وإذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول : إمّا باعتبار أنّ الدين الصحيح عند الله ، حين الإخبار ، وهو الإسلام ، لأنّ الخبر ينظر فيه إلى وقت الإخبار ؛ إذ الأخبار كلّها حقائق في الحال ، ولا شك أنّ وقت الإخبار ليس فيه دين صحيح غير الإسلام ؛ إذ قد عرض لبقية الأديان الإلهية ، من خلط الفاسد بالصحيح ، ما أختل لأجله مجموع الدين ، وإما باعتبار الكمال عند الله فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور ؛ إذ لا أكمل من هذا الدين ، وما تقدّمه من الأديان لم يكن بالغا غاية المراد من البشر في صلاح شئونهم ، بل كان كل دين مضى مقتصرا على مقدار الحاجة من أمة معيّنة في زمن معيّن ، وهذا المعنى أولي محملي الآية ، لأنّ مفاده أعم ، وتعبيره عن حاصل صفة دين الإسلام ـ تجاه بقية الأديان الإلهية ـ أتم.
ذلك أنّ مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل ، ليس مجرّد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوّق لدقائق تراكيبه ، بل مراد الله تعالى ممّا شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه ، ولما كان المراد من ذلك هو العمل ، جعل الله الشرائع مناسبة لقابليات المخاطبين بها ، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم ، ليتمكّنوا من العمل بها بدوام وانتظام ، فلذلك كان المقصود من التديّن أن يكون ذلك التعليم الديني دأبا وعادة لمنتحليه ، وحيث النفوس لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتّفق مع مدركاتها ، لا جرم تعيّن مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان. ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة.
وقد كانت أحوال الجماعات البشرية ، في أول عهود الحضارة ، حالات عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة ، ائتلفت رويدا رويدا على حسب دواعي الحاجات ، وما تلك الدواعي ، التي تسبّبت في ائتلاف تلك العوائد ، إلّا دواع غير منتشرة ؛ لأنّها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته ، ودفع الآلام عنه ، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتّصال به ، وتحسين حاله ، فبذلك ائتلف نظام الفرد ، ثم نظام العائلة ، ثم نظام العشيرة ، وهاته النظم المتقابسة هي نظم متساوية الأشكال ؛ إذ كلّها لا يعدو حفظ الحياة ، بالغذاء والدفاع عن النفس ، ودفع الآلام بالكساء والمسكن والزواج ، والانتصار للعائلة وللقبيلة ؛ لأنّ بها الاعتزاز ، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك ، بإعداد المعدّات : وهو التعاوض والتعامل ، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة ، وبذلك لم يكن لإحدى الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى ، فضلا عن التفكير في اقتباس إحداها مما
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
