وهناك أكبر من كل هذا ، يعتقد أن الادارة قاسية ، والحكم صارم ، بل ربما يعتبره جائرا ، ويحسب ان العزة مفقودة ، والسلطة متعجرفة ، فلا يطيق شدة النظام ، ولا يقدر على تنفيذ الاوامر الكثيرة التي لا يسعها دماغه ، واذا كانت البادية موطن الظباء والآرام فهي عرين الاسود ، ولكل ما فيها وجوه دفاعه ووسائط بقائه ، والحياة في كل أوضاعها لا تخلو من صفحات خير ، ووجوه ضير ، وليس هنا أو هناك خير مطلق ، فكل منهما مشوب بعناء ، ومغمور بآمال ، تعتريه ما تعتريه من حالات اضطراب .. وصفحة الادب تجلو عما هنالك من ضروب هذه الحياة وأطوارها.
ولا نريد أن نسترسل في مدح البادية ، أو ذم الحاضرة ، أو العكس ، وإنما نعيّن ما هو معروف ، وان المتمنيات للفريقين أن تكون الحياة سعيدة في الحالتين ، فكلاهما يبغي ما عند الآخر من محاسن ونعم ، أو فضائل ، وان يجمع بين الحسنيين ، وان ينال خير الاثنتين ، فيزول ما يكدر الصفو ، او يقلل من الشرور ...
ولا تتيسر هذه إلا بعد المعرفة الحقة ، فاذا أدركنا الحضارة ونظمها وعرفنا حياتها وما هي عليه ، فنحن في ضرورة ملحّة إلى الاطلاع على ما في البادية بصفحاتها كلها ، وان ندرك ما فيها من ملاذ ومنغصات ، فندوّن ما هناك ، مما يدعو إلى التقرب ، ويزيل العوائق ، فنتعاون على مطالب هذه الحياة ، وأن تقوى الاخوة ، وتعود كما كانت ، وما الحضر إلا بدو سبقوا اخوانهم بخطا ، أو أن البدو اخوة الحضر لم يتقدموا بعد إلى ما عليه اخوانهم من حضارة ، والامل أن يتقدم المتأخر وان يتبدى الحضري ، ويتنعم بما عنده. وهكذا البدوي يعيش عيشة الحضري في باديته.
كتب علماؤنا وأدباؤنا في البادية ومواطن أهلها ومياهها ، كما خلدوا آثارا جليلة في أنساب العرب وقبائلهم ، فكانت تدويناتهم لا تقلّ عما ذكر في الامكنة والمياه ، والجبال والوهاد والدارات وما ذكر في الشعر ، أو عرض من وقائع إلا أن طول الزمن ، وبعد ما بيننا وبين اولئك العلماء والادباء قد غير الاوضاع ، وبدل الاسماء ، فلم نعاود المطالب ، ولم نثبت
![موسوعة عشائر العراق [ ج ٢ ] موسوعة عشائر العراق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3083_mosoa-ashaer-aliraq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
