الأعيان ومجلس النواب من الإنكليز أنفسهم هاجوا وماجوا على دولتهم من تلك الفعلة وألزموا الوزراء بالمحاكمة والقصاص فأنكر وزير البحريّة أذنه بذلك وقال : إن فعل رئيس الأسطول لما فعل هو افتيات منه ولا علم للدولة به فألزموا إحضاره والحكم عليه بالقتل وعند ما أحضر وروفع في مجلس الحكم وصدر الحكم بقتله وعلم أنه لم يبق له مفر أقبل على وزير البحريّة وسارّه في أذنه بقوله : «أيها الوزير إن تلك البطاقة التي بخطك قد نسيت أن أحرقها وها هي الآن في جيبي» ، فبهت وجهه وأطرق صامتا ، ثم عقد جلسة سريّة وأطلق سبيل الرجل ويقال إن الحامل على ذلك ما هو مركوز في طباع الدول سيما إذا كان القصد هو أركاس المسطو عليه لما يأتمر به الساطي ، بيد أن الدولة الإنكليزّية لم تزل من ذلك الوقت إلى الآن تعاضد الدولة العليّة وتنصح لها وتظاهرها متى استطاعت كما يأتي ، ومع هاته الشدائد التي تقدمت الإشارة إلى بعضها فالسلطان محمود رحمهالله ونعمه لم يزل جلدا مقداما ، حتى أنه لما بلغه خبر الأسطول وهو يحادث أحد كبراء دولته لم يزد على سؤاله عن تحقق الأمر من غير انزعاج ثم عاد لحديثه الذي كان فيه وشمر عن ساعد الجد في تجديد الأسطول وإقرار الراحة بانتظام العساكر النظاميّة والأحكام السياسيّة والشرعيّة فاخترمته المنيّة قبل الاستتباب ، وتسلطن ولده السلطان عبد المجيد فأخذ في السعي في الإنتظام وتغيير السيرة القديمة إلى التهذيب الوقتي الذي هو موافق للشرع العزيز كما يأتي في الفصل الرابع من الخاتمة ، وأصدر الفرمان العالي المحدث للتنظيمات وتعريبه هو :
من المعلوم عند الجميع أن دولتنا العليّة لم تزل من مبدأ ظهور أمرها معتنيّة بكمال الرعاية للأحكام القرآنيّة الشريفة والقوانين الشرعيّة المنيفة وإن سلطنتنا السنيّة قد وصلت بذلك إلى الدرجة القصوى من القوة والمكانة ورفاهيّة الرعايا وعمارة المدن والقرى ، إلّا أنها منذ مائة وخمسين سنة تناقصت قوتها ومعموريّة ممالكها وأخذت في التأخر والضعف وذلك لغوائل متعاقبة وأسباب متنوعة نشأ منها تجاوز الحدود الشرعيّة والقوانين المرعيّة ، ولا يخفى أن الممالك التي لا تنسج إدارتها على منوال القوانين الشرعيّة لا تدوم استقامتها ، فلذلك لم تزل أفكارنا منذ جلوسنا على سرير الملك مصروفة إلى تدبير وسائل عمارة الممالك ورفاهيّة الأهالي مما يحصل به المطلوب في مدة يسيرة بعون الله تعالى نظرا إلى حسن الموقع الجغرافي المحتوي على ممالك دولتنا العليّة ذات الأراضي الخصبة والأهالي ذوي الإستعداد وتمام القابليّة ، إلى أن رأينا من المهم وضع قوانين جديدة مؤسسة على القواعد الشرعيّة المشيدة واعتمادنا في وضع ذلك على العناية الربانيّة متوسلين بحرمة سيد البريّة صلىاللهعليهوسلم ، ومدار القوانين المشار إليها على وجوب حفظ النفس والعرض والمال ، وعلى بيان المرجع في تعيين الأداء وجلب العساكر اللازمة. أما وجوب حفظ النفس والعرض فلكونهما أعز الأمور الدنيويّة فإذا خشي الإنسان عليهما اضطر إلى التشبث بمن يرجو به وقايتهما كائنا من كان ، وإن لم يكن في أصل فطرته مجبولا على الخيانة ولا يخفى أن ذلك مما يضر بالدولة والمملكة بخلاف ما إذا كان آمنا على نفسه وعرضه فإنه لا يحيد عن طريق
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
