توجه نامق باشا إلى فرنسا وألقى على مسامع الإمبراطور نابليون الثالث بإعانة وزيره دوروان دولويز ، أن غض النظر عن تطاول الروسيا لا تأمن بوائقه الدول الغربيّة لأن الروسيا لا سمح الله لو تسلطت على الاستانة أما حسّا أو معنى لملكت التسلط على البحر المتوسط وحجرت التجارة عن سائر الممالك الشرقيّة من الممالك الغربيّة وأيضا تحصل على النفوذ السياسي الذي تخضرم به الدول الغربيّة إذا لم نقل أنها تستولي عليها ، وحيث كانت فرنسا ناشرة راية الفخر في المعمور لا يسوغ لها إغضاء النظر عن هذا الحادث وترك الدولة العليّة منفردة مع خصمها الألد وبسط هذا المعنى بحرارة نفس حركت النخوة الفرنسوية في الإمبراطور فأجابه إلى معاضدة الدولة العليّة وأشار عليه بأن يستوثق من إنكلترا محالفتها ومعاضدتها ، فما وصل إلى لندرة حتى وجد القوم في قلق من انتظاره وكادوا أن يحملوه على الأعناق وفتحت دار الندوة لمطلبه وتلقاه أهلها بالرحب والقبول وحماية الذمار فلم تلبث الحرب بضع أشهر حتى أعلنت فرنسا وإنكلترا حربهما للروسيا وانضمت إليهما دولة سردنيا إذ كان ذلك تسببا منها لاتحاد إيطاليا ودخولها في زمرة الدول العظام ، وامتدت الحرب واستعرت نيرانها إلى أن سلمت الروسيا للصلح على شروط معاهدة باريس ومضمونها هو :
إبقاء استقلال الدولة العليّة في جميع أجزاء ممالكها واستقلالها في سائر تصرفاتها الداخليّة التي يشترط فيها الحرية والأمن التام لرعاياها على اختلاف أصنافهم.
وأما الممالك التي لها استقلال في إدارتها وهم من النصارى كالصرب والجبل الأسود والأفلاق والبغدان فتبقى ممتازة تؤدي الخراج للدولة تحت حمايتها.
وأما البحر الأسود فيكون حائدا حتى لا يسوغ لإحدى الدولتين المالكتين لشطوطه جعل سفن حربيّة فيه سوى عدد يسير لمجرد حفظ الراحة الداخليّة وكذلك نهر الطونة يكون نهرا تجاريّا فقط تحت مناظرة جمعيّة أورباوية.
ومن ذاك الوقت تخلصت الدولة العليّة من أثقال الروسيا السابقة ودخلت في سلك الدول الأورباويّة العظام وتكفلت الدول باستقلالها ، ومن سوء البخت لم يزل أغلب المتوظفين في غفلاتهم مصرين على السيرة الإستبداديّة والعدو منهم بالمرصاد ، فألف جمعيات سريّة في قواعد مملكته وأرسلت عمالها إلى الولايات العثمانيّة التي أغلب سكانها نصارى والقواد سائسهم بتعليم الثوران وإلقاء العداوة بين الراعي والرعيّة ، هذا وسفير الروسيا في قاعدة الخلافة يحسن أوجه التودد إلى الروسيا والاستماع إلى نصائحها الملائمة لطباع من استماله من الرجال ، من الاستمساك بالسيرة الإستبداديّة التي هي سيرة الروسيا لكن على شرط التسليم في الولايات التي يسكنها الصقالبة ، وبذلك تعقد دولة الروسيا مع الدولة العليّة معاهدة على الذب والإقدام وتعوضها بمعاضدتها ممالك إسلاميّة عوضا عمّا يخرج من عندها ، وتساعدها أيضا على الحط من ديونها إلى المقدار الذي يظهر لها ، فأثرت هذه الوساوس وأعلنت الدولة العليّة بعدم اقتدارها على دفع فائدة ديونها حتى اغتاظت منها
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
