الكتاب ، فتنكشف لديه حينئذ الواقعيّات على ما هي عليها ، وكما كانت وتكون إثباتا ومحوا إلّا إن هذه الحالة والارتقاء إلى ذلك المقام المنيع والمنزل الرّفيع الّذي هو من أعظم عوالم الرّبوبيّة غير حاصل له في جميع الحالات والأزمنة ، فإن نفسه الزّكيّة قد تتوجه إلى ما يتعلّق بالدّنيا من الأمور السّياسيّة كالجهاد أو غيرها كالوقاع والأكل والشّرب حفظا للنّفس ونحو ذلك وهذا النّحو من التّوجه منه وإن كان لو صدر عن غيره لكان عبادة وحسنة إلّا أنّ صدوره عن مثله منقصة وسيئة ، «فإن حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين» ولذا صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يستغفر كلّ يوم سبعين مرّة ، ضرورة أن استغفاره كان حقيقة الاستغفار لا مجرّد التّفوه بمثل أستغفر الله ، ولا لأجل تعليم الغير حاشا وكلا ، فلا يكون إلّا لما ذكرنا ، ولا تنافي بين هذه الحالة وبين ثبوت العصمة كما لا يخفى ، فإذن تحقّق أن حال النّسخ في كلام النّبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وسائر الأنبياء وأوصيائهم عليهم أفضل الصّلوات والتّحيات مختلفة باختلاف المقامات.
هذه حال النسخ في الشّرعيّات وحقيقته منه تعالى كما عرفت ليس بمبدإ ، بل إبداء بمال خفاه لحكمة مقتضية لإخفائه في الابتداء ، وأمّا في التّكوينات فالبداء فيها بهذا المعنى الّذي ذكرناه في الشّرعيّات ممّا دلّت عليه الرّوايات المتواترات ، ومجمله أنّه إذا تعلّقت مشيّته تبارك وتعالى على ما اقتضاه الحكمة البالغة بإظهار وقوع حادثة من عذاب قوم أو موت عروس أو بلاء ونحو ذلك في زمان أو مكان مع أنّه يمحوه ولا يقع واقعا لأنّه معلّق على أمر غير واقع كما أخبر بإمكان هذا بقوله سبحانه عزّ من قائل : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ) أمر نبيه صلىاللهعليهوآلهوسلم أو وليه صلىاللهعليهوآله وحيّا أو إلهاما بإظهاره والإخبار به مطلقا ، إمّا مع علمه بحقيقة الحال وأنّه ممّا
