وأقوال للصحابة والتابعين ـ يتناقل شفهيا ، حتى دخل عصر التدوين ، ثم دخل التفسير فى أطوار أخرى من عصر إلى عصر ، تتلون ألوانه بتلون اتجاهات أصحابها ، حتى وصل إلى عصرنا هذا ، وقد أخذ من كل لون ، ولا غرو فى ذلك ، فهو ماسة ربانية ، ينظر كل منهم إلى زاوية من زواياها ، فتستهويه ، ولا يكاد يصرف نظره عنها ، وهو البحر الذى لا ساحل له ولا قرار ، وبقدر ما عند الصياد من استعداد وأدوات ، بقدر ما يصطاد منه ، ليأكل ويبيع ويقتات.
٤ ـ تدوين التفسير :
التدوين فى بداية الأمر كان خاصا بالقرآن الكريم ، دون الحديث النبوى ، حتى لا يلتبس شىء من القرآن بغيره ، قال صلىاللهعليهوسلم : «لا تكتبوا عنى ، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه» (١٤).
فلما أمن اللبس أباح النبى صلىاللهعليهوسلم كتابة الحديث أيضا ، ويدل لذلك قوله صلىاللهعليهوسلم يوم فتح مكة ، لما طلب أبو شاة أن يكتب له خطبته :
«اكتبوا لأبى شاة». (١٥)
وإذا أردنا أن نقف على بداية تدوين التفسير ، وتطور هذا التدوين ، فإننا نقرر ما يلى :
أولا : إن تدوين التفسير كعلم مستقل عن الحديث ، وليس كباب من أبوابه بدأ فى مرحلة مبكرة ، على أيدى التابعين ، الذين جمعوا قدرا كبيرا منه على أيدى الصحابة ، ومما يدل على ذلك : ما جاء عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وأبى العالية ، والحسن البصرى.
فأما سعيد بن جبير فقد ذكر الحافظ ابن حجر فى ترجمته لعطاء بن دينار الهذلى ، أن عبد الملك بن مروان سأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن ، فكتب سعيد بهذا التفسير ، فوجده عطاء فى الديوان ، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير. (١٦)
وأما مجاهد فقد روى عنه الذهبى أنه قال : عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات ، أقف عند كل آية أسأله ، فيم نزلت؟
وكيف نزلت؟ (١٧). وروى ابن جرير الطبرى عن أبى مليكة قال : «رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ، ومعه ألواحه ، فقال ابن عباس : اكتب ، حتى سأله عن التفسير كله». (١٨)
وأما أبو العالية ـ وهو رفيع بن مهران ، أحد تلامذة ابن عباس وأبى بن كعب ـ فقد
