يتعرف فيها المرئيات ، فيزداد بذلك علما وخبرة في ما يختزنه من مفردات المعرفة التي تتحوّل إلى فكر يبدع فكرا من خلال حركة العقل في تنظيم هذه المعلومات ، وفي استنتاج العلم الجديد منها ، كما يستطيع ـ من خلالها ـ أن يهتدي إلى طريقه في كل الأوضاع والأجواء والمواقع؟!
(وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ) يستعين بها على النطق ، ليوصل أفكاره إلى الآخرين باللغة التي ألهمه الله إياها ، وبالصوت الذي وهبه الله له ، ليستطيع ، من خلاله ، إدارة حركة التفاهم الذي يسهّل للناس سبل العيش ، ويحوّل الوجودات الفردية إلى وجود اجتماعيّ متكامل يتبادل الخبرات والأفكار والحاجات من خلال عملية النطق التي يتحرك بها اللسان ، وتنطق بها الشفتان.
(وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) أي الطريقين : طريق الخير وطريق الشرّ ، بمعنى أننا منحناه الهداية العقلية التي يتمكن من خلالها من معرفة الخير والشرّ ، ليدخل في عملية التفكير في المقارنة بينهما ، وفي اختيار أيّ واحد منهما لحياته ليلتزمه في موقفه ، كخط عمليّ للحياة ، وليتحرك من أجل الدعوة إليه ، فيتحمل مسئوليته في الالتزام ، وفي الدعوة ، وفي حركة الصراع.
وقد ذكر صاحب الميزان ملاحظة دقيقة في استفادة المفهوم الجامع بين هذه الآيات الثلاث فقال : «وفي الآيات الثلاث حجّة على قوله : (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) أي على أنه تعالى يرى أعمال عباده ، ويعلم ما في ضمائرهم من وجوه الأعمال ، ويميز الخير من الشرّ والحسنة من السيئة.
محصلها : أن الله سبحانه هو الذي يعرّف المرئيات للإنسان بوسيلة عينيّة ، وكيف يتصور أن يعرّفه أمرا وهو لا يعرفه؟ وهو الذي يدل الإنسان على ما في الضمير بواسطة الكلام ، وهل يعقل أن يكشف له عما هو في حجاب عنه؟ وهو الذي يعلّم الإنسان ويميّز له الخير والشرّ بالإلهام ، وهل يمكن معه ، أن يكون هو نفسه لا يعلم به ولا يميزه؟ فهو تعالى يرى ما عمله الإنسان ويعلم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
