حمله وجريه على الإنسان واستعماله فيه قطعا فيكشف عن كونه عندهم ما هو معناه نفسه من دون تصرف فيه أصلا.
والتّحقيق أن يقال : أن مثل النّاطق ليس بفصل حقيقي للانسان بل لازم الفصل واظهر خواصه إذ لا طريق لهم إلى معرفة الفصل بنفسه مطلقا بل لا يكاد أن يعلم كما حقق في محله ، فلذا ذكروا مكانه في كلّ مورد أظهر خواصه كالنّاطق للإنسان مثلا فإنّه سواء أريد به الاتصاف بالنّطق الظّاهري أو الباطني ليس بذاتي بل عرضي للانسان قطعا ، نعم لو اريد به النّفس النّاطقة أمكن جعله فصلا حقيقيا للإنسان ، وأمّا بناء على إرادة غيرها فليس إلّا أظهر خواصه وأقرب لوازمه ، فلذا ذكروه في مقام التّعليم والتّعلم فصلا له. ويشهد لما ذكرنا أنّهم قد يذكرون لازمين مكان الفصل ويجعلون كلا منهما فصلا إذا كانا متساويا النّسبة إليه كالحساس والمتحرك بالارادة في الحيوان مع أن الفصل عبارة عن تمام ما يمتاز به الجنس عن ما عداه ، ومن الواضح أن هذا المعنى غير قابل للتعدّد ، فذكرهم الحساس والمتحرك بالارادة كليهما فصلا للحيوان كاشف عن عدم إرادتهم بالفصل معناه الحقيقي بل أظهر خواصه ولوازمه ، وعلى هذا فلا بأس بدخول مفهوم الشيء في مثل النّاطق فإنه على هذا التّقدير لا يكون فصلا حقيقيا للإنسان بل عرضي له ولا يلزم من أخذ مفهوم الشّيء الذي هو عرض عام فيه إلّا دخول العرض في العرضي (١) أعني الخاصة لا في الذّاتي أعني الفصل الحقيقي. ثم قال : ويمكن أن يختار الوجه الثّاني أيضا.
ويجاب : بإن المحمول ليس مصداق الشيء أو الذات مطلقا بل مقيدا بالوصف
__________________
(١) أقول دخول العرض في العرض أيضا غير معقول ، فإنّ تركب الشّيء من أجزاء لا يعقل إلّا إذا كانت من نسخ واحد ، إمّا أن يكون كلّه ذاتية أو عرضيّة أو من الأعراض ذاتيّة.
