أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

بوصايا الرسول وانكرت مكانة أهل البيت الذين اقرهم الله فيها وقد عاتب الإمام علي عليه‌السلام الناس بقوله : أَلا وإنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة ، وثلمتم حصن الله ـ المضروب عليكم ـ بأحكام الجاهلية ، فإن الله سبحانه قد امتنَّ على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل هذه الأُلفة التي ينتقلون في ظلها ، ويأوون إلى كنفها ، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ، لأنّها أرجح من كلّ ثمن ، وأجلّ من كلّ خطر ... إلى أن يقول : أَلاَ وقد قطعتم قيد الإسـلام وعطّلتم حدوده وأمتّم أحكامه ... (١)

وقال علي بن الحسين عليهما‌السلام : إلى من يفزع خلف هذه الأمة ، وقد درست أعلام الملّة ، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف ، يكفّر بعضهم بعضاً .. فمن الموثوق به على ابلاغ الحجّة؟ وتأويل الحكمة؟ إلّا أهل الكتاب وأبناء ائمة الهدى ، ومصابيح الدجى ، الذين احتجّ الله بهم على عباده ، ولم يدع الخلق سدىً من غير حجة.

هل تعرفونهم أو تجدونهم إلّا من فروع الشجرة المباركة ، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وبرّأهم من الآفات ، وافترض مودّتهم في الكتاب (٢).

إذن لا يوجد طريق علمي وشرعي لقراءة مثل هذه النصوص إلّا القول بالشعارية ، وهو المعنيُّ بالنداء والإشهاد والشعارية ، إذ ما يعني أمر الله بالمناداة لو لم يكن ما قلناه ، ولماذا يشهد بها الملائكة أمام الخلائق أجمعين ، لو لم تكن العلامة الوحيدة لمعرفة الله ورسوله؟

* وعلى غرار الروايات الآنفة آية البلاغ في قوله سبحانه : (بَلِّغْ) والتي تنطوي

__________________

(١) نهج البلاغة ٢ : ١٥٤ ـ ١٥٦ / من خطبة له عليه‌السلام تسمى القاصعة.

(٢) كشف الغمة ٢ : ٣١٠ ، الصحيفة السجادية : ٥٢٤ / الرقم ٢١٩ من دعاوه عليه‌السلام وندبته اذ تلا هذه الآية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ).

٥٠١

على معنى الشعارية كذلك ؛ إذ الملاحظ أنّ القرآن قد وصف وظيفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالبيان والتبيين كما في قوله تعالى : (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهُمْ) ، لكن لمّا وصلت النوبة إلى إعلان ولاية علي عليه‌السلام قال سبحانه وتعالى (بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإِنّ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (١) ، ولم يقل بيّن. ولا يخفى عليك بأن معنى الشعارية منطوية في كلمة (بَلِّغْ) اكثر وأعمق من لفظة : (لِتُبَيِّنَ) ، إذ البيان للعقيدة والتشريع قد فعله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للناس ونشره للأمّة على أحسن وجه ، ولم يبق إلّا التأكيد على المعنى المطوي في لفظ (بَلِّغْ) وهو إعلانه أنّ علياً وليّ الله ووليّ رسوله ، وأنّه الشعار والنور الذي تهتدي به الأمّة من خلاله.

* ولندعم الشعارية بدليل آخر من القرآن ، وهو في سورة المائدة ـ بعد أن ذكر الكافرين وأهل الكتاب ـ مخاطباً المؤمنين بقوله : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَا لَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَا لْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَا تَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً ولَعِباً ذَلِكَ بأنّهمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ) (٢).

فالآية الأُولى نزلت في الإمام عليّ حين تصدّق بخاتمه وهو راكع ، وهي ترشدنا إلى الترابط بين الشهادات الثلاث في الولاية الإلهية ، ومن أراد التأكد من كلامنا فليراجع كتب التفاسير في ذيل الآية الآنفة (٣).

__________________

(١) المائدة : ٦٧.

(٢) المائدة : ٥٥ ، ٥٦ ، ٥٧ ، ٥٨.

(٣) الكشاف ١ : ٦٨١ ، تفسير البغوي ٢ : ٤٧ ، تفسير الطبري ٦ : ٢٨٧ ، تفسير السمرقندي ١ : ٤٢٤ ، تفسير السمعاني ٢ : ٤٧ ، تفسير القرطبي ٦ : ٢٢١ ، التسهيل لعلوم التنزيل ١ : ١٨١ ، زاد المسير ٢ : ٣٨٢ ـ ٣٨٣ ، الدر المنثور ٣ : ١٠٤ ، واخرجه الخطيب في المتفق عن ابن عباس.

٥٠٢

أمّا الآية الثانية فهي تعني لزوم موالاة الله ورسوله والذين آمنوا ، أي أنّ الآية الأُولى جاءت للإخبار بأنّ الولاية إنما هي لله ولرسوله وللذين آمنوا ، ثمّ اتت بمصداق للذين آمنوا ـ وهو الإمام علي ـ وفي الآية الثانية أكّد سبحانه على لزوم موالاة الله ورسوله والذين آمنوا ، مخبراً بأنّ من تولى هذه الولايات الثلاث معاً فهو من حزب الله (ألا انَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

فقد جاء عن الإمام عليعليه‌السلام أنّه قال : قال لي رسول الله : يا علي أنت وصيّي ، وخليفتي ، ووزيري ، ووارثي ، وأبو ولدي ، شيعتك شيعتي ، وأنصارك أنصاري ، وأولياؤك أوليائي ، وأعداؤكَ أعدائي ... قولك قولي ، وأمرك أمري ، وطاعتك طاعتي ، وزجرك زجري ، ونهيك نهي ، ومعصيتك معصيتي ، وحزبك حزبي ، وحزبي حزب الله (وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَا لَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (١).

ومن خطبة للإمام الحسنعليه‌السلام أيام خلافته : نحن حزب الله الغالبون ، وعترة رسوله الأقربون ، وأهل بيته الطيبون الطاهرون ، وأحد الثقلين الذين خلفهما رسول الله ... (٢) ، وجاء قريب منه عن الإمام الحسين عليه‌السلام (٣). وقد سئل زيد بن علي بن الحسين عن قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، قال : نصبه علماً ليعلم به حزب الله عند الفُرْقة (٤).

وعليه فالله ـ سبحانه وتعالى ـ بعد ان ذكّر المؤمنين ـ في الآيتين الأولى والثانية ـ بأن

__________________

(١) الأمالي للشيخ الصدوق : ٤١٠ / المجلس ٥٣ ، بشارة المصطفى : ٩٧ ، بحار الأنوار ٣٩ : ٩٣ ، ٤٠ : ٥٣ ، ينابيع المودة ١ : ٣٧٠ / الباب ٤١.

(٢) الأمالي للمفيد : ٣٤٨ ـ ٣٥٠ ، مروج الذهب ٢ : ٤٣١ ، جمهرة خطب العرب ٢ : ١٧ ، الأمالي للشيخ الطوسي : ١٢١ ـ ١٢٢ ، ٦٩١ ـ ٦٩٢ ، بحار الأنوار ٤٣ : ٣٥٩.

(٣) مناقب آل أبي طالب ٣ : ٢٢٣ ، الاحتجاج ٢ : ٢٢ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١٩٥.

(٤) الأمالي للصدوق : ١٨٦ / ح ١٩٢. المجلس ٢٦.

٥٠٣

الولاية لله ولرسوله وللذين آمنوا جاء في الآية الثالثة ليحذّرهم بأن لا يتخذوا الكفّار وأهل الكتاب أولياء ، لأنّهم اتخذوا دين الله هزواً ولعبا أي أنّه جلّ وعلا لحظ الولاء والبراءة معاً.

ومن الطريف أن ترى ذكر الأذان يأتي في القرآن بعد الآيتين السابقتين ـ أي بعد ذكر التولّي والتبري ـ موكداً سبحانه بأنّ الكفار وأهل الكتاب اتّخذوا هذه الشعيرة هزواً ولعباً ، فعن ابن عباس : إنّ الذين اتّخذوا الأذان هزوا : المنافقون والكفّار (١) ، وقيل : اليهود والنصارى (٢).

وفي مسند أحمد : قال أبو محذورة : خرجت في عشرة فتيان مع النبي ، وهو [يعني النبي] ابغض الناس إلينا ، فأذّنوا فقمنا نؤذن نستهزي بهم ، فقال النبي : ائتوني بهؤلاء الفتيان ، فقال : أذنوا ، فأذنوا ، فكنت أحدهم ، فقال النبي : نعم ، هذا الذي سمعت صوته اذهب فأذّن لأهل مكة ... (٣).

قال ابن حبان : قدم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مكة يوم الفتح فراه [أي ابا محذورة] يلعب مع الصبيان يؤذن ويقيم ويسخر بالإسلام ... (٤).

وفي سنن الدار قطني عن أبي محذورة ، قال : لمّا خرج النبي إلى حنين خرجتُ عاشر عشرة من أهل مكة أطلبهم ، قال : فسمعناهم يؤذّنون للصلاة فقمنا نؤذن نستهزئُ بهم ، فقال النبي : لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت ، فأرسل إلينا فأذنا رجلاً ... (٥)

__________________

(١) الدر المنثور ٤ : ٢٥٦ ، والكشاف ١ : ٦٨٣ ، المحرر الوجيز ٢ : ٢٠٩ ، تفسير الطبري ٦ : ٢٨٩.

(٢) التفسير الكبير ١٢ : ٢٨ ، الدر المنثور ٣ : ١٠٧.

(٣) مسند أحمد ٣ : ٤٠٨ / ح ١٥١٣ ، ومثله في سنن الدارقطني ١ : ٢٣٥ / ح ٤ ، والسيل الجرار ١ : ١٩٩.

(٤) مشاهير علماء الأمصار لابن حبان : ٣١.

(٥) سنن الدارقطني ١ : ٢٣٤ / باب في ذكر الأذان / ح ٣.

٥٠٤

ولا يخفى عليك بأن الأذان المحرّف هو الذي فيهما «الصلاة خير من النوم» والترجيع ، وهما مما رواه أبو محذورة (١) ، ومنه وقع الاختلاف بين المسلمين في هذين الأمرين ؛ هل أنّهما سنة أم لا.

بلى ان القوم قد حرفوا خبر المعراج المرتبط بالأذان ـ كما في رواية عمرو بن أذينه ـ وجعلوا اسم أبا بكر الصدّيق على ساق العرش بدل «علي أمير المؤمنين». ولو أردنا استقراءه هذه الموارد لصار مجلداً ، مكتفين بما مر وما جاء في كتب القوم أنّهم جعلوا ابن أمّ مكتوم الأعمى يؤذن لصلاة الفجر ، وبلالاً يؤذّن الأذان الأوّل ـ أي قبل الفجر ـ كل ذلك لأنّ بلالاً لم يصح عنه أنّه قال في صلاة الصبح : «الصلاة خير من النوم».

قال أبو محذورة : كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت ، فجاء النبي فأخذ بعضادتي الباب ، فقال : آخركم موتاً في النار ، قال أوس بن خالد : فمات أبو هريرة ثم مات سمرة (٢) ، وقيل بأن أبا محذورة كان آخر الثلاثة موتاً.

هذا بعض ما يمكن أن يستدل به على الشعارية ، نترك باقي الكلام عنه إلى البحوث الكلامية المطروحة في كتب أعلامنا ، ولنأتِ إلى بيان التخريج الفقهي للشعارية في خصوص الأذان ، معتذرين سلفاً مما نقوله في بيان وجهة نظر الفقهاء ، لأنّه لم يبحث بالشكل المطلوب في مصنّفاتهم ، وأنّ ما نقوم به هو فهمناه لفحوى كلامهم قدس الله اسرارهم ، وهي محاولة بسيطة منا في هذا السياق نأمل تطويرها وتشييدها من قبل الفضلاء والأساتذة.

__________________

(١) وقد أشرنا إلى هذا الأمر في كتابنا «الصلاة خير من النوم شرعة أم بدعة».

(٢) مسند ابن أبي شيبة ٢ : ٣٢٩ ، جزء اشيب : ٥٨ ، شرح مشكل الاثار ١٤ : ٤٨٥ ، ٤٨٧ ، ٤٨٨.

٥٠٥

التخريج الفقهي للشّعاريّة

لقد تقدم بين ثنايا الكتاب بعض الأدلّة على جواز الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان من دون اعتقاد الجزئية ، أبرزها الدليل الكنائي ودليل الاقتران. وفي هذا الفصل نريد البحث في التخريج الفقهي الذي أفتى على أساسه أكثر الفقهاء بجواز أو استحباب الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان.

فقد يقول القائل : إنّ الشهادة بالولاية من الله سبحانه تعالى يوم الميثاق ، ومروراً بالملائكة ، وانتهاءً ببني آدم في عالم الذر ... ، لا ينهض لجواز الفتوى بدخول الشهادة الثالثة في الأذان ؛ فما هو التخريج الفقهي إذن؟

هناك ثلاثة أو أربعة تخاريج يمكن للفقيه أن يستند إليها للإفتاء بجواز أو استحباب الشهادة الثالثة في الأذان بالخصوص.

التخريج الأول : أصالة الجواز

ومجرى هذا الاصل لو شك المكلف في الحكم هل هو الجواز أم المنع ، فمقتضى الاصل جواز الفعل في مورد فقدان الدليل على حرمته ، وفيما نحن فيه لم يقم دليل معتبر على حرمة الشهادة الثالثة بدون قصد الجزئية ، فيكون مجرى اصالة الجواز.

وقد يرد هنا سؤال وهو : لا يمكنكم التعبد باصالة الجواز هنا وذلك لخلو الروايات البيانية الواردة عن المعصومين من وجود الشهادة بالولاية لعلي فيها ، فكيف تجيزونها في الأذان؟

الجواب : هذا صحيح في الجملة وهو تام لو كان ذكرنا للشهادة الثالثة في الأذان ذكراً جزئيّاً وماهويّاً ، لكن إذا كان إتياننا لها شعارياً فالأمر مختلف تماماً.

توضيح ذلك : أنّ «أشهد أن عليّاً ولي الله» ليست من فصول الأذان ولا من أجزائه ولا من مقوّمات ماهيته المتوقّفة على نص الشارع ، غاية ما في الأمر أنّا نأتي

٥٠٦

بها على أنّها شعار للحقِّ ، وعَلَمُ للإيمان الكامل الصحيح ، وترجمة للنبوة والتوحيد كما هو مفاد النصوص المارّة.

وحيث لا يوجد دليل شرعي يمنعنا من الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان من باب الشعارية جاز فعله ، لأنّ دليل التوقيفية لا يمنع إلّا الإدخال الماهويّ الجزئيّ في الأذان ، وعليه فلا مانع من الإتيان بها شعارياً بمعونة أصالة الجواز.

وهذه هي الشريعة بين أيدينا ليس فيها ما يمنع من الإتيان بها شعارياً ، بل إنّ الإمام عليه‌السلام ـ كما في حسنة ابن أبي عمير المتقدّمة ـ أمرنا بالدعاء إليها والحثّ عليها بحي على خير العمل ، لأنّ الذي أمر بحذفها ـ أي عمر ـ أراد أن لا يكون حَثٌّ عليها ودعاء إليها ، ومقتضى الإطلاق في الدعوة إليها هو جوازها في الأذان وفي غيره جوازاً شعارياً ، أما الدخول الماهويّ فلا يجوز لمانع التوقيفية كما اتضح.

وهناك نصوص شرعية أخرى أكّدت على محبوبيّة النداء بالولاية كما جاء صريحاً في كلام الإمام الباقر عليه‌السلام بقوله : «ما نودي بشيء مثل ما نودي بالولاية» ولا ريب في أنّ مقتضى الاطلاق في قوله عليه‌السلام : «ما نودي» يصحّح ذكره في الأذان وفي غيره شعارياً.

لكن قد يقال بأنّ هذا التخريج يوصل للقول بجواز ذكر الشهادة الثالثة في الأذان لا استحبابه ، فما هو مستند فتاوى أمثال السيّد الخوئي قدس الله أسرارهم بالاستحباب إذن؟

قلنا : المستند هو أنّ الدليل مركّب من أمرين :

الأول : هو أنّ نفس جواز الذكر تم بمعونة أصالة الجواز بعد فقدان المانع ، والمسألة بناء على ذلك من صغريات الشك في التكليف ؛ فهي مجرى لأصالة الجواز بلا شبهة.

والأمر الثاني : إنّ الشهادة بالولاية مستحبّة نفسيّاً ومطلوبة ذاتياً.

٥٠٧

ومن مجموع الأمرين أمكن القول باستحبابها في الأذان عند امثال السيّد الخوئي قدس‌سره ؛ لاستحبابها النفسي ؛ غاية ما في الأمر هو أنّ ذكرها في الأذان يحتاج إلى دليل ، وأصالة الجواز تجيز ذكرها بحسب البيان المتقدم. فإذا نهض دليل الجواز لإتيان ما هو مستحب في عبادة ما ، أمكن الفتوى بالاستحباب فيه كذلك ، مع الالتفات إلى أنّ الاستحباب هنا هو الاستحباب الشعاري دون التكليفي الخاصّ كاستحباب القنوت في الصلاة ؛ فالثاني يحتاج إلى دليل خاصّ وهو مفقود ، أمّا الأول فأدلته هي المارة من قبيل : «ما نودي بشيء مثل ما نودي بالولاية» وغيرها من النصوص الصحيحة التي سردنا بعضها في هذا الفصل.

ولابد هنا من الإشارة إلى نقطة مهمّة أخرى ، وهي : هل أنّ الإتيان بالذكر الشعاري للشهادة الثالثة في العبادات الأخرى غير الأذان يكفيه الاستدلال المتقدم. كأنْ ندخل جملة «أشهد أنّ عليّاً ولي الله» في الصلاة الواجبة ، بين آيات الفاتحة أثناء القراءة للصلاة ـ أكثر من مرة ـ فهل تسوّغ أصالة الجواز مثل هذا الذكر الشعاري؟

الجواب : لا يسوغ ذلك على الأشبه في مثل المثال الآنف ؛ لانعدام هيئة الصلاة ، ومحو صورتها حينئذ ، وهذا مانع قويّ من التمسك بأصالة الجواز في هذا الفرض ، ولا يقاس هذا بالذكر الشعاري في الأذان ؛ إذ المسلمون جلّهم أو كلّهم ـ مَنْ منع الشهادة الثالثة ومن لم يمنع ـ سواء كانوا من السنة أم من الشيعة ، لم يروا أنّ الذكر الشعاري يمحو صورة الأذان ، أمّا السنّة فواضح ؛ إذ أنّ جمهورهم لم يقل بمحو صورة الأذان حتى مع إدخال جزء بدعي فيها وهو «الصلاة خير من النوم».

وأمّا الشيعة فمشهورهم الأعظم لا يرى في الذكر الشعاري مَحْواً لصورة الأذان الشرعية كما ترى ذلك واضحاً في سيرة الفقهاء ، وقد تقدمت كلماتهم في ذلك.

٥٠٨

نعم يمكن افتراض محو صورة الأذان الشرعي لو كان ادخال الشهادة الثالثة في الأذان ماهويّاً ، لكنّا وفاقاً للمشهور لا نأتي بها على أنها جزء داخل في الأذان بل ناتي به على أنّه كلام خارج يذكر مع الأذان تحت عنوان الشعارية دفعاً لاتهامات المتهمين ورفعة لشأن أمير المؤمنين.

والحاصل : فالذكر الشعاري دون الماهوي للشهادة الثالثة في خصوص الأذان لا مانع منه ، ودليل التوقيفية يمنع من الإدخال الماهوي فيه فقط ؛ ولا دليل على منع الذكر الشعاري في خصوص الأذان لا عند السنة ولا عند الشيعة ، وبالتالي أمكن للسيّد الخوئي وأمثاله من الأعاظم الفتوى باستحبابها الشعاري ؛ للجزم باستحبابها النفسي ورجحانها الذاتي بمعونة اصالة الجواز على ما اتّضح.

التخريج الثاني : تنقيح المناط

لا ريب ـ بالنظر للأخبار الصحيحة بل المتواترة التي أوردنا بعضها في هذا الفصل ـ في وجود تلازم غير منفك بين الشهادات الثلاث ١ ـ الشهادة بالتوحيد ٢ ـ والشهادة بالرسالة ٣ ـ والشهادة بالولاية.

فالتوحيد مفهوما غير الرسالة ، والرسالة غير الولاية ؛ لكن يبدو من خلال النصوص الصحيحة أنّه لا توجد مصداقية للايمان بالتوحيد من دون رسالة سيّد الخلق محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما لا يمكن تصوّر وجود مصداقية للايمان بالرسالة المحمّدية من دون ولاية أمير المؤمنين علي ، وخبر الغدير المتواتر خير شاهد على ذلك وكذلك آية الولاية وغيرها.

وهنا نتساءل : كيف يمكن تحقيق المصداقية الخارجية لولاية علي عليه‌السلام؟

أعلنت النصوص الشرعية بأنّه لا يمكن تحقيق هذه المصداقية عملاً وإيماناً إلّا من خلال الشعارية ؛ لأنّه السبيل الوحيد لتوفير المصداقية الخارجية للايمان بولاية

٥٠٩

أمير المؤمنين علي عليه‌السلام. وإذا تمّ ما قلناه تحقّق الغرض الإلهيّ من التلازم غير المنفكّ بين الشهادات الثلاث.

نعم ، لقد تقدمت بعض الأدلّة الصحيحة على هذا المقدار من ضرورة التلازم بين الشهادات الثلاث : التوحيد ، النبوة ، الولاية ، لكن كيف يمكن جعلها شعاراً ، بناء على التلازم غير المنفك؟ وبالتالي كيف تتحقق لها مصداقية خارجية؟!

فالإشهاد الثلاثي اذن ينطوي على ملاك إلهي عظيم ، وغرض ربّاني كبير ، كما هو ملاحظ في كتب الادعية ، وإلّا لا معنى لأن يعلن الله بنفسه تقدّست أسماؤه الشهادة الثالثة بعد الشهادتين لولا تعلق ارادته سبحانه وتعالى استمرار الاستخلاف في الأرض بولاية عليعليه‌السلام.

وما ينبغي أن نتساءل عنه هنا هو القول بوجود ملاك تشريعها في الأذان ؛ إذ ما دخل اعلان الله سبحانه وتعالى للشهادة الثالثة في ذلك العالم ؛ الذي ليس هو بعالم تكليف وتشريع وأحكام ... ، ومقايسته بعالمنا عالم التكليف؟

فقد يقال بأنّ هذا من القياس الباطل الذي لا يغني من الحق شيئاً؟

لكن يجاب عنه أنّ هذا وان كان صحيحاً ، لكنّ العبرة ليست بمجرد شهادة الله سبحانه وتعالى بالولاية فيما هو خارج عن عالم التكليف حتى نقول ببطلان القياس وبعدم وجود الملاك في عالم التكليف بناء على ذلك ..

إذ العبرة كل العبرة بالنصوص الشرعية المعتبرة الصادرة في عالم التكليف ؛ بمعنى أنّ الإمام الصادق أخبرنا في عالمنا هذا ـ عالم التكليف ـ أنّ الله شهد لعلي بالولاية يوم الميثاق العظيم ..

وهنا نتساءل لماذا يخبرنا الإمام بذلك وما يعني اخباره هذا؟ لا جواب إلّا أن نعتقد بوجود ملاكاً عظيماً فيما فعله الله سبحانه وتعالى حتى في عالم التكليف ، وإلاّ

٥١٠

لا معنى لأن يخبرنا الإمام والنبي والقرآن في الروايات المتواترة والآيات الواضحة وفي حسنة بن أبي عمير بذلك ، لولا أنّ في المجموع ملاكاً له مدخلية في كثير من التشريعات ولو في الجملة!!

ولا يقال : بأنّ غاية اخبار الإمام والنبي والقرآن هو بيان فضيلة أمير المؤمنين علي فقط؟

فلقد قلنا سابقاً أنّ هذا لا يصار إليه لاستلزام اللغوية ؛ فلو كان المقصود هو هذا لاكتفى المعصوم بالقول : أنّ عليّاً أمير المؤمنين فقط ، ولا حاجة به لان يفصل الكلام ويخبر عن ملابسات ذلك اليوم وغير ذلك مما هو لغو في ظاهره ، وكلام المعصوم منزّه عن ذلك.

وزبدة القول : هو أنّ في شهادة الله سبحانه وتعالى بالولاية ملاكاً عظيماً ، وهذا الملاك تراه ملحوظاً في كلام الإمام في عالم التكليف ، وإلاّ لما أخبر به المعصوم في أكثر من مناسبة ، ويكفي مثل هذا الملاك للقول بجواز ذكر الشهادة في الأذان شعارياً.

إذ قد أجمع فقهاء الأمّة على إمكانية الفتوى فيما لا نصّ فيه بعد إحراز الملاك إحرازاً معتبراً يسوغ التعبد به ، ولا ريب بالنظر للرواية الآنفة وغيرها من الروايات والآيات من وجود هذا الملاك وإلّا كان الإشهاد الإلهي يوم الميثاق لغواً ، ولا يلتزم به مسلم.

لكن سؤالنا : هل يكفي مثل هذا الملاك لإدخالها الماهويّ والجزئي في الأذان ، أم ما يدل عليه إنّما هو الشعاريّة لا غير؟

شذّ البعض وقال بالجزئية بناء على تلك النصوص وغيرها ، وهو مشكل بنظرنا ؛ إذ الصحيحة الآنفة وخبر الغدير وأمثالها يكشف عن ملاك الشعاريّة فقط ولا يكشف عن ملاك القول بالجزئية.

وبعبارة اُخرى : إنّ قوله : «ما نودي بشيء مثل ما نودي بالولاية» يكشف عن شرعية شعار ية النداء بالولاية ، وهو القدر المتيقّن منه ، ولا يكشف عن شرعية

٥١١

جزئيتها إلّا من باب الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً ، هذا علاوة على أنّ دليل التوقيفية مانع من القول بالجزئية حسبما تقدّم.

وعليه فكل ما في تلك النصوص يدلنا على إمكان اتخذها شعاراً عملياً في الخارج وليس اعتقاداً نظرياً في القلب فقط ، أي أن للشهادة بالولاية في الجملة ملاكاً قطعياً للقول بأنّها من الاحكام العبادية بشرط عدم المانع وليست من أحكامه الإيمانية فقط.

والذي يدعونا لهذا القول علاوة على الملاك القطعي في الشعارية وأنّ ولاية علي من أعظم شعائر الله بل أعظم شعائر الله على الاطلاق من بعد الرسالة ـ بشهادة آية البلاغ ـ هو ضرورة توفير المصداقية الخارجية لها في الأذان وفي غيره ، وهذا هو ما يريده الله سبحانه وتعالى من الإشهاد بها بعد الشهادتين يوم الميثاق العظيم ، وإلاّ لا معنى لان يخبرنا المعصوم بما لا دخل له بعالم التكليف كما عرفت.

وبعبارة ثالثة :

نحن نعلم بأن المنظومة المعرفية الالهية مترابطة كمال الارتباط ، إذ شاهدت التلازم بين الشهادات الثلاث في القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين ، والآن لنطبق ما نريد قوله في شعيرة الأذان.

فالأذان وحسبما وضحناه سابقاً (١) لم يكن إعلاماً لوقت الصلاة فحسب ، بل هو بيان لكليات الإسلام وأُصول العقيدة والعقائد الحقة من التوحيد والنبوة والإمامة ـ بنظر الإمامية ـ فلو كان الأذان إعلاماً لوقت الصلاة فقط لاكتفى الشارع بتشريع علامة لأداء هذا الفرض الإلهي ، كما هو المشاهد في الناقوس عند النصارى ، والشبّور عند اليهود ، وإشعال النار عند المجوس.

في حين أنّا لا نرى أمثال هذه العلائم في هذه الشعيرة ، بل نرى الإسلام اسمى من كل ذلك فهو يشير في إعلامه إلى كليّات الشريعة وأصول الدين الأساسية قولاً

__________________

(١) في كتابنا «حي على خير العمل الشرعية والشعارية» : ١٤٩.

٥١٢

وعملاً ، وهذا ما لا نشاهده عند الأديان الأخرى ، فهو الدين السماوي الوحيد الذي يلخّص أصول عقيدته كلّ يوم عدة مرات ـ في هذه الشعيرة ـ لتكون تذكرة لمتّبعيه ، وإعلاماً للآخرين بأصول هذا الدين.

فالأذان إذن يحمل في طيّاته معاني سامية ، وله آثار كثيرة في الحياة الاجتماعية غير الإعلام بوقت الصلاة ، كالتأذين في أُذن الصبي عند ولادته ، ولإِبعاد المرض عن المبتلين ، ولطرد الجنّ ، ولرفع عسر الولادة والسقم ، ولسعة الرزق ، ولرفع وجع الراس ، وسوء الخلق ، ولمشايعة المسافر .. إلى غيرها من عشرات المسائل التي ورد فيها نصّ خاص بالتأذين فيها.

وبما أنّ تشريع الأذان سماويّ وليس بمناميٍّ ـ حسبما فصلناه سابقاً ـ (١) وأنّه ليس إعلاماً لوقت الصلاة فقط ، فلابدّ أن يحمل بين فقراته معاني سامية واُصولاً سماو ية لا يرقى إليها شكٌّ قد أقرّها النبي وأهل بيته والقرآن ، ولأجل ذلك ترى منظومة العقائد الإلهيّة مترابطة في الأذان ترابطاً وثيقاً في المفاهيم والأعداد.

وكذا بين فصوله ترى تصويراً بلاغياً رائعاً ، فالمؤذّن بعد أن يشهد لله بالوحدانية مرتين : «أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أن لا إله إلّا الله» تقابلها الدعوة له بالصلاة لربه مرتين : «حي على الصلاة ، حي على الصلاة» معلماً الشارع المكلّف في الفقرة الثانية بأن الشهادة لله لا تكفي إلّا من خلال عبادته وطاعته ، لأنّ الصلاة لا تؤدَّى إلّا لله.

وانّ اللفّ والنشر الملحوظ بين الشهادة الأولى والصلاة لله يعلمنا بأنّ الله هو الأول والآخر في كل شيء ، تشريعاً وتكو يناً ، لأنّ بدء الأذان بكلمة «الله» وختمه بكلمة «الله» ليؤكّد بأنّ كل الأمور مرجعها إلى الله ، وأنّ كل ما أُعطي

__________________

(١) في كتابنا «حي على خير العمل الشرعية والشعارية» : ٥٩ وما بعده.

٥١٣

لرسوله محمّد أو لغيره إنّما هو من عنده جل وعلا.

وبعد الإقرار بالوحدانية لله يأتي دور الشهادة لرسوله الأمين مرتين : «أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله» وقبال هذه الشهادة توجد حيعلتان «حي على الفلاح ، حي على الفلاح» والتي تدعو إلى لزوم اتّباع الرسول.

ومن المعلوم أنّ الفلاح اسم جنس يشمل الصلاة ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وطاعة الله ، وطاعة رسوله ، بل إنّ كل ما أتى به الرسول هو الفلاح وفيه الفوز والنجاح.

لأنّ رسول الله بَدَأَ دعوته بقوله : «قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا» فربط بذلك الشهادة بالتوحيد بالشهادة بالنبوّة والرسالة ، ثمّ جاءت النصوص الواحدة تلو الأُخرى معلنة بأن ما أتى به الرسول هو الفلاح كما في قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) (١) ، و (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ) (٢) ، و (إِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَ طَعْنَا وَأُ وْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٣) ، و (وَا لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَّبِّهِمْ وَأُ وْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٤) وقوله تعالى (الِّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنَدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْ مُرُهُم بِأْ لْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَآ لَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَا تَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ

__________________

(١) الاعلى : ١٤.

(٢) المؤمنون : ٢.

(٣) النور : ٥١.

(٤) البقرة : ٤ ، ٥.

٥١٤

هُمُ الْمُفْلِحونَ) (١) إلى غيرها من عشرات الآيات.

وعليه فالفلاح هو كُلُّ ما جاء به الرسول من فرائض أو سنن ، وبذلك يكون معنى الحيعلة الثانية في الواقع ، هو : هلمّوا إلى اتّباع الرسول وعدم الأخذ عن غيره.

ففي معاني الأخبار عن أبي عبدالله عليه‌السلام ، قال : لما أُسري برسول الله وحضرت الصلاة فاذن جبرئيل عليه‌السلام ، فلمّا قال : الله اكبر ، الله أكبر ، قالت الملائكة : الله اكبر ، الله اكبر ، فلمّا قال : أشهد أن لا إله إلّا الله ، قالت الملائكة : خلع الأنداد ، فلما قال : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، قالت الملائكة : نبي بُعِث ، فلما قال : حي على الصلاة ، قالت الملائكة : حثّ على عبادة ربه ، فلما قال حي على الفلاح قالت الملائكة : قد أفلح من اتّبعه (٢).

وفي التوحيد عن الإمام الحسين عليه‌السلام عن أبيه الإمام علي عليه‌السلام في تفسير فصول الأذان : (حي على الفلاح) فانه يقول : سابقوا إلى ما دَعَوْتُكُم إليه وإلى جزيل الكرامة وعظيم المنة وسَنِيِّ النعمة والفوز العظيم ونعيم الأبد في جوار محمّد في مقعد صدق عند مليك مقتدر (٣).

وفي الكافي عن علي بن إبراهيم ، بإسناده عن أبي عبدالله عليه‌السلام في معنى قوله تعالى (وَا تَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ) ـ والذي مر قبل قليل ـ قال : النور في هذا الموضع عليٌّ أمير المؤمنين والأئمة عليهم‌السلام (٤).

وفي علل الشرائع عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال لعمر بن أُذينة : ما ترى هذه الناصبة في اذانهم ـ إلى أن يقول ـ فقال جبرئيل : حي على الصلاة ، حي على

__________________

(١) الأعراف : ١٥٧.

(٢) معاني الاخبار : ٣٨٧ / باب معنى نوادر المعاني / ح ٢١.

(٣) التوحيد : ٢٣٨ ـ ٢٤١ / الباب ٣٤ / ح ١.

(٤) الكافي ١ : ١٩٤ / باب ان الأئمة عليهم‌السلام نور الله / ح ٢.

٥١٥

الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، فقالت الملائكة : صوتين مقرونين ، بمحمّد تقوم الصلاة وبعلي الفلاح ، فقال جبرئيل : قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، فقالت الملائكة : هي لشيعته أقاموها إلى يوم القيامة (١).

هذا وممّا يجب الإشارة إليه بأنّ الشيعة أيّام رسول الله والأئمّة كانوا يُعرَفُون بكثرة صلاتهم ، وأنّ القوم كانوا يتعرّفون عليهم من خلال الصلاة ، وعن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أنّه قال : ... وما كانوا يعرفون يا جابر إلّا بالتواضع والتخشع وأداء الأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعهّد للجيران من الفقراء ... (٢).

وبهذا فقد اتّضح لنا معنى الحيعلتين الأُوليين ، فالحيعلة الأُولى فيها إشارة إلى طاعة الله ، والحيعلة الثانية إشارة إلى لزوم اتّباع سنة رسوله ، فما معنى الحيعلة الثالثة إذن؟

مرّ عليك سابقاً ما جاء عن الأئمة : الباقر والصادق والكاظم بأنّ معناها الولاية ، وأنَّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين القول بإمامة الإمام علي والقول بشرعية الحيعلة الثالثة ، وبين رفض إمامة أمير المؤمنين والقول برفع الحيعلة ، بل هناك ترابط بين حذف الحيعلة ووضع «الصلاة خير من النوم» مكانه ، فالذي يقول بشرعية «الصلاة خير من النوم» لا يرتضي القول بالحيعلة الثالثة ، والعكس بالعكس.

وعليه فالمنظومة المعرفيّة في الأذان مترابطة كمال الارتباط ، وإنّ بَتْرَ حلقة منها يخلّ بأصل المنظومة ، وذلك للارتباط الوثيق بين الشهادات الثلاث (أَطِيعُواْ اللهَ

__________________

(١) علل الشرائع ٢ : ٣١٢ ـ ٣١٥.

(٢) صفات الشيعة ، للصدوق : ١٢ ، والكافي ٢ : ٧٤ / باب الطاعة والتقوى / ح ٣.

٥١٦

وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُ وْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (١) ، و (أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) (٢) ، و (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والْمُؤمِنُونَ) (٣).

نعم ، إنّ المشرع فيما هو محتمل ـ ولظروف التقية ـ اكتفى بالبيان الكنائي للولاية في الحيعلة الثالثة مع الإشارة إلى وجود الأهليّة والملاك لتشريعها كشهادة ثالثة وان لم تشرّع على أنّها جزء بعد الشهادتين رحمة للعالمين. أو قل : شرعت في اللوح المحفوظ ولم تصلنا لأي سبب كان ؛ التقية أو غيرها.

ومن هذا المجموع المنظّم نصل إلى أنّ أصول الإسلام بكامله متجسدة في الأذان ، وإنّ تكرار الحيعلات توحي لنا بأنّ المراد من الأذان هو بيان كلّيات العقيدة ، إذ النظرة البدوية الأوليّة تنبئُ عن أنّها دعوة للصلاة ، ولكن بما بيّنّاه عرفنا أنّ الأمر أسمى من ذلك بكثير ، وهو إشارة إلى الأصول الأساسية في الشريعة من التوحيد والنبوة والإمامة ـ بنظر الإمامية ـ ومن هنا تعرف معنى قول المعصوم : «إلى ها هنا التوحيد».

إذن في الأذان معاني ومفاهيم كثيرة سامية تَلْحَظ بين أجزائها ارتباطاً فكرياً عقائدياً منسجماً يتكون من مجموع الشهادات الثلاث ، أما الشهادتان الاولى والثانية فلا كلام فيهما ، وأما الشهادة الثالثة ، فلما مر في الدليل الكنائي وأنّ الإمام اراد حث عليها ودعا إليها بعامة ، وفي الأذان بخاصة.

وهذا هو الذي دعانا للقول بأنّ هناك مناطاً صحيحاً لذكر الولاية في الأذان من باب الشعارية.

__________________

(١) النساء : ٥٩.

(٢) الانفال : ٤١.

(٣) التوبة : ١٠٥.

٥١٧

وقد مرّ في اخر الدليل الكنائي مطلوبية الإتيان بالشهادة الثالثة ـ خصوصاً في هذه الأزمنة ـ مع اقرارنا بوجود معنى الولاية في الأذان من خلال جملة «حيّ على خير العمل» ولو احببت راجع (١).

التخريج الثالث : وجود المصلحة

قبل البحث في هذه المسألة لابد من القول بأنّ دعوى المصلحة لتأسيس حكم شرعي ليست صالحة في كل الفروض ؛ فما لم يُقطع بوجود المصلحة قطعاً حقيقياً أو تعبدياً لا يجوز تأسيس حكم عليها ونسبته إلى الشارع ؛ لأنّه حينئذ من التشريع المحرّم الذي يدور مدار الظنّ الذي لا يغني من الحق شيئاً ؛ وعلى هذا الأساس رفض مذهبنا العمل بالاستحسان ، وكذلك الشافعي في قوله : «من استحسن فقد شرّع» (٢).

والتاريخ أنبأنا أنّ الاستحسان أبدعه عمر بن الخطاب ؛ وإنّما صار الاستحسان أحد مصادر التشريع الإسلامي عند بعض العامة اتباعاً لعمر وانقياداً لما فعل ـ وان استندوا عليه بآيات وروايات ـ في حين ان تلك الآيات والروايات لا تصحح ما يقولون به ، وعلى سبيل المثال فإنّ نافلة ليالي شهر رمضان قد صلاّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والصحابة فُرادى ، لكنّ عمر استحسن أن تُصلّى جماعة واستقبح أن تكون فرادى ، والأخبارُ الصحيحة في جامع البخاري وغيره جزمت بأنّ النبيّ خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا صلى‌الله‌عليه‌وآله نهاهم عن ذلك (٣) ، لكن لمّا وصلت الخلافة إلى عمر أصرّ على

__________________

(١) صفحة ٢٢٣ وصفحة ١٤٩.

(٢) المغني ٦ : ١٥١ ، التقرير والتحبير ٣ : ٢٩٦ ، أدب الطلب : ٢١١.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٣١٣ / ح ٨٨٢ ، ١ : ٣٨٠ / ح ١٠٧٧ ، ٢ : ٧٠٨ / ح ١٩٠٨ ، صحيح مسلم ١ : ٥٢٤ / ح ٧٦١ ، مسند أحمد ٦ : ١٦٩ / ح ٢٥٤٠١ ، ٦ : ١٧٧ / ح ٢٥٤٨٥.

٥١٨

الجماعة مستحسناً إيّاها حتى قال : نِعْمَ البدعة هذه (١) ؛ فعمر قد استحسن ما قبّحه النبي ، وقبّح ما جاء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وفي الحقيقة فهذه المرتبة أقبح مراتب البدعية في الدين ؛ لوجود نهي نبوي في ذلك. بل حتى مع عدم وجود مثل هذا النهي ، فالشريعة لا تجيز لنا الاستحسان ولا ما يسمّى بالمصالح المرسلة والرأي بنحو عامّ ، لوجود نهيٍّ فوقانيّ قرآني يمنعنا من العمل بالظن لأنّه لا يغني من الحق شيئاً.

وفيما نحن فيه ، فقد يقال بأنّ إدخال الشهادة الثالثة في الأذان هو تشريع قام على أساس الاستحسان أو المصالح المرسلة أو الرأي ... ، ممّا هو باطل بأصل الشرع ، بل إنّ بطلانه من ضروريات المعرفة الإسلامية المستقاة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل البيت عليهم‌السلام.

وتقريب ذلك : أنّ الأذان اُصوله معروفة ، وأجزاؤه معدودة معينة ، وروايات الأذان التي عليها العمل وإن اختلفت في عدد الفصول ـ كما ذكر الشيخ الطوسي ـ إلّا أنّها متّفقة على عدم دخول الشهادة الثالثة في أجزائه ، وإذا كان الأمر كذلك ـ وهو كذلك ـ لم يبق من مسوّغ للإتيان بها إلّا المصلحة الظنية ، وهو باطل ؛ لما عرفنا من أنّ كلّ هذه العملية تدور مدار الظن غير الشرعي الذي لا يغني من الحقّ شيئاً. وبناء على ذلك لا يجوز ذكر الشهادة الثالثة في الأذان!!

ويجاب عن ذلك بأنّ أصل الإشكال صحيح ، لكنّه مجمل ، إذ لم يفرق الإشكال بين الذكرين الشّعاري والماهويّ ، ومعنى ذلك أنّ الإدخال الماهوي قد قام على أساس المصلحة فيه ، ويكفي أنّها ظنّية لتندرج فيما هو محرم ؛ إذ ليست المصلحة هنا ناهضة

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٧٠٧ / ح ١٩٠٦ ، صحيح بن خزيمة ٢ : ١٥٥ / ح ١١٠٠ ، الجمع بين الصحيحين ١ : ١٣١ / ح ٥٧ ، من افراد البخاري.

٥١٩

لتشريع جزئية الشهادة الثالثة في الأذان وأنّها داخلة في ماهيته ، وحتى مَن استقرب الجزئية من الأصحاب لم يقبل بنهوض هذه المصلحة للقول بالجزئية إلّا أن يستدل على ذلك بشيء آخر غير المصلحة كالأخبار وغيرها ، وهو أيضاً غير مقبول كما مرّ من قبل.

فتحصل : أنّ دعوى وجود المصلحة في تشريع الشهادة الثالثة في الأذان على أنّها جزء منه وداخلة في ماهيته من الباطل بمكان ؛ إذ لم يدّع أحد من الأصحاب ذلك اكتفاءً بالمصلحة الظنية ، وقد يكفي هذا للقول بالبطلان.

إذا تمّ هذا نقول : هل تعدم المصلحة في ذكر الشهادة الثالثة ذكراً شعارياً؟

وهل أنّ التشريع الشعاري يقوم على أساس الاستحسان والمصالح المرسلة والرأي المحرَّم على غرار التشريع الماهوي آنف الذكر أَم لا؟

وقبل ذلك ما هي الأدلّة على وجود المصلحة الشعارية في الأذان للشهادة بالولاية؟

للجواب عن السؤال الثالث نقول : حسبنا الأدلة الصحيحة المارة ، بل حسبنا حديث الغدير النبوي الظاهر في وجود المصلحة الشعارية للشهادة بالولاية ؛ فكلنا يعلم بأنّ النبي جمع كل المسلمين ممّن حضر معه صلى‌الله‌عليه‌وآله حجّة الوداع أثناء عودته إلى المدينة وهم ٠٠٠,١٢٠ ألفاً ، ثمّ رفع يد علي بن أبي طالب حتى بان بياض إبطيهما صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان الجوّ حاراً قاسياً ثم قال : «ألست أولى بكم من أنفسكم»؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله» (١).

__________________

(١) مناقب الكوفي ٢ : ٤١٥ / ح ٨٩٦ ، وروى المقدسي حديث الولاية هذا بطرق عدة وباسانيد صحيحة وبعضها حسنة ، انظر الأحاديث المختارة ٢ : ٨٧ ، ١٠٥ ، ١٠٦ ، ٧٤ / ح ٣٨١ ، ٤٧٩ ، ٤٨٠ ، ٤٨١ ، ٥٥٣ ، و٣ : ١٣٩ ، ١٥١ ، ٢٠٧ ، ٢٧٤ / ح ٩٣٧ ، ٩٤٨ ، ١٠٠٨ ، ١٠٧٨. ورواه الحاكم بسبعة طرق انظر المستدرك ٣ : ١١٨ ، ١١٩ ، ١٢٦ : ١٤٣ ، ٤١٩ ، ٦١٣ وصحّح الذهبي في ملخصه منها اثنان وسكت عن ثلاثة وضعف اثنان.

٥٢٠