نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ورعايته وجمعه واهتمامهم به أيّما اهتمام ، كيف لا وهو دستور الأمّة ومعجزة الرسول محمد وكلام ربّ العالمين. ولكن كنّا نصطدم بحقائق كثيرة تبيّن عكس هذا الواقع. فقد شهد العديد من الصحابة ضياع وفقدان العديد من الآيات والسور. وقد شهد بذلك عمر بن الخطاب وعدد كبير من الصحابة كما سيأتي في الروايات عندما قال : إنّ سورة الأحزاب كانت أكبر من سورة البقرة ، وكذلك أمّ المؤمنين عائشة عندما ذكرت عن مسألة الرضاع وقالت : إنّه كان عندها الآيات التي تبيّن عدد الرضعات ولكنّ الداجن أكلها أو السخلة أكلتها ولا يعرف مصيرها وغيرها من شهادات الصحابة.

روى مسلم في صحيحه عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه. قال :

بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة. فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن. فقال : « أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، فاتلوه ، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنّا كنّا نقرأ سورة. كنّا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أنّي قد حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها بإحدى المسبحات ، فأنسيتها ، غير أنّي حفظت منها : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة » (١).

وروى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب قال : « إنَّ الله بعث محمداً صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحقّ ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان ممّا أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، رجم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إنْ طال بالناس

__________________

(١) صحيح مسلم ٣ : ١٠٠.

١٠١
 &

زمان أنْ يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلُّوا بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أُحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البيِّنة ، أو كان الحبل أو الاعتراف ، ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أنْ لا ترغبوا عن آبائكم ، فإنّه كفر بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم ، أو إنْ كفراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم » (١).

وروى ابن عبد البرّ في التهميد بسنده عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة عن أبيه عن جدّه أن عمر بن الخطاب قال لأبي : « أو ليس كنّا نقرأ من كتاب الله أنّ انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال : بلى ، ثمّ قال : أو ليس كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر فيما فقدنا من كتاب الله ؟ فقال أبي : بلى » (٢).

وروى الطبراني عن حذيفة قال : « التي تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وما يقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها » (٣).

وفي مجمع الزوائد عن زيد بن أرقم قال : لقد كنّا نقرأ على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى إليهما آخر ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . رواه أحمد والطبراني والبزار بنحوه ورجالهم ثقات (٤).

وأورد المتقي في كنز العمال والسيوطي في الدور المنثور عن حذيفة قال : قال لي عمر بن الخطاب : كم تعدّون سورة الأحزاب ؟ قلت اثنتين أو ثلاثا

__________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ٢٦.

(٢) التمهيد ٤ : ٢٧٥ ، وأورده السيوطي في الدر المنثور ١ : ١٠٦ ، والهندي في كنز العمّال ٦ : ٢٠٨.

(٣) المعجم الأوسط ٢ : ٨٥ ـ ٨٦ ، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٣ : ٢٠٨ وعزاه أيضاً إلى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧ : ٢٨ وقال : رجاله ثقات.

(٤) مجمع الزوائد ١٠ : ٢٤٣.

١٠٢
 &

وسبعين ، قال إنْ كانت لتقارب سورة البقرة ، وإن كان فيها لآية الرجم.

وأخرج مسلم والنسائي وغيرهما عن عائشة أنّها قالت : « كان فيما أنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بخمسٍ معلومات فتوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهنَّ فيما يقرأ من القرآن » (١).

وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت : « لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري. فلما مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها » (٢).

والسؤال هنا ، هل توفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يعرف الناس ما هو من القرآن وما ليس منه ؟. وأين دور حفظة القرآن من الصحابة ؟. ألم يجمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القرآن في حياته ، أم تركه دون رعاية ؟. أين دور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام في حلّ كلّ تلك الاشكالات ؟. لماذا لم يستعينوا به على حلّ خلافاتهم في القرآن ، وقد أخبرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ عليّا مع القرآن والقرآن مع عليّ ؟. ماهي حقيقة جمع القرآن ؟. ولماذا يتّهم المسلمون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه توفي ولم يجمعه ولم يكن حريصاً على ذلك ، بينما جعلت فضيلة جمع القرآن لأبي بكر أو عثمان ؟.

محبة أهل البيت عليهم‌السلام والحقيقة التاريخية :

ومن أهم المواقف التاريخية والتي طالما توقّفنا عليها وتحيّرنا في واقعها وتطبيقاته العملية ، هو ذلك الكمّ الهائل من الآيات والأحاديث التي تأمر بمحبّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وتلفت الأنظار وبشدّة إلى عليّ وفاطمة والحسن

__________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٦٧ ، سنن النسائي ٦ : ١٠٠ ، صحيح ابن حبّان ١٠ : ٣٥.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٦٢٦.

١٠٣
 &

والحسين والأئمّة الطاهرين المعصومين من أهل البيت عليهم جميعاً أفضل الصلوات وأتمّ التسليم. والتي تأمر أيضاً بولايتهم واتّباعهم واللجوء إليهم ، وأيضاً تلك التي تنهى عن إيذائهم وبغضهم ، وكذلك الأحاديث التي تبيّن فضلهم وفضائلهم وأفضليّتهم ، وحقّهم وأحقيّتهم.

لقد كنّا دائماً نقرأ عن ذلك كلّه ونتعلّمه ، وكان ينتابنا السرور العظيم ، ويظهر علينا الاحترام والتقدير لأهل البيت عليهم‌السلام ، وكنّا نعتقد أنّهم عليهم‌السلام كلّ الدين ، ومنهجهم أحقّ بالتقديم ، فكيف لا نقدّم من اختاره الله تعالى واصطفاه واجتباه ؟. لكنّه ومع الوقت تبيّن لنا أنّ ذلك كلّه كان مجرّد مشاعر وكلام نظري ، لا وجود له في واقعنا ، ولا يوجد له أي تطبيق ، ولا محل له في عقيدتنا العمليّة وأحكامنا التطبيقيّة ، بل إنّ كلّ تلك الأحاديث والمواقف التاريخيّة والفضائل ، موضوعة في دائرة مغلقة ، لا يطالها البحث العلميّ والعملي ، بل إنّه لا يجوز إخراجها من تلك الدائرة ، وكنّا إذا ركّزنا عليها في دراستنا وأظهرناها في الواقع العمليّ عندنا نتّهم بالاستشراق أو بالتعصّب ، وكان كثيراً ما يصل الأمر إلى الاتهام بالتشيّع والخروج عن دائرة المألوف.

ولقد كنّا نتساءل إذا كان كل ذلك الفضل والأفضليّة والحقّ والأحقّية لأهل البيت عليهم‌السلام ، فأين هو دورهم في بناء العقيدة وتوضيح الأحكام ؟. بل أين هي أحاديثهم ورواياتهم في كتب الحديث والسنن ؟. وهل كان حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فضلهم وفضائلهم وأفضليّتهم ، وفي حقّهم وأحقّيتهم مجرّد كلام لا معنى له ، ولا ضرورة لوجوده في الواقع ؟. أو أنّ كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحي من الله ولا ينطق عن الهوى ؟. ولماذا تعامل المسلمون مع أهل البيت عليهم‌السلام على عكس ما أمرهم به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصى عليه ؟. ولماذا آذوهم وشرّدوهم وقتلوهم ؟. لماذا لم يتّبعوهم واضطهدوهم ولاحقوا أتباعهم وعذّبوهم ؟. ولماذا

١٠٤
 &

استبدلت فضائلهم وأفضليّتهم ومنحت لقوم آخرين لم يكن لهم فضل ولا فضيلة ؟. لماذا قدمت أحاديث غيرهم على أحاديثهم ؟. لماذا جمعوا لقتال عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ؟. ولماذا قرّر معاوية بن أبي سفيان لعْنَهُ وشتْمَهُ من على منابر المسلمين بدلاً من إظهار فضله وفضائله ، وحقّه وأحقّيته ؟. لماذا جمع المسلمون لقتال الإمام الحسين عليه‌السلام وقتلوه عن سابق إصرار وترصّد ؟. لماذا قُتل الإمام الحسين عليه‌السلام ؟. ولماذا صار يزيد اللعين أمير المؤمنين ، بل كيف جاز أنْ يحصل ذلك ؟.

والسؤال المهم الذي ظهر لنا بعد ذلك ، والذي أعتبره من أخطر الأسئلة التي توصلُنا إلى حقيقة الجواب عليها فيما بعد وهو السؤال عن واقع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند أولئك الأوائل ، هل كان الجميع ينظر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّه نبيّ مرسل من ربّه ، وأنّه رسول معصوم ؟. وهل كانوا يتعاملون معه على أساس ذلك ؟. وهل كانوا يُحبّونه ويحترمونه ويتّبعونه كما وصل إلينا نظريّاً ؟. هل كانوا يسمعون له ويطيعون ؟.

فبعد أنْ تبيّن لنا واقع أهل البيت عليهم‌السلام بالنسبة للمسلمين قررنا النظر والتدقيق في واقع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكيفيّة تعامل الصحابة والمسلمين معه ، وماهي موقعيّته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتب الأحاديث والسنن ، وكذلك في كتب التاريخ والمغازي والسّير ؟.

حقيقة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند أغلب المسلمين :

لقد تبيّن لنا أنّهم جعلوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصاً عاديّاً غير معصوم ، بل إنهم في كثير من الأحيان جعلوه أقلّ من الإنسان البسيط العادي ، ولم يكتفوا بذلك ، بل إنّهم ألصقوا به تهماً كثيرة لا تليق بإنسان فاضل من عوام الناس ، فكيف به

١٠٥
 &

وهو رسول الله وحبيبه ، وهو سيّد الأوّلين والآخرين وأفضل الأنبياء والمرسلين ؟. وللأسف الشديد لازالت كلّ تلك العيوب وما لا يليق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مدوّنة في كتب أهل السنّة والجماعة ويقبلون بها ، ويبررونها ويقرّرونها ويؤكّدون صحّتها ، ويسمحون بمداولتها ، بل إنّه في أغلب الأحيان يستندون إليها لتقرير أحكام شرعيّة كثيرة وأمور عقائديّة عديدة.

والذي زادنا حيرة وجعلنا ندقّق أكثر في ذلك الواقع ، هو أنّهم جعلوا لشخصيّات كثيرة من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وأبي هريرة فضائل أكثر من رسول الله ، وجعلوا دينهم وفقههم وعقولهم وتطبيقهم لشرع الله أفضل وأكثر بكثير من تلك التي كانت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

هذه هي الحقيقة ، وهذا هو التاريخ ، وكل مواقفه بين أيديكم ، دقّقوا فيها وافتحوا عقولكم وبصائركم ، فإنّكم ستجدون ما قدّمت لكم من تعبيرات أقلّ بكثير من حقيقة الواقع الذي كان الأوّلون يعاملون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خلاله ، وكيف كانت ، ولا زالت حقيقته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متناقضة ، والنظرة إليه دون العاديّة ، وإنّ ادّعاء محبّته والاقتداء به وبهديه هو مجرّد كلام لا واقع له ، فلقد تبيّن لنا أنّ المسلمين يقتدون بأفعال أبي بكر وعمر ومعاوية ويزيد أكثر من اتّباعهم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل إنّهم في كثير من الأحيان يردّون كلام الله تعالى ويؤولونه ليتوافق مع كلام وفعل أولئك.

فعندما تقرأ وعلى سبيل المثال وليس الحصر كتابي البخاري ومسلم ، فإنّك سوف تجد عشرات التهم والأفعال ينسبونها إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّها لا تجوز في حقّ إنسان عادي ، فتصطدم في تلك الكتب بما لا يليق بمنزلة النبوّة ومقام الرسالة المحمّدية ، ولقد ذكرتُ عدداً كبيراً من تلك التهم والافتراءات على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتابنا سبيل المستبصرين في بحث العصمة ، ولكن لا

١٠٦
 &

مانع من ذكر بعض العناوين في هذا البحث حتّى يظهر للقارئ الكريم مدى تأثير قراءة التاريخ والمواقف التاريخية بصدق وإنصاف وتدقيق على النفس المؤمنة ، وهو ما يوصل عادة إلى الاستبصار.

محاولة الانتحار حقيقة أم تهمة ؟

فمن الأمور الغريبة جدّاً أنّ كتاب صحيح البخاري يتّهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه أراد الانتحار ، ويؤكّد على تكرار المحاولة عدّة مرّات ، وذلك في صحيح البخاري في كتاب التعبير باب أول ما بُدئ رسول الله به من الوحي في حديث طويل عن عائشة إلى أنْ تقول : « ثمّ لم ينشب ورقة أنْ توفي ، وفتر الوحي فترة حتّى حزن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيما بلغنا ، حزناً غدا منه مراراً كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلّما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدَّى له جبريل ، فقال : يا محمّد ، إنّك رسول الله حقّاً. فيسكن لذلك جأشه ، وتقرُّ نفسه ، فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك » (١).

فهذا الحديث موجود في أصحّ الكتب عند أهل السنّة والجماعة بعد القرآن ، وعند مطالعتنا للحديث تعجّبنا من ذلك وتساءلنا : هل يجوز من رسول الله ذلك الفعل أو تلك التهمة ؟. وهل كان رسول الله إنساناً عاديّاً أو أقلّ من العاديّ حتّى يقرّر الانتحار ؟. وهل يليق بنا أنْ نؤكّد ونقرّر حصول ذلك الأمر على رسول الله ؟. ووالله الذي لا إله إلا هو لو أنّك اتّهمت رجلاً جاهلاً بمحاولة الانتحار لأقام الدنيا عليك ؛ لأنّ فيها وصمة عار أبدية ، فكيف يجرؤ المسلمون على توجيه تلك التهمة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟. بل إنّهم يقرّرونها

__________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ٦٨.

١٠٧
 &

ويشددون على صحّة حدوثها ، ويقول العلماء في شروحات الحديث ، أنّ رسول الله عندما لم يستطع أنْ يحمل أعباء الرسالة أراد الانتحار ، ومع أنّهم يعلمون علم اليقين حرمة ذلك الفعل وشدّة عقابه عند الله تعالى وشدّة تحريمه في القرآن الكريم ، بل إن البخاري في صحيحه والذي يروي حصول إرادة الانتحار من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يروي أيضاً حرمة الانتحار الشديدة ويبيّن أنّ عقوبة ذلك الفعل الخلود في نار جهنّم والعياذ بالله.

فقد روى في صحيحه في كتاب الطب ، باب شرب السمّ ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : « من تردَّى من جبل فقتل نفسه ، فهو في نار جهنّم يتردَّى فيه خالداً مخلَّداً فيها أبداً ، ومن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه ، فسمّه في يده يتحسَّاه في نار جهنّم خالداً مخلَّداً فيها أبداً ، ومن قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلَّداً فيها أبداً » (١).

فهل كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينهى عن فعل ويأتي مثله ؟ أليس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو القدوة في الاتباع والاقتداء ؟ ألم يكن مثلاً أعلى في شدّة التحمّل والصبر والشجاعة ؟ ألم يصفه رب العزّة جلّ وعلا بأنّه على خلق عظيم ؟.

ولماذا توجد مثل هذه الروايات أصلاً في كتب المسلمين ؟ ولو أنّ شخصاً في يومنا هذا ألّف كتاباً وطعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه طعنة واحدة وبمستوى أقلّ ممّا هو موجود في كتاب البخاري ، لقامت الدنيا على مؤلّفه ولم تقعد وسوف يقرّر الناس أنّ جهات خارجيّة داعمة لذلك المؤلّف ، وأنّها الحرب على الإسلام وثقافته وعلى المسلمين ، فلا يمكن للمسلمين أنْ يقبلوا ما يمسّ مقام النبيّ الأكرم ورسولنا الأعظم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنّ السؤال المهمّ في هذا

__________________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٣٢.

١٠٨
 &

المقام ، لماذا يسكت الناس والعلماء على وجود مالا يليق بشخص رسول الله في أهمّ كتبهم بعد القرآن ، ولماذا يعطون البخاري العصمة ويصحّحون كلّ ما ورد في كتابه (صحيح البخاري) ، ولا يمنحون العصمة لرسول الله التي منحها الله تعالى له وأقرها ؟. هل أنّ البخاري هو أفضل من رسول الله بحيث إنّنا نجوّز النقصان والعجز وقلّة التحمّل على رسول الله ، ولا نجوّز ذلك على شخص مثل البخاري ؟ ثمّ من هي تلك الشخصيّة التي نالت مقاماً أسمى من مقام الرسالة ومنزلة النبوة ؟ ومَنْ كان وراء وجود ذلك الكتاب ؟. ومن الذي فرضه على المسلمين وجعله بتلك المنزلة السامية الرفيعة ؟ هل كان كتابا أملته السلطة الحاكمة في ذلك الوقت ، والتي كانت على عداء مباشر وصريح مع رسول الله وأهل بيته المعصومين سلام الله تعالى عليهم جميعاً ؟.

وهناك عشرات الأسئلة التي تنبثق عند مطالعة التناقضات في تلك الكتب ، والتي توجب البحث والتقصّي فيها وفي مضامينها والظروف المحيطة فيها ، وأقلّها سؤال هام جدّا وهو أنّه لماذا ترك المسلمون أهل البيت وثقافتهم وعلمهم عليهم‌السلام وتمسكوا بما فرضه عليهم أعداء أهل البيت من السلطة الحاكمة الظالمة ؟.

وليس المقام هنا تحليل كامل لما هو موجود في صحاح المسلمين ، وإنّما أردنا بيان موقعيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند من يدعون محبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ يتّهمونه بما لا يجوز في حقّه ولا يليق بمنزلته.

هل يجوز في حقّ الرسول أنْ يكون مسحورا ؟

ثمّ إنّنا قرأنا في كتب الصحاح وعلّمنا أساتذتنا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سُحِر ، سَحره لبيد بن الأعصم اليهودي ، وكان ذلك في أواخر عهده من الدنيا ، وهذا

١٠٩
 &

ما رواه البخاري وغيره من صحاح أهل السنّة ، فهم يقررون حصول ذلك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل ويستشهدون به دائماً ، ويدرّسونه للناس كما تعلمناه نحن في المدارس والمساجد.

فقد روى البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده ، عن عائشة قالت : « سحر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتّى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء وما يفعله » (١).

والذي يثير حفيظة المدقّق المنصف عند قراءته هذا الحديث والتأكيد على سحر رسول الله من قبل علماء السنّة ، هو أنّ حصول السحر جعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُخيّل إليه أنّه يفعل الشيء ولا يفعله ، وهذا يعنى حصول خلل في عملية تبليغ الرسالة أو أيّ شيء من الوحي ، فربّما قال رسول الله شيئاً وهو مسحور على أنّه وحي من الله تعالى وهو ليس كذلك بل من تأثير السحر عليه ، أو ربّما قال شيئاً من الوحي وظنّ من حوله أنّه من تأثير السحر.

إنّ القول بجواز سحر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو طعن في شخصه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وطعن في مقام النبوّة ومنزلة الرسالة ، وطعن في عقائد الدين وأحكامه ، والقول بجواز وقوع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت تأثير السحر هو مما لا يجوز شرعاً وعقلاً ، ولا يمكن أنْ يقبل ذلك العقل الصحيح والمنطق السليم.

وعلاوة على ذلك فقد جزم القرآن الكريم باستحالة وقوع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت تأثير السحر ، بل إنّه اعتبر من يدّعى جواز حصوله عند رسول الله من أشدّ الظالمين ، والظلم من أشدّ المحرّمات التي نهى عنها الشارع المقدّس ، وتوعّد الظالم بالعقاب الشديد والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.

__________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ٩١ ، وأنظر سنن ابن ماجة ٢ : ١١٧٣ ، مسند أحمد ٥ : ٥٠ ، وأخرج حديث السحر عن زيد ابن أرقم أيضاً كما في : سنن النسائي ٧ : ١١٣ ، مسند أحمد ٤ : ٣٦٧.

١١٠
 &

قال تعالى في سورة الإسراء : ( نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ) (١).

فهل بعد هذا البيان المقنع والتفصيل القرآني البيّن الواضح ، يجوز للمسلمين أنْ يكونوا من أشدّ الظالمين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهل يدرك من يقرّر ذلك أنّه يستحقّ غضب الله وسخطه ؟. وهل من قرّر لنا صحة الأحاديث خصوصاً التي في صحيحي البخاري ومسلم هو أفضل من شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

والذي يتقرّر عندي أنّ المسلمين ما داموا يظلمون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأشدّ الظلم ، وما دام العامّة يركنون إلى هذا الظلم فإنّهم لن ينالوا عهد الله ونصره وفرجه ، قال تعالى : ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٢). وقال تعالى : ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٣) فما دام الظلم قائماً لرسول الله ومقرّرا في مناهج المسلمين وكتبهم ويؤكّده العلماء فستبقى الأمّة تعاني من حال الضياع والضلال ، حيث إنّها تركت ما إن تمسّكت به ، فإنّها لن تضلّ أبداً ، ولجأت إلى تلك المواقف المزيّفة واحتكمت إليها ، وركنت إلى جهال أخذوا جهالتهم من جهال مثلهم ، وركنت الأمة إلى الظالمين واحتكمت إليهم ، فصار الحال كما ذكرت الآيات القرآنية التي تصف أحوال الظالمين.

وليست هذه المظلمة هي الوحيدة التي ظلم بها أولئك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهناك العشرات منها مدوّنة في كتب التاريخ والسير وفي كتب الصحاح والسنن ، وسوف أضيف إلى ما ذكرت قسماً آخر منها على سبيل المثال ،

__________________

(١) الإسراء : ٤٧.

(٢) هود : ١١٣.

(٣) البقرة : ١٢٤.

١١١
 &

ولكي نبيّن أنّ من سبل الاستبصار التي توفق المدقّق للوصول إلى الحقيقة هي دراسة التاريخ ضمن ما ذكرناه من شروط ، وها نحن نذكر عددا من المواقف التاريخيّة ، والتي وقفنا عليها قبيل استبصارنا وعند مطالعتنا لتاريخنا الإسلامي ، وهي التي كانت من أسباب التوفيق للوصول إلى حقائق الإيمان بفضل من الله تعالى وكرم وتوفيق منه جلّ وعلا.

هل يجوز في حقّ الرسول أنّ يجهل الوحي ؟

وكان من أوّل ما تعلمنا وقرأنا في بداية حياتنا الدراسيّة ، وهذا طبعاً في بلادنا والتي غاب عنها فكر أهل البيت وثقافتهم ، هو كيفية نزول الوحي على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غار حراء ، حيث تذكر المصادر السنّية الكيفيّة التي تعامل الوحي فيها مع رسول الله ، ونزول سورة العلق ، ثمّ خوف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهروبه إلى منزل خديجة (١) ثمّ نزول سورة المدّثر ، وما إلى ذلك من أحداث لا تناسب مقام النبوّة إنّها تُسيء إلى نبيّ الإسلام أيما إساءة فإنّه المعروف بداهة أنّ من توكل إليه مهمّة ما من الناس العاديين ، فإنّه لا بدّ له من أنْ يحيط بماهيّاتها وظروفها ومراميها ، والأهمّ من ذلك معرفة من أوكله بمهمّته تلك ، وإلا فلا يتحقّق له تحقيقها فضلاً عن أن يكون أهلا لها ، فكيف برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي اختاره الله واصطفاه لعلمه وكماله وخصوصية شخصيّته غير الاعتيادية ، مع العلم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبحسب ماروته كتب الحديث أنّه كان نبيّاً وآدم بين الروح والجسد (٢) وإنّ حجراً بمكّة كان يسلّم عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل بعثه

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٣ ـ ٤ ، ٦ : ٨٨ ، صحيح مسلم ١ : ٩٧ ـ ٩٨.

(٢) أنظر سنن الترمذي ٥ : ٢٤٥ ، المستدرك على الصحيحين ٢ : ٦٠٨ ـ ٦٠٩ ، السنّة لابن أبي عاصم : ١٧٩.

١١٢
 &

بالرسالة (١) ، ثمّ خروجه لفترات طويلة إلى غار حراء يتعبّد الله تعالى هناك (٢) ، فهذه شواهد وكافية لأنْ يكون على معرفة راسخة بحقيقة أمره ، أضف إلى ذلك أنّ الله تعالى إذا اختار عبداً واجتباه واصطفاه ، فإنّ من المقطوع به أنْ يحفّه بالرعاية التامّة والإحاطة المقترنة بالتمكين وقبول كلّ ما يمكن أنْ يوكله الله تعالى به ، فهل من الممكن بعد ذلك الطعن في عصمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وهل من الممكن قبول مثل تلك الروايات التي تشكّك بمعرفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالوحي ؟

إنّه حقّا أمر خطير يستدعي من ذوي البصيرة النظر والتدقيق وإعادة دراسة تراثنا وتاريخنا من جديد من خلال ضوابط وشروط يقبلها الشرع والعقل حتّى يستطيع المسلم أنْ يعبد ربّه على بيّنة ، وحتّى يصل إلى حقائق الإيمان المغيّبة ، وكان ممّا استدعى التدقيق والتفكير الرواية التالية من صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب أهل السنّة والجماعة ، والتي وبعد التدقيق بها لا يمكن أن يقبلها مسلم منصف لما عليها من تحفّظات وماتحويه من تناقضات سنتطرق إليها بعد سرد الرواية.

روى البخاري في صحيحه أنّ عائشة زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت :

أول ما بدئ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثمّ حبّب إليه الخلاء ، فكان يلحق بغار حراء ، فيتحنث فيه ـ قال : والتحنث التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى

__________________

(١) أنظر صحيح مسلم ٧ : ٥٨ ـ ٥٩ ، مسند أحمد ٥ : ٨٩ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٤٢٤.

(٢) صحيح البخاري ١ : ٣ ـ ٤ ، ٦ : ٨٨ ، صحيح مسلم ١ : ٩٧ ـ ٩٨ ، وأنظر شرح نهج البلاغة ٤ : ١١٥.

١١٣
 &

أهله ، ويتزود لذلك ، ثمّ يرجع إلى خديجة ، فيتزود بمثلها ، حتّى فجئه الحقّ وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : إقرأ ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « ما أنا بقارئ ». قال : « فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد ، ثمّ أرسلني فقال : إقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّني الثانية حتّى بلغ منّي الجهد ، ثمّ أرسلني فقال : إقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّني الثالثة حتّى بلغ منّي الجهد ، ثمّ أرسلني فقال : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) (١) الآيات.

فرجع بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ترجف بوادره ، حتّى دخل على خديجة ، فقال : « زمّلوني زمّلوني » فزمّلوه حتّى ذهب عنه الروع. قال لخديجة : « أي خديجة ، ما لي ، لقد خشيت على نفسي » ، فأخبرها الخبر ، قالت خديجة : كلا ، أبشر ، فوالله لا يخزيك الله أبداً ، فوالله إنّك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل ، وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها ، وكان امرأ تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العربي ، ويكتب من الإنجيل بالعربيّة ما شاء الله أنْ يكتب ، وكان شيخا كبيراً قد عمي ، فقالت خديجة : يا عمّ ، اسمع من ابن أخيك ، قال ورقة : يا ابن أخي ، ماذا ترى ؟ فأخبره النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم خبر ما رأى ، فقال ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى ، ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا ، ... (٢)

وهكذا جعلت هذه الرواية في صحاح المسلمين ، رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يدري

__________________

(١) العلق : ١ ـ ٣.

(٢) أنظر الرواية في صحيح البخاري ١ : ٣ ـ ٤ ، ٦ : ٨٨ ، صحيح مسلم ١ : ٩٧ ـ ٩٨.

١١٤
 &

أنّه نبيّ ولا يعرف الوحي ، وأنّه كان خائفاً ، مع العلم أنّها أقرّت بأنّه كان يتعبّد في غار حراء ، ومن يستطيع أنْ يمكث في غار حراء في ذاك الزمان بعيداً عن الناس وبعيداً عن أجواء مكّة التي كان لا يستأنس بها ، بل كان يستأنس بالله في غار حراء ، فهل يمكن لهذا الإنسان العظيم أنْ يخاف وهو مع الله ؟.

يقول الله تعالى في سورة النمل : ( يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) (١).

وهذه الآية تؤكّد أنّ الأنبياء والرسل لا يخافون ما داموا في حضرة الله عزّ وجلّ ، فلقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حضرة الله عزّ وجلّ عندما كان في غار حراء ، وعندما نزل عليه الأمين جبرئيل عليه‌السلام كان أيضا في حضرة الله تعالى ولديه ، والآية الشريفة واضحة الدلالة بأنّ المرسلين لا يخافون بين يدي الله تعالى وفي حضرته.

ويقول الله تعالى في سورة القصص : ( يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ) (٢). وهذه الآية أيضا فيها دلالة على الأمان وعدم الخوف لأنبياء الله ورسله ، فما بالك بسيّد المرسلين وحبيب ربّ العالمين ، وبذلك فإنّ هذه الروايات تتعارض مع القرآن الكريم تعارضاً واضحاً وتتناقض معه تناقضاً بيّناً ، وبالتالي لا يمكن أنْ نقبل بها أو نقرّ خوف رسول الله من الوحي ، أو جهله بأنه رسول ، فلا نقبل ذلك ولا نرضى به.

ثمّ إنّ هناك قضيّة أخرى وهي أنّ الحديث ترويه عائشة وتتحدّث عنه وكأنّها عاينته ، مع أنّها لم تدرك ذلك الزمان ، وربّما لم تكن ولدت بعد ،

__________________

(١) النمل : ١٠.

(٢) القصص : ٣١.

١١٥
 &

فكيف عرفت مجريات تلك الأحداث ، ولماذا انفردت بروايتها ؟. أسئلة نجيب عليها من خلال البحث.

شخصية رسول الله في القرآن تتناقض مع كتب الحديث :

ثمّ إنّك لو نظرت إلى صحاح أهل السنّة والجماعة ، وكذلك في كتب السّير والمغازي لوجدت أنّهم يجعلون من شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخصيّة دون العاديّة ، وهذا ما يتناقض كليّاً مع منزلته الشريفة ومقامه الرفيع الذي اختاره الله تعالى له ، وكذلك يتناقض وبشكل واضح مع الآيات القرآنيّة التي كشفت عن علوّ مقامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأخلاق والسلوك والعلم والشجاعة والعدل وما إلى ذلك من مقامات تسمو عن مقامات البشر ، بل إنّها لا يمكن أنْ تكون محلاً للمقارنة معها ، وهذا واضح جليّ في مئات الآيات القرآنيّة الكريمة ، نذكر معاً بعضاً منها على سبيل المثال.

قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم وحتّى يدرك الناس جميعهم في كلّ وقت وحين ، قال تعالى في سورة القلم : ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) . وهي تشهد بعلوّ وسموّ مقامه الأخلاقيّ الرفيع ، الذي شهد له به كلّ الناس قبل البعثة عندما كان يلقّب بالصادق الأمين ، وبعد البعثة عندما سُئلت عائشة عن خلقه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت : « كان خلقه القرآن » (٢).

وقال تعالى في سورة الفتح : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) (٣). وهنا الأمر الإلهي بتعظيمه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتوقيره من قبل كلّ المسلمين ، حتّى تبقى منزلة النبوة

__________________

(١) القلم : ٤.

(٢) مسند أحمد ٦ : ٩١ ، ١٦٣ ، ٢١٦ ، المعجم الأوسط ١ : ٣٠.

(٣) الفتح : ٨ ـ ٩.

١١٦
 &

ومقام الرسالة حاضراً أمامهم ، وحتّى يتذكّروا على الدوام أنّه يعلو عليهم ويسمو عنهم فلا يقاس به أحد.

وقال تعالى في سورة التوبة : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (١) أي أرسله بالهداية والقيم العالية الرفيعة والأخلاق الحميدة ودعوة الناس كافّة لها ولتطبيقها ورعايتها ، فلا يمكن له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يدعو إلى شيء خارجاً عن إطار الهداية التي فيها رضا الله تعالى ، ولا يمكن أنْ يدعو إلى ما يتناقض معها ، ولا يجوز للمسلم المنصف أنْ يقبل ما يناقض تلك الأوصاف النبويّة التي أعلنها الله تعالى في كتابه المجيد.

وقال تعالى في سورة الأنبياء : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (٢).

وقال تعالى مُقسِماً بعمر النبيّ وبحياته في سورة الحجر : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (٣) ثم أقسم به في سورة يس حيث قال : ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) (٤) ومعنى لعمرك : أي وحياتك يا محمّد ، وهذا مقام عظيم وتشريف كبير ودليل على أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكرم البريّة عند الله تعالى.

وقال تعالى في سورة آل عمران : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٥).

انظر كيف ربط الله سبحانه وتعالى محبّته باتّباع سيّد الخلق محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

__________________

(١) التوبة : ٣٣.

(٢) الأنبياء : ١٠٧.

(٣) الحجر : ٧٢.

(٤) يس : ١ ـ ٢.

(٥) آل عمران : ٣١.

١١٧
 &

وهذا تأكيد صريح على عصمته وعلى أنّه سبب للهداية ومغفرة الذنوب ، كيف لا وهو الرحمة المهداة للعالمين.

ويكفيك للتدليل على عظمته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الأمر الإلهي في القرآن العظيم بالصلاة عليه وعلى أهل بيته وهو قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (١) .

وقال تعالى في الأحزاب : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٢). وهذه الآية الشريفة التي دائما نستشهد بها على طهارة أهل الكساء وعصمتهم ، أستشهد بها في هذا المقام على طهارة وعصمة سيّد الخلق أجمعين ، فهو المعصوم قبل البعثة وبعدها ، وهو الأوّل في كلّ خير ، وهو الطاهر المطهّر الذي يبيّن أمر الله تعالى ، وهو أوّل من يُطبّقه ، وهو الذي يبيّن المحظورات الشرعيّة وهو أول من يجتنبها ، وهو الذي لا يمكن أنْ يسهو عن أيّ جزء من مهامّه الرساليّة ، ولا يمكن أنْ يأمر بالشيء ويتركه أو ينهى عن شيء ويأتيه ، ولا يمكن له أنْ يتناقض أو يختلف في مواقفه وكلّ أقواله وأفعاله ، ولا يمكن أنْ يجوّز المسلمون عليه أي فعل يخلّ بالأدب ، سواء كان على المستوى الأخلاقيّ أم الاجتماعيّ أم الاقتصاديّ أم العسكري أم غيرها ممّا يخطر على بالك من مستويات ، فقد كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثال الإنسان الكامل في كلّ نواحي الإنسانيّة ، وهذا ماتقرّره الآيات القرآنية وهو مايقرّره العقل السليم.

ولكنّ السؤال المهم هنا هو : هل هذا هو الحال والوصف لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة ؟.

إنّ الجواب على هذا السؤال يستطيع كلّ مسلم مخلص النيّة صادق التوجّه

__________________

(١) الأحزاب : ٥٦.

(٢) الأحزاب : ٣٣.

١١٨
 &

أنّ يتوصل إليه من خلال نظرة سطحيّة ومبسّطة في كتاب صحيح البخاري مثلاً ، ولن يصدّق ما سيرى من تعبير واضح عن شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم ، وكيفيّة معاملة الصحابة له ، وكيفيّة إلصاق التهم التي لا تليق بشخصه الكريم ، وهذا ما سأبيّنه بعد قليل ، ولقد دوّنت في كتابي سبيل المستبصرين العديد من الروايات الموجودة في أصحّ الكتب عندهم ، ولا مانع هنا أنْ نُذكّر ببعضها أو أنْ نضيف شيئاً جديداً عليها.

فقد تقدّم معنا كيف جعلوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد أنْ ينتحر مع أنه يعرف حرمة ذلك الفعل ، وجعلوه مسحوراً ، وجعلوه لا يعرف الوحي ، وجعلوه يتوفّى من غير أن يجمع كتاب الله تعالى ، وجعلوه يسهو في صلاته ، وجعلوه يُصلّى وهو جنب ، وجعلوه لا يهتمّ بنسائه ، وجعلوا منه شخصاً شهوانيّا ، وجعلوه لا يهتمّ بالقرآن ويسهو عن حفظ آياته ، وجعلوه يشرب النبيذ ، وجعلوه لا يهتمّ بجيشه وتموينهم الغذائي والعسكري ، وجعلوه يطوف بالبيت وهو عريان ، وجعلوه يسجد للأصنام ، وجعلوه يقرّب الغنيّ ويبعّد الفقير ، وجعلوه لا يصبر عن نسائه حتّى في فترة الحيض ، وجعلوه لا يهتم بستر نسائه ، وجعلوه يبول على مرأى من الناس ولا يستر عورته أمامهم ، وجعلوه يجتهد ويخطئ ، وادّعوا بأنّه توفي ولم يوص لعليّ بن أبي طالب بعد وفاته ، وأحرقوا حديثه الشريف بعد وفاته ومنعوا من تدوين سنّته ، وظلموا وآذوا أهل بيته أثناء حياته وبعدها ، بل إنّهم تعرّضوا لأذيّته شخصيّاً وحاولوا عدّة مرّات قتله ، ثمّ بعد عدّة قرون وعندما جمعوا أحاديثه قبلوا فيها المتناقضات ، فبينما تجد حديثاً يأمر بأمر ما ، تجد في نفس الصفحة ما يخالفه ، واعتبروا كلّ المتناقضات أنّها منه وهو منها براء ، ثمّ بعد ذلك تركوا قوله وفعله وتقريره واتّبعوا غيره في عشرات المسائل ، ولا زالوا يعتبرون أولئك الأشخاص فوق النبيّ وأولى منه بالاتباع والاقتداء ،

١١٩
 &

وتركوا متابعة أهل البيت الذين أمرنا الله تعالى باتّباعهم حتّى لا نضلّ عن الصراط المستقيم.

أخي المؤمن الكريم ، إنّني أتحدّث معك كمؤمن مستبصر ، قد نوّر الله بصيرته بحقائق الإيمان وأسأله الثبات عليها ، وأنْ يجعلنا من المؤمنين المستقرّين في إيمانهم وعقيدتهم ، ولتعلم أخي الكريم أنّني لا أبالغ في كل ما ذكرت لك ، بل إنّك لو قرأت التاريخ بصدق وإخلاص وتوجّه صحيح إلى الله تعالى ، فإنّني واثق أنّك سوف تصبح من المستبصرين للصراط المستقيم ، فالله تعالى لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.

وإليك بعضاً من الأحاديث المذكورة في صحاح أهل السنّة والجماعة تشهد بصحّة ما ذكرت لك من أنّ شخصيّة رسولنا الكريم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعلوها عندهم وبالأوصاف التي أقرّوها تتناقض مع الشخصيّة الحقيقيّة التي بيّنها القرآن الكريم ، والتي بيّنتها الأحاديث الواردة من طرق أهل البيت عليهم‌السلام.

هل يجوز في حقّ الرسول أنْ ينسى كتاب الله تعالى ؟

يقول الله تعالى في سورة الأعلى : ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ) (١). هكذا وصف القرآن الكريم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه لا ينسى ، وهذا ضمان من الله تعالى الذي قال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٢). من أجل تقرير شخصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي أرادها الله تعالى وقرّرها العقل السليم والمنطق الرفيع ، وقد أكّدت الأحاديث المتضافرة هذه الإرادة الإلهيّة بأنْ لا ينسى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّها كانت منذ بعثه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرسالة ويوم نزول سورة العلق.

فقد أورد السيوطي في الدر المنثور ، المجلّد الثامن سورة العلق في حديث

__________________

(١) الأعلى : ٦.

(٢) الحجر : ٩.

١٢٠