أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

* الأقوال في المسألة

قبل الدخول في الفصول الثلاثة وأصل الدراسة لابدّ من الإشارة إلى أمرين :

أحدهما : إنّ بعض الفقهاء وحين بحثهم عن الشهادة الثالثة قد خلطوا بين النصوص الأذانية والنصوص الإيمانية الواردة في علي بن أبي طالب في الإسراء والمعراج والأدعية وتقارن ذكر الولاية مع ذكر النبّوة في كلّ الشريعة.

فلو أراد الفقيه الاستدلال على الجزئية الواجبة لما أمكنه التمسك بهذه الأدلة الإيمانية وحدها ، بل عليه أن يأتي بنصّ خاص قد ورد في الأذان ، وأمّا الذي يريد الإشارة إلى محبوبيّتها والتأكيد على رجحانها النفسيّ فيمكنه الاستدلال بذلك من باب وحدة الملاك وبقصد القربة المطلقه.

وثانيهما : الإشارة إلى حقيقة الأمر المركّب وأنّه يتألف من أجزاء متعدّدة ، والجزء فيه لا يخلو من وجهين :

١ ـ إما أن يكون جزءاً واجباً ، ويسمّى بـ «جزء الماهية».

٢ ـ وإما أن يكون جزءاً مستحبّاً ، ويسمى بـ (جزء الكمال أو الفرد) وقد عبرنا عنها بالجزئية تسامحاً.

والجزء الواجب هو ما يُقوّم ماهية المُركّب ولا يتحقّق المركَّبُ بدونه ، بمعنى أنّ أمر الشارع يتعلّق بالمركّب دون الأجزاء ، لأن الجزئية من الأحكام الوضعيّة لا التكليفية ، وهي من الأمور غير القابلة للجعل (١) ، فالنزاع فيها لم يكن لفظيّاً

__________________

(١) بحث الأصوليون هذه المسألة في الاستصحاب ، انظر فوائد الأصول تقريرات المرحوم النائيني بقلم الشيخ محمّد علي الكاظمي ٤ : ٣٨٠ ـ ٤٠٢ في بيان الأحكام الوضعية وتفصيل أقسامها حيث صرّحوا بأن الجزئية والشطريّة غير قابلتين للجعل وأنّ الأمر يتعلّق بالكلّ لا بجزئه.

١٤١

حتّى يمكن تصحيحه ، وعليه فالأمر يتعلّق بالكلِّ بما هو كلٌّ ، فمثلاً الحجُّ مؤلّفٌ من الإحرام ، والطواف ، والسعي ، والوقوف بعرفات ، ورمي الجمار و ...

ولا يتحقّق الحجُّ إلّا بإتيان جميع هذه الأجزاء ، ولا يمكن التخلّي عن بعضها ، فلو نقصَ واحدة من هذه الأجزاء عُدَّ حجّه باطلاً.

وأمّا الجزء المستحبّ فهو الجزء غير الضروري بل الكمالي فيه ، فلو فعله المكلّف لكان منه فضيلة ، ولو تركه فهذا لا يوجب الإخلال بأصل العمل.

مثاله : القنوت ، فهو مستحبُّ سواء في الصلاة أو في غيرها ، وكذا الاستغفار فهو مستحب سواء في الصلاة أو في غيرها ، وقد ورد استحبابه بعد التسبيحات في الركعتين الثالثة والرابعة ، فإنّ الإتيان به فضيلة ، لكن تركه لا يضرّ بالصلاة. بل كلُّ ما في الأمر هو عدم حصوله على الثواب الكامل المرجوّ من عبادته ، ومن هذا القبيل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد (١).

ولا تختلف الجزئية الواجبة بين أن تكون ضمن الصلاة الواجبة أو الصلاة المستحبة ، فمثلاً : الركوع هو جزء واجب في الصلاة سواء كانت الصلاة واجبة أو مستحبة ، أي أنّ المكلّف لو لم يأت بالركوع فصلاته باطلة ، سواء كانت الصلاة واجبة أم مستحبة ، وهكذا الحال بالنسبة إلى الطواف ، فهو جزء واجب في الحج سواء للعمرة المفردة أو لحجّة الإسلام.

والآن لنأتي إلى موضوع الشهادة الثالثة ، فالبعض يرى استحباب الإتيان بها لأنّها شرط الايمان ، أو أنّه مستحب ضمن مستحب ، والآخر يرى جزئيَّتها ضمن الأذان والإقامة.

والذين يرون جزئيتها ، البعض منهم يرى جزئيتها الواجبة والاخر يرى

__________________

(١) سنن الدارقطني ١ : ٤١٩ / ح ١ / باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه ، و١ : ٤٢٠ / ح ٢ ، مستدرك الحاكم ١ : ٣٧٣ / ح ٨٩٨ ، وانظر قرب الاسناد : ١٤٥ / ح ٥٢٢.

١٤٢

جزئيتها المستحبّة ، بمعنى أنّ الذين يرون جزئيتها الواجبة يعتقدون بأنّ الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة هي من الاجزاء المقوّمة للماهية وبدونه لا يتحقّق الأذان ، أي أنّ الدليل على شرعيّة الأذان حينما صدر عن الشارع كان متضمّناً للشهادة الثالثة ، فلا يمكن أن يتحقق الأذان بدونها ، وهذا هو رأي نزر قليل من علمائنا.

أمّا القائلون بجزئيتها الندبيّة ـ أي ما يتحقق به الكمال ـ وهم الأكثر بين فقهائنا ، فيرونها كالقنوت في الصلاة.

وهناك من يرى حرمة أو كراهة الاتيان بها حسب تفصيل قالوا به.

وإليك الآن الأقـوال المطروحة فيها ، ثمّ بيان ما نريد قوله بهذا الصدد ، والأقوال في المسألة ، هي :

١ ـ إنّ الشهادة الثالثة هي شرط الإيمان لا جزء الأذان ؛ لكونها مستحبّاً نفسياً وعملاً راجحاً بالأصالة ، وهو عمل حسن لا يختص بالأذان فحسب ، بل هو ما يجب الاعتقاد به قلباً ، فالمسلم يمكنه أن يأتي بالشهادة الثالثة على أمل الحصول على الثواب المرجوّ من إعلانها ، بقصد القربة ، لا بعنوان الجزئية الواجبة أو الاستحبابية ، بل إعلاماً لما يعتقد به قلباً من الولاية لعلي وأبنائه المعصومين.

فإذا كان كذلك فليكن واضحاً صريحاً معلناً في الأذان ، وذلك للعمومات الكثيرة الواردة في القرآن الحكيم ، كقوله تعالى : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) وقوله : (فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ) وقوله : (مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ) ، والأحاديث النبوية المتواترة في علي وما جاء عن المعصومين ، ومنها ما جاء في رواية القاسم بن معاوية عن الصادق عليه‌السلام ؛ «إذا قال أحدكم لا إله إلّا الله ، محمّد رسول

١٤٣

الله ، فليقل : عليّ أمير المؤمنين [ولي الله(١).

وهذا هو الرأي المشهور عند أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم.

قال العلّامة بحر العلوم :

وصورةُ الأذان والإقامـه

هـذا الشِّـعار رافـعاً أعـلامه

أو سـنّة لـيس من الفصـولِ

وإن يكن من أعـظم الأُصـولِ

وأكـمل الشـهادتيـن بـالـتي

قد أكمل الدين بها في المـلّةِ

وإنّها مثل الصـلاة خـارجـه

عن الخصوص بالعموم والِجَه

٢ ـ إنّ الشهادة الثالثة هي شطر الأذان وجزء منه كسائر الأجزاء (٢) ، يجب الإتيان بها ، وإن تَرَكَها أخلّ بالأذان ، فلا يتحقّق الأذان بدونها ، وبهذا تكون جزءاً واجباً لابدّ من الإتيان به حتّى يتحقّق الأذان.

وقد اراد الشيخ عبدالنبي النجفي العراقي الذهاب إلى هذا الراي في رسالته المسماة «الهداية في كون الشهادة بالولاية في الأذان والاقامة جزء كسائر الاجزاء» (٣) لكنه لم يجرا وقال بكلام هو أقل من ذلك ، وهو قريب من كلام صاحب الجواهر ، لكن السيد محمّد الشيرازي في كتابه «الفقه» (٤) ورسالته العملية قال بالجزئية.

قال العراقي ـ ملخّصاً رأيه في آخر رسالته ، غير مفت بالجزئية الواجبة ـ قال : فإنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة وجوب الشهادة فيهما [أي الأذان والإقامة] كما فصّلنا ، لكنّ دعوى الشهرة على الخلاف يمنعنا عن القول بالوجوب ، فلابدّ أن نقول بها

__________________

(١) انظر الاحتجاج ٢ : ٢٣٠ ، وبحار الأنوار ٨١ : ١١٢ ، والاضافة الاخيرة من نسخة المجلسي للاحتجاج ، انظر بحار الأنوار ٢٧ : ١ و٢.

(٢) فلما كانت (لا إله إلاّ الله) جزءاً و (محمّد رسول الله) جزءاً ، لذا فانَّ (علي ولي الله) جزءٌ كسائر الأجزاء.

(٣) المطبوع في إيران سنة ١٣٧٨ هـ مطبعة الحكمة / قم في ٥٢ صفحة.

(٤) الفقه ١٩ : ٣٣١ ـ ٣٣٥.

١٤٤

وأنّه مشروع فيهما بنحو الجزئية الندبية دون الاستحباب النفسيّ أيضاً فضلاً عن الطريقي ، لعدم مقاومة الأدلّة معه (١).

وكان قد قال العراقي قبل ذلك :

وعليه ، لولا دعوى تسالم [صاحب] الجواهر من شهرتهم على عدم كونها من الأجزاء الواجبة فيهما ، لكنّا نقول بها فيهما ، على النحو الذي نقول بها في غيرها من الجزئية الواجبة ، لأنّ وزان أدلّتها يكون وزان أدلّة سائر الأجزاء ، فدلالتها على أصل المشروعية للشهادة بالولاية بعد الرسالة فيهما ممّا لا غبار فيه ، غايةُ الأمر ادُّعي ـ كما عن الجواهر ـ قيام الشهرة المنقولة على عدم كونها من الأجزاء الواجبة (٢) ، فلو تمَّ حينئذ فتكون من الأجزاء المستحبة ، إذ هو مقتضى الجمع بين الدليلين ... (٣).

٣ ـ إنّ الشهادة الثالثة جزءٌ مستحبٌّ في الأذان ، كالقنوت في الصلاة ، والسلام على النبيّ في الصلاة ، وما يماثلها من أحكام عبادية ، وهي أُمور يستحبّ الإتيان بها ، كما لا ضير في تركها.

وقد ذهب كثير من فقهائنا ومحدّثينا إلى هذا القول كالشيخ المجلسي (٤) ، وصاحب الجواهر (٥) ، وصاحب الحدائق (٦) ، وغيرهم.

٤ ـ إنّ الشـهادة الثالثة يؤتى بها من باب : الاحتياط ، لأنّه طريق النجاة ، وهو

__________________

(١) الهداية ، للعراقي : ٤٩.

(٢) ليس في الجواهر من ذكر لمصطلح الجزء الواجب أو الجزء المستحب ; فهو رحمه‌الله قد ذكر الجزئية بلا قيد الواجب أو المستحب انظر جواهر الكلام ٩ : ٨٧.

(٣) الهداية ، للعراقي : ٤٦.

(٤) بحار الأنوار ٨١ : ١١١.

(٥) جواهر الكلام ٩ : ٨٧.

(٦) الحدائق الناضرة ٧ : ٤٠٤.

١٤٥

حسنٌ في كلّ الأحوال ، أي أنّ رجحانها عندهم طريقيُّ وليس بنفسي ، ولذا تراهم يجوّزون الإتيان بها احتياطاً لا باعتبارها جزءاً من الأذان ، وذلك لقوّة أدلة الشطريّة عندهم وعدم وصولها إلى حدٍّ يمكنهم طبقَها الإفتاء بالجزئية ، فيأتون بها احتياطاً.

وقد قال الشيخ عبدالنبي العراقي ـ في رسالته آنفة الذكر ـ عنهم : وهم الأكثرون بالنسبة إلى القائلين بالشطرية الواجبة ، والأقلّون بالنسبة للقائلين بالجزئية الاستحبابية (١) ، قال بهذا ولم يذكر أسماءهم.

٥ ـ وهناك رأي خامس يدّعي أنّ الإتيان بالشهادة الثالثة هو عمل مكروه ، وذلك لعدم ثبوت النصوص الدالّة على الشهادة الثالثة عنده ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى يعتقد بأنّ الكلامَ في الأذان غير جائز ، وبذلك تدخل الشهادة الثالثة عنده في باب التكلّم المنهيّ عنه (٢) ، قال الوحيد البهبهاني في «حاشية المدارك» : ومما ذكرنا ظهر حال «محمّد وآله خير البرية» و «أشهد أن عليّاً ولي الله» بأنهما حرامان بقصد الدخول والجزئية للأذان ، لا بمجرد الفعل.

نعم ، توظيف الفعل في أثناء الأذان ربّما يكون مكروهاً ، لكونه مغيراً لهيئة الأذان بحسب ظاهر اللفظ ، أو لكونه كلاماً فيه ، أو للتشبّه بالمفوضة ، إلّا أنّه ورد في العمومات : أنه متى ذكرتم محمّداً فاذكروا آله أو متى قلتم : محمّد رسول الله فقولوا : علي ولي الله ، كما رواه في الاحتجاج ... (٣) ، مع العلم بأنّ الكثير من الفقهاء قد أجازوا الكلام في الأذان. وحتى في الإقامة.

وقد ذهب إلى هذا الرأي الفيض الكاشاني في كتابه «مفاتيح الشرائع» فقال : وكذا غير ذلك من الكلام وإن كان حقّاً ؛ بل كان من أحكام الإيمان ، لأنّ ذلك كلّه

__________________

(١) الهداية ، للعراقي : ١٠.

(٢) انظر في ذلك مستند الشيعة ٤ : ٤٨٧.

(٣) حاشية المدارك ٢ : ٤١٠ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٤٦

مخالف للسنّة ، فإِنِ اعتقده شرعاً فهو حرام (١) ، ومال إليه آخرون.

٦ ـ القول برجحان الشهادة الثالثة ، لأنّها صارت شعاراً للشيعة.

وهذا ما قاله السيّد الحكيم (٢) والسيّد الخوئي (٣) وآخرون (٤).

* وهناك ثلاثة آراء أُخرى تدّعي الحرمة ، ذكرت كل واحدة منها ببيان وتعليل خاص به.

٧ ـ فقال البعض بحرمة الإتيان بها ، لعدم ورودها في النصوص الشرعية عن المعصومين ، فيكون الإتيان بها بدعة ، لأنّه إدخال ما ليس من الدين في الدين ، إذ أنّ الأذانَ أمرٌ توقيفيّ ، وحيث لم تثبت هذه الجملة فيما جاء عن الأ ئمّة في الأذان فيجب تركها.

وقد ادّعى الشيخ الصدوق قدس‌سره بأن هذه الزيادة هي من وضع المفوِّضة لعنهم الله ، ومعنى كلامه : أنّ قول «محمّد وآل محمّد خير البرية» ، و «أنّ عليّاً أمير المؤمنين» ، ليس من أجزاء الأذان والإقامة الواجبة ولا المستحبّة (٥) ، في حين ستقف لاحقاً على أنّ بعض الشيعة كانوا يؤذّنون بهذا الأذان في عهد الرسول ، والأئمّة ، وقبل ولادة الصدوق رحمه‌الله لمحبوبيتها وللحدّ من أهداف الحكام ، ولنا معه رحمه‌الله وقفة طويلة لاحقاً (٦) فانتظر.

__________________

(١) مفاتيح الشرائع ١ : ١١٨ / المفتاح ٣٥ ، باب ما يكره في الأذان والإقامة.

(٢) مستمسك العروة ٥ : ٥٤٤. وسنشرح كلامه في آخر الكتاب «الشعارية».

(٣) اُنظر كتاب الصلاة ٢ : ٢٨٧ ، مستند العروة الوثقى ١٣ : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

(٤) كالسيّد محمّد مهدي الصدر الكاظمي في بغية المقلدين : ٥٢ ، والشيخ محمّد رضا آل ياسين في حاشيته على رسالة الصدر الكاظمي : ٣٥ ، والعم ـ أبو زوجتي ـ المرحوم الشيخ حسن علي مرواريد ، انظر ملحق سر الإيمان للمقرم : ٩٤ وغيرهم.

(٥) مستند الشيعة ٤ : ٤٨٦.

(٦) من صفحة ٢٤٥ إلى ٢٨٢.

١٤٧

هذا ، وقد مال إلى هذا الرأي المحقّق السبزواري في «ذخيرة المعاد» (١) ، والشهيد الثاني في «روض الجنان» (٢) وغيرهما (٣).

٨ ـ ومنهم من ذهب إلى حرمتها ، لتوهمّ الجاهل بأنّها جزء ، وذلك لإصرار المؤذّنين على الإتيان بها على المآذن ، وعدم تركهم لها لمرّة واحدة ؛ فإنّ هذا الإصرار من المؤذنين يوهم الجاهلين بأنّها جزء من الأذان ، فيجب تركه حتّى لا يقع الجاهل في مثل هكذا توهّم.

وقد أشار الوحيد البهبهاني إلى هذا الراي في شرح مفاتيحه (٤) ، ورَدَّهُ.

لأن توهمُّ الجزئيّة لا يوجب الحرمة ، لأنَّ التوهمُّ إما أن يكون من قِبَلَ الجاهل أو من قبل العالم؟ وتصوّر وقوع التوهّم من قِبَلِ العالِم بعيد جدّاً ، فطالما أكَّد العلماء في مؤلّفاتهم وصرّحوا بأقوالهم بأنَّ الشهادة الثالثة ليست جزءاً مِنَ الأذان ودعموا أقوالهم بالأدلّة.

وأمّا توهّم الجاهل فقد جزم الوحيد البهبهاني بأنّه ليس من وظيفة العلماء رفع هذا التوهّم عنهم (٥) ، لان الجهال قد فوّتوا كثيراً من الأُمور عليهم لجهلهم وقصور فهمهم ، وما على العالم إلّا البلاغ وبيان الأمور ، وعلى المكلّف أن يسعى لتعلّم أحكام دينه ، وإلّا فسيكون مقصِّراً ، وبذلك يكون هو المدان أمام حكم الله لا العالم.

وأيُّ توهّم يمكن تصوّره مع وقوفنا على الصيغ المختلفة لهذه الشهادة : «أشهد أنَّ عليّاً وليُّ الله» ، «أشهد أنَّ عليّاً أمير المؤمنين وأولاده المعصومين حجج الله» ، (أشهد أن علياً حجة الله) ، و (أشهد أن علياً أمير المؤمنين ولي الله) عند الأصحاب.

كلّ هذه الصيغ تُظهر بأنّها ليست جزءاً من الأذان ، وقد أشار الشيخ

__________________

(١) ذخيرة المعاد ٢ : ٢٥٤.

(٢) روض الجنان : ٢٤٢.

(٣) كالشيخ جعفر كاشف الغطاء في كشف الغطاء ٣ : ١٤٥ ، والعلّامة في نهاية الاحكام ١ : ٤١٢.

(٤) مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع ، للوحيد البهبهاني ٧ : ٣٣.

(٥) مصابيح الظلام ٧ : ٣٤.

١٤٨

الصدوق رحمه‌الله إلى بعضها إذ قال : أنَّ البعض يقول : «أشهد أنَّ عليّاً وليُّ الله» ، والبعض الآخر يقول : «أشهد أنّ محمّداً خير البريَّة» وثالث : «محمّد وآل محمّد خبر البرية مرتين ، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد ان محمّداً رسول الله أشهد أن علياً ولي الله مرتين ، ومنهم من روى بدل ذلك : أشهد ان علياً أمير المؤمنين حقاً مرتين» وحكى السيّد المرتضى بأن هناك من يقول «محمّد وعلي خير البشر» وكلُّ هذا يدلّ على أنّه لم يُؤتَ بالشهادة الثالثة بعنوان أنّها جزء من الأذان ، بل يؤتى بها على أنّها عمل محبوب وذكر فيه فضيلة عامّة وهي من شروط الإيمان.

٩ ـ وهناك من يقول بحرمتها أو كراهتها (١) ، لأجل فوت الموالاة بين فصول الأذان ، وبذلك تكون حرمتها أمراً وضعياً وهي بطلان الأذان بها ، لأنّ الّذي أَتى بالشهادة الثالثة فقد فوَّت الموالاة بزعمهم من جهتين :

١ ـ من جهة فوت شرطية الاتّصال ـ بين محمّد رسول الله ، وبين حيّ على الصلاة.

٢ ـ ومن جهةِ حصول المانع بعدَ فوت الموالاة من جهة مانعيّة الانفصال.

ولو دقّقنا النظر بهذا الأمر لوجدنا أن ليس ثمّة علاقة له بالموالاة ، وقد ذهب صاحب المستند وآخرون إلى عدم لزوم الموالاة في الأذان (٢) ، وقالوا بجواز التكلّم في الأذان ، بل جوّزوا فيه حتّى الكلام الباطل ، فكيف والحال هذه إذا كان التكلم أثناء الأذان بكلام محبوب وله رجحان ذاتيُّ وبالأصالة ، ألا وهو الشهادة بالولاية لعلي بن أبي طالب.

فإذا كان الكلام العاديّ جائزاً وغير مخلٍّ بالأذان ، فهل يعقل أن يكون التشهد بالولاية كلاماً مخلاً وغير جائز فيه.

إن فوت الموالاة ليس بمخل بالأذان ، لأنّ العامّة لا تعتقد بإخلال جملة :

__________________

(١) الحاشية على مدارك الاحكام ٢ : ٤١٠ ، وانظر المستند ، للنراقي ٤ : ٤٨٦.

(٢) مستند الشيعة ٤ : ٤٨٦.

١٤٩

«الصلاة خير من النوم» بالموالاة ، وكذلك جمهور الشيعة فانها لا تعتقد أنّ الشهادة بالولاية مخلة ، وهي عندهم ـ مع الفارق ـ نظير ما فعله أمير المؤمنين مع ذلك السائل واعطاءه خاتمه وهو في الصلاة.

فإذا كان اعطاء الصدقة لا يخل بالصلاة الواجبة ، فكيف يخل الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان المستحب؟

وزبدة القول : لمَّا لم يكن في البين ثمّة كلام باطل مضاف ، فإنَّ الأذان سوف لا يخرج عن صيغته السليمة ، وهو نحو مشي المتوضّئ عدّة أقدام ثم مسحه على قدميه ، وهذا لا يُّعد إخلالاً بالموالاة في الوضوء عند المتشرِّعة يقيناً.

وبهذا فقد وقفنا على أهمّ الأقوال وأشهرها وإليك الآن قولاً آخر يمكن إضافته إلى الأقوال السابقة ، وهو :

١٠ ـ من المعلوم شرعاً أنّ الامور المستحبّة أو المباحة هي مما يجوز تركها ، لكن قد تحرم في بعض الأحيان ، وقد تجب في حالات أُخرى ، فمثلاً شرب الماء مباحٌ ، ولكنه قد يجب عند العطش الشديد والخوف من الهلاك ، وقد يحرم عند نهي الطبيب من شربه.

والأمر المستحبّ مثل ذلك ، فقد يحرم الاتيان به إذا استلزم الضرر البالغ ، وقد يجب الإصرار عليه لو رأينا الاخرين يريدون محوه ، وقد يجب الاتيان به من باب الشعارية كما هو ديدن الفقهاء فيما لو دعت إليه المصلحة الشرعية القطعية أو دفع المفسدة القطعية ، ولا شك في أن الشهادة بالولاية لعلي من هذا القبيل اليوم.

لأنّ ذكر الإمام علي وآل بيته الأطهار محبوبٌّ على كلّ حال ـ وبشكل مطلق ـ لكن من دون قصد التشريع ، مؤكّدين بأنّ جزمنا بمحبوبيتها في كل حال لا يلزمنا القول بتشريعها أو أنّها أحد أجزاء الأذان ، نعم قد يمكن القول بمطلوبيتها والاصرار عليها في الازمنة المتأخرة ، وذلك لارتفاع التقيّة ـ إلى حد ما ـ ولأنّها صارت شعاراً لمذهب الحق ، يبيّن فيه الشيعي إيمانه بالله واقراره بنبوة رسول الله ، ومكانة الإمام علي.

ويشتدّ ضرورة توضيح هذا الأمر خصوصاً بعد أن اتّهمونا خصومنا ونسبوا إلينا

١٥٠

الكثير من الاكاذيب ؛ «كقولنا بأُلوهيّة الإمام عليّ» ، أو «اعتقادنا بخيانة الأمين جبرئيل ، بدعوى ان الله بعث جبرئيل إلى عليّ فغلط ونزل على النبيّ محمّد» ، وغيرهما ، فكلّ هذه الأكاذيب تدعونا لأن نجهر بأصواتنا : «أشهد أن لا إله إلّا الله» نافين بذلك كوننا من الغلاة القائلين بأُلوهيّة الإمام علي ، بل نحن نوحّد الله ونعبده. وكذا يجب علينا أن نقول : «أشهد أن محمّداً رسول الله» التزاماً بالشرع ، واعلاناً باتباعنا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله واوامره ونواهيه ولكي ننفي ما افتروه علينا من مقولة «خان الامين».

وبعد كل ذلك علينا الجهر ومن على المآذن والمنابر وفي كلّ اعلان بـ : «أشهد أن عليّاً ولي الله» دفعاً لاتّهامات المتَّهِمين وافتراءات المفتَرِين ، وإن عليّاً واولاده المعصومون عندنا ما هم إلّا حجج رب العالمين على عباده أجمعين ـ مؤكدين من خلال رسائل فقهائنا العظام ـ بأن ما نشهد به ليس جزءً داخلاً في الأذان ، بل هو شعار نتخذه لبيان توحيدنا لله رب العالمين ، والإشادة برسوله الأمين محمّد ، وأنّ عليّاً واولاده المعصومين عبيدالله واوليائه وحججه على عباده.

نقول بذلك إعلاءً لذكرهم ، الذي جدّ القوم لاخماده هذا من جهة. ومن جهة أُخرى قد يمكننا أن نعدّ ترك الشهادة الثالثة حراماً اليوم ، وذلك مقارنة بأُمور مستحبّة أُخرى ، لأ نّا قلنا قبل قليل بأن بعض الأُمور المباحة والمستحبّة قد تصير واجبة أو محرّمة بالعنوان الثانوي ، كأن نرى البعض يؤكّد على إبعاد سنّة ثابتة (١) أو يُحرّم امراً مباحاً ، فيجب على المسلم أن يحافظ على هذه السنة وأن يصر على الاتيان بها ، وقد يصير في بعض الاحيان ذلك الأمر المستحب أو المباح واجباً بالعنوان الثانوي.

ومن الأمثلة على ذلك ما رواه الفريقان سنة وشيعة عن أمير المؤمنين علي أنّه رأى

__________________

(١) كما في قول الأئمة : «ليس منّا من لم يؤمن بالمتعة» ، مع أنّها مستحبة ، لكن محاولة اعداء أهل البيت تحريمها ، جعل الاعتقاد باستحبائها أو جوازها واجباً.

١٥١

ضرورة شرعية لأن يشرب الماء واقفاً في رحبة مسجد الكوفة (١) ؛ دفعاً لتوهم كثير من المسلمين حرمة الشرب واقفاً ، وكذلك من هذا القبيل ما ورد عن بعض المعصومين عليهم‌السلام أنّه شرب الماء أثناء الطعام مع أنّه منهي (٢) عنه ؛ دفعاً لتوهم حرمة شرب الماء أثناء الطعام ، ومن هذا القبيل أيضاً ترك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لنوافل بعض أيام شهر رمضان (٣) خوفاً على الأمة من الوقوع فيما هو عسير.

وكذا الحال بالنسبة إلى ترك المستحبّ ، فقد يكون حراماً في بعض الحالات ، فمثلاً الكلّ يعلم بأن بناء المساجد ليس واجباً ، وكذا الصلاة فيها ، أمّا تخريبها وعدم الصلاة فيها فهي محرمة يقينا لقوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا) (٤) ، ومثلها البناء على المشاهد المشرِّفة فهي ليست بواجبة أما تهديم القبور فهي حرام قطعاً ، لأن في ذلك توهيناً واضعافاً للعقيدة والمذهب ، وهكذا الحال بالنسبة للأمور المستحبّة الأُخرى ، والتي يسعى الخصم لمحوها ، فينبغي الحفاظ عليها ، وقد أكدّ الفقهاء على لزوم المحافظة على الأُمور المباحة ، التي حُرِّمت من قبل الآخرين ، كلّ ذلك إصراراً وثباتاً على الحكم الإلهي.

فلو كان هذا في الأمر المباح ، فكيف بالأمر المحبوب في نفسه الذي أكدّ عليه الشرع وجاءت به الأدلّة الكثيرة التي ستقف عليها لاحقاً.

__________________

(١) انظر سنن النسائي (المجتبى) ١ : ٦٩ / باب عدد غسل اليدين / ح ٩٥ ، مصنف عبدالرزاق ١ : ٣٨ ـ ٤٠ / ح ١٢٢ / ح ١٢٣. وانظر الكافي ٦ : ٣٨٢ / باب شرب الماء من قيام.

(٢) الكافي ٦ : ٣٨٢ / باب آخر في فضل الماء من كتاب الاشربة / ح ٤ ، وعنه في وسائل الشيعة ٢٥ : ٢٣٦ / ح ٣١٧٨١.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٣١٣ / ب ٧ / ح ٨٨٢ ، و٢ : ٧٠٧ / ح ١٩٠٨ صحيح مسلم ١ : ٥٢٤ / باب الترغيب في قيام شهر رمضان / ح ٧٦١ ، سنن أبي داود ٢ : ٤٩ / ح ١٣٧٣.

(٤) البقرة : ١١٤.

١٥٢

تلخّص مما سبق :

١ ـ إنّ الدعاوي الثلاث التي قالها الشيخ الصدوق لا يمكن الاعتماد عليها ، وذلك :

أ ـ لأن دعوى التفويض لا تتفق مع ما كان يقول به من سمّاهم الصدوق بالمفوِّضة ، لأنَّ كلماتهم هي كلمات حقّة اعترف الصدوق رحمه‌الله بصحتّها ، وإن ما حُكي عنهم لا يتّفق مع المنهيّ عنه في الشريعة ، لأنّ المعروف عن المفوِّضة أنّهم يعتقدون بأنّ للأئمّة حق الخلق ، والرزق ، والإحياء ، والإماتة على وجه الاستقلال ، بحيث لا يقدر الربّ على صرفهم عنه ، وهذا ما لا نراه في صيغ أذان من سموا بالمفوِّضة!! لأنّهم لا يقولون : أشهد أن علياً محي الموتى ورازق العباد ، وأشباهها حتى ينطبق عليهم كلام الشيخ الصدوق بل نرى أن شهادتهم بالولاية هي ألصق بالاعتقاد الصحيح وأبعد عن التفويض ، فقد يكونوا شهدوا بهذه الشهادة لكي يبعدوا عن انفسهم ، شبهة الغلوّ والتفويض ، وقد يكون المفوضة استغلوا ما جاء في العمومات والروايات التفسيرية لمعنى الحيعلة الثالثة وحرفوا معناها إلى معنى أنّ مطلق الإيمان بالولاية مسقط للتكاليف ، فلذلك حمل عليهم الصدوق رحمه‌الله حملته الشديدة.

وقد يكون الشيخ الصدوق قالها خوفاً من وقوع الشيعة في مهلكة التفويض المنهى عنه ، وقد يكون قالها تقيّةً ، وقد يكون قالها لأمور اُخرى.

ب ـ أما ما ادعاه من أنّهم «وضعوا أخباراً» هو الآخر لا نقبله ، وذلك لما بيّنّا من اختلاف المنهجين القمّي والبغدادي في العقائد والرجال.

١٥٣

فالصدوق تبعاً لشيخه ابن الوليد رحمه‌الله قد اتهّم محمّد بن موسى الهمداني السمان بوضع كتابي زيد النرسي وزيد الزراد ، في حين إنك قد وقفت على وجود طرق صحيحة للنجاشي والمفيد والطوسي رحمهم الله تعالى إلى هذين الكتابين ، وكان رجال تلك الطرق من وجوه الأصحاب وهي تجزم بأنّ الكتاب لزيد النرسي ، فلا يستقيم بعد هذا قول الشيخ الصدوق رحمه‌الله بأنّه من وضع موسى الهمداني ؛ إذ كيف تكون من وضعه مع أن هناك طرقاً صحيحة عن زيد وكتابه ، وهذا ما اكد عليه رجاليو الشيعة وفقهائهم في مصنفاتهم. وهي تشكّكنا في قبول كلامه رحمه‌الله على ظاهره ، بل تدعونا أن ندرسها مع ظروفها الموضوعية الحقيقية ، لنرى هل يمكننا الأخذ بكلامه ، أم أن ما قاله عن المفوّضة كان تقليداً لمشايخه أو تسرّعاً منه في إطلاق الأحكام ، وهذا ما سنفصّله عند دراستنا لكلامه رحمه‌الله لاحقاً (١).

ج ـ ان دعوى زيادة من قال بالصيغ الثلاث في الأذان بقصد الجزئية دعوى كبيرة ، ولا نوافقه عليها ، خصوصاً مع اختلاف صيغ الأذان عند المذاهب الشيعية المختلفة في العقيدة والمتّفقة في جواز إتيان هذه الجمل في الأذان ، فمنهم من يقول بها بعد الحيعلة الثالثة = «حي على خير العمل» ، والاخر قبلها ، وثالث بعد الشهادة بالرسالة.

والبعض منهم يقول : «أشهد أنّ علياً ولي الله» والآخر : «محمّد وآل محمّد خير البرية» ، وثالث «محمّد وعلي خير البشر» ، ورابع ، وخامس.

كلُّ هذه الأمور تشكّكنا في قبول كلام شيخنا الصدوق بأنّهم يأتون بها على أنّها أجزاءٌ ، بل الثابت عنهم أنّهم يأتون بها بقصد القربة المطلقة أو للتيمن والتبرك ، ولمحبوبيتها الذاتية.

__________________

(١) في القسم الثالث من الفصل الاول الاتي في صفحة ٢٤٥.

١٥٤

٢ ـ أشرنا في آخر البحوث التمهيدية إلى عشرة أقوال في المسألة وهي :

١ ـ يؤتى بها على أنّها شرط الإيمان لا جزء الأذان.

٢ ـ يؤتى بها على أنّها شطر الأذان وجزءٌ منه كسائر الأجزاء.

٣ ـ يؤتى بها لأنّها مستحبّة في نفسها ، فهي كالقنوت والاستغفار المستحبان في نفسهما ، ولكن يمكن أن يؤتى بهما في الصلاة كذلك.

٤ ـ يؤتى بها من باب الاحتياط ، لقوّة أدلّة الشطرية عندهم من جهة ، وعدم وصولها إلى حدّ يمكن معه الإفتاء بالشطرية من جهة أخرى ، فيفتون بالإتيان بها احتياطاً.

٥ ـ القول برجحان الإتيان بها ، لأنّها صارت شعاراً للشيعة.

٦ ـ يكره الإتيان بها ، لعدم ثبوت ورود الروايات فيها من جهة ، ومن جهة أُخرى ثبوت كراهة الكلام في الأذان عندهم.

٧ ـ حرمة الإتيان بها ، لتوهّم الجزئية فيها.

٨ ـ حرمة الإتيان بها ، لعدم ورودها في صيغ الأذان البيانية الواردة عن المعصومين.

٩ ـ حرمتها أو كراهتها لفوات الموالاة بين فصولها.

١٠ ـ مطلوبية الإتيان بها دفعاً لافتراءات المفترين على الشيعة من باب الشعارية ، وأنّه ذكر محبوب لا أنّه جزء من الأذان وإنّ ذِكرنا له إنّما هو على غرار الصلاة على محمّد وآل محمّد بعد الشهادة الثانية ، والغرض هو نفي الالوهية الملصقة باطلاً بأمير المؤمنين عليه‌السلام وللتاكيد على انه عليه‌السلام عبدالله وحجته ووليه وتلميذ الرسول محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأن اعداء الشيعة قد اشاعوا عنا بأنا نقول بألوهية الإمام علي ، وخيانة الأمين جبرئيل في إنزال الوحي. فكل هذه الاكاذيب تدعونا لأن نقول من على المآذن : «أشهد أن لا إله إلّا الله» نافين بذلك دعوى ألوهية الإمام علي ، بل التأكيد على توحيد الله وعبوديته.

وكذا يجب علينا أن نقول : «أشهد أن محمّداً رسول الله» كي ننفي ما نسبوه إلينا

١٥٥

من اكاذيب.

وبعد كل ذلك علينا أن نجهر بأصواتنا ، ومن على المآذن : «أشهد أن علياً أمير المؤمنين وليّ الله وحجته» دفعاً لاتّهامات المتّهمين وافتراءاتهم ، نقول بذلك إعلاءً لذكرهم ، الّذي جد القوم لطمسه.

نحن عرضنا هذه الأقوال كي تكون مدخلاً لمبحث الشهادة الثالثة ، وإليك الآن تفصيل رؤيتنا ضمن الفصول الثلاثة الآتية :

١٥٦

الفصل الأول

* الأدلّـة الشـرعيّـة

وهو في ثلاثة اقسام :

١٥٧
١٥٨

القسم الأوّل :

الدليل الكنائيّ

ما روي عن الإمام الكاظم عليه‌السلام :

حي على خير العمل = الولاية

أثبتنا في الباب الاول من هذه الدراسة ، شرعية «حي علي خير العمل» (١) ، وأنّها كانت تقال على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أذّن بها بعض الصحابة كبلال (٢) ، وابن عمر (٣) ، وأبي رافع (٤) ، وأبي محذورة (٥) ، وزيد ابن أرقم (٦) ، وعبدالله بن عباس (٧) ، وجابر بن عبد الله الأنصاري (٨) ، وأنس بن مالك (٩) ، وأبي أُمامة بن

__________________

(١) وهو الكتاب الأوّل من هذه المجموعة ، وقد طبع في بيروت مؤسسة الأعلمي عام ١٤٢٤ هـ تحت عنوان (حي على خير العمل الشرعية والشعارية) في ٤٩٦ صفحة.

(٢) المعجم الكبير ١ : ٣٥٢ / ح ١٠٧١ ، السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٤٢٥ / ح ١٨٤٥ ، مجمع الزوائد ١ : ٣٣٠ ، كنز العمال ٨ : ١٦١ / ح ٢٣١٧٤ ، وسائل الشيعة ٥ : ٤١٨ / ح ٦٩٧٢. وانظر تحقيقنا عن هذه الرواية في كتابنا المشار إليه في الهامش الآنف.

(٣) المصنف لعبد الرزاق ١ : ٤٦٤ / ١٧٩٧ ، السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٤٢٤ / ح ١٨٤٢ ، الاعتصام بحبل الله ١ : ٣٠٨ ولنا تحقيق في ذلك راجع كتابنا (حي على خير العمل).

(٤) الأذان بحي على خير العمل ، للحافظ العلوي : ٢٨ ، الاعتصام ١ : ٢٨٩.

(٥) البحر الزخار ٢ : ١٩٢ ، أمالي أحمد بن عيسى ١ : ٩٢ ، جواهر الأخبار والآثار ٢ : ١٩١ ، الاعتصام ١ : ٢٨٤.

(٦) نيل الاوطار ٢ : ١٩ ، مسند زيد بن علي : ٩٤ ، الإمام الصادق والمذاهب الاربعة ٥ : ٢٨٣.

(٧) الأذان بحي على خير العمل : ٥٤.

(٨) الأذان بحي على خير العمل : ٣٠ ، الاعتصام ١ : ٢٩١.

(٩) الاعتصام ١ : ٢٨٨ ، الأذان بحي على خير العمل : ٢٦.

١٥٩

سهل بن حنيف (١) ، والإمام علي (٢) ، والحسن (٣) ، والحسين (٤) ، وعقيل بن أبي طالب (٥) وعبدالله بن جعفر (٦) ، وعلي بن الحسين (٧) ، وزيد بن علي (٨) وغيرهم (٩) من آل البيت. عليهم‌السلام.

لكن العامة ـ كلهم أو بعضهم ـ ادعوا نسخها ، فتساءلنا كيف نسخت ، وأين ومتى؟ ولم نسخت هذه الفقرة بالخصوص من الأذان؟ بل لماذا نرى غالب المسائل الخلافية يقال عنها : إنّها نسخت ، مثل : «حي على خير العمل» فما هو الناسخ يا ترى؟

قال السيّد المرتضى من الإمامية : وقد روت العامة أن ذلك [حي على خير العمل] مما كان يقال في بعض أيام النبي ، وإنما أدعي أن ذلك نُسخ ورفع ، وعلى من ادّعى النسخ الدلالة له ، وما يجدها (١٠).

__________________

(١) الاعتصام ١ : ٣٠٩ ، المحلّى ٣ : ١٦٠ ، الإحكام ٤ : ٥٩٣ ، فتح الباري لابن رجب ٣ : ٤١٧ ، كتاب الصلاة / باب الأذان مثنى مثنى / ح ٦٠٦ ، الروض النضير ١ : ٥٤١.

(٢) الاعتصام ١ : ٣٠٩ ، جواهر الأخبار والآثار ٢ : ١٩١.

(٣) الاعتصام بحبل الله : ٣٠٧. وانظر الروض النضير ١ : ٥٤٢.

(٤) الاعتصام بحبل الله : ٣٠٧. وانظر الروض النضير ١ : ٥٤٢.

(٥) الأذان بحي على خير العمل : ٥٤.

(٦) الأذان بحي على خير العمل : ٣٠.

(٧) المحلّى ٣ : ١٦٠ ، السيرة الحلبية ٢ : ٣٠٥ ، دعائم الإسلام ١ : ١٤٥ ، جواهر الأخبار والآثار للصعدي ٢ : ١٩٢ ، المصنّف لابن أبي شبية ١ : ١٩٥ / ح ٢٢٣٩ ، السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٤٢٥ / ح ١٨٤٤ ، الاعتصام بحبل الله ١ : ٢٩٩ ، ٣٠٨.

(٨) حاشية مسند الإمام زيد المطبوعة ضمن مسند الإمام زيد ، دار الحياة ، بيروت : ٩٣ عن كتاب الأذان بحي على خير العمل : ٣٧ / الحديثان ١٧٢ و١٧٣.

(٩) انظر تفصيل ذلك في الفصل الأول من دراستنا المطبوعة تحت عنوان (حي على خير العمل) الشرعية والشعارية من صفحة ١٧٧ إلى ٢٥٨.

(١٠) الانتصار : ١٣٧.

١٦٠