أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

ـ قال : سمعته يقول : إنّ الأرض لا تخلو إلّا وفيها إمام ، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردّهم ، وإن نقصوا شيئاً أتمّه لهم (١).

وهذه الرواية معتبرة.

١٠ ـ وفي العلل كذلك : أبي ، قال : حدثنا سعد بن عبدالله ، قال : حدثنا محمّد ابن عيسى بن عبيد ، عن علي بن إسماعيل الميثمي ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبدالأعلى مولى آل سام ـ عن أبي جعفر عليه‌السلام قال ـ سمعته يقول : ما ترك الله الأرض بغير عالم ينقص ما زاد الناس ، ويزيد ما نقصوا ، ولولا ذلك لاختلط على الناس أُمورهم (٢).

وفي إكمال الدين : حدثنا محمّد بن الحسن ، قال حدثنا سعد بن عبدالله ، وعبدالله بن جعفر الحميري جميعاً ، عن محمّد بن عيسى ... مثله (٣).

وفي بصائر الدرجات : حدثنا عبدالله بن جعفر ، عن محمّد بن عيسى ، مثله (٤).

وهذه الرواية صحيحة إلى عبدالأعلى مولى آل سام.

١١ ـ وفي العلل كذلك : حدثنا محمّد بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ابن الحسن ابن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن على بن أسباط ، عن سليم مولى طربال ، عن إسحاق بن عمار ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه‌السلام يقول : إنّ الأرض لن تخلو إلّا وفيها عالم كلّما زاد المؤمنون شيئاً ردّهم ، وإذا نقصوا أكمله لهم ، فقال : خذوه كاملاً ، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أُمورهم ، ولم يفرّقوا بين الحقّ والباطل (٥).

فالرواية صحيحة بناءً على وثاقة أو قبول روايات ابن أبان ، والقول بوثاقة رواة

__________________

(١) الكافي ١ : ١٧٨ / باب ان الأرض لا تخلو من حجة / ح ٢.

(٢) علل الشرائع ١ : ٢٠١ / الباب ١٥٣ / ح ٣٢.

(٣) اكمال الدين واتمام النعمة : ٢٠٥ / الباب ٢١ / ح ١٦.

(٤) بصائر الدرجات : ٣٥٢ / الباب ١٠ / ح ٨.

(٥) علل الشرائع ١ : ٢٠٠ / الباب ١٥٣ / ح ٢٨.

٢٤١

كامل الزيارات ، لأنّ سليماً ـ أو سليمان ـ مولى طربال هو ممن روى عنه ابن قولويه.

١٢ ـ وفي إكمال الدين : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، قال : حدثنا محمّد بن الحسن الصفار وسعد بن عبدالله وعبدالله بن جعفر الحميري جميعاً ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن علي بن حديد ، عن علي بن النعمان و [الحسن بن علي] الوشّاء جميعاً ، عن الحسن بن أبي حمزة الثمالي ، عن أبيه ، قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : لن تخلو الأرض إلّا وفيها رجل منّا يعرف الحقّ ، فإذا زاد الناس فيه قال قد زادوا ، وإذا نقصوا منه قال : قد نقصوا ، وإذا جاؤوا به صدّقهم ، ولو لم يكن ذلك كذلك لم يعرف الحقّ من الباطل.

قال عبدالحميد بن عوّاض الطائي : بالله الذي لا إله إلّا هو لسمعت هذا الحديث من أبي جعفر عليه‌السلام ، بالله الذي لا إله إلّا هو لسمعته منه (١).

والسند معتبر على كلام في علي بن حديد.

وعليه فلو كان ما تفعله الشيعة ـ عبر القرون الماضية ـ غلوّاً وانتحالاً وتأويلاً ، لكان على الإمام أن ينفي ذلك عن الدين ، بل إنّ في سكوت الإمام وخصوصاً في أمر مقدّميٍّ عباديّ كالأذان مما يشير إلى جواز الإتيان بهذا الفعل عنده ، لأنّه ذكر وعبادة فلو كان في الواقع حراماً وممّا يوجب الخلل في الدين والتعدّي على قِيَمِهِ لكان عليه عليه‌السلام نهي الناس عنه وردعهم بطريقة من الطرق خلال أُمناء الشريعة من الفقهاء الصائنين لأنفسهم ، المطيعين لأمر مولاهم ، وخصوصاً مع معرفتنا باستمرار هذه السيرة عند المتشرّعة إلى عصر الأئمة عليهم‌السلام لان عمر بن الخطاب حينما حذف الحيعلة الثالثة = الولاية كان لا يريد حثاً على الولاية ودعوة إليها ، ومعناه ان الأئمة المعاصرين للخلفاء بدءاً من الإمام علي حتى الإمام الكاظم ـ الذي ذكّرنا بهذا الأمر ـ كانوا يحبذون الإتيان بها لا على نحو الجزئية ، وهو الاخر يشير إلى أنّ بعض

__________________

(١) اكمال الدين واتمام النعمة : ٢٢٣ / الباب ٢٢ / ح ١٢.

٢٤٢

الأمة كانت تأتي بها على عهد الصحابة حسبما جاء في محكي السلافة عن أبي ذر وسلمان.

وعليه فالشيعة في غالب الازمان وفي كثير من البلدان كانوا يأتون بما يدل على الولاية ، ولم نقف على مدركه عندهم ، وهذا يكشف عن رضا المعصوم في حدود الجواز.

وهنا كلام للمرحوم الشيخ عبدالنبي العراقي يَجدر بنا نقله فإنّه رحمه‌اللهقال : فلو كان حراماً وبدعة ، بل لم يكن مشروعاً وراجحاً فيهما ، أَفَتَرَى أنّ أمثال الشيخ محمّد بن الحسن العاملي ، والمجلسيّ ، والبهبهانيّ ، والاسترآباديّ ، والمقدّس الأردبيليّ ، والسيّد بحر العلوم ، والشيخ الأنصاريّ ، وأمثالهم ـ المشرَّفين بلقاء الحجّة روحي له الفداء ـ وغيرهم من الأساطين والأكابر في كلّ دورة وكورة ... يرون أنّها بدعة وحرام ومع ذلك كلّه كانوا ساكتين عنها وعن ردعها؟! وتركوا الجهال على حالهم بلا رادع ولا مانع؟! فكيف؟! ولم؟! ومتى؟! فعلى الإسلام السلام ، فأين تبقى حجيّة للسيرة العقلائية التي لا زال في الفقه يتمسكون بها ... (١) إلى اخر كلامه رحمه‌الله.

وعليه فيمكننا أن نستفيد من سكوت الإمام الحجّة تقريره لفعل أُولئك الشيعة ورضاه بما يأتون به ، لأن ما يأتون به هو راجح في نفسه وغير مخلٍّ بالأذان.

ولا يخفى عليك بأن شأن الشهادة الثالثة لم تكن كـ (حي على خير العمل) لأنّ حكم الأوّل هو الجواز والثاني اللزوم ، أي أنّ الأوّل ليس من فصول الأذان ، اما الثاني فهو من ماهية الأذان واصوله المقومة لها. فيجوز ترك ما هو جائز ولا ضرورة لاطباق الأمة واجماعهم على أمر جائز بعكس الأمر اللازم فيجب اطباق الأمة عليه في جميع العصور وشيوعه بين الأمة.

وعليه فإن سكوت الإمام وعدم ورود نهي عنه دليل على جوازه ، فلو كان بدعة

__________________

(١) الهداية في كون الشهادة بالولاية جزء كسائر الاجزاء : ٣٤ ـ ٣٥ بتصرف.

٢٤٣

وحراما لوجَبَ التنبيه عليه من خلال وكلائه والصالحين من فقهاء العباد ، وخصوصاً حينما نرى عدم وجود ضيق في بيان هذا الأمر لهم ، لأنّه قد استمرّ ـ القول بالجواز ـ عند الشيعة لعدة قرون بدءاً من عهد عمر بن الخطاب الذي حذف الحيعلة الثالثة إلى يومنا هذا ، فلو كان ما تأتي به الشيعة منكراً لوصلنا نهيه عن ذلك وحيث لا نهي ، فلا حرمة.

كان هذا مختصر الكلام عن تقرير الإمام المعصوم وسأعود إليه في ثنايا البحث إن اقتضى الأمر.

٢٤٤

القسم الثالث :

النّصوص الدالّة على الشّهادة الثّالثة

عَرِفنا ممّا سـبق أنّ الظـروف لم تكن مؤاتية للشيعة للاجهار بالشهادة بالولاية إلّا بمعناها الكنائي الكامن في صيغة «حيّ على خير العمل» ، فهم كانوا يقولونها في عهد الرسول ، وفي عهد الشيخين ، وفي العهد الأموي ، وفي العهد العباسي الأوّل ، خفيّةً بعيداً عن أنظار الحكّام ، لا على نحو الجزئية ، لأنّها لو كانت جزءاً عندهم لما جاز لهم تركها ، ولما اختلفوا في صيغها ، وقد رأيت أنّهم يذكرونها إمّا على أنّها جملة تفسيرية ، وإمّا لمحبوبيتها المطلقة المستفادة من عمومات اقتران الرسالة والولاية بالذكر ، كما هو مفاد كثير من النصوص النبو ية والولوية.

وقد حكي عن مجموعة من المفوِّضة ، أو المتَّهمة بالتفويض ـ والتي قد ظهرت في أيّام الغيبة ـ أنّها تدّعي لزوم الإتيان بها على نحو الشطرية والجزئية وكونها من فصول الأذان وداخلة في ماهيته ، ورووا في ذلك أخباراً ، وهذا هو الذي ألزم بعض الفقهاء والمحدّثين كالشيخ الصدوق رحمه‌الله للوقوف أمامهم ، لأنّه ليس بين ثنايا الأخبار الواصلة إلينا ما يدعو إلى وجوب ذكر الشهادة بالولاية في الأذان على نحو الجزئية ، وبذلك فنحن لا نُخْرِجُ كلام شيخنا الصدوق رحمه‌الله من أحد ثلاث احتمالات :

٢٤٥

أن يكون هجومه على المفوّضة جاء لاعتقادهم بالجزئية ، أو أنّه رحمه‌الله قالها تبعاً لمشايخه القميين ، وقد يكون نص الفقيه قد صدر عنه تقيةً ، وهذا الاحتمال الأخير تؤكّده بعض فقرات النص الآتي.

نحن لا نتردّد في أنّ الصدوق رحمه‌الله ، هو الفقيه الورع ، ولا يمكنه بحسب قواعد الاستنباط المتّفق عليها بين الأمّة أن يفتي بعدم جواز الإتيان بالشهادة بالولاية ، بقصد القربة المطلقة ، أو لمحبوبيتها الذاتية ، أو التفسيرية.

نعم ، نحن مع شيخنا الصدوق في عدم جواز الإتيان بها على نحو الجزئية الواجبة ، وقد عرفت بأن أغلب الشيعة الزيدية والإسماعيلية والإمامية الاثني عشرية لا يأتون بها على نحو الجزئية.

ولعلّ ترك الزيدية والإسماعيلية في العصور اللاّحقة قول «محمّد وعليّ خير البشر» أو «محمّد وآل محمّد خير البرية» بعد «حيّ على خير العمل» يؤكد على أنّهم لا يقصدون جزئيتها مع الحيعلة الثالثة ، فهم يأتون بها في بعض الأحيان ويتركونها في أحيان أخرى ، وهو المقصود بنحو عام من التفسيرية والمحبوبية الذاتية ، والقربة المطلقة ، والأمور الثلاثة الأخيرة لا تعترضها شبهة التشريع المحرّم والبدعة ، وعلى هذا الأساس نحن لا نشك ولا نتردد في أنّ الشيخ الصدوق قدس‌سره لم يقصد هذه المعاني ؛ إذ يبعد ذلك منه جدّاً بعد وقوفه على أدلّة الجواز ، لذلك نراه يشدّد النكير فقط على من شرّعها طبقاً لروايات اعتقدها الشيخ موضوعة.

وعليه : فكلامه رحمه‌الله لا يعني كلّ زيادة ـ بما أنّها زيادة على الموجود ـ لأنّه قد وقف على روايات فيها زيادات على ما رواه الحضرمي وكليب الأسدي ، وبذلك فإنّه رحمه‌الله يعني بكلامه الزيادات الجديدة الموضوعة التي لم ترد في الأخبار الأذانية من قِبَلِ المعصومين.

٢٤٦

أمّا لو كانت هناك روايات أو عمومات يُرادُ الأخذ بها لا على نحو الجزئية فلا يمانعه الشيخ الصدوق.

إذن فالشيخ الصدوق رحمه‌الله لا يعني هؤلاء يقيناً ، بل اعترض رحمه‌الله على الأخبار الموضوعة من قبل المفوّضة المفيدة للجزئية ؛ إذ لا يعقل أن يلعن الشيخ قدس‌سره من اجتهد من الشيعة وأفتى بمحبوبيتها العامة وأنّها ليست بجزء ، من خلال العمومات وشواذ الأخبار والأدلّة الاُخرى الدالّة على ذلك.

وممّا يؤكد ذلك أنّ الشيخ الصدوق لا يعترض على مضمون ما يقوله المفوضة ، وفي الوقت نفسه لا يرضى قولها على نحو الجزئية وأنّها من أصل الأذان لقوله في آخر كلامه :

(لا شكّ أنّ عليّاً ولي الله ، وأنّه أمير المؤمنين حقّاً ، وأنّ محمّداً وآله خير البرية ، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان).

نعم ، المطالع في كلمات اللاّحقين يقف على ما هو دالّ على الشهادة الثالثة ـ على نحو القربة المطلقة ، ولمحبوبيّتها الذاتية ، ولرجاء المطلوبيّة ـ من قبل الشيعة ، وهي موجودة في أصول أصحابنا ، بحيث يمكن الاستدلال بها تارة بالدلالة التطابقية ـ وهذا ما فعله الشيخ الطوسي وابن البرّاج رحمهما الله تعالى ومن تبعهما كالمجلسي ـ وأُخرى بالدلالة الالتزامية ، كمرسلة الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» ، وفتاوى السيّد المرتضى ، والشيخ الطوسي ، وابن البراج ، ويحيى بن سعيد الحلي ، والعلّامة الحلي ، ونحن خصصنا هذا القسم لتفسير كلامهم رحمهم الله وبيان الملابسات التي لازمتها ؛ لأنّ اللاحقين كثيراً ما يكتفون بنقل فتاوى هؤلاء الأعلام دون التعريف بملابساتها وظروفها الحقيقية والموضوعية ، وعلى كلّ تقدير فكلمات هؤلاء الأعلام نابعة من روح العقيدة وعليها تدور رحى الاجتهاد.

٢٤٧
٢٤٨

١ ـ مرسلات الصدوق (١) (٣٠٦ ه‍ ـ ٣٨١ ه‍)

روى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي عن الإمام الصادق فصول الأذان فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر.

أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أن لا إله إلّا الله.

أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله.

حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة.

حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح.

حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل.

الله أكبر ، الله أكبر.

لا إله إلّا الله ، لا إله إلّا الله.

والإقامة كذلك ، ولا بأس أن يقال في صلاة الغداة على إثر «حيّ على خير العمل» ، «الصلاة خير من النوم». مرّتين للتقيّة.

وقال مصنف هذا الكتاب [أي الصدوق] : هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه ولاينقص منه ، والمفوِّضة لعنهم الله قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان «محمّد وال محمّد خير البرية»

__________________

(١) أخبار الصدوق في الفقيه مسندة ، وانما عنوناها بالمرسلات لأنّه رحمه‌الله ذكر متوناً روائية عن المفوضة ولم يأت بأسانيدها. وقد عبر الفقهاء عن تلك المتون بالمراسيل ، قال صاحب الجواهر ٩ : ٨٦ ، عن المجلسي : أنّه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الاجزاء المستحبّة في الأذان استناداً إلى هذه المراسيل التي رميت بالشذوذ ، انظر بحار الأنوار ٨١ : ١١١ / باب «الأقوال في أشهد أنّ علياً ولي الله» كذلك.

٢٤٩

مرتين ، وفي بعض رواياتهم بعد «أشهد أن محمّداً رسول الله» «أشهد أن علياً وليّ الله» مرتين ، ومنهم من روى بدل ذلك : «أشهد أنّ عليّاً أمير المومنين حقّاً مرتين.

ولا شكّ في أنّ علياً وليّ الله ، وأنّه أمير المؤمنين حقاً ، وأنّ محمّداً وآله صلوات الله عليهم خير البرية ، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان ، وإنّما ذكرت ذلك ليُعرَفَ بهذه الزيادة المتَّهمون بالتفويض المدلِّسون أنفسَهم في جملتنا (١).

ولنا مع شيخنا الصدوق رحمه‌الله عدة وقفات لشـرح ما تضمن كلامه :

الاُولى : إنّ الخبر السابق والذي حكم الشيخ الصدوق رحمه‌الله بصحته بقوله : «هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه ولا ينقص منه» هو خبر شاذّ لا يعمل به أصحابنا اليوم ، لأنّ فيه اتّحاد عدد فصول الأذان والإقامة ، لقوله رحمه‌الله : «والإقامة كذلك» وهو قول شاذّ لا يوافقه عليه أحد.

وكذا لم يُذكر فيه جملة : «قد قامت الصلاة» مرّتين في الإقامة ، ومعنى كلامه هو أنّ الإقامة مثل الأذان في فصوله حتى فصل «لا إله إلّا الله» في آخر الأذان ، إلّا أنّه يؤتى بها قبل إقامة الصلاة.

ولو كان رحمه‌الله يريد وجود : «قد قامت الصـلاة» مرّتين في الإقامة لكان عليه أن يقول (٢) كما قال الطوسي في النهاية : والإقامة مثل ذلك ، إلّا أنّه يقول في أول الإقامة مرتين : «الله أكبر ، الله أكبر» ، يقتصر على مرّة واحدة : «لا إله إلّا الله»

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٨٩ ـ ٢٩١ / باب الأذان والإقامة وثواب الموذنين / ح ٨٩٧.

(٢) روى الشيخ في التهذيب ٢ : ٦٠ / باب عدد فصول الأذان / ح ٢١٠. بسنده عن عمر ابن اذينه عن زرارة والفضيل بن يسار عن أبي جعفر وفيه : والإقامة مثلها إلاّ أنّ فيها قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة بعد حي على خير العمل ، حي على خير العمل.

٢٥٠

في آخره ، ويقول بدلاً من التكبيرتين في أوّل الأذان : «قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة» بعد الفراغ من قوله : «حيّ على خير العمل ، حي على خير العمل» (١) في حين أن الشيخ الصدوق لم يقل بهذا.

وكذا قوله رحمه‌الله «ولا بأس أن يُقال في صلاة الغداة على إثر حيّ على خير العمل : الصلاة خير من النوم ، مرتين للتقية» لا يمكن تصوّره والقول به ، لأنّ المؤذّن لو كان في حال التقية فلا يمكنه أن يجهر بـ «حي على خير العمل» ، وإن لم يكن في حال التقيّة فلا يجوز له أن يقول : «الصلاة خير من النوم» (٢) ، إلّا أن نقول أنّه كان يعيش في تقيّه عالية فأفتى بالقول بالحيعلة سرّاً وبالتثويب علناً ، جمعاً بين الأمرين ، أو لعلّ هناك ملابسات أخرى سنوضّحها لاحقاً.

الوحيد البهبهاني ومقصود الصدوق من مثلية الأذان والإقامة

قال الوحيد البهـبهاني وبعد أن ذكر رواية الحضـرمي والأسدي : فلعل المراد أنّ الإقامة كذلك غالباً ، إلّا فيما ندر ، وهو تثنية التكبير في الأوّل ، ووحدة التهليل في الآخر ...

فيحتمل أن يكون المراد من كون الإقامة مثل الأذان ، أنّها مثله في كونها مثنى مثنى ، ردّاً على العامة القائلين بكونها مرّة مرّة مطلقاً ...

والصدوق في «الفقيه» لم يذكر إلّا هذه الرواية ، ثمّ قال : هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه ولا ينقص ...

فلو لم يكن ما ذكرناه هو المراد من هذه الرواية ، ولم يكن ذلك ظاهراً عليهم ، لم يكن لما ذكره الشيخ وما ذكره الصدوق وجه ، لأنّ ظاهر هذه الرواية مخالف

__________________

(١) النهاية : ٦٨.

(٢) هذا ما قاله الشيخ المجلسي في كتابه «لوامع صاحبقراني».

٢٥١

للمُجمع عليه ، إذ لم يرضَ أحد أن تكون الإقامة مثل الأذان ، لأنّ فيها «قد قامت الصلاة» يقيناً دون الأذان ... وأمّا أن يكون المراد غيره ولا قرينة أصلاً على تعيين ذلك ...

فكيف لم يجعلها الشيخ معارَضَةً ، ولا توجّه إلى وجه الحمل ورفع التعارض بإبداء المراد؟

والصدوق كيف ردّ بها المذاهب النادرة الّتي هي خارجة عن مذهب الشيعة ، ولم يتعرّض لردّ ما هو المذهب المشهور في الشيعة ، لو لم يكن متّفقاً عليه؟!

ولو لم يكن هو المشهور ، فلا أقل من كونه مذهباً مشهوراً منهم ، ولو لم يكن كذلك فلا أقلّ من كونه مذهب بعض منهم ، وأين هذا من مذهب من هو خارج من الشيعة؟

هذا ، مع أنّه لم يبيّن : أيُّ شيء اُريد من هذه الرواية؟ فظاهرها بديهيّ الفساد لا يرتكبه أحد ، فضلاً أن يكون مثل الصدوق.

وخلاف الظاهر تتوقّف معرفته على سبيل التعيين ، فإنّ تأليفه (الفقيه) لمن لا يحضره الفقيه ، فمن لا يحضره الفقيه كيف يعرف الاحتمال المخالف للظاهر على سبيل التعيين من غير معيِّن؟! بل من يحضره الفقيه لا يمكنه ذلك فضلاً عمّن لا يحضره.

وخلاف الظاهر ، إمّا أن يكون المراد أنّها مثل الأذان ، إلّا زيادة «قد قامت الصلاة» مرتين ، أو تكون هذه الزيادة مكان التكبير مرّتين في أوّل الأذان ، فيصير عددها وفصولها سواء ، وهو أقرب إلى قوله : والإقامة مثل ذلك (١). انتهى كلام الوحيد البهبهاني.

فكيف يمكن ـ علمياً ـ أن يعارِضَ خبرٌ شاذّ غير معمول به ، الأخبارَ الصحيحة

__________________

(١) مصابيح الظلام ٦ : ٥٠٩ ـ ٥١٢. وانظر كلامه في الحاشية على مدارك الاحكام ٣ : ٢٨٠ كذلك.

٢٥٢

الاُخرى في الأذان والإقامة والتي عمل بها الشيعة حتى صارت سيرة لهم؟!

أضف إلى ذلك أنّ الأصحاب الّذين أجازوا العمل بالروايات المختلفة في الأذان والإقامة ، سواء كانت ٣٥ فصلاً ، أو ٣٧ ، أو ٣٨ ، أو ٤٢ أو غيرها ، قالوا بذلك لصحّة تلك الروايات عندهم ، فكيف يصحّ أن يقول الشيخ الصدوق : «هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه ولا ينقص منه» ، مُغفِلاً الروايات الاُخرى المعمول بها عند الآخرين؟! إذن لا سبيل لحلّ هذا الإشكال إلّا بأن نقول كما قال الوحيد قدس‌سره ، أو نقول : إنّها محمولة على التقية ، وهذا ما استظهره الشيخ يوسف البحراني في قوله :

والأظهر عندي أنّ منشأ هذا الاختلاف إنّما هو التقية ، لا بمعنى قول العامة بذلك ، بل التقية بالمعنى الذي قدّمناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب (١).

والمقصود هو أنّ المعصوم كان يتعمّد إلقاء الخلاف بين شيعته حتى لا يكون هو والدين غرضين للأعداء ؛ إذ لو عرف الأمو يون والعباسيون منهج آل البيت وشيعتهم بوضوح لسهل عليهم الفتك بهم والقضاء عليهم نهائياً.

وبنحو عام وبغضّ النظر عن كيفية تفسير التقية ؛ فإنّ الملاحظ أنّ الصدوق رحمه‌الله وإن كان معاصراً للدولة البو يهية الشيعية إلّا أنّه مع ذلك يعتقد جازماً بلزوم التقيّة حتى خروج القائم فلا يخلو منها عصر من العصور ؛ وذلك جليٌّ في قوله رحمه‌الله :

والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى أن يخرج القائم سلام الله عليه ، فمن تركها فقد دخل في نهي الله ونهي رسوله والأئمّة صلوات الله عليهم (٢).

الثانية : نظراً لقرينة أخرى يمكن حمل ما رواه الشيخ الصدوق عن أبي بكر

__________________

(١) انظر الحدائق الناضرة ٧ : ٤٠٢. وسنأتي بكلامه رحمه‌الله عند بياننا لكلام الشيخ الطوسي بعد قليل في ص ٣١٩ فانتظر.

(٢) الهداية للصدوق : ٥٣.

٢٥٣

الحضرمي وكليب الاسدي على التقيّة ؛ لقوله بعدم البأس بالإتيان بـ «الصلاة خير من النوم» مرّتين تقيةً.

ويؤكّد احتمال التقية ما رواه الشيخ في التهذيب (١) والاستبصار (٢) والذي ليس فيه هذه الزيادة ، ممّا يؤكّد بأن ما قاله الشيخ الصدوق كان للتقية.

ولا يخفى أنّ ما جاء في بعض الأخبار عن الإمام الباقر أو الصادق عليهما‌السلام من أنّهما كانا يؤذّنان بالصلاة خير من النوم لا يمكن جعله دليلاً على الكلام الآنف ؛ لأنّهما كانا يأتيان بذلك للإشعار والإعلام ـ حسب ما صُرِّح في بعض الأخبار (٣) ـ لا على أنّه من فصول الأذان ، وهي محمولة على التقية (٤) ، وهذا يختلف عن قول الشيخ بعدم الباس وخصوصاً بعد «حي على خير العمل» ، فإن قوله هذا يخضع لملابسات نذكرها في الوقفة الثالثة عشر إن شاء الله تعالى.

الثالثة : إنّ الجروح التي تصدر عن القميّين لا يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها ـ إذا ما انفردوا بها ـ لأنّها قد تكون لمجرّد التشدّد ، أو لتصوّرهم فساد عقيدة الراوي حيث يروي حديثاً لا يعتقدون به ، وكلاهما ليس بشيء.

قال الوحيد البهبهاني : ثمّ اعلم أنّه [أحمد بن محمّد بن عيسى] وابن الغضائري ربّما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً بعد ما نسباه إلى الغلو وكأنّه لروايته ما يدلّ عليه ، ولا يخفى ما فيه (٥).

وقال الوحيد في حاشيته على مجمع الفائدة والبرهان : وقد حقّقنا [في تعليقاتنا] على رجال الميرزا ضعف تضعيفات القميّين ، فإنّهم كانوا يعتقدون ـ بسبب

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٦٠ / ح ٢١١ ، وسائل الشيعة ٥ : ٤١٦ / ح ٦٩٧٠.

(٢) الاستبصار ١ : ٣٠٦ / ح ١١٣٥.

(٣) التهذيب ٢ : ٦٣ / ح ٢٢٢ ، الاستبصار ١ : ٣٠٨ / ح ١١٤٦ ، وسائل الشيعة ٥ : ٤٢٧.

(٤) انظر كشف اللثام ٣ : ٣٨٦ والحدائق الناضرة ٧ : ٤٢٠.

(٥) الفوائد الرجالية : ٣٩.

٢٥٤

اجتهادهم ـ اعتقادات من تعدّى عنها نسبوه إلى الغلوّ ، مثل نفي السهو عن النبي ، أو إلى التفويض ، مثل تفو يض بعض الأحكام إليه ، أو إلى عدم المبالاة في الرواية والوضع ، وبأدنى شيء كانوا يتهّمون ـ كما نرى الآن من كثير من الفضلاء والمتديّنين ـ وربّما يخرجونه من قمّ ويوذونه وغير ذلك (١).

وقال الشيخ محمّد ابن صاحب المعالم : إنّ أهل قمّ كانوا يخرجون الراوي بمجرّد توهّم الريب فيه (٢).

فإذا كانت هذه حالتهم وذا ديدنهم ، فكيف يعوّل على جروحهم وقدحهم بمجرده ، بل لابدّ من التروّي والبحث عن سببه والحمل على الصحّة مهما أمكن (٣).

والمطالع في رجال قمّ وتاريخها يقف على أسماء بعض المحدّثين الذين نقم عليهم أهل قمّ لاتّهامهم بالغلّو ، والّذي مرّ عليك سابقاً سقم كلامهم ، كما فعلوه مع محمّد بن أورمة الذي أشاعوا عنه بأنّ عنده أوراقاً في تفسير الباطن ، والذي قال عنها ابن الغضائري : أظنّها موضوعة عليه (٤) ، وقد بَرَّأَ الإمام أبو الحسن عليه‌السلام ابنَ أورمة من هذا الاتّهام وكتب إلى القميّين ببراءته.

بناءً على ذلك فليس من البعيد أن يكون شيخنا الصدوق قدس‌سره قد اتّهم القائلين بالشهادة بالولاية في الأذان بالوضع ، وذلك لنقلهم ما لا يتّفق مع مبناه ومبنى مشايخه المحدّثين ، فهم كانوا إذا وجدوا رواية على خلاف معتقدهم وصفوها بالضعف ، وراو يها بالجعل والدس ، وهذا الاعتقاد يوجب إخراج كثير من

__________________

(١) حاشية مجمع الفائدة والبرهان : ٧٠٠.

(٢) استقصاء الإعتبار في شرح الاستبصار ٤ : ٧٧.

(٣) مقباس الهداية : ٤٩.

(٤) رجال ابن الغضائري : ٩٣ / ت ١٣٣.

٢٥٥

الروايات واتّهام كثير من المشايخ بالكذب ، قال الشيخ الصدوق في (الاعتقادات في دين الإمامية) : وعلامة المفوّضة والغلاة وأصنافهم [اليوم] نسبتهم مشايخ قمّ وعلماءهم إلى القول بالتقصير (١) ، هذا مع ملاحظة تفرّد الشيخ الصدوق قدس‌سره بأنّ الأخبار موضوعة إذ لم يقل أحد بذلك قبله.

الرابعة : لعلّ الشيخ الصدوق اتّهم المفوّضة بوضع أخبار ؛ لأنّهم تجاوزوا حد ما كانت تعمل به بعض الشيعة آنذاك من قبيل : «محمّد وآل محمّد خير البرية» ، و «عليّ خير البشر» قاصدين بها الجزئية ، ثم أتى بنصوص دالّة على الشهادة الثالثة بإرسال ، دون ذكر أسانيدها ، مؤكّداً بكلامه على تعدّد طرقها ومتونها ، وهي صريحة بأنّ ما وقف عليه الشيخ الصدوق رحمه‌الله عند من سمّاهم المفوّضة ليس خبراً واحداً ، بل هي أخبار كثيرة ، لذلك قال : (وفي بعض رواياتهم) ثم أردف ذلك قائلاً : (ومنهم من روى بدل ذلك) ، وهاتان العبارتان تؤكدان بوضوح تعدّد تلك الروايات ، وتكثّر طرقها ، واختلاف صيغها على غرار المعمول عليه عند بعض الشيعة من الزيدية والإسماعيلية الذين كانوا يأتون بها على نحو التفسيرية أو القربة المطلقة ؛ لأنّ تعدّد الصيغ ينبئ عن عدم الجزئية عندهم.

فكأنّ المفوّضة ـ حسب اعتقاد الصدوق رحمه‌الله ـ وضعوا أخباراً مسندةً بتلك الصيغ المعمول بها عند بعض الشيعة ليلزموا الآخرين بالإجهار بها ، وهذه الزيادة ـ وعلى نحو الجزئية ـ لا يرتضيها الشارع المقدّس ولا يقبلها الشيخ الصدوق ولا غيره من علماء الإمامية إذا كان مستندها تلك الأخبار الموضوعة ـ فيما لو ثبت وضعها ، فهذا العمل من أبطل الباطل ـ لكنّ الكلام ليس في الكبرى بل في الصغرى ، وهي أنّ هذه الأخبار كانت موضوعة فعلاً؟ وأنّ رواتها هُمُ المفوّضة أم المتّهمون بالتفويض

__________________

(١) الاعتقادات : ١٠١.

٢٥٦

أم لا؟ إلى غيرها من الاحتمالات.

وهو الآخر لا يعني مخالفته رحمه‌الله للذين يأتون بها لمحبوبيّتها الذاتيّة للقربة المطلقة ، بل في كلامه رحمه‌الله ـ وكذا في كلام الإمام الكاظم عليه‌السلام من قبله ـ ما يشير إلى امكان تعدّد الصيغ الدالّة على الشهادة بالولاية إلى أكثر من صيغة وأنّها مجازة شرعاً إن لم يأت بها الإنسان على نحو الجزئية ، ولذلك ذكر الشيخ الصدوق ثلاث صيغ منها ، كدلالة على تكثّرها ، تلك الدلالة التي تعني أنّ مستند الإتيان بالشهادة الثالثة ليس الأخبار الموضوعة ، ولا أنّها جزء توقيفيّ فيها ، بل تعني المحبوبيّة العامّة لا غير.

وعلى أيّ حال ، فإن ما أشار إليه الصدوق رحمه‌الله من روايات الشهادة الثالثة يدلّ من ناحية أخرى على تناقلها في عصره ، وستقف لاحقاً على أنّ بعض الشيعة في حلب وبغداد كانوا يؤذّنون بها في عصر الصدوق ومن قبله ، وهذا يوقفنا أيضاً على أنّ مخالفته كانت مع الذين يضعون الأخبار ويزيدون فيها على نحو الجزئية لا غير ذلك ، وإلّا فمن الصعب على العقل احتمال أن يتّهم الشيخ الصدوق بالتفويض كلَّ من قال بالشهادة الثالثة في الأذان حتّى من باب القربة المطلقة ، فعبارته كالنصّ في أنّه يقصد مَنْ وَضَعَ الأخبار ومن استند إليها على نحو الجزئية لا غير. لقوله «وضعوا اخباراً وزادوا في الأذان» وقوله «ولكن ذلك ليس من اصل الأذان».

الخامسة : إنّ اختلاف الصيغ وتعدّدها لا معنى له سوى تأكيد أنّهم كانوا لا يأتون بها على أنّها جزء من الأذان ، بل قد تكون تفسيرية لجملة «حي على خير العمل» ، وقد تكون لمحبوبيّتها الذاتية ورجحانها النفسي وما ذكرناه من تنقيح المناط ووحدة الملاك في الشهادات الثلاث.

فإنَّ الإتيان بها تارة بعد الحيعلة الثالثة ، واُخرى بعد الشهادة بالنبوة لَيُؤَكِّد بأنّ القائلين بها لا يأتون بها على نحو الجزئية والشطرية حتى يكون القائلون بها مصداقاً للتدليس وأنّهم ادخلوا ما ليس من الدين في الدين. إلّا أن نقول أن الشيخ

٢٥٧

الصدوق عنى المفوضة القائلين بها على وجه الخصوص ، أو أنّ قوله السابق قد صدر عنه تقيّةً.

السادسة : إنّ الشـيخ الصدوق قد ذكر متن بعض تلك الروايات دون ذكر سندها ـ وهو ديدنه في كثير من الأبواب الفقهية ـ لكنّ الفقيه والمحدِّث قد يرى سند تلك الروايات في المجاميع الحديثية الاُخرى كالتهذيب والكافي وغيرهما. فلماذا لا نقف على اسناد تلك الروايات الدالّة على الشهادة الثالثة اذن؟

الجواب : شروط التقيّة التي كانوا يعيشونها.

ويضاف إلى ما مرّ : أنّه من المعلوم أنّ وثاقة الـراوي لا تكفي لحجـيّة الرواية ما لم تسلم من الشذوذ والعلّة ، ولأجل ذلك نرى الأئمّة يؤكّدون على شيعتهم لزوم عرض أقوالهم على الكتاب المجيد ، للأخذ بالصحيح وترك الزخرف منه.

لكنّ الصدوق رحمه‌الله وغيره من القميّين كانوا يعتمدون وثاقة الشيخ أو الراوي أكثر من راجحية الرواية ، فقد نقل الشيخ الطوسي في ترجمة سعد بن عبدالله الأشعري عن الصدوق قوله : وقد رويت عنه كلّ ما في المنتخبات مما أعرف طريقه من الرجال الثقات (١).

وقال في الفقيه : وأمّا خبر صلاة يوم غدير خمّ ، والثواب المذكور فيه لمن صامه ، فإنّ شيخنا محمّد بن الحسن كان لا يصحّحه ... إلى أن قال : فهو عندنا متروك غير صحيح (٢).

وقد مرّ عليك اعتراض أبي العباس بن نوح على الصدوق وشيخه في استثنائهما محمّد بن عيسى بن عبيد من نوادر الحكمة بقوله : «فلا أدري ما رابه فيه ، لأنّه كان

__________________

(١) الفهرست : ١٣٦ ت ٣١٦.

(٢) من لا يحضره الفقيه ٢ : ٩٠ ذيل الحديث ١٨١٧ ، والسبب في ذلك وجود محمّد بن موسى الهمداني في السند ، وهو غير ثقة عنده.

٢٥٨

على ظاهر العدالة والثقة». ويفهم من كلامه أنّ أبا العباس بن نوح وابن الوليد والصدوق رحمهم الله يعتبرون الوثاقة في الراوي دون أرجحية الرواية.

نعم ، قد يأتي الصدوق بكلام الواقفيّ وغيره ، وخصوصاً لو جاء في كتب أحد مشايخه ، لكونها موجودة في أُصول الرجال الثقات.

والشيخ هنا ترك ذكر اسانيد تلك الروايات لأنّها موضوعة بنظره تبعاً لمشايخه ، علماً ان مشايخه الكرام اخبروا بحذف «حي على خير العمل» من الروايات تقية.

فكيف لا يُحذف أو يُترك ما فيه دلالة على رجحان الشهادة بالولاية في الأذان؟

وكلامنا هذا لا يوحي بأنا نذهب إلى الجزئية ، لان ترك الأئمّة عليهم‌السلام يحمل بين طياته معاني كثيرة ، وعليه فشيخنا الصدوق رحمه‌الله كان يروي عن من يخالفه في المعتقد ، وفاسدي العقيدة كالواقفية ، لأنّها جاءت في اُصول أصحابنا الثقات ، وأمّا فيما نحن فيه فلا نراه يهتمّ بوجهة نظر الآخرين ، ولم يروِ ما روته المفوضة لانهم بمنزلة الكفار والمشركين عنده وعند مشايخه ، وعندنا كذلك ، وربّما لثقته العالية بأن الشهادة الثالثة بعنوان الجزئية هي من موضوعاتهم ، لقوله «ليعرف المدلسون انفسهم في جملتنا» وبذلك يختلف الفعل عنده ، فتارة يتكلم عن الضعيف وآخر عن الوضاع ، فيأتي بما رواه الأوّل ولا يذكر ما رواه الثاني ، ويؤكّد مقولتنا هذه ما قاله رحمه‌الله في (باب الصلاة في شهر رمضان) تعقيباً على من روى الزيادة في التطوّع في شهر رمضان ـ زرعة عن سماعة وهما واقفيان ـ قال :

قال مصنف هذا الكتاب : إنّما أوردت هذا الخبر في هذا الباب مع عدولي عنه وتركي لاستعماله ليعلم الناظر في كتابي هذا كيف يُروَى ومن رواه ، وليعلم من اعتقادي فيه أنّي لا أرى

٢٥٩

بأساً باستعماله (١).

وعليه فالشيخ رحمه‌الله يأخذ بالخبر الضعيف لا الموضوع ، لأن الاخير ساقط بنظره ومتروك لسقوط راويه ، وإن كان منهج القدماء يدعوه للاخذ به ، لأن الاصل في الأخبار عندهم صحة المضمون لا السند ، وما اتى به صحيح المضمون بلا خلاف ، لكنه ترك ذلك لاعتقاده بوضع المفوضة لها.

وكون روايات المفوضة موضوعة حسب اعتقاده لا يلزم منه عدم تجويز الإتيان بها لا على نحو الجزئية.

السابعة : ممّا لا شـكّ فيه أنّ المفوّضة والغلاة من شرّ خلق الله ، لكنّ مجرّد عمل المفوّضة بشيء لا يمكن اعتباره معياراً للترك وأنّه من الباطل ؛ فقد يكون لدى المفوّضة أدلّة على شرعية ما يفعلونه غير تلك الأخبار الموضوعة التي قصدها الشيخ رحمه‌الله ؛ لاحتمال أنّه وقف عليها فقط ولم يقف على غيرها مما هو غير موضوع ، ويكون مثالهم في الشهادة الثالثة نظير العامّة القائلين بالحيعلتين الاُوليين ، المتطابقتين مع المرويّ عندنا في الأذان الصحيح وإن كان رواتهما بنظرنا غير ثقات ، فهل يمكننا أن نقول بتركهما لموافقتها للعامة؟ إنّ هذا قول عجيب ، ولا يقول به أحد منّا.

لكنّ الأمر لم يكن كذلك ، وذلك فيأما نعتقد لعدم وجود روايات دالّة على الجزئية في الأذان ، نعم هناك شواذ اخبار وعمومات يمكن القول من خلالها برجحان الشهادة بالولاية كما جاء في حسنة ابن أبي عمير ومرسلة الاحتجاج : «من قال محمّد رسول الله فليقل علي أمير المؤمنين» وخصوصاً لو دمج ذلك مع سيرة المتشرّعة قبل ولادة الشيخ الصدوق ، وأنّهم كانوا يأتون بصيغ مختلفة دالّة على الولاية في أذانهم تصريحاً أو تلميحاً ، واقرار الإمام الحجة المنتظر لفعلهم وعدم ورود نهي عنه في ذلك ، فكلّ هذا يدعونا للقول بعدم الضير بالإتيان بها في الأذان ،

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٢ : ١٣٩ ، ذيل الحديث ١٩٦٧.

٢٦٠