الغالب ، فيقال طاعت قبيلة كذا وطوّع الجيش بلاد كذا.
و (الَّذِينَ كَفَرُوا) شائع في اصطلاح القرآن أن يراد به المشركون ، واللفظ صالح بالوضع لكلّ كافر من مشرك وكتابي ، مظهر أو منافق.
والردّ على الأعقاب : الارتداد ، والانقلاب : الرجوع ، وقد تقدّم القول فيهما عند قوله : (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) [آل عمران : ١٤٤] فالظاهر أنّه أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم ، لأنّ في ذلك إظهار الضّعف أمامهم ، والحاجة إليهم ، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويدا رويدا ، بإظهار عدم كراهية دينهم المخالف لهم ، حتّى يردّوهم عن دينهم لأنّهم لن يرضوا عنهم حتّى يرجعوا إلى ملّتهم ، فالردّ على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل ، وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة. وعلى هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيه رأي من قال : «لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان» كما يدلّ عليه قوله : (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ).
ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة ، أي الامتثال ، وذلك قول المنافقين لهم : لو كان محمد نبيئا ما قتل فارجعوا إلى إخوانكم وملّتكم. ومعنى الردّ على الأعقاب في هذا الوجه أنّه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إيّاهم.
وقوله : (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ) إضراب لإبطال ما تضمّنه ما قبله ، فعلى الوجه الأول تظهر المناسبة غاية الظهور ، لأنّ الطاعة على ذلك الوجه هي من قبيل الموالاة والحلف فناسب إبطالها بالتّذكير بأنّ مولى المؤمنين هو الله تعالى ، ولهذا التّذكير موقع عظيم : وهو أن نقض الولاء والحلف أمر عظيم عند العرب ، فإنّ للولاء عندهم شأنا كشأن النسب ، وهذا معنى قرّره الإسلام في خطبة حجّة الوداع أو فتح مكة «من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين» فكيف إذا كان الولاء ولاء سيد الموالي كلّهم.
وعلى الوجه الثّاني في معنى (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا) تكون المناسبة باعتبار ما في طاعة المنافقين من موالاتهم وترك ولاء الله تعالى.
وقوله : (وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) يقوّي مناسبة الوجه الأول ويزيد إرادته ظهورا. و (خَيْرُ النَّاصِرِينَ) هو أفضل الموصوفين بالوصف ، فيما يراد منه ، وفي موقعه ، وفائدته ،
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
