ثم أن النبي صلىاللهعليهوسلم قد أمره الله بالهجرة إلى المدينة التي قدر أن تكون هي مظهر إصلاح هذا العالم الأرضي ونجاة أهله في الآخرة ، وكان إذ ذاك قد فشا خبر الإسلام والبعثة فتلقّاه الأنصار أهل المدينة بالبيعة والطاعة وانثالت عليه القبائل بالإيمان ، واستعد إذ ذاك لإجراء أمر الله وأحكامه على من عاندوا بعد إقامة البرهان والحجة ، وتمم أبعد وعده لرسوله وللمؤمنين ففتحت مكة وآمنت في أثرها جميع قبائل جزيرة العرب ، ولم يزل الدين ينتشر إلى أن عمّ البسيطة في نحو نصف قرن ، ثم أن تاريخ الحجاز لما كان من ذلك الوقت هو تاريخ الأمة الإسلاميّة إلى انتقال الخلافة منه في خلافة سيدنا علي ، ثم عودها إليه في خلافة سيدنا الحسن رضياللهعنهم جميعا ثم خروجها منه من ابتداء خلافة سيدنا معاوية ، والكلام على ذلك كله مبسوط في جميع التواريخ الإسلاميّة فلا ثمرة في ذكرنا لأزيد ممّا ذكرناه هنا طبقا لقاعدتنا.
وإنما نقول إن الخلافة لما انتقلت عن الحجاز صار على كلّ من مكة والمدينة وال مخصوص غير أن والي مكة قد تعين من وقت الفتح ، وأول وال بها هو عتاب بن أسيد (١) ولي سنة ثمان عند الفتح وولي أيضا على إقامة الموسم والحج ، ثم أن بني أميّة كانوا لا يولون على المدينة إلّا أقرب الناس وآمنهم لديهم ، واستمرّ الأمر على ذلك إلى حدود سنة ٢٥١ التي استقلت فيها عائلة ساداتنا الأشراف بني الأخيضر وبقيت بأيديهم إلى أن غلب عليهم القرامطة سنة ثلاثماية وسبعة عشر ، وهولاء القرامطة قوم ظهروا باليمن مظهرين الإسلام والتمسك بالسنة وهم أشد كفرا ونفاقا من المنافقين ، فأدخلوا في الدين الدسائس ووضعوا الأحاديث وفعلوا من المناكر ما له خبر مأثور ، حتى استولوا على مكة والمدينة وخربوا الكعبة وقلعوا الحجر الأسود من موضعه إلى أن رجعه بعد ذلك عمال بني العباس الذين طهر الله بأيديهم الحرمين من أولئك القرامطة ، ثم استقلّ بالحرمين أيضا السادة الأشراف بنو سلمان بن داود بن الحسن المثنى وبقي الملك بأيديهم إلى سنة أربعمائة وإثنين وخمسين ، فاستقلّ بملك الحجاز الهواشم الذين هم العائلة المستولية إلى الآن من ساداتنا الأشراف وأولهم سيدنا المولى الشريف أبو هاشم محمّد العلوي المستولي في السنة المذكورة والمتوفي سنة ٤٨٧ ، وبقيت في بنيه إلى الآن ، فإنهم كانوا من ذلك التاريخ مستقلين بالأمر والنهي والنصب والعزل وسائر الإدارة الداخليّة ، إلّا أنهم يدلون بالبيعة ظاهرا إلى الخلفاء العباسيين والسلاطين الذين تغلبوا عليهم ببغداد إلى انقراض دولتهم ، فأدلوا بالبيعة إلى سلاطين مصر وإنما كان الحال يختلف عندهم فتارة تنفرد مكة والمدينة بأمير واحد منهم وتارة تستقل كلّ منهما بأمير إلى أن فتح السلطان سليم الأول مصر وأقام
__________________
(١) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ، أبو عبد الرحمن (١٣ ق ه ـ ١٣ ه). والي أموي قرشي من الصحابة. أسلم يوم فتح مكة. وبقي فيها إلى أن مات. الأعلام ٤ / ١٩٩ شذرات الذهب ١ / ٢٦ اللباب ٢ / ١١٨ والإصابة ٤ / ٢١١ رقم الترجمة (٥٣٨٣).
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
