فرنسا الوالي المذكور على إهانة نائبها وألحت عليه بأن يطلب منها الرضى ويعترف بالخطأ فأبى وأصر مع أمر الدولة العثمانية له بذلك ومن النصائح المتتابعة له من الدول الأجانب وخواص الأهالي. وقد كانت فرنسا في شغل من داخليتها في ذلك الوقت حسبما مر بك في تاريخها لأن ذلك كان أثر حروب نابليون الأول وكانت أيضا متوقية المشاحنة مع العرب ومع الدولة العثمانية حتى رضيت فرنسا بأن يكلف الباشا أي إنسان كان في باريس يطلب الترضية لكي تندفع عنها المعرة ولا تلحقه هو مذلة بإرسال أحد من متوظفيه إلى القنسلاتو ولا إلى باريس وكان قصدها بذلك كله اجتناب الحرب ما أمكن لاشتغالها بحروبها وأحزابها الداخلية ، فأصر الوالي على رأيه وأرسلت فرنسا أسطولها وحاربت بلد الجزائر واستولت عليها وحمل ذلك الوالي إلى باريس ثم مات في إسكندرية وقد نسب المؤرخ المذكور منشأ أعمال الباشا المشار إليه إلى كونه لا غيرة له على الوطن من حيث كونه لم يكن من أبناء ترابه ولذلك خاطر به إلى ذلك الحد مع علمه بالضعف وانحلال عرى عصبيته ونفرة الأهالي من جوره الخ ، والحق أن مثل ذلك التعليل تأباه الشريعة على ما سيأتي إيضاحه في الخاتمة إن شاء الله تعالى. فالجنسية الإسلامية واحدة ، ثم المشاهدة تناقض مقاله أيضا فكم شاهدنا وسمعنا من التاريخ ما يثبت غيرة الوافدين على الأقطار ووفاءهم لها بشكر نعمائها وأداء واجبات الديانة فيها من التحسين والتحصين وكم شاهدنا وسمعنا أيضا ضد ذلك من أبناء الإقليم ومن دعيين فيها ، فتحقيق السبب هو أن الله إذا تأذن في أمة بانحلالها فسدت أخلاق أكابرها ففسقوا فيها أو من فسوقهم إسناد الأمر إلى غير أهله فحق عليها القول وسلط عليها ما يدمرها وذلك هو الدال عليه القرآن الكريم (١) والحديث الشريف وهو المشاهد بالعيان والمعلوم من التواريخ في اضمحلال الدول وتقهقرها وحذاق الناظرين في أحوال الدول ينسبون نكباتها لأصول منشأ الفساد وإن طال الزمان ، ويكون الذي انحل بيده الأمر مظهرا لكامن الداء الزمن وهو مع ذلك مسؤول لله ولعباده إذا كان يمكن له توقيف المرض فيعوض ذلك بزيادة مهيجات بحراناته فيكون أشد على الأمة من وقع الصواعق ، إذ الجسم العليل يتأثر بما لا يتأثر منه السليم وكفاه خزيا في الدنيا والآخرة إن كان مظهرا للشر ، ورفداء الجزائر قد ابتدأ منذ انخرم أمر إلينكشارية في القسطنطينية التي هي مقر الدولة العامة ونشأ عنه ما نشأ من فساد الإدارة والولاة إلى أن أصيبت عدة جهات وباء حسين باشا في الجزائر بإثم الظلم والخراب والتهور الذي كان أعظم النكبات وانتقلت حالة الجزائر بل وحالة السياسة في شطوط أفريقية الشمالية إلى طور آخر.
وكان مبدأ استيلاء فرنسا على الجزائر سنة ١٢٤٦ ه في مدة كارلوس العاشر ملك فرنسا ، وتمكن الفرنسيس أولا من القاعدة وما حولها لكن بقية الجهات أصروا على الإمتناع
__________________
(١) وهو قوله تعالى : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) [الإسراء : ١٦].
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
