الأحياء ، وسبب ذلك والله أعلم أن العمران في الأرض كان في ذلك التاريخ غير معتبر في جهتي الجنوب والشمال وإنما مناخ الأمم ومقام أغلب الخلق في جهتي الشرق والغرب ، وكان الوجه في الإتيان بلفظ المشارق والمغارب بصيغة الجمع هو الإشارة أما إلى المشارق بالنسبة للعرض أي تعددها نظرا لاختلاف الفصول ، أو بالنظر إلى الطول أي مشارق أهل الأرض فإن كل جهة من الأرض شرقيها مسكون إلى نهاية المحيط الشرقي بالنسبة لنصف الكرة الذي هو القسم المعمور والمعروف إذ ذاك ، وهكذا الغرب فيكون في الحديث على الوجه الثاني إشارة إلى عدم تملك المسلمين في أمريكا كما هو واقع بالفعل لأنها ليست بمشرق ولا بمغرب لأحد سكان هذا القسم ، أعني القسم المشتمل على آسيا وأفريقيا وأروبا لأن بعد قارة أمريكا من هاته القارة جعل مشرق شطوط قارّاتنا ومغربها هو البحر ، فبسبب امتداد ملك هاته الطبقة إلى ذلك الحد وانتقال القبائل إلى تلك الأصقاع المفتوحة واختلاطهم بأممها ورجوع تلك الأمم أيضا إلى مركز الحكم وتخته وتخت الديانة أيضا لأنهم دخلوا فيها أفواجا.
فبسبب ذلك كله حدثت الطبقة الثالثة : من العرب وهي العرب المستعربة ، أي الذين تعربوا وإن لم يكونوا في الأصل عربا ، وامتدّت هاته الطبقة إلى نهاية دولة العرب في الصورة والمعنى ، أعني إلى حدود المائة الثالثة التي تقلص فيها ظل دولة جنسيّة العرب وإن بقي فيهم الملك ، لكن عصبته وأنصاره والقائمون به والذين أمر الدولة في أيديهم حقيقة هم الأعاجم من الترك والموالي ، الذين اتخذهم بنو العباس بطانة لهم فتغلبوا على الأطراف وعلى نفس الخليفة تارة مع شدة في الإستيلاء وتارة مع ضعف ، إلى أن اندثر ملك الخلفاء بالمرة بواقعة هلاكو خان على بغداد التي بها انقرضت دولة بني العباس ، وإن عادت إسما بلا مسمّى بعد مدة قليلة من السنين بظهور أحد ذريّة بني العباس في مصر وإكرامهم له بالبيعة الصوريّة وتسميته بالخليفة ثم يحجرون عليه في قصره الرحيب بحيث لا يكون له من الأمر شيء ويكتب كتابا يشهد فيه على نفسه أنه فوّض الأمر إلى ذلك السلطان الذي ولاه ويبقى ممتعا في لذاته التي يتفضل بها عليه حسن ظن من سلاطين ذلك الزمان بمصر ، حتى اعتقدت العامة أن وجود الخليفة موقوف على شرط النسب العباسي وحده فأزاحت هاته البدعة الدولة العثمانيّة عند استيلائها على مصر سنة ٩٢٢ هجريّة بفتوى العلماء. ومن تاريخ إنحصار دولة العرب أي بني العباس في مملكة العراق وخروج الحجاز عنها غالبا إلى بيعة من هو بمصر. حدثت الطبقة الرابعة : وهي العرب المخضرمون الذين هم سكان جزيرة العرب إلى الآن ، فإنهم وإن كان أكثرهم قبائل عربيّة النسب أصالة لكن لغتهم قد خرجت عن أصلها ، وكذلك طبائعها وعاداتهم لتقليدهم الأمم المتغلبين على الدولة التي هي أكثر نفوذا في ممالك الإسلام ، فهم وإن كانوا عربا من جهة الأنساب لكنهم غير عرب من جهة اللغة والطبائع وبعض الإختلاط في الأنساب ، ولذلك أطلق عليهم إسم المخضرمين ، وقد أدانا الكلام على إجمال أوصاف الطبقات الأربعة من العرب إلى التكلم عن شيء من حالة
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
