أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

أشهد أنّ عليّا ً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

١
 &

أشهد أنّ عليّا ً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

٢
 &

أشهد أنّ عليّا ً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

٣
 &

أشهد أنّ عليّا ً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

٤
 &



تساؤل يطرح نفسه بين الحين والآخر وهو : ما هذا الاختلاف في الأذان ؟ وهل الذي تؤذّن به الشيعة الإمامية هو الصحيح أم ما يؤذّن به الآخرون ؟ ولماذا نرى أذان الآخرين يختلف عن أذان الشيعة الإمامية ؟ وأيّهما هو المشروع وأيّهما المبتدع ؟

وهل يصح ما قاله الآخرون عن الشيعة من أن أذانهم مبتدع ؟ أم أنّه شرعي .

وإذا كان أذان الإمامية شرعياً ، فهل أذّن به رسول الله والإمام علي والأئمّة من ولده أم لا ؟

وإذا كانوا قد أذّنوا به ، فهل قالوا : « أشهد أن عليّاً ولي الله » تحديداً بهذه الصيغة ، أم قالوها بصيغ أُخرى ؟

إنه تساؤل مطروح يبحث عن جواب .

ولا يخفى عليك أنّ هذا التساؤل يردُ أيضاً على المذاهب الأربعة وغيرها ، فلماذا اختلفت المذاهب الأربعة في صيغ الأذان وعدد فصوله مع اعتقادهم بأنّ الأذان منقول نقلَ كافَّة بمكّة والمدينة والكوفة ؟

وإذا كان منقولاً ومنذ عهد الرسول الأعظم ، فلماذا تربّع الشافعية التكبير (١) بخلاف المالكيّة القائلة بالتثنية (٢) ؟

__________________

(١) انظر المهذب لأبي إسحاق الشيرازي ١ : ٥٤ ، والاقناع للشربيني ١ : ١٣٩ ، المجموع ٣ : ١٠٠ .

(٢) انظر المدونة الكبرى ١ : ٥٧ ، الكافي لابي عبد البر ١ : ٣٧ ، كفاية الطالب ١ : ٣١٨ .

٥
 &

بل لماذا لا ترى الحنفية التثويب = « الصلاة خير من النوم » إلّا بعد أذان الفجر (١) ، في حين تراه المذاهب الأُخرى مشروعاً في اذان الفجر ؟ وهكذا الحال بالنسبة إلى إفراد أو تثنية الإقامة عند المذاهب الأربعة ، فهم مختلفون في ذلك ! !

نعم ، قد جمع ابن حزم بين تلك الوجوه بقوله : « . . . كلُّ هذه الوجوه قد كان يُؤذَّنُ بها على عهد رسول الله بلا شكّ ، وكان الأذان بمكّة على عهد رسول الله يسمعه إذا حجّ ، ثم يسمعه أبو بكر وعمر ، ثمّ عثمان بعده . . فمن الباطل . . .» . إلى آخر كلامه المار ذكره سابقاً (٢) .

هذا بعض الاختلاف في الأذان عند المذاهب الأربعة ، وهم ليسوا من الشيعة الإماميّة ، فما هو السرّ في هذا الاختلاف في شعار كان يتكرّر بمرأى ومسمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والصحابة مراراً عديدة كلّ يوم ؟ !

والآن فلنقرر السؤال السابق بطرح سؤال آخر وهو : هل الإمام علي بن أبي طالب ذُكر اسمه في القرآن أم لا ؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب ، فأين ذُكِرَ ؟ وإن كان بالنفي ، فكيف يمكن الاستدلال على إمامته في حين لم ينصّ القرآن على هذا الموضوع المهم ؟

لقد نزلت في علي أكثر من خمسمائة آية ، وروي عن ابن عباس أنّه قال : ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في علي (٣) .

وفي آخر عنه رضي‌الله‌عنه أنه قال : نزلت في علي ثلاث مائة آية (٤) .

__________________

(١) المبسوط للسرخسي ١ : ١٣٠ ، تحفة الفقهاء ١ : ١١٠ ، بدائع الصنائع ١ : ١٤٨ .

(٢) المحلى ٣ : ١٥٤ ، وقد كانت لنا وقفة علمية مع هذا الكلام في الكتاب الأول من هذه الدراسة ، والمطبوع تحت عنوان « حي على خير العمل الشرعية والشعارية » الباب الأول ص ١٩ .

(٣) تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٦٣ شواهد التنزيل ١ : ٥٢ ، السيرة الحلبية ٢ : ٤٧٤ ، تاريخ الخلفاء : ١٧١ ، بحار الأنوار ٣٦ : ١١٧ ، عن كشف اليقين للعلّامة الحلي : ٣٥٦ .

(٤) البداية والنّهاية ٧ : ٣٥٩ ، الصواعق المحرقة ٢ : ٣٧٣ .

٦
 &

وعن مجاهد ، قال : نزلت في علي سبعون آية لم يشركه فيها أحد (١) .

إنّ البحث في خصائص علي وما نزل فيه من الذكر الحكيم كانت من البحوث الشائعة في القرون الثلاثة الحسّاسة : الثالث والرابع والخامس الهجري .

فقد ألف الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري المتوفى ٢٨١ هـ كتاباً باسم « ما نزل في القرآن في علي » (٢) .

وكذا ألف إبراهيم بن محمّد بن سعيد الثقفي الكوفي المتوفى ٢٨٣ هـ كتاباً سماه « ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين » (٣) .

ولابن أبي الثلج البغدادي المتوفى ٣٢٥ كتاب بعنوان « أسماء أمير المؤمنين في كتاب الله عزّ وجلّ » (٤) .

وكتب عبد العزيز بن يحيى الجلودي المتوفى ٣٣٢ هـ « ما نزل في علي من القرآن » (٥) .

ولأبي الفرج الاصفهاني المتوفّى ٣٥٦ هـ « التنزيل في أمير المؤمنين وآله عليهم‌السلام » (٦) .

ولمحمّد بن عمران المرزباني الخراساني المتوفى ٣٧٨ هـ « ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين » (٧) .

__________________

(١) شرح الأخبار ٢ : ٥٧٠ ، ٥٧٤ ، شواهد التنزيل ١ : ٥٢ .

(٢) المطبوع باسم تفسير الحبري بتحقيق صديقنا المحقق السيّد محمّد رضا الجلالي حفظه الله تعالى واخبرني سماحته بأنّه رجّح في تحقيقه الجديد للكتاب ان وفاته سنة ٢٨١ بدل ٢٨٦ هـ كما هو موجود في تاريخ الإسلام للذهبي ٢١ : ١٥٨ وغيره .

(٣) فهرست مصنفات اصحابنا المعروف برجال النجاشي : ١٧ / ت ١٩ والذريعة ١٩ : ٢٨ .

(٤) الذريعة ١١ : ٧٥ وانظر ج ١٩ : ٢٨ و ٤ : ٤٥٤ فقد ذُكر باسماء اخرى .

(٥) فهرست مصنفات اصحابنا المعروف برجال النجاشي : ٢٤١ / ت ٦٣٩ ، الذريعة ١٩ : ٢٨ وله كتاب آخر بعنوان ( ما نزل في الخمسة [ اصحاب الكساء ] ) انظر ترجمته .

(٦) معالم العلماء : ١٤١ ، وانظر الذريعة ١٩ : ٢٨ .

(٧) معالم العلماء : ١١٨ ، الذريعة ١٩ : ٢٩ .

٧
 &

ولأبي نُعَيْم الأصفهاني المتوفى ٤٣٠ هـ « ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين » (١) .

ولابن الفحّام النيسابوري المتوفّى ٤٥٨ هـ « الآيات النازلة في أهل البيت عليهم‌السلام » (٢) .

وقد نوّه النجاشي في رجاله عند ترجمته لبعض الأعلام إلى أسماء بعض تلك المصنّفات ، ففي ترجمة ابن الجُحام محمّد بن العَبّاس بن علي البزاز ذكر أن له كتاباً بعنوان « ما نزل من القرآن في أهل البيت » (٣) .

وفي ترجمة الحسن بن أحمد بن القاسم ذكر أن له كتاباً بعنوان « خصائص أمير المؤمنين من القرآن » (٤) .

وفي ترجمة محمّد بن أورمة القمّي نسب إِليهِ كتاب « ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين » له (٥) .

وفي ترجمة أبي موسى المجاشعي ذكر أنّ له كتاباً بعنوان « ما نزل من القرآن في علي » (٦) .

وفي ترجمة أبي العباس الإسفرائيني « المصابيح في ذكر ما نزل من القرآن في أهل البيت » (٧) .

ونحن لا نريد التفصيل في الجواب عن السؤال الثاني بقدر ما نريد الإشارة إلى إمكان تأذين الرسول والأئمّة بالولاية وعدمه ، إذ لم ينكر أحد صلة الإمام علي

__________________

(١) معالم العلماء : ٢٥ ، الذريعة ١٩ : ٢٨ .

(٢) لسان الميزان ٢ : ٢٥١ معجم المؤلفين ٣ : ٢٩٢ .

(٣) فهرست مصنفات اصحابنا المعروف برجال النجاشي : ٣٧٩ / ت ١٠٣٠ .

(٤) فهرست مصنفات اصحابنا المعروف برجال النجاشي : ٦٥ / ت ١٥٢ وانظر الذريعة ٢ : ٦٥ .

(٥) رجال النجاشي : ٣٣٠ ت ٨٩١ وانظر الذريعة ١٩ : ٢٩ .

(٦) فهرست مصنفات اصحابنا المعروف برجال النجاشي : ٤٣٩ ت ١١٨٢ .

(٧) فهرست مصنفات اصحابنا المعروف برجال النجاشي : ٩٣ ت ٢٣١ .

٨
 &

بالقرآن والقرآن بعلي ، فعليّ مع القرآن والقرآن مع علي (١) ، لأنّه الوحيد الذي علم بتنزيل القرآن وتأويله (٢) . وعلم بنزول الآيات في ليل أو نهار ، وفي سهل أو جبل (٣) . وقد ذكره رسول الله عدلاً للقرآن ، وأحد الثقلين اللذين تصان بهما الأمة وتُحفظ من الضلال .

لكننا قد نواجه إشكالاً مفادُهُ : أننا لا نرى أنّ اسمه ورد صريحاً في القرآن الكريم ، لماذا ؟

ليس من الضرورة أن يذكر القرآن كلّ شيء ، وقد اجاب عمران بن حصين لمن قاله له : تَحَدَّثْ بالقرآن واترك السنّة ، قال له : أرايت لو وكلت انت واصحابك إلى القران ، أكنت تجد فيه صلاة العصر أربعاً وصلاة الظهر أربعاً ، وأكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً والرمي سبعاً (٤) . . .

فالقرآن يبين الكلّيات التي تقف عليها الشريعة أصولاً وفروعاً ، فالصلاة مثلاً ذكرها الله وترك تفاصيلها للرسول الأكرم (٥) صلى‌الله‌عليه‌وآله وهكذا الحال بالنسبة إلى غيرها

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٤٧٩ / ح ١٠٤٥ ، المعجم الصغير للطبراني ١ : ٢٥٥ ، الجامع الصغير للسيوطي ٢ : ١٧٧ / ح ٥٥٩٤ .

(٢) الكافي ١ : ٢١٣ / باب إن الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم‌السلام / ح ١ ، ٢ ، ٣ . وانظر فيض القدير ٤ : ٣٦٩ .

(٣) انظر تفسير الصنعاني ٣ : ٢٤١ ، طبقات ابن سعد ٢ : ٣٣٨ ، التاريخ الكبير ٨ : ١٦٥ ، تاريخ دمشق ٢٧ : ١٠٠ ، ٤٢ : ٣٩٨ ، المواقف ٣ : ٦٢٧ ، منح الجليل ٩ : ٦٤٨ ، ينابيع المودة ١ : ٢٢٣ ، وانظر تفسير أبي حمزة الثمالي : ١٠٤ .

(٤) انظر الكفاية في علم الرواية : ١٥ ، المطالب العالية ١٢ : ٧٣٤ .

(٥) جاء في الكافي ١ : ٢٨٦ / باب ما نص الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمة عليهم‌السلام واحداً فواحد / ح ١ ، عن أبي بصير أنّه قال قلت لأبي عبد الله [ الصادق ] أن الناس يقولون فما له لم يسم علياً وأهل بيته في كتاب الله عزّ وجلّ فقال : قولوا لهم : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول الله هو الذي فسر ذلك لهم ، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم . . . إلى آخر الخبر .

٩
 &

من الامور الشرعية .

إن القولَ بعدم ذكر الشهادة بالولاية صريحاً في الأذان ، هو مساوق للقول بعدم ورود اسم الإمام علي صريحاً في القرآن ، مع أنّ في الأذان والقرآن الكريم ما يدل على الولاية والإمامة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ؟ !

ونحن في دراستنا هذه لا نريد أن نذهب إلى جزئية الشهادة الثالثة في الأذان حتى يلزمنا القول بأن الرسول أو الإمام علي وأولاده المعصومين قد أذّنوا بهذا الأذان .

فجملة « حي على خير العمل » في الأذان دالة على الإمامة والرسول والصحابة كانوا يؤذنون بها ، وقد سمح الإمام الكاظم بفتحها والأخذ بتفسيرها معها بل دَعا إلى الحث عليها .

كما أن هناك آيات كثيرة دالة على الإمامة ، وكان من منهج بعض الصحابة أن يبيّنوا آيات الذكر الحكيم ويأتوا على تفسيرها السياقي وشأن نزولها وسرّ تشريعها معها ، كما هو المشاهد في قراءة ابن مسعود التفسيرية لآية البلاغ ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) أنّ عليّاً مولى المؤمنين ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (١) .

وقرأ كذلك : ( وَكَفَى اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) بعلي بن أبي طالب (٢) .

وكان اُبيّ بن كعب يقرأ : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) وهو أبٌ لهم (٣) .

__________________

(١) شواهد التنزيل ١ : ٢٥٧ ، الدر المنثور ٢ : ٢٩٨ ، وعنه في بحار الأنوار ٣٧ : ١٩٠ .

(٢) شواهد التنزيل ٢ : ٣ الاكمال ٧ : ٥٣ ورواه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين علي من تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٦٠ الحديث ٩١٩ ، والدر المنثور ٥ : ١٩٢ ، ٦ : ٥٩٠ ، كفاية الطالب : ٢٣٤ ، غاية المرام : ٤٢٠ .

(٣) الدر المنثور ٦ : ٥٦٧ ، مصنف عبد الرزاق ١٠ : ١٨١ / ح ١٨٧٤ ، وفيه : « وهو أبوهم » ، وهي في قراءة ابن مسعود كذلك ; انظر الكشاف ٣ : ٥٣٢ .

١٠
 &

وقرأ ابن عباس : ( مِنْ أَنفُسِهِمْ ) وهو أبٌ لهم ( وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (١) .

وجاء عن اُبي أنّه كان يقرأ : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ( فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ) (٢) .

وعن عمرو ، وعبد الله بن مسعود ، وأُبيّ بن كعب ، أنهم قرأوا : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ورهطك المخْلَصين (٣) .

وعن عبد الرحمن بن عوف ، قال : قال لي عمر : ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) في آخر الزمان كما جاهدتم في أوّله (٤) .

قال ابن عطيّة الأندلسي ( ت ٥٤٦ هـ ) في المحرر الوجيز : روي أنّ ابن مسعود كتب في مصحفه أشياء على جهة التفسير فظنّها قوم من التلاوة فتخلط الأمر فيه ، ولم يسقط فيما ترك معنى من معاني القران ؛ لأنّ المعنى جزء من الشريعة ، وإنّما تركت ألفاظ معانيها موجودة في الذي أثبت . . . (٥) .

وقال ابن السرّاج القاضي القونوي الحنفي ( ت ٧٧٧ هـ ) في شرح المعتمد : ومن أسباب اختلاف الفقهاء اختلافهم في الاحتجاج بالرواية الشاذة من القران الكريم ، فقد كان بعض الصحابة يكتب في مصحفه كلمات على سبيل التفسير والبيان ، فرواها الناس عنه على أنها قراءة ، مثال ذلك زيادة ابن مسعود كلمة

__________________

(١) المحرر الوجيز ٤ : ٣٧٠ .

(٢) المستدرك للحاكم ٢ : ٢٢٥ ، كنز العمال ٢ : ٥٦٨ و ٥٩٤ ، الدر المنثور ٦ : ٧٩ ، سير اعلام النبلاء ١ : ٣٩٧ .

(٣) تفسير الطبري ١٩ : ١٢١ في قراءة عمرو ، عيون اخبار الرضا ٢ : ٢٠٩ في مصحف عبد الله بن مسعود وقراءة أُبي بن كعب .

(٤) الدر المنثور ٤ : ٣٧١ و ٥ : ١٩٧ ، كنز العمال ٢ : ٤٨٠ .

(٥) المحرر الوجيز ١ : ٤٨ .

١١
 &

« متتابعات » عقب قوله تعالى ( فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ) في سورة المائدة (١) .

وقال أبو حيّان الأندلسي ( ت ٧٤٥ هـ ) في البحر المحيط عن الآية ( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ . . . ) : وفي مصحف عبد الله « وما يعبدون من دوننا » . . . إنما أُريد به تفسير المعنى وأنّ هؤلاء الفتية اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله وليس ذلك قرآناً . . . (٢) .

وفي المحرّر الوجيز : وفي مصحف عبد الله « ملاقوها » مكان ( مُوَاقِعُوهَا ) الواردة في الآية ٥٤ من سورة الكهف (٣) ، فقال الاندلسي في تفسير البحر المحيط : الأَولى جعله تفسيراً لمخالفة سواد المصحف (٤) .

وفي تفسير البحر المحيط أيضاً عن الآية ٣٦ سورة يوسف : وفي مصحف عبد الله : ( وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي ) ثريداً ( تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) ، وهو أيضاً تفسير لا قراءة (٥) .

وبناءً على هذه التَقْدُمَة يمكننا أن نقول : إنّ الشهادة بالولاية جاءت في الأذان كناية وتفسيراً ، وذلك لنفس الظروف التي ساقت إلى عدم ذكر اسم الإمام عليّ في القرآن .

إنّها جملة « حي على خير العمل » التي تعني الولاية والإمامة ، كما في روايات أهل البيت .

ونحن قد أثبتنا في الباب الأوّل من هذه الدراسة (٦) وجود هذا الفصل في الأذان

__________________

(١) انظر شرح المعتمد ، لابن السراج القاضي / القول ١١٩ ، من اسباب اختلاف الفقهاء .

(٢) البحر المحيط ٦ : ١٠٣ .

(٣) المحرر الوجيز ٣ : ٥٢٤ .

(٤) البحر المحيط ٦ : ١٣١ .

(٥) البحر المحيط ٥ : ٣٠٨ .

(٦) المطبوع تحت عنوان « حي على خير العمل الشرعية والشعارية » .

١٢
 &

على عهد رسول الله ، وتأذين الصحابة وأهل البيت به ، ثمّ انفراد العامّة في العهود اللاحقة بدعوى النسخ فيه ، وذلك بعد إقرارهم بشرعيّته على عهد رسول الله ، وقد تحدّاهم السيّد المرتضى بأن يأتوه بالناسخ ولم يفعلوا ! .

وهذا يعرّفنا بأنّ من يقول بالحيعلة الثالثة « حيّ على خير العمل » يمكنه الاعتقاد برجحان الشهادة بالولاية في الأذان ، لأنّها جاءت مفسَّرة من قبل المعصومين بذلك ، فالنبيُّ والإمامُ عليٌّ والأئمّة من ولده كانوا يؤذّنون بحيّ علي خير العمل بلا أدنى ريب ، فلا يستبعد اعتقادهم بجواز الإتيان بتفسيرها معها لا على الشطرية ، وهو الملاحظ اليوم عند المسلمين ، فالذي يعتقد بشرعية الحيعلة الثالثة يمكنه أن يُخرج الشهادة الثالثة مخرجاً شرعيّاً ، والذي لا يقول بالحيعلة الثالثة فهو لا يقبل الشهادة بالولاية من باب الأَوْلى .

نعم ، نحن لو قلنا بتاذين الرسول وأهل البيت بها لصارت جزءاً ، وهذا ما لا نريد قوله ، وان عدم ورودها في الروايات البيانية الصادرة عن المعصومين في الأذان أو عدم فعلهم عليهم‌السلام لها يوكد عدم جزئيتها لا عدم محبوبيتها ، وان الأئمة عليهم‌السلام قد يكونوا تركوا اموراً جائزة أو مستحبة تقية ، فالذي نريد أن نقوله أنّه قد ثبت بالقطع واليقين أن الأئمّة كانوا يقولون « حيّ على خير العمل » في اذانهم ، وثبت عنهم أيضاً بما لا يقبل الترديد أنّهم فسّروها بمعنى الولاية كما في كلام الأئمّة المعصومين كالباقر (١) والصادق (٢)

__________________

(١) علل الشرائع ٢ : ٣٦٨ الباب ٨٩ / ح ٥ ، معاني الاخبار : ٤٢ وفيهما : قال : اتدري ما تفسير ( حي على خير العمل ) قلت : لا .

قال : دعاك إلى البر ، اتدري بر من ؟ قلت : لا .

قال : دعاك إلى بر فاطمه وولدها .

(٢) التوحيد للصدوق : ٢٤١ ، فلاح السائل : ١٤٨ ـ ١٥٠ مناقب بن شهرآشوب ٣ : ١٠٧ .

١٣
 &

والكاظم (١) عليهم‌السلام والإمام الكاظم قد اجاز الاتيان بتفسيرها وبيان معناها معها ، وهو دليل على محبوبيتها عندهم عليهم‌السلام ، ونحن نأتي بها بهذا العنوان لا غير .

بل في كلام الإمام علي بن الحسين « إنّه كان في الأذان الأولّ » (٢) ما يؤكد تشريع « حيّ على خير العمل » في الإسراء والمعراج ، ودلالته على وجود عنوان الولاية في السماء وعلى ساق العرش ، لكنّ الآخَرين حرّفوه وغيّروه . ومن هنا حدثت المشكلة بين نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ونهج الصحابة في الأذان .

هذا ، وإنّ في ما رواه الفضل بن شاذان ـ باسناد معتبر عند جملة من الاعلام (٣) ، ما يؤكّد وجود عنوان الولاية في الأذان ، إذ جاء فيه : . . . « ويكون المؤذّن بذلك داعياً إلى عبادة الخالق ومرغباً فيها ، مقراً بالتوحيد ، مجاهراً بالايمان ، معلناً بالإسلام . . . » (٤) .

__________________

(١) علل الشرائع ٢ : ٣٦٨ وعنه في وسائل الشيعة ٥ : ٤٢٠ .

قال الشيخ يوسف البحراني في رسالته ( الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة ) المطبوعة في الدرر النجفية ، قال « ولا يخفى على العارف بطريقة الصدوق في جملة كتبه ومصنّفاته أنّه لا يذكر من الاخبار إلّا ما يعتمده ، ويحكم بصحته متناً وسنداً ويفتي به ، وإذا اورد خبراً بخلاف ذلك ذيّله بما يشعر بالطعن في سنده أو دلالته ونبه على عدم قوله بمضمونه وهذه طريقته المالوفة وسجيته المعروفة ، وهذا المعنى وان كان لم يصرح به إلّا في صدر كتابه ( من لا يحضره الفقيه ) إلّا ان المُتتبع لكلامه في كتبه ، والواقف على طريقته لا يخفى عليه صحة ما ذكرناه » .

وبما ان الصدوق لم يذيل ما رواه في العلل وغيره بالطعن في متن أو سند الحديث نعلم ان مضمون تلك الاخبار مقبولة عنده .

(٢) لا يخفى عليك بأنّ ليس للشيعة اذانان كما هي للعامة في اذان الفجر ، وبذلك فلا معنى للأذان الاول في كلام الإمام عليه‌السلام إلّا ما قلناه .

(٣) منهم السيد الحكيم في المستمسك ٨ : ٣٤٤ ـ ٣٤٦ والسيّد الخميني في المكاسب المحرمة ٢ : ٥٥ والشيخ حسين آل عصفور في تتمة الحدائق ٢ : ١٤٣ ومستند الشيعة ٥ : ٤٣٥ مسالك الأفهام ٢ : ٢٣ ، ذخيرة المعاد ١ : ٥١٠ .

(٤) علل الشرائع ١ : ٢٥٨ ، وسائل الشيعة ٥ : ٤١٨ ، الفقيه ١ : ٢٩٥ / ح ٩١٤ ، والذي احتمله في كلام الإمام عليه‌السلام هو التقديم والتأخير في كلمة الإسلام والايمان فيه ، وتكون العبارة : مجاهراً بالإسلام ومعلناً بالايمان ، وهذا ما يؤكده ذيل الخبر .

١٤
 &

وحين سأل إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله الإمام السجادَ ، لما قدم وقد قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه ، قائلاً : يا علي بن الحسين من غَلَب ؟ اجابه الإمام عليه‌السلام : إذا اردت ان تعلم من غَلَبَ ، ودَخَلَ وقت الصلاة ، فأذِّنْ ثمَّ أقِم (١) .

وهذا يعني أَنَّ الإمام السجاد اراد أن يقول لإبراهيم إِنَّ الأئمّة هم امتداد للشهادة بالرسالة وكما قال رسول الله حسين مني وانا من حسين (٢) .

وكذا في كلام الإمام الهادي الآتي ، وبيانه لمعنى ( نداء الصوامع ) المذكور في شعر الحِمّاني ، للمتوكل العباسي (٣) .

وقد يكون قبل ذلك في مرسلة القاسم بن معاوية في الاحتجاج عن الصادق عليه‌السلام ما يدل على ذلك ، لأنّ العارف بلسان وظروف الأئمّة وما كانوا يعيشون فيه من التقيّة ، يعرف بأنّ الإمام قد يأتي بالعموم ويريد الخصوص ، والأذان هو الأهم إن سنحت الظروف للجَهْر به .

إنّ مبحث « حيّ على خير العمل » هو النافذة التي نريد الإطلالة من خلالها على الشهادة الثالثة ، وهو الميدان الأساسيّ الذي كتبنا عنه سابقأ (٤) ، كما أنّه الانطلاقة العلمية والتأسيسية التي نريد الدخول عبرها إلى الشهادة الثالثة ؛ لنُشيد به هذا الصرح العقائدي والفقهي ، وذلك للتقارب والتجانس الملحوظ بينهما ـ حسبما سيتّضح لاحقاً ـ لأنّ الكلام في شرعية الحيعلة الثالثة ومشروعيتها يوصلنا إلى

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٦٧٧ / ح ١٤٣٢ ، وعنه في بحار الأنوار ٤٥ : ١٧٧ / ح ٢٧ .

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٦٥٨ / ح ٣٧٧٥ ، قال الترمذي : هذا حديث حسن ورواه غير واحد عن عبد الله بن عثمان ، سنن ابن ماجه ١ : ٥١ / ح ١٤٣ ، مسند أحمد ٤ : ١٧٢ / ح ١٧٥٩ .

(٣) الأمالي ، للشيخ الطوسي ٢٨٧ / ح ٥٥٧ ، وانظر ديوان علي الحمّاني : ٨١ ، ومناقب ابن شهرآشوب ٣ : ٥١٠ . والذي سيأتي في صفحة ٢١٢ .

(٤) تحت عنوان ( حي على خير العمل ، الشرعية والشعارية ) المطبوع في بيروت ، مؤسسة الأعلمي ، وهو يقع في ٤٩٦ صفحه .

١٥
 &

رجحان الشهادة الثالثة ، والذي جئنا به تقوية لما استدلّ به الفقهاء من مرسلة الاحتجاج ، والعمومات ، وقاعدة التسامح في أدلة السنن ، وما يماثلها .

إنّ موضوع الشهادة الثالثة في الأذان من المواضيع الحسّاسة والهامّة التي لم تحظ بعناية الباحثين والمحقّقين بالشكل المطلوب ، وهي لم تكن من المواضيع المُحْدَثة والوليدة في العصور اللّاحقة حسب ما صوّره بعض الكتّاب ، بل هي قديمة بقدم تاريخ التشيّع ، سارت معه جنباً إلى جنب ، فما قاله البعض من أنّها قد شرعت في عهد الشاه إسماعيل الصفوي المتوفى ٩٣٠ هـ وكذا قول الاخر أنّها بدعة محدثة هو جُرأةٌ على العلم وتجاوز على الحقائق التاريخية (١) ، خصوصاً وأنّ نصوص هذه المسألة مذكورة وموجودة في كتب القدماء والمتأخّرين ، لكنّها متناثرة بين طيات كتب الحديث ، والفقه ، والتاريخ ، تحتاج إلى بحث وتتبّع ومثابرة واسعة ، والسابرُ لكلمات الفقهاء ، وأخبار المؤرّخين ، وروايات المحدّثين ، يقف على هذا الكمّ الهائل الدال على هذه الشهادة ، إمّا تصريحاً ، أو تلميحاً ، أو إيماءً أو إشارة .

وان ما حكاه الشيخ الطوسي بورود شواذ الأخبار فيها كافية لاثبات المحبوبية والمشروعية ، لان صحّة عمل ما ، لا يتوقف على فعلهم عليهم‌السلام له ، بل يكفي تصريحهم بجوازه وصحته ، أو تقريرهم لفاعله .

إنّ دعوى كونها بدعة لترك المعصوم لها كلام غير واقعي وغير صحيح فكما أنّ الإثبات يحتاج إلى دليل فالنفي هو الاخر يحتاج إلى دليل ، فليأتِنا القائل بالحرمة على أنّ النبي أو الأئمّة لم يفعلوها على نحو الجزم واليقين ، أو ليأتونا بدليل عن نهي

__________________

(١) انظر كلام الدكتور حسين المدرسي الطباطبائي في « تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأوّل » صفحة ٧٣ ، والسيّد موسى الموسوي في « الشيعة والتصحيح » : ١٠٥ ، و « المتآمرون على المسلمين الشيعة » : ١٧٠ ، والسيّد حسن الامين في « مستدركات أعيان الشيعة » ٢ : ٦٤ . بهذا الصدد وقارنه بما قلناه في الفصل الاول من هذه الدراسة .

١٦
 &

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في القول بالشهادة الثالثة في حين ان الأمر عكس ذلك ، فهناك ادلة كثيرة صدرت عن النبي والأئمة من ولده على محبوبية الشهادة بالولاية في الأذان وفي غيره ، لكن ظروف التقية لم تسمح لهم بالاجهار بها مما جعلتها اخباراً شاذة في الأذان لا يعمل بها .

نعم ، إنّ تلك النصوص مذكورة في كتبنا وكتب الآخرين ، لكن لا يستدلّ بها الفقهاء على الشهادة الثالثة ، لكونها نصوصاً غير صريحة ، بل مذكورة بصورة كنائية أو تفسيرية ، وذلك في مثل « حيّ على خير العمل » الدالة على الإمامة ، كما جاء في روايات أهل البيت ، والتي ذكرها الشيخ الصدوق رحمه‌الله في معاني الاخبار (١) والتوحيد (٢) وهذا ما نريد توضيحه في دراستنا هذه (٣) .

كما أن هناك نصوصاً صريحة في اقرار الإمام ، وأنّه عليه‌السلام لا يترك الأمة سدى ، بل يقف أمام ما يزيده الناس أو ينقصونه ، قد يمكن التمسك به عند البعض كدليل لإثبات القول بجواز الشهادة الثالثة ، وهذا ما لم يوظف من قبل فقهاءنا في مبحث الشهادة الثالثة ، فقد جاء في العلل بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال : إن الله لم يدع الأرض إلّا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان في الأرض ، وإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم ، وإذا نقصوا أكمله لهم فقال : خذوه كاملاً ، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين امورهم ، ولم يفرقوا بين الحق والباطل (٤) .

وهناك طائفة ثالثة هي نصوص صريحة ذكرت متناً دون إسناد ، كما هو المشاهد في كلام الشيخ الصدوق رحمه‌الله في « الفقيه » (٥) ، والسيّد المرتضى في « المسائل الميافارقيات » ،

__________________

(١) معاني الأخبار : ٤١ / باب معنى حروف الأذان والاقامة / ح ١ ، و ٤٢ / ح ٣ .

(٢) التوحيد ، للصدوق : ٢٤١ / باب تفسير حروف الأذان والاقامة / ح ٢ .

(٣) بحثنا ذلك في القسم الاول من الفصل الاول « الدليل الكنائي » : ١٥٩ من كتابنا هذا .

(٤) انظر بحار الأنوار ٢٣ : ٢٧ ، ٢١ ، ٣٩ .

(٥) من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٩٠ / ح ٨٩٧ .

١٧
 &

وابن البرّاج في « المهذَّب » ، والشيخ الطوسي في « النّهاية » و « المبسوط » ، وهي متون معتمدة ، لأنّ كتب القدماء ـ وحسب تعبير السيّد البروجردي رحمه‌الله وغيره ـ هي متونُ روايات وبمنزلة الأُصول المتلقّاة عن المعصومين عليهم‌السلام وهو ما نبحثه في القسم الثالث من الفصل الاول من هذا الباب (١) .

ورابعة : هي عمومات بعض الأخبار ، وقواعد في الرواية والحديث ، يستعين بها الفقيه في الاستنباط ، كرواية الاحتجاج : « فإذا قال أحدكم لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، فليقل علي أمير المؤمنين » (٢) ، أو قاعدة التسامح في أدّلة السنن ، أو استدلالهم ببيان الحيثيات الثلاث للأذان ( الذكر + الشعار + الدعاء ) ، أو أنّه استحباب ضمن استحباب إلى غيرها من المؤيّدات التعضيدية الموجودة في الآيات والأخبار وهو ما يبحث في ضمن كلمات الفقهاء .

وخامسة : بيان سيرة المتشرّعة ، وربط هذه السيرة بسيرة الشارع المقدّس ، إلى غير ذلك من التقسيمات والوجوه التي يمكن أن تلحظ ويستدل بها للشهادة الثالثة .

نحن لا نريد أن نُفَصِّل هذه المحاور كلَّ محور على حدة ، بل نريد أن ندرسها متمازجة بشكل لا يحس المطالع بالضجر والملل إن شاء الله .

وبهذا سيأخذ البحث تارة بعداً تاريخياً ، واُخرى فقهياً ، وثالثةً درائياً وحديثياً ، وهكذا يتغيّر من شكل إلى آخر حَسَب الحاجة العلمية ، وبذلك تكون هذه الدراسة مترابطة ومتجانسة بين أجزائها ، للخروج بوجه فقهي يقبله الجميع ، أو يحدّ من استقباحه عند من يراه بدعة ، بدعوى أنّها لم تكن في النصوص الصادرة عن المعصومين ، أو أنّها زُجَّتْ في الدين لظروف خاصة .

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٤٥ من هذا الكتاب .

(٢) الاحتجاج ١ : ٢٣١ ، من رواية القاسم بن معاوية ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم . . . .

١٨
 &

ومن المؤسف ان غالب الشبهات المطروحة حول الشهادة الثالثة تدور مدار الجزئية وبتصور أنّا نأتي بها على أنّها جزء الأذان ، في حين أن فقهاء الطائفة ومنذ عصر السيّد المرتضى والشيخ الطوسي إلى يومنا هذا يؤكدون على عدم جزئيتها بل يأتون بها لمحبوبيتها ، وقالوا عن الآتي بها للمحبوبية غير مأثوم ، وأن فعلهم لم يكن بدعة كما يريد الاخرون تصويره ، لكن الاخرين لا يريدون أن يقبلوا هذا الامر أو تراهم يتناسونه في كلامهم ، وإني في هذه الدراسة اُريد أن أوكد على وجه محبوبية هذا الأمر عندنا لا جزئيته ، عسى أن أكون قد ساهمت في رفع بعض الشبهات المطروحة في هذا الصدد وسعيت في تحكيم هذا الصرح وتثبيت العقيدة .

وبما أنّ غالب البحوث المطروحة حول الشهادة الثالثة لم تشف غليلي ولم تف بمطلوبي ـ لأنّ فقهاءنا الأقدمين وحتى المعاصرين منهم لم يُولوا البحث الأهمية القصوى ، ولم يفردوا له دراسة معمّقة مستقلة ، ولم يدرسوا الروايات فيه دراسة شاملة ، مكتفين ببعض التعليقات والتوضيحات ، مع أنّهم قد كتبوا رسائل مستقلّة وبحوثاً مشبعة في مسائل دونها في الأهمية ـ رأيت أن أكتب دراسة مستقلّة وافية فيه ـ لأنّ بحثاً بهذه الأهمية لا يمكن الاكتفاء فيه ببعض الأسطر والتعليقات المتناثرة بين ثنايا الكتب ، بل يجب أن يقف الدارس المحقّق عنده وقفة فقيه متأمّل متدبّر ، فلا يأخذ نصوص السابقين على ظاهرها ، ويحكم بأنّ فلانا منع من الشهادة الثالثة ، أو أن فلاناً لا يستسيغها ، أو أنّ ثالثاً يقول ببدعيّتها ، دون دراسته للظروف التي كان يعيش فيها أولئك الفقهاء والمحدّثين ، والأماكن التي كانوا يسكنون فيها .

فإنّ مراعاة الزمان والمكان ، والشروط المحيطة بالراوي ، يساعد الفقيه على فهم شروط وظروف صدور النصّ عن الشيخ الصدوق والسيّد المرتضى ، والشيخ الطوسي ، وابن البراج ، وأمثالهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .

١٩
 &

كما لا بدّ من ملاحظة أنّ مبنى كلامهم هل هو حدسي وأمر اجتهادي لا يجب اتّباعه ، أم أنّه نصّ تعبدي شرعي يجب الإيمان والأخذ به ؟

فالفقهاء يأخذون بإطلاق مرسلة الاحتجاج للطبرسي : « من قال محمّد رسول الله فليقل عليٌ أمير المؤمنين » ـ مع أنّ الطبرسي متأخّر عن الشيخ الصدوق رحمه‌الله بعدّة قرون ـ ويتركون مرسلة الصدوق رحمه‌الله في الفقيه الخاصّة بالأذان ، والتي ذكر فيها الصيغ الثلاث للشهادة الثالثة ، وكذا تراهم يتركون ما يمكن أن يستند عليه في الاستنباط من اقرار الإمام المعصوم للشهادة الثالثة وخصوصاً لو قُرنَت بسيرة المتشرعة .

كما أنّهم يجهدون أنفسهم لتصحيح الشهادة الثالثة بالعمومات ، وقاعدة التسامح بأدلة السنن ، والشعارية ، ورجاء المطلوبية ، في حين أن في حيازتهم روايات صحيحة دالة ـ بنحو من انحاء الدلالة ـ على الولاية في الأذان بالخصوص كـ « حي على خير العمل » المصرَّح فيها من قبل الأئمّة على ذلك ، كما في رواية الصدوق في « التوحيد » ، و « معاني الاخبار » .

ألم يكن فيما رواه ابن أبي عمير ـ في التوحيد ومعاني الأخبار ـ عن الإمام الكاظم ما يفيدنا للاستدلال في الشهادة الثالثة .

وألم يكن نص الصدوق ـ في التوحيد ومعاني الأخبار ـ أقدم من نص الاحتجاج تاريخياً وأثبت منه روائيا ً .

فلماذا يترك هذا النص ويؤخذ بمرسلة الاحتجاج ، إن هذه الأمور لم تبحث بشكلها الدقيق في كتب القدماء فضلاً عن كتابات فقهائنا المتأخّرين . وحتى متاخّري المتأخرين .

وأمّا كتابات العقود الخمسة الماضية فهي الأُخرى لا تُسمن ولا تغني من جوع ؛ لأن أغلب أولئك المؤلّفين اكتفوا بنقل فتاوى الأعلام دون ذكر أدلتهم .

٢٠