خلافا لكافة الأشاعرة (١). والظاهر أنّ النظام لمّا وافق الأوائل على توقف السمع على وصول الهواء إلى سطح الصماخ ، والهواء جسم ، ظن الناقلون عنه أنّه ذهب إلى أنّ الصوت جسم (٢).
احتج الأوائل بوجوه : (٣)
الأوّل : نرى صوت المؤذن على المنارة يميل من جانب إلى آخر عند هبوب الرياح ، ويتبع الرياح في الجريان إلى الجهة التي تطلبها.
الثاني : من أخذ انبوبة طويلة ووضع أحد طرفيها على فمه وطرفها الآخر على سطح صماخ آخر ، وتكلم فيها بصوت عال ، فإنّ ذلك الإنسان الآخر يسمع صوته دون الحاضرين. وليس ذلك إلّا لأنّ الهواء المتموّج الحامل للصوت لم ينتقل إلّا إلى سطح صماخ الذي وضعت الانبوبة على صماخه ، وانحصر في الانبوبة حتى تأدّى إليه خاصة دون الحاضرين ، فعلمنا أنّ الصوت محمول في الهواء المتموّج.
الثالث : إذا ضرب جسم على جسم من قرب ، سمع الصوت حال القرع ، ولو بعدت المسافة لم يسمع إلّا بعد زمان ، كما نشاهد في القصار إذا ضرب الثوب على الحجر ، فإنّه مع البعد يسمع الصوت بعد مشاهدة القرع بزمان ، ولا سبب لذلك إلّا أنّ الصوت يحمله الهواء ويتموّج إلى أن يصل إلى الأذن فيسمع بعد الحركة وانقضائها ، فساوى طول الزمان بعد المسافة.
الرابع : لو انسدّ التجويف الذي في الأذن لم يحصل السماع حيث لم يتأد التموّج إلى سطح الصماخ.
__________________
(١) وخلافا للقاضي عبد الجبار في نفس المصدر.
(٢) انظر هذا الظن في نهاية الإقدام في علم الكلام : ٣١٨ ؛ مقالات الإسلاميين : ٣٨٥. وانظر دلائل عدم جسمية الصوت في المحيط بالتكليف : ٣١٣.
(٣) قال الرازي : إنّها من احتجاجات النظام. راجع نهاية العقول.
![نهاية المرام في علم الكلام [ ج ١ ] نهاية المرام في علم الكلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3369_nihayat-almaram-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
