من الأمور غير التي ذكرنا ربّما نتعرّض لبعضها في البحث ، ولكنّ المهم أنّ جميع الآيات تبيّن أنْ اللعن حكم شرعيّ له موجباته الشرعيّة ، والتي قرّرها القرآن الكريم والسنّة النبوية ، وأوجبه في مواقف عديدة.

بينما لو تأمّلنا في أمر معاوية بن أبي سفيان للمسلمين بسبّ وشتم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فإنّنا نجزم قاطعين أنّ ذلك السبّ هو ذمّ وتنقيص لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهو خارج عن دائرة الأوامر الإلهيّة والضوابط الشرعيّة التي أقرّها لنا الله تعالى ، فكان ذلك السبّ والشتم مخالفة شرعيّة خطيرة توجب سخط الله تعالى ، ولذلك جاء في الحديث الشريف المروي وفي صحيح الحاكم وجامع السيوطي وغيرهم عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من سبّ عليّاً فقد سبّني ،

٢٣٨
 &

ومن سبّني فقد سبّ الله (١).

ولذلك فإنّه حين أمر معاوية سعد بن أبي وقاص أنْ يسبّ عليّاً عليه‌السلام ، امتنع سعد عن ذلك وأحال الأسباب إلى أنّ السب فيه خروج عن الأوامر الربانيّة والضوابط الشرعيّة ، وهي هنا غير متوفرة فامتنع عن سبّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

فقد روى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً (أنْ يسبّ أمير المؤمنين عليّاً فامتنع سعد). فقال معاوية لسعد : ما منعك أنْ تسبّ أبا التراب ؟. فقال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلن أسبّه ، لأنْ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم. سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه ، فقال له عليّ : يا رسول الله! خلّفتني مع النساء والصبيان ؟.

فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنّه لا نبوّة بعدي.

وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، قال فتطاولنا لها فقال : ادعوا لي عليّاً ، فأتى به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه.

ولمّا نزلت هذه الآية : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٢). دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢ ، الجامع الصغير ٢ : ٦٠٨.

(٢) آل عمران : ٦١.

٢٣٩
 &

وحسيناً فقال : اللهمّ ، هؤلاء أهلي (١).

وكما لعن الله تعالى في القرآن الكريم ، فقد لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والسنّة مليئة بمن لعنهم رسول الله ، كلعنه لأشياء كالخمر وغيرها ، وكذلك لعنه لأشخاص أو لصفات معيّنة.

روى السيوطي في الدرّ المنثور قال : أخرج الأزرقي والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ستّة لعنتهم وكلّ نبيّ مجاب ، الزائد في كتاب الله ، والمكذّب بقدر الله ، والمتسلّط بالجبروت ليذلّ من أعزّ الله ويعزّ من أذل الله ، والتارك لسنّتي ، والمستحلّ من عترتي ما حرم الله عليه ، والمستحلّ لحرم الله. ورواه الحاكم وابن حبّان وغيرهم (٢).

وروى في مجمع الزوائد عن حذيفة بن أسيد أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم. وقال : رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن (٣).

روى مسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آكل الربا ، وموكله ، وشاهديه ، وكاتبه ، وقال : هم سواء (٤).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو قال : لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الراشي والمرتشي (٥).

__________________

(١) صحيح مسلم ٧ : ١٢٠.

(٢) المستدرك على الصحيحين ١ : ٣٦ ، ٢ : ٥٢٥ ، ٤ : ٩٠ ، صحيح ابن حبّان ١٣ : ٦٠ ، الدر المنثور ١ : ١٢٢.

(٣) مجمع الزوائد ١ : ٢٠٤.

(٤) صحيح مسلم ٥ : ٥٠ ، السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٢٧٥.

(٥) الدر المنثور ٢ : ٢٨٤.

٢٤٠