فيجد الله في كل خفقة من قلبه ، وفي كل هزة من شعوره ، وفي كل نبضة من حياته ، وفي كل نعمة داخلية مما تختزنه ذاته ، وفي كل نعمة خارجية مما تحيط بوجوده وتتحرك فيه ، وذلك باعتباره الخالق المنعم الذي لولاه لما كان الوجود ولما استمرت به حركة الإنسان فيه ، أمّا العمل الصالح ، فهو الإيمان المتجسد بكل معانيه وإيحاءاته وخطواته في الواقع ، لأنه ليس مجرد فكرة في العقل ، أو خفقة في القلب ، أو حركة في الشعور ، بل هو موقف ينطلق من فكرة ، وفعل يتحرك من إحساس ، وحركة تتجسد في واقع.
وبذلك ، لا ينفصل العمل عن الإيمان ، ولذلك يأخذ منه ملامحه ومعناه ، فالإيمان بالله لا يتمثل بكل عمل كيفما كان ، بل يتمثل بالعمل الصالح الذي يرضاه الله ويحبه ، ليكون مظهرا للإخلاص له تعالى ، في العبادة وفي الموقف ، وفي الانتماء ، لتكون الحياة كلها لله في حركة الإنسان المؤمنة المسؤولة فيها.
* * *
العمل الصالح تجسيد للإيمان
وفي ضوء ذلك ، فإن الإنسان لا يعيش الاثنينيّة في الإيمان والعمل الصالح ، بل يعيش الوحدة العميقة المتجسدة في معنى واحد ، لأن الثاني نتيجة للأول ، بل هو تجسيد له ، إن الإيمان بالله يوحي للإنسان بالشمولية التي تتسع للكون كله ، لأنه خلق الله الذي تتمثل فيه قدرته وحكمته وتدبيره ، وهو ـ بعد ذلك ـ المسؤولية التي يحسّ بها بكل كيانه في إحساسه بعبوديته لربّه ، فيجد نفسه مسئولا عن أن يتعبد له في روحه وفي قلبه وفي عمله ، فيعرف أن الخلق كلهم عيال الله ، فيعمل على أن يجعل حياته بركة ومنفعة وخدمة لهم في كل أمورهم ، ليحصل ـ من خلال ذلك ـ على أن ينال الدرجة العليا في محبة الله
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
