أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

ويشير إلى ذلك نقله لقول الشيخ الطوسي وعدم تعليقه عليه بشيء ، وهذا يعني التزامه به ، وإلّا فمن غير المعقول أن تكون كتبه «الذكرى» و «الدروس» و «البيان» ، وهي تجمع فتاويه ساكتة عن الشهادة الثالثة مع أنّها مسألة فقهية لها علاقة وثيقة بالعقيدة ، وقد تكون التقيّة العامل الاقوى في ذلك ، لأنّ الشهيد استشهد بأيدي العامة.

وفي الجملة فنقل العالِمِ لقول في كتبه الفتوائية وسـكوته عن التعليق عليه يدلّ على التزامه به ، خاصّة إذا اخذنا بنظر الاعتبار ان كتبه قد صُنّفت على أساس البحث والتمحيص والنقض والإبرام.

القرنان التاسع والعاشر الهجريَّان

يوجدُ في هذين القرنين علماء ، وفقهاء ، ومحدّثون ومتكلّمون ، عظام ، لكنّ غالب كتب هؤلاء العلماء مفقودة ، والموجود منها بأيدينا لم يصرّح بما يرتبط ببحثنا ، فاقتصرنا على ذكر من وقفنا على كتبهم ، وخصوصاً البارزين منهم :

فقد ذكر ابن فهد الحلي (١) (ت ٧٥٧ ـ ٨٤١ هـ) ، والمقداد السيوري (٢) المهذب البارع ١ : ٣٤٩ ، المقتصر في شرح المختصر : ٧٣. الموجز : ٧١ ، المحرر : ١٥٣ ، مصباح المبتدي : ٢٩١ ، والثلاث الاخيرة مطبوعة ضمن الرسائل العشر لابن فهد الحلي. الحلي (٣) (ت ٨٢٦ هـ) ، وشمس الدين محمّد بن شجاع القطان () الحلي (كان حيّاً عام ٨٣٢ هـ) مبحث الأذانَ والإقامةَ في كتبهم ، ولم يتعرضوا لموضوع الشهادة بالولاية أصلاً.

__________________

(١) المهذب البارع ١ : ٣٤٩ ، المعتصر في شرح المختصر : ٧٣. الموجز : ٧١ ، المحرر : ١٥٣ ، مصباح المتبدي : ٢٩١ ، والثلاث الاخيرة مطبوعة ضمن الرسائل العشر لابن فهد الحلي.

(٢) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع ١ : ١٨٩ ـ ١٩٠.

(٣) معالم الدين في فقه آل ياسين ١ : ١٠٣.

٣٦١

٩ ـ الشهيد الثاني (٩١١ ـ ٩٦٥ ه‍)

وأما الشـيخ الجليل زين الدين بن علي العاملي الشهير بـ «الشهيد الثاني» فلم يتعرّض إلى الأذان في كتابه «المقاصد العليّة في شرح الألفية» ، لكنّه أشار إلى الاختلاف الواقع في فصوله في (حاشية المختصر النافع) (١) و (فوائد القواعد) (٢) و (حاشية شرائع الإسلام) (٣) دون الإشارة إلى الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين علي.

وقال في (الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية) :

(والدُّعاء عند الشهادة الأولى).

بقوله : «أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، أُكفى بها عن كُلِّ من أبى وجحد ، وأُعِينُ بها من أَقَرَّ وشهد» ، ليكون له من الأجر عدد الفريقين ؛ روي ذلك عن الصادق عليه‌السلام.

وليقل عند سـماع الشهادتين : وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، رضيت بالله ربّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمّد رسولاً ، وبالأئمّة الطاهرين أئمّةً ، اللّهّم صل على محمّد وآل محمّد ، اللّهّم ربّ هذه الدعوة التامّة والصلاة القائمة ، آتِ محمّداً الوسيلةَ والفضيلةَ ، وابعثه المقامَ المحمود الذي وعدته ، وارزقني شفاعته يوم القيامة. وإسرارُ المتّقي بالمتروك. لا تركُهُ ، إذ لا تقية في الإِسرار ، نعم لو خافَ من التلفّظ به ـ وإن كان سراً بسبب ظهور حركة شفتيه أو طول زمانه ـ أجراه على قلبه (٤).

__________________

(١) حاشية المختصر النافع : ٣٢.

(٢) فوائد القواعد : ١٦٧.

(٣) حاشية شرائع الإسلام : ٨٧.

(٤) الفوائد الملية : ١٥٢.

٣٦٢

وكان قد قال قبله : (وروي التعميل). وهو (حيّ على خير العمل) مرّتين قبلها ، أي قبل (قَد قامت) ، لأنّ مؤذّنهم لم يقل ذلك (١).

وقال بعدها : وترك (الحيعلتين بين الأذان والإقامة) لأنّه بدعـة أحدثها بعض العامّة ، وهذا إذا لم يعتقد توظيفها وإلّا حرم (والكلامُ فيهما مطلقاً) أي بعد قوله : «قد قامت الصلاة» وقبلها (٢).

وهذه النصوص الثّلاثة توحي لنا ما كان يعيشه هو والشـيعة آنذاك من ظروف قاسية ونزاعات تؤدّي إلى التقية ، فهو رحمه‌الله لم يتعرّض إلى الشهادة الثالثة إلّا في كتابيه (شرح اللمعة الدمشقية) و (روض الجنان) ، وقد ذكرهما بلحن اعتراضي شديد ؛ إذ قال في «اللمعة» ما نصه :

(ولا يجوز اعتقاد شرعيّة غير هذه) الفصول (في الأذان والإقامة كالتشهّد بالولاية) لعلي عليه‌السلام (وأنّ محمّداً وآله خير البرية) أو خير البشر (وإن كان الواقع كذلك) فما كلّ واقع حقّاً يجوز إدخاله في العبادات الموظَّفه شرعاً ، المحدودة من الله تعالى ، فيكون إدخال ذلك فيها بدعةً وتشريعاً ، كما لو زاد في الصلاة ركعة أو تشهّداً ، أو نحو ذلك من العبادات ، وبالجملة فذلك من أحكام الإيمان لا من فصول الأذان.

قال الصدوق : إنّ إدخال ذلك فيه من وضع المفوّضة ، وهم طائفة من الغلاة ، ولو فعل هذه الزيادة ، أو إحداها بنّية أنّها منه أثم في اعتقاده ، ولا يبطل الأذان بفعله ، وبدون اعتقادِ ذلك لا حرج (٣).

__________________

(١) الفوائد الملية : ١٤٢.

(٢) الفوائد الملية : ١٥٥.

(٣) شرح اللمعة الدمشقية ١ : ٥٧١ تحقيق السيّد الكلانتر.

٣٦٣

وقال رحمه‌الله في (روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان) :

وأمّا إضافة «أنّ علياً وليّ الله» و «آل محمّد خير البرية» ونحو ذلك فبدعة ، وأخبارُها موضوعة وإن كانوا خيرَ البرية ؛ إذ ليس الكلام فيه ، بل في إدخاله في فصول الأذان المتلقَّى من الوحي الإلهي ، وليس كلُّ كلمةِ حقٍّ يسوغ إدخالها في العبادات الموظّفة شرعاً (١).

وقال في (مسالك الإفهام) ـ معلّقاً على كلام صاحب (شرائع الإسلام) «وكذا يكره قول الصلاة خير من النوم» ـ :

بل الأصحّ التحريم ، لأنّ الأذان والإقامة سنّتان متلقَّيتان من الشرع كسائر العبادات ، فالزيادة فيهما تشريع محرّم ، كما يحرم زيادة «محمّد وآله خير البرية» وإن كانوا عليهم‌السلام خير البرية ، وما ورد في شذوذ أخبارنا من استحباب «الصلاة خير من النوم» محمولٌ على التقية (٢).

فنحن نوافق الشهيد الثاني فيما قاله معترضاً على الذين يأتـون بها على أنّها جزءٌ ، لأنّه «ليس كلّ كلمة حقّ يسوغ إدخالها في العبادات الموظّفة شرعاً» ، لكن لو قالها من دون اعتقاد الجزئية ولمطلق القربة لكونها كلمة حق في نفسها فلا حرج في ذلك عند الشهيد الثاني ؛ لقوله : «وبدون اعتقادِ ذلك لا حرج» ، وهذا ما نريد التأكيد عليه ، لأنّ الأذان أمرٌ توقيفيّ وشرعيّ فلا يجوز إدخال شيء فيه بقصد التشريع.

لكن يبقى قوله رحمه‌الله «وأخبارها موضوعة» أو «فذاك من أحكام الإيمان لا من

__________________

(١) روض الجنان ٢ : ٦٤٦ تحقيق مركز الابحاث والدراسات الإسلامية التابعة لمنظمة الإعلام الإسلامي / قم.

(٢) مسالك الإفهام ١ : ١٩٠.

٣٦٤

فصول الأذان» ، وهذا القول لا نرتضيه على عمومه ، وذلك لاعتبار الشيخ الطوسي تلك الأخبار شواذَّ لا موضوعة ، أي عدم استبعاد العمل به وعدم اثم فاعلها.

إذن دعوى الشهيد الثاني بكون تلك الأخبار موضوعة وجزمه بها في غاية الإشكال ، إلّا أن نقول أنّه جزم بذلك تبعاً للشيخ الصدوق والذي وضّحنا كلامه وما يمكن أن يردّ عليه.

وعلى هذا ، فما يجب أخذه بنظر الاعتبار هو ورود أخبار كثـيرة دالّة على محبوبية الشهادة بالولاية تلو يحاً وإيماء وإشارة ، كما جاء عن الأئمة في معنى «حي على خير العمل» وفي علل الأذان ، وما قلناه من اقتران الشهادات الثلاث في الأدعية والأذكار وسائر الأحكام ، ولحاظ وحدة الملاك بين الشهادة بالنبوّة والشهادة بالولاية ، إلى غيرها من العمومات التي ذكرناها ، والتي فيها جملة : «أشهد أن علياً ولي الله» «ومحمّد وآل محمّد خير البرية» ونحوها.

فإن أتى شـخص بجملة : «علي ولي الله» أو «آل محمّد خـير البرية» طبقاً لامثال هذه الروايات التي حكاها الشيخ الطوسي في باب فصول الأذان ، أو طبقاً لما جاء في تفسير معنى الحيعلة الثالثة عن المعصومين فلا يجوز القول عنها بأنّه عمل بروايات موضوعة ، إذ الروايات في هذا المجال عامة ـ وقد تكون خاصة ـ وردت عن الأئمّة في جواز القول بها مقرونة مع النبوة ، ولا يمكن انتسابها إلى الوضع.

ثمّ إنّ ما قاله رحمه‌الله عن الشهادة بالولاية وأنّها من «أحكام الإيمان لا من فصول الأذان» فهو كلام سديد ، لكنّه في الوقت نفسه لم يمنع الشهيد الثاني أن يفتي بجواز أن يأتي المكلّف بأمر إيمانيّ في الأذان لا بقصد الجزئية ، فالاستغفار أو القنوت مثلاً هما أمران مستحبّان ، ويا حبّذا أن يُؤتى بهما في الصلاة كذلك ، لا باعتبارهما جزءاً من الصلاة ، بل لمحبوبيّتهما النفسية ، وهذا ما التزم به رحمه‌الله في قوله في الروضة :

٣٦٥

«ولو فعل هذه الزيادة ، أو إحداها بنيّة أنّها منه أثم في اعتقاده ، ولا يبطل الأذان بفعله ، وبدون اعتقاده لا حرج».

على أننا لا يمكن أن نغفل احتمال كون الشهيد الثاني قد قالها انسياقاً مع مجريات الأحداث الّتي أدّت إلى شهادته ، أو أنّه قالها لوحدة الكلمة بين المسلمين ، أو أنّه عنى الذين قالوها على نحو الجزئية ، لكنّ المتيقّن حسبما جزم به نفسه هو أنّه لا حرج من قولها بدون اعتقاد.

١٠ ـ المولى أحمد الأردبيلي (ت ٩٩٣ ه‍)

وهكذا هو الحال بالنسبة إلى نصّ المقدّس الأردبيلي الآتي ، فإنّ الأردبيلي لم يحكم بحرمة الإتيان بها إذا جيء بها من باب المحبوبيّة الذاتية ، بل أشار رحمه‌الله إلى قضية موضوعية يجب أخذها بنظر الاعتبار مع الموافق والمخالف ، فإنّه رحمه‌الله وبعد أن نقل كلام الصدوق في الفقيه قال :

فينبغي اتّباعه لأنّه الحقّ [أي كلام الصدوق حقّ] ، ولهذا يُشَنَّع على الثاني بالتغيير في الأذان الذي كان في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا ينبغي ارتكاب مثله مع التشنيع عليه.

ولا يتوهّم عن المنع الصلاة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه ، لظهور خروجه منه وعموم الأخبار الدالّة بالصلاة عليه مع سماع ذكره ، ولخصوص الخبر الصحيح المنقول في هذا الكتاب عن زرارة الثقة :

وصَلِّ على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّما ذكرته ، أو ذكره ذاكر عنده في أذان أو غيره ، ومثله في الكافي في الحسن (لإبراهيم) كما مر (١).

فالمقدّس الأردبيلي لا يتعامل مع الشهادة الثالثة كما تعامل مع مسالة «الصلاة

__________________

(١) مجمع الفائدة ٢ : ١٨١ ـ ١٨٢.

٣٦٦

خير من النوم» ، حيث قال في الأخيرة :

والعمدة أنّه تشريع ، وتغيير للأذان المنقول ، وزيادة بدل

ما هو ثابت شرعاً ، فيكون حراماً ، ولو قيل من غير اعتقاد ذلك ، بل مجرّد الكلام ، فلا يبعد كونه غير حرام (١).

ولا ريب في أنّ كلمة المقـدّس الأردبيلي تصبّ في مجرى ما استظهرناه عن الشهيدين الأوّل والثاني رحمهما الله تعالى علاوة على الشيخ الطوسي ، فالتشنيع منه يدور مدار القول بالجزئية ، وفيما عدا ذلك لا تشنيع ، فالمقدّس الأردبيلي صرّح في خصوص التثويب بقوله : ولو قيل من غير اعتقاد الجزئية بل بمجرد الكلام فلا يبعد كونه غير حرام ، وهو المقصود والمفتى به عند علمائنا قديماً وحديثاً.

فلو كان هذا هو كلامه رحمه‌الله في التثويب فمن الطبيعي أن يجيز الاتيان بالشهادة الثالثة أو ما يقال في تفسير معنى الحيعلة الثالثة على نحو المحبوبية ورجاء المطلوبية من باب أولى ، لأن غالب الفقهاء يأتون بها من غير اعتقاد الجزئية بل لمجرد أنّه كلام حق «فلا يبعد أن يكون غير حرام» حسب تعبير المقدس الاردبيلي.

القرن الحادي عشر الهجري

وفق تتبّعي ورصدي لأقوال الفقهاء في هذه المسـألة لم أقف ـ فيما بين يدي من التراث الفقهي لفقهائنا العظام في القرن العاشر الهجري ـ على ما يدل على الشهادة بالولاية لعليّ في الأذان ، وقد يعود ذلك إلى أنّ غالب الكتب المصنّفة في هذا القرن هي شروح على كتب لم يتطرّق أصحابها إلى هذه المسألة. وقد يعود اهمالهم لذكرها هو تجنب اثارة الحكومة العثمانية والتي كانت تسعى للحصول على احجية لاثارة العامة ضدّ الشيعة.

فمثلاً الشيخ مفلح الصيمري البحراني هو من أعلام القرن التاسع والعاشر

__________________

(١) مجمع الفائدة ٢ : ١٧٨.

٣٦٧

الهجريين لا نراه يشير إلى موضوع الشهادة بالولاية في كتابه (غاية المرام في شرح شرائع الإسلام) (١).

وكذلك في كتابه الآخـر (تلخيص الخلاف) (٢) مع أنّه قد ذكر مضمون الأذان وما فيه من مسائل فقهية وخلافية.

ومثله المحقّق الكـركي (ت ٩٤٠ هـ) ، الذي لم يتعرّض لهذه المسألة في كتابه (جامع المقاصد في شرح القواعد) (٣) ، و (حاشية المختصر النافع) (٤) ، و (حاشـية شرائع الإسلام) (٥) ، و (حاشية إرشاد الأذهان) (٦).

ونحو ذلك السيّد محمّد بن علي الموسوي العاملي (ت ١٠٠٩ هـ) في (مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام) (٧) وغيرهم من فقهاء القرن العاشر الهجري.

لكنّ هذا لا يشير إلى أنّ موضوع الشهادة بالولاية في الأذان لم يكن منتشراً ورائجاً عند الشيعة آنذاك.

إذ فيما حكاه المجلسيّ الأوّل ممّا دار بينـه وبين أستاذه الملاّ عبدالله ما يؤكّد بأن هذه السيرة كانت منتشرة بأعلى صورها في ذلك العصر لأن شيوع أمر الشهادة ـ أو أي امر آخر ـ لا يمكن أن يكون وليد ساعته ، بل لابدّ أن تكون له جذور سابقة من القرون الماضـية وهذا ما اكدنا ونؤكد عليه.

قال المجلسيّ الأوّل ما ترجمته :

__________________

(١) انظر غاية المرام في شرح الشرائع الإسلام ١ : ١٣٩.

(٢) انظر تلخيص الخلاف ١ : ٩٥.

(٣) جامع المقاصد ٢ : ١٨١.

(٤) حاشية المختصر النافع : ١٤٥ ، المطبوع ضمن (حياة المحقق الكركي وآثاره ج ٧).

(٥) حاشية شرائع الإسلام : ١٤٣ ، المطبوع ضمن (حياة المحقق الكركي وآثاره ج ١٠).

(٦) حاشية ارشاد الاذهان : ٧٩ ، المطبوع ضمن (حياة المحقق الكركي وآثاره ج ٩).

(٧) مدارك الأحكام ٣ : ٢٥٤ ـ ٣٠٤.

٣٦٨

وبناءً على هذا ، فالقولُ بأنّ هذه الأخبار موضوعة أمرٌ مشكل ، إلّا أن يَرِدَ ذلك عن أحد المعصومين عليهم‌السلام ، وإذا قال بها بعنوان التيمّن والتبرّك فلا بأس به ، وإن لم يقلها كان أَفْضَلَ [حتى لا يتوهّم فيها الجزئية [إلاّ أن يخاف من عدم ذكرها ، لأنّ الشائع في أكثر البلدان [ذكرها] ، وقد سمعتُ كثيراً أنّ من تركها قد اتُّهِمَ بأنّه من العامّة (١).

وأمّا القرن الحادي عشـر الهجري فقد عاش فيه فقهاء وحكماء ومتكلّمون كُثُرٌ ، فمن كبار الفقهاء والمحدّثين الذين عاشوا في هذا العصر الشيخ حسن بن زين الدين العاملي «ابن الشهيد الثاني» (ت ١٠١١ هـ) صاحب (منتقى الجمان) (٢) ، وابنه الشيخ محمّد بن الحسن (ت ١٠٣٠ هـ) صاحب (استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار) (٣) ، والشـيخ البهائي (ت ١٠٣١ هـ) صاحب المصنفات المتعدّدة والكثيرة ، منها (الحبل المتين) (٤) ، و (الإثنا عشرية) (٥) ، و (الجامع العباسي) (٦) ، و (مفتاح الفلاح) (٧) وغيرها ، فإنّ هؤلاء الأعاظم لم يتعرّضوا إلى الشهادة بالولاية في كتبهم السـابقة رغم أنّهم تعـرّضوا إلى الأذان والإقامة وفصـولهما وأحكامهما.

لكنّ هناك فقهاء آخرين ، كالشـيخ محمّد تقي المجلسيّ (ت ١٠٧٠هـ) ،

__________________

(١) لوامع صاحبقراني ٣ : ٥٦٦.

(٢) منتقى الجمان ١ : ٥٠٢.

(٣) استقصاء الاعتبار ٥ : ٣٦ ـ ٨٤.

(٤) انظر الحبل المتين ٢ : ٢٦٣ ـ ٣٠٢.

(٥) انظر الاثنا عشرية : ٣٨ / الفصل الرابع الأفعال اللسانية المستحبة.

(٦) الجامع العباسي : ٣٥.

(٧) انظر مفتاح الفلاح : ١١٢ ، صورة الأذان.

٣٦٩

والمحقّق السبزواري (ت ١٠٩٠ هـ) ، والفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ هـ) ، قد أشاروا إلى موضوع الشهادة بالولاية في الأذان ضمن ما كتبوه ، بفارق أنّ التقيّ المجلسي قال بعدم اثم فاعلها من دون قصد الجزئية ، وقد يكون بنظره أنّها شرعت واقعاً وتركت تقية ، والمحقق السبزواري والفيض الكاشاني كانا مخالِفَين في الإتيان بها ، وإليك الآن قول المولى محمّد تقي المجلسي وبياننا حوله.

١١ ـ الشيخ محمّد تقي المجلسي (ت ١٠٧٠ ه‍)

قال المولى محمّد تقي المجلسي في (روضة المتّقين في شـرح من لا يحضره الفقيه) معلّقاً على كلام الصدوق :

الجزم بأنّ هذه الأخبار من موضوعاتهم مشكلٌ ، مع ان الأخبار الّتي ذكرنا في الزيادة والنقصان ، وما لم نذكره كثيرةٌ ، والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه الكلمات أيضاً كانت في الأُصول ، وكانت صحيحةً أيضاً ، كما يظهر من المحقّق (١) والعلّامة والشهيد رحمهم الله ، فإنّهم نسبوها إلى الشذوذ ، والشاذُّ : ما يكون صحيحاً غير مشهور ، مع أنّ الذي حكم بصحّته أيضاً شاذٌّ كما عرفت ، فبمجرّد عمل المفوّضة أو العامّة على شيء لا يمكن الجزم بعدم ذلك ، أو الوضع إلّا أن يرد عنهم صلوات

__________________

(١) قال بهذا هنا ، وفي شرحه على الفقيه بالفارسية «لوامع صاحبقراني» ٣ : ٥٦٦ مصرحاً بأنّ المحقّق قالها في المعتبر ، لكنّا لم نر ما يدل على ذلك في كتب المحقّق إلاّ ما نقله في (نكت النهاية) عن الشيخ ، فلعلّ المجلسي الأوّل أراد بـ (المحقق) الشيخ الطوسيّ أو وقع سهو من قلمه الشريف فقال «المحقق» ، ويؤ يّد مدعانا ما حكاه المجلسيّ الثاني عن الشيخ والعلّامة والشهيد ، ولم يحكه عن المحقّق ، فتأمل.

٣٧٠

الله عليهم ما يدلّ عليه ، ولم يَرِدْ ، مع أنّ عمل الشيعة كان عليه في قديم الزمان وحديثه.

والظاهر أنّه لو عمل عليه أحدٌ لم يكن مأثوماً إلّا مع الجزم بشرعيّته فإنّه يكون مخطئاً ، والأَولى أن يقوله على أنه جزء الإيمان لا جزء الأذان ، ويمكن أن يكون واقعاً ، ويكون سبب تركه التقيّة ، كما وقع في كثير من الأخبار ترك «حيّ على خير العمل» تقية.

على أنّه غير معلوم أنّ الصدوق ، أيَّ جماعة يريد من المفوِّضة ، والذي يظهر منه ـ كما سيجيء ـ أنّه يقول : كلُّ من لم يقل بسهو النبي فإنّه] من [المفوّضة ، وكلّ من يقول بزيادة العبادات من النبيّ فإنّه من المفوّضة ، فإن كان هؤلاء ، فهم كلُّ الشيعة غيرَ الصدوق وشيخه ، وإن كانوا غير هؤلاء فلا نعلم مذهبهم حتى ننسب إليهم الوضع واللعن ، نعم كلّ من يقول بأُلوهية الأئمة أو نبوّتهم فإنّهم ملعونون (١).

وقال في كتابه الآخر (حديقة المتقين) باللغة الفارسية ما ترجمته :

يكره تكرار الفصول زيادة على القدر الوارد من الشارع المقدّس فيه ، وهكذا قول «الصلاة خير من النوم» ، وقال البعض : إنّه حرام ؛ لأنّه غير متلقّى من الشارع المقدّس ، وهكذا قول «أشهد أنّ عليّاً وليّ الله ، ومحمّد وعليّ خير البشر» وأمثالها ؛

__________________

(١) روضة المتقين ٢ : ٢٤٥ ـ ٢٤٦. وقريب منه في شرحه على (من لا يحضره الفقيه) والمسمى بـ (لوامع صاحبقرانى) ٣ : ٥٦٦ بالفارسية فراجع.

٣٧١

لأنّها ليست من أصل الأذان وإن كان عليّاً ولي الله ، ومحمّدٌ وعليٌّ خيرَ الخلائق ، لكن لا كلّ حق يجوز إدخاله في الأذان.

ولو أتى بها شخص اتّقاءً من الجَهَلَة أو تيمّناً وتبرّكاً وهو يعلم أنّه ليس من فصول الأذان فذاك جائز ، ونقل بعض الأصحاب ورودها في بعض الأخبار الشاذّة على أنّها جزء الأذان ، فلو ثبت ذلك عند الشارع وعمل بها أحدٌ فلا بأس وإلاّ فالإتيان بها من باب التيمّن والتبرّك أفضل (١).

نلخص كلام التقي المجلسي رحمه‌الله في نقاط ، نظراً لاهميته ولاشتماله على فوائد متعددة :

١ ـ عدم قبوله بجزم الصدوق ومن تبعه بكون الأخبار موضوعة.

٢ ـ وجود اخبار كثيرة في الزيادة والنقصان في فصول الأذان والإقامة ، وفي غيرها.

٣ ـ وجود هذه الزيادات في اصول اصحابنا.

٤ ـ كون هذه الزيادات صحيحة ، لأن الشاذّ بتعريف الشيخ المجلسي هو ما يكون صحيحاً غير مشهور ، وما حكم به الصدوق بالصحة هو خبر شاذّ كذلك.

٥ ـ عمل المفوّضة أو العامّة لا يعني عدم الورود أو الوضع إلّا أن يرد عن الأئمّة ما يدل على ذلك ، ولم يرد.

٦ ـ إنّ سيرة الشيعة كانت قائمة على الأذان بالولاية من قديم الزمان إلى عهد الشيخ المجلسي الأوّل رحمه‌الله لا على نحو الجزئية ، ولا يمكن نقض دعواه بكلام

__________________

(١) حديقة المتقين مخطوط ، الرقم ٧٩١ ، ص١٨١ ، مؤسسة كاشف الغطاء ، قال الملا محمّد باقر المجلسي في تعليقته على «حديقة المتقين» ، بالفارسية ـ مخطوط يحمل / الرقم ٧٨٦ ، ص٩٨ ، مكتبة كاشف الغطاء ـ قال : عدل المصنف عن هذا الرأي في أواخر عمره ، وصار يعتبرها من الفصول المستحبّة في الأذان.

٣٧٢

الصدوق والشهيد الثاني والمولى الاردبيلي وغيرهم لأنّهم ينكرون قولها على نحو الجزئية لا بقصد القربة.

٧. إنّ الآتي بالشهادة الثالثة في الأذان لم يكن مأثوماً وإن كان مخطئاً بصناعة الاستنباط ، لأنّه بذل وسعه وعمل باخبار شاذة تاركاً المحفوظ والمعمول عليه عند الأصحاب.

٨ ـ الاولى باعتقاد الشيخ المجلسي أن ياتي بالشهادة بالولاية على أنّها جزء الإيمان لا جزء الأذان ، وإن أمكن القول بوجـودها واقعاً وتركها للتقيّة كما وقع في كثـير من الأخبار ترك «حيّ على خير العمل» تقيّة.

٩ ـ ثبت أنّ للتفويض معاني عديدة فلذلك تساءل المجلسي رحمه‌الله : أي جماعة يريده الصدوق من المفوّضة ، فلو أراد القائلين بعدم سهو النبيّ أو ان للنبيّ الزيادة في العبادات وامثالها فهو ما يقول به «كل الشيعة غير الصدوق [وشيخه ابن الوليد] ، وان كانوا غير هؤلاء فلا نعلم مذهبهم حتى ننسب إليهم الوضع واللعن ، نعم كل من يقول بالوهية الأئمّة أو نبوتهم فإنهم ملعونون».

١٠ ـ انّ تكرار فصول الأذان مكروه ، وقيل يحرم في «الصلاة خير من النوم» لأنّه غير متلقى من الشارع المقدّس ، ولا يجوز ادخال الشهادة بالولاية في الأذان لأنّها ليست من أصل الأذان ، نعم لو اتي بها شخص ـ بدون اعتقاد الجزئية ـ اتقاءً من جهلة الشيعة الذين يرمونه بالنصب أو تيمناً وتبركاً فذاك جائز وخصوصاً مع ورودها في شواذ الأخبار ، ثم لخص كلامه بالقول : «فلو ثبت ذلك عند الشارع وعمل بها أحد فلا باس ، وإلّا فالإتيان بها من باب التيمن والتبرك أفضل» مع التاكيد على أنّها ليست من اصل الأذان.

٣٧٣

١٢ ـ الملا محمّد باقر السبزواري (ت ١٠٩٠ ه‍)

قال المحقق السبزواري في «ذخيرة المعاد في شرح الارشاد» :

وأمّا اضافة ان علياً ولي الله وآل محمّد خير البرية وامثال ذلك ، فقد صرح الأصحاب بكونها بدعة وان كان حقاً صحيحاً ، إذ الكلام في دخولها في الأذان ، وهو موقوف على التوقيف الشرعي ، ولم يثبت (١).

ولا يخفى أنّ حاصل عبارتـه رحمه‌الله أنّ الشهادة الثالثة لا يمكن أن تدخل في ماهية الأذان حتى تصير جزءاً منه ؛ لأنّ مثل هذا يحتاج إلى دليل شرعيّ معتبر ، ولم يثبت ، فالمحقّق السبزواري تحدّث عن جهة ، وسكت عن الجهة الثانية ؛ وهي جواز الشهادة الثالثة من باب التيمّن والتبرّك وبقصد القربة المطلقة.

فبعض الفقهاء كانوا يشيرون إلى الجهة المانعة للشهادة بالولاية فقط خوفاً من وقوع الناس في ذلك دون الإشارة إلى الجهة الأُخرى الجائزة لهم ، لكن منهج غالب الفقهاء ابتداءً من الشيخ الطوسي حتّى يومنا هذا كان الإشارة إلى الأمرين معاً ، فهم يشيرون إلى الجهتين في كلامهم.

__________________

(١) ذخيرة المعاد ٢ : ٢٥٤ وصفحة ٢٥٤ من الطبعة الحجرية ، لكنه لم يشر في «كفاية الفقه» المشتهر بـ «كفاية الأحكام» إلى موضوع الشهادة بالولاية ، راجع صفحه ٨٧ ـ ٨٨ ، من المجلد الأول ، طـ جامعة المدرسين / قم.

٣٧٤

١٣ ـ الفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ ه‍)

قال الفيض الكاشاني في المفتاح ١٣٥ من (مفاتيح الشرائع) : «ما يكره في الأذان والإقامة» :

وكذا التثويب سواء فُسِّر بقول «الصلاة خير من النوم» أو بتكرير الشهادتين دفعتين ، أو الإتيان بالحيعلتين مثنى بين الأذان والإقامة ، وكذا غير ذلك من الكلام وإن كان حقّاً ، بل كان من أحكام الإيمان ، لأنّ ذلك كلّه مخالف للسنة ، فإن اعتقده شرعاً فهو حرام (١).

فالفيض الكاشاني قال بهذا في (مفاتيح الشرائع) ولم يقله في كتابه (النخبة في الحكمة العملية والأحكام الشرعية) (٢) ، مع أنّه كان قد أشار في (النخبة) إلى الأذان والإقامة واستحباب حكايتهما وعدد فصولهما.

بلى ، علّق الفيض في (الوافي) على ما جاء في (التهذيب) عن أبي عبدالله : سئل عن الأذان هل يجوز أن يكون من غير عارف؟

قال عليه‌السلام : لا يستقم الأذان ولا يجوز أن يؤذّن به إلّا رجل مسلم عارف ، فإن عَلِمَ الأذان فأذّن به ولم يكن عارفاً لم يجزئ أذانه ولا إقامته ولا يقتدى به.

قال رحمه‌الله : المراد بالعارف ، العارف بإمامة الأئمّة كما مرّ مراراً فإنّه بهذا المعنى في عرفهم عليهم‌السلام ، ولعمري إنّ من لم يعرف هذا الأمر لم يعرف شيئاً كما في الحديث النبوي : من مات ولم يعرف إمام زمانه

__________________

(١) مفاتيح الشرائع ١ : ١١٨.

(٢) النخبة : ١٠٨. وانظر مفاتيح الشرائع ١ : ١١٦ / المفتاح ١٣٢.

٣٧٥

مات ميتة جاهلية ، ومن عرفه كفاه به معرفةً إذا عرفه حقّ معرفته ... (١)

فكلامـه في (الوافي) كان عن شرائط المؤذّن ، وأمّا وجود معنى الولاية في فصول الأذان وعدمه فهو مما لم يتطرّق إليه فيه.

ولا يفوتنك أنّ عبارات المجلسي والسبزواري والفيض الكاشاني وان اختلفت في الظاهر لكنّها جاءت في إطار واحد وهو حرمة الإتيان بالشهادة بالولاية على نحو الجزئية والشطرية (ومن اعتقده شرعاً فهو حرام) ، لأن الأذان أمرٌ توقيفيٌّ.

أمّا لو أتى بها تيمّناً وتبـرّكاً فالظاهر أنّ هذا ما يقبله المحقّق السبزواري والفيض الكاشاني ، لأنّك لو تأمّلت في عباراتهم لرأيتهم يؤكّدون على بدعية وحرمة الإتيان بها جزءاً ، لقول السبزواري «إضافة» «بدعة» «إذ الكلام في دخولها في الأذان وهو موقوف على التوقيف الشرعيّ ولميثبت» ، وقول الفيض الكاشاني «فإن اعتقده شرعاً فهو حرام» وكلّ هذه التعابير تشبه ما جزم به الشهيد الثاني والمقدّس الأردبيلي وغيرهما حيث ذكروا جواز الإتيان بها بشرط أن لا تكون على نحو الجزئيّة ، فالعبارات واحدة المؤدّى عند كلّ العلماء ابتداءً من الشيخ الطوسي حتّى الفيض الكاشاني.

نعم ، في كلام السـيّد عبدالله بن نور الدين الجزائري (ت ١١١٤ هـ) ـ عند شرحه لكلام الفيض في كتابه (التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية) ـ ما يفهم منه بأنّ بعض فقهاء الشيعة في عصره كانوا يأتون بها على أنّها جزءٌ ، ولأجله قال رحمه‌الله : زلّة العالِم زلّةُ العالَم (٢).

__________________

(١) الوافي ٧ : ٥٩١.

(٢) التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية : ١٢٩ ، (مخطوط) ، مكتبة الحضرة الرضوية.

٣٧٦

في حين لو تأ مّلت فيما قلناه سابقاً ، لعرفت بأنّ غالب الشيعة لم يأتوا بهذه الصيغ على أنّها جزءٌ وشطرٌ في الأذان ، بل كانوا يأتون بها على نحو الذكر المحبوب تيمّناً وتبرّكاً ، وأنّ اختلاف الصيغ الرائجة عند الشيعة آنذاك ، ومنذ عهد الصدوق إلى يومنا هذا ، يؤكّد بأنّهم لا يأتون بها إلّا على المحبوبية ، وقد صرّح الفقهاء بذلك من قديم الزمان إلى يومنا هذا في رسائلهم العملية.

فلا تخالف إذن بين من يقول بجوازها وبين من يقول بحرمتها وبدعيتها حسب التوضيح الّذي قلناه.

القرن الثاني عشر الهجري

وهو قرن حافل بالأعلام والفقهاء العظام ، ولو راجعت كتاب «طبقات أعلام الشيعة» لوقفـت على أسمائهم ، وفي هذا القرن لم يتعرّض الفاضل الهندي (ت ١١٣٧ هـ) في (كشف اللثام) (١) ، ولا جدّي السيّد محمّد إسماعيل المرعشي الشهرستاني في (المقتضب) (٢) ، ولا الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ) في (هداية الامة) (٣) إلى موضوع الشهادة بالولاية في الأذان ، وإن كان المحدّث الحرّ العاملي قد أشار إلى هذا الموضوع تلويحاً بعد أن ذكر الروايات المختلفة في عدد فصول الأذان والإقامة ، وأنه : ٣٧ أو ٣٨ أو ٤٢ ، فقال :

وهنا اختـلافٌ غير ذلك ، وهو من أمارات الاستحباب (٤).

لكنّ بعض الأعـلام في هذا القرن تطرّقوا إلى موضوع الشهادة الثالثة في كتبهم

__________________

(١) كشف اللثام ٣ : ٣٧٥.

(٢) وهو أول عَلَم من أعلام أُسرتنا جاور الحائر الحسيني ، وكتابه مخطوط ومحفوظ في خزانة العائلة في كربلاء المقدّسة.

(٣) هداية الأ مّة إلى احكام الأئمّة ٢ : ٢٥٨.

(٤) هداية الأ مّة ٢ : ٢٥٩.

٣٧٧

ورسائلهم العملية بشيء من التفصيل ، وهو يشير إلى جواز هذا العمل عندهم وعدم لزومه ، وأنّ اشارة هؤلاء إلى هذه المسألة كاف للدلالة على امتداد السيرة بالشهادة بالولاية في هذا القرن ، وهم :

١٤ ـ علي بن محمّد العاملي (ت ١١٠٣ ه‍) سبط الشهيد الثاني

أتى الشيخ علي بن محمّد بن الحسن العاملي «سبط الشهيد الثاني» ـ في حاشيته على شرح اللمعة الدمشقية لجدّه الشهيد الثاني ، المسمى : بـ (الزاهرات الرويّة في الروضة البهية) ـ بكلام الشيخ في المبسوط ، ثمّ قال :

وأطلق عدم الإثم به ، أي لم يقيّده بعدم الاعتقاد ، أو بعدم نيّة أنّه منه ، وفي البيان : قال الشيخ : فأمّا قول أشهد أنّ عليّاً ولي الله ... وفي الذكرى نقل عدم الإثم عن المبسوط بعد قول الشيخ : ومن عمل به كان مخطئاً (١).

فالشـيخ العاملي أراد من مجموع كلامه السابق الإشارة إلى جواز الإتيان بها ، لكن ربّما يظهر من عبارته أنّه فهم من كلام الشيخ الطوسي أنّ القائل بالشهادة الثالثة بنيّة أنّها جزء الأذان جائز لقوله رحمه‌الله : «واطلق عدم الاثم به ، أي لم يقيده بعدم الاعتقاد ، أو بعدم نية أنّه منه».

لكن يـردّه أن الشيخ حكم بخطأ ذلك في النّهاية ، بحسب الجمع بين قوليه والذي تقدّم التفصيل فيه.

والحاصل : أنّ سـبط الشهيد الثاني قائل بأنّ الشهادة الثالثة من الأذان ، وأنّ من

__________________

(١) الزهرات الروية في الروضة البهية ، نسخة خطية برقم ٨٠١. مؤسسة كاشف الغطاء العامة ـ النجف الأشرف ، وهذا الكتاب قد طبع بتحقيق الشيخ الشهيد بيد الدواعش الشيخ مشتاق الزيدي رحمه الله وصدر عن دار المورّخ العربي ١٤٣٥ / ٢٠١٤ م ، لكنّا لم نقف على مبحث الأذان والإقامة فيه حتّى نخرّج منه ولأجله خرجنا من المخطوط.

٣٧٨

عمل بشواذ الأخبار هنا ليس مأثوماً وان كان مخطئاً للأخذه بالمرجوح وترك الراجح.

١٥ ـ الشيخ محمّد باقر المجلسي (ت ١١١١ ه‍)

قال الشيخ محمّد باقر المجلسي في (بحار الأنوار) :

لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان ، لشهادة الشيخ والعلّامة والشهيد وغيرهم بورود الاخبار بها.

قال الشيخ في المبسوط : فأمّا قول «أشهد أنّ علياً أمير المؤمنين» ، و «آل محمّد خير البرية» على ما ورد في شواذّ الأخبار ، فليس بمعمول عليه في الأذان ، ولو فعله الإنسان لم يأثم به ، غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله.

وقال في النّهاية : فأمّا ما روي في شواذّ الأخبار من قول : «أنّ علياً ولي الله» و «أنّ محمّداً وآله خير البشر» ، فمما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة ، فمن عمل به كان مخطئاً.

وقال في المنتهى : وأمّا ما روي في الشاذّ من قول : «[أشهد] أنّ علياً ولي الله» ، و «آل محمّد خير البرية» ، فمما لا يعوّل عليه.

ويؤ يّده ما رواه الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي رحمه‌الله في كتاب الاحتجاج عن القاسم بن معاوية ، قال : قلت لأبي عبدالله عليه‌السلام : هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم أنّه لمّا اُسري برسول الله رأى على العرش لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، أبو بكر الصدّيق.

فقال : سبحان الله!! غيرّوا كلّ شيء حتّى هذا؟!

قلت : نعم.

٣٧٩

قال : إنّ الله عزّ وجلّ لمّا خلق العرش كتب عليه «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، علي أمير المؤمنين» ، ثمّ ذكر كتابة ذلك على الماء ، والكرسي ، واللوح ، وجبهة إسرافيل ، وجناحي جبرئيل ، وأكناف السماوات والأرضين ، ورؤوس الجبال والشمس والقمر ، ثم قال عليه‌السلام : «فإذا قال احدكم : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، فليقل : علي أمير المؤمنين» ، فيدلّ على استحباب ذلك عموماً ؛ والأذان من تلك المواضع ، وقد مرّ أمثال ذلك في أبواب مناقبه عليه‌السلام ، ولو قاله المؤذّن أو المقيم لا بقصد الجزئيّة ، بل بقصد البركة ، لم يكن آثِماً ، فإنّ القوم جوّزوا الكلام في أثنائهما مطلقاً ، وهذا من أشرف الأدعية والأذكار (١).

ولا يخفى ان الشيخ المجلسي كان لا يستبعد القول بأنّها من الاجزاء المستحبة لورود الأخبار الشاذه بها لقوله في بداية كلامه : (لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الاجزاء المستحبة للأذان لشهادة الشيخ والعلّامة وغيرهم بورود الأخبار بها) وأنّ فتواه في قوله «فيدل على استحباب ذلك عمـوماً» مبنيّ على أساس قاعدة التسامح في أدلّة السنن الّتي تسوّغ لبعض الفقهاء أن يحتجوا بالأخبار المرسلـة ، كمرسلة القاسم بن معاوية الآنفة.

أترك كلامه بدون أي تعليق لوضوحه.

__________________

(١) بحار الأنوار ٨١ : ١١١ ـ ١١٢ وانظر تمام الخبر في الاحتجاج ١ : ٢٣٠.

٣٨٠