وترقب ، (لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) في ما يعرض عليهم منها في كتاب الأعمال ، ليتذكر من كان ناسيا كيف كان عمله في الدنيا ، ولتقوم الحجة على الجميع ، لأن الإنسان مربوط بعمله ، فالعمل هو صورة المصير ، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) من خير (خَيْراً يَرَهُ) في ما يتمثل به خير الآخرة من رضوان الله ونعيمه في جنته ، (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) من شرّ (شَرًّا يَرَهُ) في ما يتمثل به شرّ الآخرة من غضب الله ، وعذابه في نار جهنم.
* * *
بين العمل والذرّة
وإذا كان الله يتحدث عن الذرّة كأصغر شيء في ميزان التقدير ، وهي الهباءة التي ترى في ضوء الشمس ، أو هي أصغر من ذلك ، في ما اكتشفه العلم من الشيء الذي لا يرى ـ في ما يقال ـ حتى بأعظم المجاهر في المعامل ، بل هي شيء رآه العلماء في ملاحظاتهم في عقولهم من خلال آثارها.
إذا كان الحديث عن العمل الذي لا يرى إلا بجهد كبير ، كما هي الذرّة في معناها المألوف ، فإن القضية التي يوحي بها هذا التعبير ، أن علة الإنسان التدقيق في طبيعة الخير ذاته ، وفي مختلف تجليّاته ومقاماته ، في الفكر وفي النبضة والخفقة واللمسة واللفتة والكلمة والممارسة ، حتى تكون كل المناطق الصغيرة الخفية في كيانه خيرا كلها ، ليكون الخير جزءا من ذاته في جانب الإحساس وفي جانب الفكر ، وفي دائرة العمل ، والأمر عينه في ما يخص مسألة الشر ، أي التدقيق فيه ، طبيعة وحركة وتجليات ، لتجنّبه وتفاديه.
فإذا عرف الإنسان ذلك كله في رضوان الله وسخطه ، فلا بد له أن لا يستهين بحسنة صغيرة ، لخفة وزنها المادي في ما هو مقياس ضخامة الأشياء ، ولا يستصغر خطيئة صغيرة لصغر حجمها ، في ما هو التقدير للحجم المادي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
