أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

ثم قال : يا فتح ، كدتَ أن تَهْلِكَ وتُهْلِكَ ، وما ضرَّ عيسى عليه‌السلام إذا هلك من هلك ، فاذهب إذا شئت رحمك الله.

قال : فخرجت وأنا فرح بما كشف الله عنّي من اللبس ، بأنّهم هم ؛ وحمدت الله على ما قدرت عليه ، فلمّا كان في المنزل الآخر دخلت عليه وهو مُتَّك وبين يديه حنطة مقلوّة يعبث بها ، وقد كان أوقع الشيطان في خَلَدِي أنّه لا ينبغي أن يأكلوا ويشـربوا إذ كان ذلك آفة ، والإمامُ غيرُ مَؤُوف (١) ، فقال : اجلس يا فتح ، فإنّ لنا بالرسل أسوة ، كانوا يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق ، وكلُّ جسم مَغْذُوٌّ بهذا إلّا الخالق الرازق .. والحديث طو يل (٢).

وعن ابن المغيرة ، قال : كنت عند أبي الحسن عليه‌السلام أنا ويحيى بن عبدالله بن الحسن عليه‌السلام ، فقال يحيى : جعلت فداك ، إنّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب ، فقال : سبحان الله ، ضع يدك على رأسي ، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلّا قامت ، قال : ثمّ قال : لا والله ما هي إلّا رواية عن رسول الله (٣).

وعن سدير ، قال : قلت لأبي عبدالله : إنّ قوماً يزعمون أنّكم آلهةٌ ... قال : يا سدير ، سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء بُراءٌ ، برئَ الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي ، والله لا يجمعني الله وإيّاهم يوم القيامة إلّا وهو عليهم ساخط.

قال : قلت : فما أنتم جعلت فداك؟

قال : خزّان علم الله ، وتراجمةُ وحي الله ، ونحن قوم معصومون ، أمر الله بطاعتنا ، ونهى عن معصيتنا ، نحن الحجّة البالغة على من دون السماء وفوق

__________________

(١) أي لا يصاب بآفة.

(٢) كشف الغمة ٣ : ١٧٩ ـ ١٨٢ ، وعنه في بحار الأنوار ٥٠ : ١٧٧ / الرقم ٥٦.

(٣) انظر رجال الكشي ٢ : ٥٨٧ / ٥٣٠.

٦١

الأرض (١).

وعليه ، فإنّ مسألة وجود الغلوّ والغلاة والتفويض والمفوّضة كانت موجودة عند الطرفين ، وإنّها نشأت من المتطرّفين لا المعتدلين والمتفهّمين ، وكذا الأمر بالنسبة إلى المقامات ، فقد يُرمَى بعضُ العارفين بالتفويض أو الغلو لعدم تحمّل الآخرين سماع تلك المقامات ، وقد تستغلّ تلك المقامات وتُعطَى للاخرين زوراً وبهتاناً ، كل هذه الأمور جعلت من الغلو والمعرفة سلاحاً ذا حدَّين ، وخلاصة كلامنا هو : إنّ فكرة الغلو لا تختص بها الشيعة ، فهناك فرق ومذاهب فيها اتّجاهات مغالية كذلك.

فقد روى ابن الجوزي في مناقب أحمد ، قال : حدّثني أبو بكر بن مكارم ابن أبي يعلى الحربي ـ وكان شيخاً صالحاً ـ قال : قد جاء في بعض السنين مطر كثيراً جدّاً قبل دخول رمضان بأ يّام ، فنمت ليلة في رمضان ، فرأيت في منامي كأنّي جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره ، فرأيت قبره قد التصق بالأرض مقدار ساف ـ أي صف من الطين أو الَّلبِن ـ أو سافين ، فقلت : إنّما تمّم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث ، فسمعته من القبر وهو يقول : لا بل هذا من هيبة الحقّ عزّوجلّ قد زارني ، فسألته عن سرّ زيارته إيّاي في كلّ عام ، فقال عزّ وجلّ : يا أحمد لأنّك نصرت كلامي فهو يُنشَر ويُتلى في المحاريب.

فأقبلت على لحده اُقبّله ، ثمّ قلت : يا سيّدي ما السرّ في أنّه لا يُقَبَّل قبرٌ إلّا قبرك؟

فقال لي : يا بُنيّ ليس هذا كرامة لي ولكن هذا كرامة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّ معي شعرات من شعره صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ألا ومَن يحبّني يزورني في شهر رمضان ، قال ذلك

__________________

(١) انظر رجال الكشي ٢ : ٥٩٤ / ٥٥١.

٦٢

مرّتين (١).

وقال ابن الجوزي في (الياقوت في الوعظ) : إنّ الله خصّ أبا حنيفة بالشريعة والكرامة ، ومن كرامته أنّ الخضر عليه‌السلام كان يجيء إليه كل يوم وقت الصبح ، ويتعلّم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين ، فلمّا توفي أبو حنيفة ، دعا الخضر عليه‌السلام ربّه فقال : يا رب إن كان لي عندك منزلة فَأْذَن لأبي حنيفة حتّى يعلّمني من القبر على عادته ، حتّى أعلّم الناس شريعة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله على الكمال ليحصل لي الطريق ، فأجابه ربّه إلى ذلك ، وتمّت للخضر صلى‌الله‌عليه‌وآله دراسته على أبي حنيفة وهو في قبره في مدّة خمسة وعشرين سنة (٢).

وقد حدّث المقدسي في (أحسن التقاسيم) دخوله إلى أصفهان بقوله : وفيهم بَلَهٌ وغلوٌّ في معاوية ، ووصف لي رجل بالزهد والتعبّد ، فقصدته وتركت القافلة خلفي ، فبتّ عنده تلك الليلة ، وجعلت أسائله إلى أن قلت : ما قولك في الصاحب؟ فجعل يلعنه.

قلت : ولِمَ؟

قال : إنّه أتى بمذهب لا نعرفه.

قلت : وما هو؟

قال : إنّه يقول أنّ معاوية لم يكن مرسلاً.

قلت : وما تقول أنت؟

قال : أقول كما قال الله عزّوجلّ : (لا نُفرِّقُ بينَ أحد مِنْ رُسُلِهِ) ، أبو بكر كان مرسلاً ، وعمر كان مرسلاً ، حتّى ذكر الأربعة ، ثمّ قال : ومعاوية كان مرسلاً.

__________________

(١) مناقب أحمد : ٤٥٤.

(٢) الياقوت في الوعظ ، لأبي فرج علي بن الجوزي : ٤٨. وهذا الكلام مصداق لقول القائل : حدّث العاقل بما لا يليق فان صدقك فلا عقل له.

٦٣

قلت : لا تفعل ، أمّا الأربعة فكانوا خلفاء ، ومعاوية كان مَلِكاً ، وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : «الخلافة بعدي إلى ثلاثين ثمّ تكون مُلكاً» فجعل يُشنّع عليَّ ، وأصبح يقول للناس : هذا رجل رافضيّ.

قال المقدسي : فلو لم أهرب وأدركت القافلة لبطشوا بي (١).

وعليه إنّ القول باختصاص الشيعة بالغلوّ دون الآخرين فيه مجازفة وبهتان وابتعاد عن الحقيقة والواقع.

نعم ، توجد مجموعة مغالية دسّت نفسها بين الشيعة ، واُخرى مالت إلى التفويض ، وعندما أراد الإمام عليّ إحراق الغلاة ، خنقاً بالدخان ، قالوا : هذه من وظائف الرب ، إذ لا يعذب بالنار إلّا ربّ النار (٢). لكنّ الأئمة كانوا يعارضون تلك الأفكار الفاسدة ويصحّحون لمن التبس الأمر عليهم ، ويَدعونهم إلى الجادة الوسطى.

فعن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال : إنّ عليّاً لمّا فرغ من قتال أهل البصرة أتاه سبعون رجلاً من الزطّ فسلّموا عليه وكلّموه بلسانهم ، فردّ عليهم بلسانهم ، ثم قال لهم : إنّي لست كما قلتم أنا عبدالله مخلوق ، فأبوا عليه وقالوا له : أنت هو.

فقال لهم : لئن لم تنتهوا وترجعوا عما قلتم فيّ وتتوبوا إلى الله عزّوجلّ لأقتلنّكم ، فأبوا أن يرجعوا ويتوبوا ، فأمر أن يُحفَرَ لهم آبار ، فحفرت ، ثمّ خرق بعضها إلى

__________________

(١) أحسن التقاسيم : ٣٣٩ ، طبعة القاهرة ١٤١١ هـ ـ ١٩٩١م ، «مكتبة مدبولي».

(٢) جاء في رجال الكشي ١ : ٣٢٣ / الرقم ١٧٠ ، عن الإمام الباقر أنه قال : إنّ عبدالله بن سبا كان يدّعي النبوّة ويزعم أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام هو الله (تعالى عن ذلك). فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام فدعاه وسأله فأقرّ بذلك ، وقال : نعم أنت هو ، وقد كان اُلقي في روعي أنّك أنت الله وأ نّي نبيّ.

فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك اُمّك وتب ، فأبى ، فحبسه واستتابه ثلاثة أيّام فلم يتب ، فأحرقه بالنّار ، وقال : إنّ الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك.

٦٤

بعض ثمّ قذفهم [فيها] ، ثمّ خَمَّر رؤوسها ، ثمّ أُلِهبت النار في بئر منها ليس فيها أحد منهم ، فدخل الدخان عليهم فيها فماتوا (١).

وروي عن الإمام الرضا عليه‌السلام أنّه قال في جواب من سأل عن معنى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِّينَ) : بأنّ من تجاوز بأمير المؤمنين العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين.

ثمّ راح الإمام يصف ربَّ العالمين ، فقال الرجل : بأبي أنت وأمّي يا بن رسول الله ، فإنّ معي من ينتحل موالاتكم ويزعم أنّ هذه كلّها صفات عليّ عليه‌السلام ، وأنّه هو الله ربّ العالمين.

قال : فلمّا سمعها الرضا عليه‌السلام ارتعدت فرائصه وتصبّب عرقا ، وقال : سبحان الله سبحان الله عمّا يقول الظالمون ، والكافرون ، أو ليس كان عليّ عليه‌السلام آكِلاً في الآكلين ، وشارِباً في الشاربين ، وناكحاً في النّاكحين ، ومُحْدِثاً في المحدثِين؟ وكان مع ذلك مصلّياً خاضعاً بين يدي الله ذليلاً ، وإليه أوّاهاً منيباً ، أفمن كان هذه صفته يكون إلهاً؟!

فإن كان هذا إلهاً فليس منكم أحد إلّا وهو إله ، لمشاركته له في هذه الصفات الدالاّت على حدث كلّ موصوف بها ...

فقال الرجل : يابن رسول الله إنّهم يزعمون أنّ عليّاً لمّا أظهر من نفسه المعجزات الّتي لا يقدر عليها غير الله تعالى دلّ على أنّه إله ، ولمّا ظهر لهم بصفات المحدَثِين العاجزين لبّس بذلك عليهم وامتحنهم ليعرفوه ، وليكون إيمانهم به اختياراً من أنفسهم.

فقال الرضا عليه‌السلام : أوّل ماههنا أنّهم لا ينفصلون ممّن قَلَبَ هذا عليهم فقال : لمّا ظهر منه الفقر والفاقة دلّ على أنّ مَن هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء المحتاجون

__________________

(١) الكافي ٧ : ٢٥٩ / ح ٢٣ / من باب حد المرتد ، من لا يحضره الفقيه ٣ : ١٥٠ / ٣٥٥٠ ، وانظر مناقب بن شهرآشوب ١ : ٢٢٧ ، وبحار الأنوار ٢٥ : ٢٨٥ / ح ٣٨ عن المناقب ، و٢٥ : ٢٨٧ / ح ٤٣ عن الكشي ، و٤٠ : ٣٠١ / ح ٧٧ عن الكافي.

٦٥

لا تكون المعجزات فعله ، فعلم بهذا أنّ الّذي ظهر منه من المعجزات إنّما كانت فعل القادر الّذي لا يشبه المخلوقين ، لا فعل المحدَث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات الضعف ...

ثمّ قال الرضا عليه‌السلام : إنّ هؤلاء الضُّلاّل الكفرة ما أُتُوا إلّا من جهلهم بمقادير أنفسهم حتّى اشتدّ إعجابهم بها ، وكثر تعظيمهم لما يكون منها ، فاستبدّوا بآرائهم الفاسدة ، واقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير سبيل الواجب ، حتّى استصغروا قدر الله ، واحتقروا أمره ، وتهاونوا بعظيم شأنه ، إذ لم يعلموا أنّه القادر بنفسه ، الغنيّ بذاته الّذي ليست قدرته مستعارة ، ولا غناهُ مستفاداً ، والّذي من شاء أفقره ، ومن شاء أغناه ، ومن شاء أعجزه بعد القدرة وأفقره بعد الغنى.

فنظروا إلى عبد قد اختصّه الله بقدرته ليبيّن بهذا فضله عنده ، وآثره بكرامته ليوجب بها حجّته على خلقه ، وليجعل ما آتاه من ذلك ثوابا على طاعته ، وباعثاً على اتّباع أمره ، ومؤمناً عباده المكلّفين مِنْ غلط مَنْ نصبه عليهم حجّة ولهم قدوة ... (١)

بلى ، إنّ الكرامات التي ظهرت من الأئمّة هي التي دعت هؤلاء أن يغلوا فيهم ، لأنّهم لم يكونوا أُناساً عاديين ، لأنّ الله قد منحهم وأعطاهم أشياءً لم يعطها لآخرين ، فتصوّروا أنّها من فعلهم على نحو الاستقلال ، في حين أنّ هذه الامور لم تكن من فعلهم على وجه الاستقلال ، بل هي فعل القادر المتعال ، الذي لا يشبه فعله فعل أحد من الناس. فتصوّروا أنّهم آلهة في حين أنّهم (عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (٢).

وأمّا أهل التفويض فإنّهم لا يذهبون إلى كون النبيّ أو الإمام إلهاً كالغلاة ،

__________________

(١) تفسير العسكري : ٥٢ ـ ٥٨ وعنه في الاحتجاج للطبرسي ٢ : ٢٣٢ ـ ٢٣٤ وعنه في بحار الأنوار ٢٥ : ٢٧٣ / ح ٢٠.

(٢) الأنبياء : ٢٦ ، ٢٧.

٦٦

لكنّهم يضفون عليه بعض صفات الأُلوهيَّة ، كالخالقية والرازقية والغافرية وتدبير أمر الخلق وما شابه ذلك على نحو الاستقلال.

فالغلاة كفرة ، والمفوِّضة مشركون ، والغلاة حسب تعبير الأئمّة : يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله (١) ، والمفوِّضة ليسوا بأقلّ من أُولئك.

الشهادة الثالثة بين التفويض والتقصير

لا يسعنا إلّا أن نؤكّد أنّ ثمة صراعاً قد حدث بين بعض المحدِّثين والمتكلّمين في هذه المسألة في العصور اللاحقة ، حيث نسب المحدّثون بعض الأُمور إلى أنّها نحوُ من أنحاء الغلوّ ، في حين ذهب المتكلّمون إلى أنّ عدم الاعتقاد بها من التقصير بمقامات هؤلاء الخُلّص من عباد الله ، وليست هي من الغلو والتفويض في شيء ، لكونها ، ليست إلّا ملكات خاصة أعطاها الله للنبي والأئمة المعصومين من ذريته ، وقالوا للآخرين : إنّ ما تقفون عليه في بعض الأخبار ما هو إلّا ذرّة من بحر ، وحيثما لا يمكنكم استيعاب ما منح الله للمعصومين من أشياء في عالم الوجود والخلق ، أنكرتموها وقلتم أنّها موضوعة أو ضعيفة (٢).

إنّ الصراع الدائر بين بعض المحدِّثين من جهة ، وبعض المتكلّمين من جهة أُخرى ، حول مسألة الغلو والتفويض ، تعود إلى القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث ، وهو ليس بالأمر الهيِّن ، إذ يمتاز بالعمق والحسَّاسية ، ولا ينبغي التعامل معه بهامشيّة ، والبحث فيه بحاجة ماسَّة إلى دراسة مستفيضة لمدرسة القميّين

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٦٥٠ / ح ١٣٤٩ وعنه في بحار الأنوار ٢٥ : ٢٦٥ ح ٦ / باب نفي الغلو ...

(٢) انظر ذلك في بحار الأنوار ٢٥ : ٣٤٥ ـ ٣٥٠ ، مستدرك سفينة البحار ٨ : ١٧ ، وكتب الشيخ المفيد والسيّد المرتضى.

٦٧

والبغداديين الكلامية ، ثمّ الإشارة إلى المعايير الرجالية في الجرح والتعديل عندهما ، وبيان حدود وخصائص كلّ واحد منهما على انفراد.

وذلك لأنّ جملة الشيخ الصدوق رحمه‌الله في الشهادة الثالثة : «والمفوّضة لعنهم الله قد وضعوا اخباراً وزادوا في الأذان» يجب النظر إليها بشيء من التحليل مع بيان ملابسات الظروف المحيطة به عند بياننا لكلامه رحمه‌الله.

فهل هذه المفردة هي من وضعهم حقّاً ، أم أنّه ادَّعاء ، إذ أنّهم عملوا بشيء صحّ صدوره أو تقريره عن الشارع المقدس ، فاتُّهِموا بالوضع؟

مما لا شكّ فيه أنّهم لو قالوا في أذانهم : أشهد أن عليّاً محيي الموتى ورازق العباد ، وأشباههما لصحّ كلام الصدوق رحمه‌الله ، لكنّ الحال لم يكن كذلك.

فكل ما نقف عليه هو الشهادة بالولاية والإمرة لعلي ، وهذا بنحو عام يقبله الجميع ولا يختلف فيه اثنان ؛ فالاختلاف والبحث وقع في معناها الخاص وورودها أو عدم ورودها في خصوص الأذان.

بل ما الذي يستفيده المفوّضة من وضع هكذا أخبار :

١ ـ محمّد وآل محمّد خير البرية.

٢ ـ عليٌّ أمير المؤمنين حقاً.

٣ ـ عليٌّ ولي الله.

فهل نَقْلُ هكذا روايات تساعدهم لإثبات فكرة التفويض؟ وهل فيها ما يثبت بأنّ الله قد فّوض أمر الخلق إلى عليٍّ وأولاده المعصومين؟

فلو كان في هذه الجمل ما يدل على التفويض ، لكان لقائل أن يقول أنّ الشهادة للنبي بالرسالة هو الآخر من علائم التفويض؟ لان فيه جعله أميناً على الرسالة؟

ولو صحّ كلام الصدوق رحمه‌الله فلماذا لا تكون الروايات الاُخرى ـ والتي أفتى بها

٦٨

هو (١) ، وما جاء في الكتاب المنسوب إلى والده (٢) في دعاء التوجّه إلى الصلاة ، والتشهد والتسليم ، وخطبة الجمعة ، وكلّها فيها ما يدلّ على الإقرار بالشهادة بالولاية ـ هي من وضع المفوّضة؟

إنّها تساؤلات يجب بحثها لاحقاً بكلّ هدوء وتروِّ ، مراعين التجرّد والإنصاف.

وممّا يؤسف له حقّاً أنّ بعض الكتّاب الجُدُد أرادوا الخدش والطعن في بعض الروايات الصحيحة المعتبرة ، باتّهام رواتها بالغلوّ والتفويض والوضع ؛ لأنّهم رووا بعض العقائد التي لا تتحملها عقولهم (٣) ، جرياً مع من سبقهم ، في حين أنّ بيان هكذا مقامات لهؤلاء العباد المخلصين لا تقتصر على الشيعة ، فثمّة مجموعة لا يستهان بها من الفرق الاُخرى كأتباع ابن العربي أو غيره ، لهم عقائد في الأولياء والصالحين ، قد يعدّها من يخالفهم غلواً ، وهم يروون نصوصاً يستدلّون بها على عقائدهم ، ولو رجعت إلى كتب الصوفية لرأيتهم يعتبرون آل البيت هم الأقطاب والأولياء الحقيقيين لهذه الأمّة.

نحن لا نريد أن نصحّح أعمال الصوفية أو أن نوحي بأنّا مؤمنون بها ، بقدر ما نريد الإشارة إليه من سموّ مكانة هؤلاء الأئمة المنتجبين الصالحين عند جميع المسلمين.

ولا يخفى عليك بأن بعض الكُتَّاب ذهبوا إلى أنَّ ما رواه الصدوق «خُلِقُوا من فضل طينتنا» (٤) وما يشـابهها ، ما هي إلّا من وضع المفوّضة!

إنَّ إثبات صحّة أو بطلان مثل هذه العقائد بحاجة إلى دراسة شاملة ، لأنّه ليس من الصواب الانصياع إلى حكم عائم كهذا دون مراجعة مجموعة أقوال

__________________

(١) المقنع : ٩٣ ، ٩٦ الفقيه ١ : ٣٠٤ / ح ٩١٦ ، والصفحة ٣١٩ / ح ٩٤٥.

(٢) فقه الرضا : ١٠٤ ، ١٠٨ ، ١٠٩.

(٣) انظر كلام الدكتور حسين المدرسي الطباطبائي في (المباني الفكرية للتشيع) الفصل الثاني.

(٤) أمالي الصدوق : ٦٦ / المجلس الرابع / ح ٣٢ ، عن ابن عباس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانظر فضائل الاشهر الثلاثه للصدوق : ١٠٥ / ح ٩٥ ، عن أبي الحسن عليه‌السلام. روضة الواعظين : ٢٩٦ ، وفيه «من فاضل طينتنا» ، وسائل الشيعة ٢٥ : ١٣٦ / ح ٣١٤٣٨ ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام وفيه : «من طينتنا».

٦٩

المعصومين ، فالعقل يدعو إلى تبيان الدليل في حال نسبة هذا العمل إلى المفوّضة وذاك إلى الغلاة ، وإلّا فالأمر سوف لا يتعدَّى سياق المهاترات ، والحال هذه.

لقد أكدنا قبل قليل بأن الله اصطفى واجتبى بعض عباده ، وأنّ علم الغيب يختص به تعالى ، لكنّه منح ذلك لمن ارتضاهم ، لقوله : (عَـٰلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ) (١) ، وقوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ) (٢).

وقد أعطى بالفعل لوطا (٣) وسليمان (٤) وداود (٥) علماً ، وهو سبحانه القائل : (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (٦).

وقال سبحانه : (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (٧) ، وقال سبحانه : (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّـهِ) (٨).

وكلّ ذلك يوصلنا إلى أنّ الله سبحانه قادر على أن يعطي علمه للأنبياء والأوصياء والصالحين من عباده ، وحتى أنّه يمكنه أن يعطيها لبعوضة ، والأنبياء والأئمّة هُم أكرم عندالله من بعوضة (٩) ، وقد اعطى هذا العلم بالفعل لكثير من الأنبياء والأوصياء وعباده المصطفين.

وعليه ، فإنّ ما قلناه هو إعلام من الله وليس عِلْمَ غيب استقلاليّاً كما يتخيّله

__________________

(١) الجن : ٢٦.

(٢) آل عمران : ١٧٩.

(٣) الأنبياء : ٧٤.

(٤) الأنبياء : ٧٩ ، النمل : ١٥.

(٥) النمل : ١٥.

(٦) الكهف : ٦٥.

(٧) النمل : ٤٠.

(٨) لقمان : ١٢.

(٩) ورد هذا المعنى عن الإمام الجواد ، انظر بحار الأنوار ٥٠ : ١٠٠ / ح ١٢ ، عن عيون المعجزات.

٧٠

بعض الناس ، وهو ليس شرطاً في نبوتهم أو إمامتهم ، بل هو لطف من الله تعالى في طاعتهم.

فقد قال بعض أصحاب الإمام علي عليه‌السلام له : لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب.

فضحك عليه‌السلام ، وقال للرجل وكان كلبياً : يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تَعَلُّمٌ من ذي علم ، وإنّما علم الغيب علم الساعة وما عَدَّدَ الله سبحانه بقوله (إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) (١) ... فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر وأنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن يكون في النار حطباً ، أو في الجنان للنبيين مرافقاً ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلّا الله ، وما سوى ذلك فعلم عَلَّمهُ الله نبيَّهُ فعلَّمنيه ، ودعا لي بأن يعيه صدري ، وتضطَّم عليه جوانحي (٢).

وقد أكّد نبيّ الله هود لقومه بأنّه ليس عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا يقول أنّه ملك ، كما في قوله تعالى : (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) (٣).

وقد قال عيسى لقومه : (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (٤).

فإذا كان بين البشر من يطلعه الله على الغيب ، ويحيي الموتى ويُبرئُ الأكمه بإذنه ، فهو إعلام من الله للناس بذلك ، وفضل منه إليه ، فلا غرابة أن يكلّم النبيُّ

__________________

(١) لقمان : ٣٤.

(٢) نهج البلاغة ٢ : ١١ ، من كلام له عليه‌السلام فيما يخبر به من الملاحم بالبصرة ، وعنه في بحار الأنوار ٢٦ : ١٠٣ / ح ٦ ، و٣٢ : ٢٥٠ ، و٤١ : ٣٣٥.

(٣) هود : ٣١.

(٤) آل عمران : ٤٩.

٧١

أو الإمامُ الحيوانات بفضل الله كما في نبي الله سليمان عليه‌السلام.

وما جاء في الكشي عن الفضل بن شاذان (١) من أنّه كان ينكر علم الإمام بضمائر الناس وتكلّمه مع الحيوانات بلغاتهم وغيرها ، إنّما كان إنكارهم لعلمهم بتلك الأمور على نحو الاستقلال لا من باب اللُّطف والفضل ، فإنّ هذا ممّا لا يمكن لأحد إنكاره.

وعليه فلا يستبعد أن يكون هؤلاء الأئمّة هم الذين يحيون الموتى ويطّلعون على ضمائر الناس ، لكن لا على نحو الاستقلال ، ولا من باب استجابة الدعاء الذي يلحظ للصالحين والأبرار من عباد الله ، بل لأنَّ مرتبتهم المفاضة فوق تلك المراتب ، وإن الله تعالى يمكنه أن يسلبهم ما أفاض عليهم بطرفة عين ؛ لأنّه منبع القدرة ، ولا إله غيره.

وفي الجملة : إنّا لا ننكر وجود الغلاة والمفوّضة بين عموم المسلمين ، ولكنْ ما هو الدليل على أنّ الروايات الفلانية هي من وضعهم؟ وكيف يتسنَّى لنا معرفة كون هذا القول أو العمل أو ذاك من الغلوّ والتفويض ، أو ليس منهما؟ فهذه مسألة حسّاسة ، وليس من الصحيح ما يعمله البعض من إلصاق الحديث الفلانيّ بابن سبأ والسبئيّة وأنّه موضوع ، مع أنّه ثابت في الأصول الحديثية ، فالوصاية لعلي ، والرجعة وغيرها من العقائد الإسلامية الحقّة هي ثابتة بالقرآن والسنة ، ولا يمكن نفيها بدعوى أنّها قر يبة لأفكار ابن سبا المزعوم. كلّ ذلك دون امتلاك أيّ دليل أو حجَّة قاطعة عليه.

إنّ المتحاملين بنوا صرح مواقفهم المضادّة ضدّ الشيعة والتشيُّع على شفا جرف هار من الادّعاءات والتخرّصات التي تطلق على عواهنها ، في حين أنَّ نظرة الشيعة مخالفة لتلك الأمور الملصقة بهم تماماً ، إذ أقوالهم وعقائدهم مبتنية على الذكر

__________________

(١) الكشي ٢ : ٨١٨ / الرقم ١٠٢٦ ، انظر بحار الأنوار / الباب ١٦ وانهم يعلمون منطق الطير والبهائم وقارنه بما قاله الدكتور حسين المدرسي في (تطور المباني الفكرية للتشيع).

٧٢

الحكيم ، والسنة المطهرة ، والعقل السليم ، والإجماع ، والتاريخ الصحيح ، فصحيح أنّهم يقولون : قال جعفر بن محمّد الصادق ، لكن الإمام عليه‌السلام لا يتقاطع مع القرآن «فعلي مع القرآن والقرآن مع علي» ، والأئمة من ولده هم عدل القرآن كما في حديث الثقلين ، فلا يقولون بشيء يخالف آيات القرآن الكريم ، وما أقرّته وصدَّقته السُّنَّة النبو يَّة ، وإنّ منهجيّة أهل بيت النبوّة كانت مبتنية على هذه الأُصول ، ولذلك فإنّ الإمام محمّد بن علي الباقر ، والإمام جعفر بن محمّد الصادق وباقي الأئمة أمروا شيعتهم بعرض ما يدّعى أنّه كلامهم على الكتاب العزيز فما وافقه أخذوا به وما خالفه طرحوه (١) ، وقالوا : ما خالف كتاب الله فهو زخرف (٢). وهذا منهج يقبله العقل والفطرة السليمة.

وعليه ، فالشيعة ترفض الأقوال العائمة من قبل المغرضين أياً كان قائلها ، لأنّها لا تسـتند إلى آية مباركة أو حديث صحيح أو عقل عملي أو اجماع محصَّل.

وإذا كنّا نريد التعامل مع البحث بموضوعيّة فلابدّ من النظر إليه وفق الأُصول الشرعيّة ، لأنّه لا يمكننا القول بإنّ كلَّ ما رواه وعمل به الغلاة فهو من وضعهم حتّى لو كان له أصل في القرآن أو السنة!

لقد كان للغلاة والمفوّضة وجود ، في عصر الأئمّة ثم من بعدهم ، وكان المحدِّثون القميّون ـ تبعاً لأئمتهم ـ يخالفونهم بشدّة ، ويصرُّون على عدم نقل أيّ حديث أو رواية عنهم ، ويأسفون لوجود طائفة من الروايات منقولة عنهم ، حتّى وصل الأمر بأهل قم أن يخرجوا من مدينتهم عدَّة من جهابذة الحديث المعتبرين ،

__________________

(١) انظر المحاسن ١ : ٢٢٦ / ح ١٥٠ ، الكافي ١ : ٦٩ / ح ١ / باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ، الأمالي للصدوق : ٤٤٩ / ح ٦٠٨.

(٢) انظر المحاسن ١ : ٢٢١ / ح ١٢٨ ، الكافي ١ : ٦٩ / ح ٣ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١١١ / ح ٣٣٣٤٧ ، مستدرك الوسائل ١٧ : ٣٠٤ / ح ٢١٤١٧ و٢١٤١٨ ، بحار الأنوار ٢ : ٢٤٢ / ح ٣٧.

٧٣

كأحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ ـ صاحب كتاب المحاسن ـ لروايته أحاديث لا تحتملها عقولهم (١) ، في حين نرى تلك الروايات منذ ذلك اليوم مدوّنة في كتبنا المعتبرة كالكافي ، والتهذيب ، ودَلَّ على صحتها القرآن والسنة.

إذاً ينبغي دراسة هذه المسألة وما يماثلها بدقّة ، لنرى ما هو مدى صواب موقف الأعلام القمّيّين في تخطئة هؤلاء ، وهل حقاً أنّهم من الغلاة أو المفوّضة أم لا؟ ولو بحثت عن ترجمة سهل بن زياد مثلاً ، أو حسين بن عبيد ، أو أبي سهيل محمّد بن عليّ القرشيّ ، وآخرين ممَّن طُعِنُوا في اعتقاداتهم بالتفويض أو الغلوّ ، كأبي جعفر محمّد بن أُرومة القمّيّ ، لرأيت أن تجريحهم لأولئك يبتني على أُمور أثبت التحقيق أنّها باطلة.

ونموذج ذلك أنّهم كانوا يتعقَّبون (ابن أورمة القمي) وأمثاله كي يقتلوه ، اعتقاداً منهم بأنّه كغالب الغلاة والمفوّضة الذين لا يُؤَدُّون الصلاة ، ولكن حين أتوا إليه ورأوه يؤدي الصلاة تركوه وشأنه ، ووقع مثل ذلك في غير ابن أورمة ، حيث كانوا يتّهمونهم بالغلوّ والتفويض ، لكنهم إذا رأوا صـلاتهم وعبادتهم ، رجعوا عن ذلك الاتّهام وتركوهم وشـأنهم (٢).

وعلى هذه الحالة والمِنوال اتُّهمَت طائفة بالتفويض وأُخرى بالغلو تبعاً لمتبنَّيات

__________________

(١) رجال ابن الغضائري : ٣٩ / ت ١٠ ، وعنه في الخلاصة للعلاّمة : ٦٣ / ت ٧.

(٢) رجال ابن الغضائري : ٩٦ / ت ١٥٨ ، فهرست مصنفات اصحابنا المعروف برجال النجاشي : ٣٢٩ / ت ٨٩١ ، الخلاصة للعلاّمة : ٣٩٧ / ت ٢٨ ، رجال ابن داود : ٢٧٠ / ت ٤٣١ ، معجم رجال الحديث ١٦ : ١٢٤ / ت ١٠٣١٤. قال الميرداماد في الرواشح السماوية : ١٨٢ ثم ان ابن الغضائري مع أنّه في الأكثر مسارع إلى التضعيف بأدنى سبب قال في محمّد بن اورمه : اتهّمه القميّون بالغلوّ وحديثه نقيّ لا فساد فيه ، ولم أر شيئاً ينسب إليه تضطرب فيه النفس إلاّ أوراقاً في تفسير الباطن وأظنّها موضوعة عليه ، ورايت كتاباً خرج عن أبي الحسن إلى القميين في براءته مما قذف به.

٧٤

خاطئة ، وربّما كان بين أُولئك من يعتقد بعض الاعتقادات الخاصّة ، ولكن ليس بذلك الحدّ الذي يستحقّون فيه تلك الشدَّة من تعامل القمّيّين معهم أو إخراجهم من المذهب ، لأنَّ اعتقاداتهم تلك يقرّها ـ أو لا تنافي ـ القرآن والسنة المطهرة ، فكيف يجوز والحال هذه إخراجهم من المذهب ، وعلى الأخص إذا علمنا أنّ عقائدهم تلك لم تكن في حدود الغلوّ أو التفويض ، بل من المعرفة والإيمان ، وهؤلاء الرجال وقعوا بين مطرقة الإفراط وسندان التفر يط ، ولكنّ شدّة حساسية القميّين إزاء هذا الموضوع جعلتهم عرضة لأُمور قد أثّرت على تاريخهم وحياتهم فيما بعد. والآن مع دراسة منهج القمّيين والبغداديين في العقائد وبيان نماذج من أُصول الجرح والتعديل عندهم.

٧٥
٧٦

* منهج القميين والبغداديين في العقائد والرجال

بغداد وقم مدينتان مستحدثتان بنيتا في العهد الإسلامي ، إذ بنى المنصور (١٣٦ ه‍ ـ ١٥٨ ه‍) بغداد عام ١٤٤ هـ بعد أن كانت سوقا للاديرة التي حولها ، ونقل عن الإمام علي عليه‌السلام أنّه قد مر بها لما رجع من وقعة الخوارج كاشفاً فيها عن العين التي نبعت لمريم عليها‌السلام (١).

وارتباط بغداد بالتشيع قديم قِدَم وجودها ، ونزول الإمام علي فيها مرجَعهُ من النهروان ، وقد نما فيها التشيع وازدهر عند قيام الدولة العباسية واطمئنان الشيعة في بادئ الأمر ، ثم ترسّخ فيها التشيع عند حلول الإمام الكاظم عليه‌السلام والإمام الجواد عليه‌السلام في الكرخ ، مضافاً إلى قربها من النجف وكربلاء حيث فيها الإمام علي والإمام الحسين عليهما‌السلام وسامراء التي شرفت بالعسكريين عليهما‌السلام ، ولوجود النواب الاربعة فيها إلى غير ذلك من السمات والمميزات التي اختصت بها بغداد دون غيرها.

وأما قم ، فقيل : إنّها مصّرت قبل ذلك التاريخ عند فتح الجبل وإصفهان ، إذ كان سعد بن عامر الاشعري مع أبي موسى الاشعري في تلك الغزوة ، فبقي سعد ابن عامر في منطقة الجبل ـ والتي كانت من ضمنها مدينة قم الحالية ـ مع أولاده ، وهؤلاء توالدوا مع القادمين والسكان الاصليين ، وقيل : إنّها مُصِّرت في أيّام الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة ٨٣ هـ بعد أن اخفقت ثورة عبدالرحمن بن محمّد بن الأشعث بن قيس على الحجّاج ، فرجع عبدالرحمن إلى كابل منهزماً ، وكان معه في جيشه خمسة أخوة من أولاد سعد بن عامر الأشعري وقعوا إلى ناحية قم واستوطنوها ، واجتمع إليهم بنو أعمامهم والهاربون من جور بني أُمية.

__________________

(١) لمعرفة المزيد انظر : أمالي الطوسي : ٢٠٠ ، مناقب ابن شهرآشوب ٢ : ١٠١ ، عنه وفي بحار الأنوار ١٤ : ٣١٠ ، ٣٣ : ٤٣٨ ، ٩٩ : ٢٨.

٧٧

وكان كبير هؤلاء الأخوة : عبدالله بن سعد ، وكان لعبدالله ولد قد تربّى بالكوفة ، فانتقل منها إلى قم وكان إمامياً ، وقيل عنه أنّه هو الذي نقل التشيع إلى قم (١).

وهناك أقوال أُخرى في تمصير قم ، لا نرى ضرورة لذكرها.

والأشعريون هم قوم من أهل اليمن من ولد نبت بن أُدد ، سُمِّي بالأشعر لأنّ أُمه ولدته وهو أشعر ، منهم رجال كثيرون ، كالصحابي أبي موسى الأشعري.

وقد ذكر النجاشي في رجاله اسم خمسة وثلاثين رجلاً ـ من ضمنهم ستة عشر من أصحاب الأئمّة : الصادق ، والكاظم ، والرضا ، والجواد ، والهادي ، والعسكري عليهم‌السلام ـ كلّهم من أهل قّم ، وغالبهم من الأشعريين.

فالقمّيّون كانوا على اتّصال بأئمّة أهل البيت وراوين لآثارهم ، وقد وردت روايات كثيرة عنهم عليهم‌السلام في مدح قمّ واهلها وأنّها من البلدان التي سبقت إلى قبول الولاية ، وأنّها عشّ آل محمّد ومأوى شيعتهم (٢) ، وأنّه إذا عمّت البلدان الفتن فعليكم بقمّ وحواليها فإنّ البلاء مدفوع عنها (٣) ، وأنّ الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهلها (٤) ، وما قصدها جبّار بسوء إلّا قصمه قاصم الجبّارين (٥) ، وأنّه لولا القمّيّون لضاع الدين (٦) ، وأنّ قمّ بلدنا وبلد شيعتنا (٧) ، وغيرها من الروايات.

إن مفاخر أهل قمّ كثيرة منها : أنّهم وَقَفُوا المزارع والعقارات على الأئمّة ، وهم

__________________

(١) معجم البلدان ٤ : ٣٩٧ ، اللباب في تهذيب الأنساب ٣ : ٥٦ ، وانظر بحار الأنوار ٥٧ : ٢٢٠ ، أعيان الشيعة ١ : ١٩٤ ، تاريخ الكوفة للبراقي : ٢٢٨.

(٢) بحار الأنوار ٥٧ : ٢١٤ / الباب ٣٦ / ح ٣١.

(٣) بحار الأنوار ٥٧ : ٢١٤ ، ٢١٥ ، ٢١٧ ، ٢٢٨ / الباب ٣٩ / ح ٢٦ ، ٣١ ، ٤٤ ، ٦١.

(٤) مستدرك سفينة البحار ٨ : ٥٩٧.

(٥) مستدرك سفينة البحار ٨ : ٥٩٧.

(٦) بحار الأنوار ٥٧ : ٢١٧ / الباب ٣٦ / ح ٤٣.

(٧) الكنى والالقاب ٣ : ٨٧ ، مستدرك سفينة البحار ٨ : ٦٠٠.

٧٨

أوّل من بعثوا الخمس إليهم ، وأنّ الأئمّة أكرموا جماعة منهم بالهدايا والأكفان ، كأبي جرير زكريا بن إدريس ، وزكرّيا بن آدم ، وعيسى بن عبدالله بن سعد وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكلام ، وهذا فضل لا يحصل عليه إلّا المؤمنون المخلصون (١).

وقد كانت قم لتشيّعها الأصيل واستعصائها على الأمويين والعباسيين خير مأوى للطالبيين وغيرهم من المجاهدين.

ولا يخفى عليك بأنّ إحدى سمات الفكر الشيعي هي عدم ارتضائه جور السلطان وذهابه إلى وجوب الخروج عليه أمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر عند تهيّؤ الظروف (٢) ، بخلاف الآخرين الذين يحرّمون الخروج على السلطان الجائر حتّى ولو كان ظالماً فاسقاً (٣) ، وقد جاء في تاريخ قم أنّهم كانوا لا يسمحون للولاة الظلمة أن يستقرّوا في البلدة ، فكان الولاة يحكمونها من الخارج (٤).

وقد ذكرت كتب السير والتواريخ بعض أخلاقيّاتهم ، وأنّهم كانوا يماطلون الحكومة في إعطاء الخراج ، حتى قيل عنهم أنّهم طلبوا من المأمون أن يقلل نسبة الخراج عنهم كما فعل مع أهل الري ، لكنّه ردّ ذلك ، فامتنعوا من إعطائه الأموال ، وهو مما أَدَّى إلى إرسال المأمون جيشه لمواجهتهم فخرّب الجيش السور وقتل الناس وكان من بينهم : يحيى بن عمران وكيل الإمام الجواد هناك (٥).

وعلل بعض الكُتّاب تزويج المأمون ابنته من الإمام الجواد عليه‌السلام لاجل الحدّ من

__________________

(١) ذكره المجلسي في بحار الأنوار ٥٧ : ٢٢٠ / الباب ٣٦ عن تاريخ قم. ونقله أيضاً الأمين عن تاريخ قم في أعيان الشيعة ١٠ : ١٥٩.

(٢) انظر وسائل الشيعة ١٥ : ٥٠ / أبواب جهاد العدو / الباب ١٣.

(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٢ : ٣٨ ، الإبانة ١ : ٣١ ، التيسير بشرح الجامع الصغير ١ : ٤٢٦.

(٤) نشوار المحاضرة ٨ : ٢٦٠

(٥) تاريخ الطبري ٧ : ١٨٣ حوادث سنة ٢١٠ هـ ، الكامل في التاريخ ٦ : ٣٩٩ ، مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ٣٩٧ وانظر تاريخ الموصل للدكتور جاسم حسين : ٣٦٧.

٧٩

ثورة القميّين عليه في مسألة الخراج.

ونقل مؤلّف كتاب «تاريخ قم» عن أحد ولاة قمّ قوله : إنّي وليت عليها لعدة سنوات ولم أر إمرأة فيها (١) ، وهذا دليل على عفّة نساء الشيعة في قمّ وشدّة غَيْرَة رِجالها ، وهو يشبه ما جاء في كتاب (آثار البلاد واخبار العباد) عن المدائن وأن أهلها فلاحون ، شيعة امامية ، ومن عادتهم أنّ نساءهم لا يخرجن نهاراً أصلاً (٢) وقريب من هذا الكلام ورد في نساء الشيعة في سجستان (٣) والديلم (٤).

وقد روى الكليني في الكافي خبراً يؤكّد على أنّ قمّ كانت معروفة ومشهورة بالرفض عند النّاس ، بعكس همدان المعروفة بالتسنن (٥).

وقد حكى السبكي في الطبقات عن أبي سعيد الاصطخري ـ قاضي قم ـ أنّه ترك قمّ هارباً إلى همدان على أَثر واقعة حدثت له ، وهي : أنّه مات بها رجل وترك بنتاً وعمّاً فتحاكموا إليه في الميراث ، فقضى على راي العامة ـ للبنت النصف والباقي للعم ـ فقال أهل قم : لا نرضى بهذا القضاء ، أَعْطِ البنت كلّه ، فقال أبو سعيد : لا يحلّ هذا في الشريعة ، فقالوا : لا نتركك هنا قاضيا ، قال : فكانوا يتسوّرون داري باللّيل ويحوّلون الأَسِرَّة عن أماكنها وأنا لا أشعر ، فإذا أصبحت عجبت من ذلك.

فقال أوليائي : إنّهمُ يُرُونَكَ أنّهم إذا قدروا على هذا قدروا على قتلك ، فخرجت منها هارباً (٦).

__________________

(١) تاريخ قم : ٢٨٥ باللّغة الفارسية.

(٢) آثار البلاد وأخبار العباد : ٤٥٣ ، المقدمة الثالثة في اقاليم الأرض / الاقليم الرابع : المدائن.

(٣) آثار البلاد وأخبار العباد : ٢٠٢ ، المقدمة الثالثة في اقاليم الأرض / الاقليم الثالث : سجستان.

(٤) أحسن التقاسيم ٢ : ٤٥٧.

(٥) الكافي ١ : ٥٢١ ـ ٥٢٢.

(٦) طبقات الشافعية الكبرى ٣ : ٢٣٣. وانظر المواعظ والاعتبار للمقريزي ٢ : ٣٤٠ ، سير اعلام النبلاء ١٥ : ١٦٠ ، وتاريخ الإسلام ونهاية الارب ، الفن ٥ ، القسم ٥ ، الباب ١٢ ، أخبار الملوك ففيها قضايا مشابهة لما حدث في قم في مسألة الإرث.

٨٠