ومثال ذلك : أنّا نجد الأرض في أوّل النهار قبل طلوع الشمس على الأفق ، وفي آخره بعد غروبها عن الأفق ، مضيئة ، والمواضع المستورة عن الشمس بالحيطان والسقوف مضيئة مع أنّ الشمس غير مقابلة لوجه الأرض قبل حالتي الطلوع والغروب ، ولا في البيوت المستورة ، ولا علّة لهذا إلّا ضوء الشمس ولا يناقض هذا ما قدّمناه في المسألة السابقة من أنّ المضيء لا يضيء إلّا المقابل ؛ لأنّ المقابلة بين المضيء والمستضيء هنا حاصلة ؛ لأنّ الهواء المقابل للشمس يصير مضيئا بسبب مقابلته للمضيء بذاته الذي هو الشمس ، وأنّه مقابل لوجه الأرض ، فيصير ذلك الهواء مضيئا لوجه الأرض بسبب مقابلته للمضيء لغيره.
فالضوء الحاصل في الهواء المقابل للشمس هو الضوء الأوّل ، والحاصل على وجه الأرض من المضيء لغيره ـ وهو الهواء المقابل للشمس ـ هو الضوء الثاني. وما دام الضوء الذي في الجو ضعيفا كان الذي يظهر منه ويفيض عنه على وجه الأرض خفيا جدا. فإذا ازداد الجو إضاءة ازداد وجه الأرض إضاءة ، وكذا القول في ما بعد الغروب وفي أفنية الجدران.
وهذا التقرير إنّما يتم بأمرين :
أ : قبول الهواء للتكيف بالضوء.
ب : المضيء لا لذاته يضيء غيره بواسطة ما اكتسبه من الضوء الحاصل من غيره.
أمّا الأوّل (١) فلأنّا نشاهد الجو الذي في أفق المشرق وقت الصباح مضيئا. ولأنّا نرى الكواكب ليلا لا نهارا ، فلو لا تكيّف الهواء بالضوء لبقي على ما كان عليه في الليل ، فيلزم أنّ الإنسان إذا نظر إلى الجانب المخالف للجانب الذي تكون الشمس فيه من الفلك نرى ما فيه من الكواكب ، إذ الهواء لم يتكيّف
__________________
(١) فراجع شرح المواقف ٥ : ٢٥٥ ـ ٢٥٦ ؛ شرح المقاصد ٢ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤.
![نهاية المرام في علم الكلام [ ج ١ ] نهاية المرام في علم الكلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3369_nihayat-almaram-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
