أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

والرواة ثقات إلّا أبا ربيع القزاز فهو مجهول الحال ، لكنّ الرواية مع ذلك صحيحة عندنا من وجهين ؛ فهي أوّلاً من رواية ابن أبي عمير الذي لا يحكي إلّا عن ثقة بالاتّفاق ، وثانياً أنّ ابن أبي عمير ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ، والحاصل : لا ريب في صحّة هذه الرواية. ثمّ إنّ دلالتها واضحة على أنّ هناك غرضاً عظيماً لأنْ يُشهِدَ اللهُ سبحانه وتعالى عمومَ بني آدم ، ومنهم الأنبياء والمرسلين والأولياء والصدّيقين والملائكة أجمعين بأنّه ـ جلّت قدرته ـ لا إله إلّا هو ربّ العالمين ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وأنّ علياً وليّ الله.

وقد كان هذا الإشهاد في عالم الذرّ ، وهو العالم الذي كان بعد عالم الأنوار الذي خلق فيه نور محمّد وعلي من نوره لمّا كان آدم بين الروح والجسد. وقد جاء هذا صريحاً في قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : خُلِقتُ أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم ، فلما خلق الله آدم أَسْكَنَ ذلك النور في صلبه إلى أن افترقنا في صلب عبدالمطلب ، فجزء في صلب عبدالله وجزء في صلب أبي طالب (١).

وعليه فنور رسول الله خُلِقَ قبل خَلق آدم ، ولم يولد عليه‌السلام بشراً إلّا بعد انقضاء ١٢٤ ألف نبي ، فإنّ مجيء رسول الله خاتماً للأنبياء وعلي خاتماً للأوصياء وهما الأوّلان في عالم الأنوار يرشدنا إلى عظيم مكانتهما في المنظومة الإلهيّة والسنّة الربانية.

ولا ريب في أنّ الإشهاد لا معنى له إلّا الجزم بأنّ جملة «أشهد أنّ علياً ولي الله» هي الشعار للصراط الصحيح المطوي في جملة «أشهد ان لا إله إلّا الله» ، والتي لا يمكن الاهتداء إليها إلّا بواسطة «أشهد أنّ محمّداً رسول الله» والشهادة الثانية ترشدنا إلى عظم مرتبة الإشهاد بالشهادة الثالثة.

__________________

(١) انظر فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل ٢ : ٦٦٢ / ح ١١٣٠ ، الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي ٢ : ١٩١ / ح ٢٩٥٢ ، ٣ : ٢٨٣ / ح ٤٨٥١.

٤٨١

وهذا الترتيب بين الشهادات الثلاث في ذلك اليوم ؛ يوم الميثاق العظيم ، بمحضر الأنبياء والمرسلين والأولياء والصدّيقين والملائكة والناس أجمعين ، يدلّ دلالة واضحة على أنّ الله سبحانه وتعالى جعل من الشهادة الثالثة شعاراً ومفتاحاً وعلامة لأخذ الميثاق من المخلوقات المكلّفة.

وان ما قاله الإمام الباقر في الحديث الانف هو نحو من انحاء التفسير السياقي الذي جوّز العمل به عند الصحابة والتابعين ، والذي ذكرنا نماذج عليه فيما سبق (١).

وإذا ثبت هذا فلا يمكن الارتياب في إمكانية اتّخاذه شعاراً وعلامة في الأمور الدينية الأُخرى على مستوى العقيدة وعلى مستوى التشريع بسواء بل من باب أولى.

وعدم الارتياب هذا هو الذي دعا السيّد الخوئي قدس‌سره للجزم بأنّ شعار الشهادة بالولاية : «راجح قطعاً في الأذان وفي غيره» ، لأن الشهادة بالولاية اعتقاداً بجنب الشهادة بالتوحيد والشهادة بالنبوّة من الضروريّات عندنا ، وأنّها كالصلاة والحج ـ أو قل إنّها أَهم من تلك ـ لتوقف قبول الأعمال عليها ، وهذا المعنى يغنينا عن ورود نص جديد في ذلك.

وبعبارة أُخرى : إنّ القطع الذي جزم السيّد الخوئي قدس‌سره من خلاله برجحان الشهادة الثالثة في الأذان وفي غيره إنّما حصل عليه من مجموعة الأخبار المعبترة بل المتواترة التي ولّدت عنده وعند باقي الأصحاب القطع بالرجحان.

* ومن تلك الأدلة المعتبرة موثّقة سنان بن طريف التي تقدم الحديث عنها في الدليل الكنائي ، فقد ورد فيها ..

أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام قال : «إنّا أوّل أهل بيت نَوَّه الله بأسمائنا ، إنّه لما خلق السماوات والأرض أمر منادياً فنادى :

أشهد أنّ لا إله إلّا الله ، ثلاثاً.

__________________

(١) انظر صفحة ١١ ، ١٢ ، ١٩٧ إلى ٢٠٠ وفي مبحث حيّ على خير العمل.

٤٨٢

أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، ثلاثاً.

أشهد أنّ علياً أمير المؤمنين حقّاً ، ثلاثاً» (١).

وتقريب الاستدلال من هذه الموثّقة يكون على نحو ما تقدّم في صحيحة أو مصححة ابن أبي عمير السابقة ، لأنّ الله سبحانه وتعالى ـ بعد أن فرغ من خلق السماوات والأرض ـ أمر منادياً ينادي بالشهادات الثلاث بمحضر كلّ من الملائكة ، ومَنْ خلق مِنْ خلقه ، وهذا النداء لا معنى له إلّا أن يفترض منطقياً بأنّ الشهادة الثالثة تنطوي على ما يريده الله ، وأنّها شعار وعلامة لدينه القويم ومنهجه الصحيح المنطوية في : «أشهد ان محمّداً رسول الله» ، وأنّ الشهادة الثانية لا تتحقق إلّا من خلال الإتيان بالشهادة الثالثة ، كما أنّ الأُولى متوقّفة على الثانية ، وبعبارة أخرى : إنّ غرض الله سبحانه وتعالى من خلق السماوات والأرض لا يتحقّق إلّا بمثل هذا النداء الثلاثيّ ، كما في قوله تعالى (أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُ وْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (٢) وقوله (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَا لَّذِينَ ءَامَنُواْ) (٣).

وإذا ثبت هذا فلا يمكن الشك في ضرورة اتّخاذه شعاراً لما يريده الله سبحانه وتعالى ـ فيما دون خلق السماوات والأرض ـ وبدون افتراض ذلك نقع في محذور اللَّغْوِ يّة من قبل رب العالمين ـ والعياذ بالله ـ وصدور الكلام الخالي من المعنى ـ عنه جل شانه ـ أي نقع في محذور لغو ية النداء بالشهادات الثلاث ، لأنّه لا فائدة من هذا الإشهاد ، إذا لم يترتب عليه شيء في عالم الدُّنيا.

لا يقال : بأنّه يكفي أن تترتّب عليه فائدة توكيد الولاية ، لأنّ ذلك يردّه : أنّه ما فائدة ذكر الشهادتين بالتوحيد وبالرسالة إذا كان المقصود توكيد الولاية فقط؟

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٧٠١ / ح ٩٥٦ ، الكافي ١ : ٤٤١ / باب مولد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله / ح ٨.

(٢) النساء : ٥٩.

(٣) المائدة : ٥٥.

٤٨٣

ولماذا لم ينتظر الله سبحانه وتعالى عالم الدنيا فيؤكّده؟ ولماذا الإمام عليٌّ دون بقيّة البشر؟!!

ولا يتوهّم متوهِّمُ بأننا نريد اثبات جزئية الشهادة الثالثة في الأذان من خلال هذا الاستدلال!!! لوضوح أنّ ما نقدّمه لا يثبت أكثر من كونها شعاراً شرعيّاً عند المولى ، وهو لا ينهض لاثبات الجزئية.

بلى ، إنّ رجحان الإتيان بها في الأذان وفي غيره يمكن اعتباره من منطلق : «الندائية» أو قل «الإشهادية» وذلك لمّا امر الله سبحانه المنادي أن يشهد بالولاية لعلي ؛ استناداً للموثّقة الآنفة ولغيرها من الأدلّة الصحيحة والمعتبرة ، وهذا ما ذهب إليه الأصحاب الذين جعلوا من الشعارية أو الندائية أو الاشهادية دليلاً لجواز الإتيان بها في الأذان ومنهم السيّد الخوئي قدس‌سره.

ومنه يمكننا الجواب عن شبهة قد ترد على بعض الأذهان مفادها : إذا ثبت أنّ الشهادة بالولاية عندكم غير واجبة ، فلماذا لا تخفتون التلفظ بها ، كي تُمَيَّزَ عن غيرها؟

قلنا : إنّ أدلّة الشعارية ـ ومنها موثّقة سنان بن طريف الآنفة ـ قد ساوت بالجهر في كلّ من الشهادات الثلاث بسواء ؛ لقوله : «امر منادياً أن فنادى» ، والنداء معناه الجهر بلا خلاف ، على أنّ إطلاقات أدلّة الاقتران بين الشهادات الثلاث آبية عن التقييد بإخفات خصوص الشهادة الثالثة ؛ إذن نحن نجهر في أذاننا بالولاية لعليّ كما نجهر بالشهادة لله ولرسوله انطلاقاً من موثقة سنان بن طريف ، لكن بفارق أنّ فقهاءنا يؤكّدون على جزئية الشهادتين وفي الوقت نفسه يؤكّدون على عدم جزئية الشهادة بالولاية في رسائلهم العملية ، وهو كاف لرفع تَوَهُّم من يتوهّم جزئيّتها.

ومن الجدير بالذكر هنا الإجابة عن إشكالين طرحهما البعض على ما تقوله الشيعة.

٤٨٤

اشكالان :

أورد بعض من يدّعي العلم إشكالين على خبر الاحتجاج.

احدهما : إذا صحّ الالتزام بخبر الاحتجاج فعليكم التقيد بالنص الوارد فيه : «من قال : محمّد رسول الله ، فليقل : علي أمير المؤمنين» ، فلماذا تقولون : «أشهد أن عليّاً ولي الله» وتضيفون إليه : «وأولاده المعصومين حجج الله» ، أليست هذه الإضافة وهذا التغيير هو عدم تَعَبُّد بالنص؟!

ثانيهما : إذا اخذتم بخبر الاحتجاج فعليكم أن تقولوها مرّة واحدة ، لأنّ التكليف يسقط به ، فما السرّ في الإتيان بها مرّتين في الأذان.

أما الجواب عن الإشكال الأول ، فيكون من عدة وُجُوه :

الأوّل : قد يصحّ ما قلتموه إذا اعتبرنا ذلك من أجزاء الأذان ، لكنّنا أثبتنا في الصفحات السابقة أنّا لا نأتي بها على نحو الجزئية بل نأتي بها لمحبوبيّتها عند الشارع ورجحانها عنده.

الثاني : إنّ الصفة الغالبة في الروايات التي جاءت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب تحمل كلمة «ولي الله» ، فنحن نأتي بهذا القيد في الأذان تعبداً بتلك النصوص.

الثالث : إنّ حسنة ابن أبي عمير ، عن الكاظم عليه‌السلام ، سمحت لنا بفتح جملة «حيّ علي خير العمل» بأيّ شكل كان مع حفظ المضمون ، وقد فتحت بصيغ مختلفة عند الشيعة على مرّ الأزمان ، فأهل الموصل كانوا يقولون «محمّد وعلي خير البشر» (١) ، وهو عمل الشيعة في مصر أيّام الدولة الفاطمية (٢) ، وأهل حلب أيّام

__________________

(١) المسائل الميافارقيات للسيّد المرتضى المطبوع مع كتاب جواهر الفقه لابن البراج : ٢٥٧ المسألة ١٥.

(٢) اخبار بني عبيد : ٥٠.

٤٨٥

الدولة الحمدانية (١).

أما أهل قطيعة أمّ جعفر في بغداد ـ كما حكاه التنوخي عن أبي الفرج الأصفهاني ـ فكانوا يقولون «أشهد ان عليّاً ولي الله» ، و «محمّد وعلي خير البشر» (٢) وقد افتى ابن البراج لمن يقلده من أهل حلب باستحباب القول مرتين «آل محمّد خير البرية» (٣).

الرابع : إنّ النصوص الصادرة عن المعصومين في معنى الحيعلة الثالثة وفي غيرها لم تختص بـ «أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين» حتى يلزمنا التعبّد بها ، بل جاءت الصـيغ الثلاث الآنفة في شواذّ الأخبار التي حكاها الشيخ الطوسي ويحيى بن سعيد ، وهي الموجودة في مرسلة الصـدوق كذلك.

وأمّا الجواب عن الإشكال الثاني : فإنّ العدد مرتبط بالإشهاد ، فإن شهد لله بالتوحيد وللرسول بالرسالة مرّة فعليه أن يشهد لعلي بالولاية مرة ، ومن شهد لله وللرسول مرتين فله أن يشهد لعلي بالولاية مرتين ، لقوله عليه‌السلام : «من قال : محمّد رسول الله ، فليقل : علي أمير المؤمنين» ، أي أنّ المثلية في العدد ملحوظة في النصّ ، ومن هذا الباب ترى الإشهاد لله ولرسوله ولعلي ثلاثاً في موثقة سنان بن طريف الانفة (٤).

إذن المثليّة ملحوظة بين فعل الشرط وجزائه ، كما هو ملحوظ في الترتيب بين الشهادات الثلاث ، فتكون الشهادة لله بالوحدانية أوّلاً ، ثم الشهادة للرسول بالنبوة ثم الشهادة لعلي بالولاية ، ومن هنا تعرف معنى ما جاء في تفسير القمي

__________________

(١) زبدة الحلب في تاريخ حلب ١ : ١٥٩ ـ ٦٠.

(٢) نشوار المحاضرة ، للتنوخي ٢ : ١٣٢.

(٣) المهذب لابن البراج ١ : ٩٠.

(٤) مرّت في الصفحة ١٩٠ و٤٨٢.

٤٨٦

«إلى ها هنا التوحيد».

وبهذا البيان ارتفع ما أشكله البعض بهذا الصدد.

* * *

ولنرجع إلى أصل الموضوع ونقول :

* ومما يدلّ على الشعارية كذلك مرسلة الحسين بن سعيد ، عن حنان بن سدير ، عن سالم الحنّاط ، قال : قلت لأبي جعفر الباقرعليه‌السلام : أخبرني عن قول الله سبحانه وتعالى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبِيٍّ مُبِين) فقال عليه‌السلام : هي الولاية (١).

إذ من المعلوم أنّ ما نزل على قلب النبي هو القرآن وشريعة الإسلام ، فلا معنى للتفسير بالولاية إلّا إذا اعتقدنا بأنّ الولاية هي اكمال للدين ، والعلامَةُ للتعريف بذلك المُنْزَل ، وهذا ما نعني به من الشعارية ، وهي تدعونا إلى النداء بها ، والدعوة إليها ، والإجهار بألفاظها ، حسبما يستفاد من موثقة سنان بن طريف ، وحسنة ابن أبي عمير ، وصحيحة أبي الربيع القزاز ..

لقد تقدّم الكلام فيما يخصّ حسنة ابن أبي عمير عن الكاظم عليه‌السلام في الدليل الكنائي (٢) ، وأنّ : «حيّ على خير العمل» تعني الولاية ، وأنّ عمر بن الخطاب حذفها من الأذان كي لا يكون حثٌّ عليها ودعاءٌ إليها ، وأنّ الإمام الكاظمعليه‌السلام لم يكن بصدد بيان الأمر المولوي بها في الأذان على نحو الوجوب والجزم ، بل أراد الإشارة إلى جذورها ومعناها الكامن فيها ، وأنّ هناك دوراً تخريبياً من النهج الحاكم لها ، وهذا الكلام بلا شكّ ينطوي على رجحان الدعوة لشعاريّتها ، والدعاء

__________________

(١) الكافي ١ : ٤١٢ / باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية / ح ١. وقد رويت بعدة طرق.

(٢) في صفحة ١٥٩.

٤٨٧

إليها ، والحثّ عليها في الأذان خاصّة ، وفي غيره عامّة قبالاً لطمسها ، لكن لمّا لم يصلح هذا لإثبات الجزئية ، لعدم صدور النص عنه عليه‌السلام مولوياً بل كان إخباريّاً وإرشادياً لم يبق إلّا الاعتقاد بأنّ الإمام يريد اتّخاذها شعاراً على المستو يَيْن العقائدي الكلامي والفقهي العبادي.

أي يريد اعلامنا بامكان ذكرها في الأذان بحكمها الثانوي ، وخصوصاً في هذه الازمان التي كثرت فيها الشبهات على الشيعة ، ووقوفنا على هم الاعداء في اماتة الحق لكن (اللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (١).

* ويؤ يد ذلك ما أخرجه الكليني بسنده عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام في قوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) ، قال : هي الولاية (٢).

إذ لا معنى لأن يفسّر إقامة الوجه للدين الحنيف بالولاية ؛ إذ القيام قيامٌ لله ، والولاية ولاية وإقرار لولي الله ، ولا يصلح أحدهما أن يحلّ محل الاخر ، إلّا بأن يقال : بأنّ الولاية امتداد للتوحيد والنبوّة ، وهو معنى آخر لحديث الثقلين ، وحبل الله الذي أمرنا بالاعتصام به ، وهو الذي جاء عن المعصوم في تفسير قوله تعالى (وَا عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ) : التوحيد والولاية (٣).

وفي تفسير العياشي عن الباقرعليه‌السلام : آل محمّد حبل الله المتين (٤).

وعن الصادقعليه‌السلام : نحن الحبل (٥) ، وفي رواية أخرى في الكافي عنه عليه‌السلام : أثافي الإسلام ثلاثة : الصلاة والزكاة والولاية ، ولا تصحّ واحدة منهنّ إلّا

__________________

(١) الصف : ٨.

(٢) الكافي ١ : ٤١٩ / باب فيه نكت ونتف ... / ح ٣٥ ، وفي هذا المعنى أخرج الكليني وغيره روايات جمّة بطرق كثيرة كلها معتبرة ، وقد اغنانا هذا عن البحث في السند.

(٣) تفسير القمي ١ : ١٠٨.

(٤) تفسير العياشي ١ : ١٩٤ / ح ١٢٣.

(٥) الأمالي للشيخ : ٢٧٢ / المجلس ١٠ / ح ٥١٠.

٤٨٨

بصاحبتيها (١).

وعن الكاظم عليه‌السلام : علي بن أبي طالب حبل الله المتين (٢).

وقد مرّ عليك في «حيّ على خير العمل الشرعية والشعارية» بأنّ الإمام الحسين اعترض على القائلين بأنّ الأذان قد شرّع مناماً فقال عليه السلام : الوحي ينزل على نبيّكم وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد والأذان وجه دينكم (٣).

وجاء قريبٌ منه عن محمّد بن الحنفيّة : عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم .... (٤).

نعم ، إنّ انحصار السبيلية في الولاية لعلي وأهل بيته ، يعني كونها شعاراً راجحاً تعاطيه في كلّ مفردات الشريعة ، وهو الملاحظ في الاشهادات الثلاث في كتب الادعية وأنّ الأئمّة قد أكدوا عليها ، وأنّ ذكر الشهادة الثالثة في الأذان من باب الشعارية لا يستلزم تشريعها فيه وكونها جزء داخل في ماهيته كما نبّهنا عليه كثيراً.

كما ننبّه على أنّ الاستدلال بالشعارية لا يقتصر على الشهادة الثالثة في الأذان ، فقد استفاد منها الفقهاء لبيان أحكام أُخرى تتوقّف عليها العقيدة واصل الدين ، وذلك لورود الأخبار الصحيحة والمعتبرة فيها ، إذ لا معنى لهذه الأخبار ولا لصدورها غير ذلك.

* وإليك خبر آخر في هذا السياق : أخرج علي بن إبراهيم القمي رضي‌الله‌عنه في تفسيره بسنده عن الرضا ، عن جده الباقر عليه‌السلام في قوله : (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فقال : هو لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، علي أميرالمؤمنين ، إلى ها هنا

__________________

(١) الكافي ٢ : ١٨ / باب دعائم الإسلام / ح ٤.

(٢) تفسير العياشي ١ : ١٩٤ / ح ١٢٢.

(٣) دعائم الإسلام ١ : ١٤٢.

(٤) السيرة الحلبية ٢ : ٣٠٠ ـ ٣٠١.

٤٨٩

التوحيد (١).

هذه الرواية لها دلالة واضحة على أنّ إقامة الدين لا تتم إلّا بهذه الاصول الثلاثة ، كما أنّ التوحيد لا يمكن تحقّقه أفعالياً في الخارج ـ كما أراده الله ـ إلّا من خلال هذه الشهادات الثلاث التي نصّت عليها الرواية.

لكن نتساءل : ما علاقة التوحيد بولاية علي؟ وكيف تكون ولاية عليّ هي نهاية التوحيد والمعنى المتمّم له ، مع أنّهما حقيقتان متغايرتان؟!

الجواب على ذلك : أنّهما حقيقتان دالّتان على أمر واحد ، لأنّ ولاية الإمام علي والاقرار له بالولاية هو اقرار لله بالتوحيد وللرسول بالرسالة ، إذ أنّ طاعة علي من طاعة الله ، ولا يوجد من تفسير وتوجيه للخبر الآنف إلّا التزام الشعارية ، إذ المعني من الشعارية هنا هو الإقرار بعد الاعتقاد ، لأنّ المسلم وبعد أن اعتقد بوحدانية الله ورسالة النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وولاية علي ابن أبي طالب عليه‌السلام عليه أن يحمد الله وأن يسبحه وأن يصلي على النبي وآله ، أي عليه أن يذكر الله ذكر قلب واعتقاد لا لقلقة لسان ، فالاذكار والتسبيحات هي أقرار بالمعتقد الذي آمن به.

والرواية السابقة من هذا القبيل وهي تشير إلى ان فطرة الله التي فطر الناس عليها ما هي إلّا الشهادات الثلاث ، وما على المؤمن إلّا ان يتوجه إليها من خلال الذكر والصلاة والتسبيح ، لأنّ الاقرار اليومي بتلك الاصول هي بمثابة تثبيت العقيدة والهوية في النفس.

ولو تأملت في الأحاديث الواردة عن المعصومين لرايتها مفعمة بهذه الشهادات الثلاث وكذا الشهادة بغيرها من المعتقدات ، اذن الإقرار هو «الاشهاد» و «النداء» و «الشعار» ، وإليك فقرة من دعاء العشرات ، والذي يستحب أن يقرأه المؤمن في كل صباح ومساء نأتي به توضيحاً لما نقوله ، وفيه :

__________________

(١) تفسير القمي ٢ : ١٥٥.

٤٩٠

اللّهُمَّ إنّي اُشهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهيداً وَأشهِدُ مَلآئكَتَكَ وَاَنْبِيائَكَ وَرُسُلَكَ وَحَمَلَةَ عَرْشِكَ وَسُكّانَ سَماواتك وَأرضك وَجَميَع خَلْقِكَ بِآنَّكَ اَنْتَ اللهُ لا اِلهَ إلّا اَنْتَ وَحْدَكَ لا شَرَيكَ لَكَ وَاَنَّ مُحمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالِهِ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَاَنَّكَ عَلى كُلِّ شَيء قَديرٌ تُحيْي وَتُميِتُ وَتُمِيتُ وَتُحيْي وَاَشْهَدُ اَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النّارَ حَقٌّ ، وَالنُّشُورَ حَقٌّ ، وَالسّاعَةَ اتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَاَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ وَاَشْهَدُ اَنَّ عَلِيَّ بْنَ أبي طالب اَميرُ المُؤْمِنينَ حَقّاً حَقّاً وَاَنَّ الأَئِمَةَ مِنْ وُلْدِهِ هُمُ الأَئِمَّةُ الهُداةُ الْمَهْدِيّونَ غَيْرُ الضَّالينَ وَلاّ الْمُضِلِّيْنَ وَاَنَّهُمْ اَوْلِيائُكَ المُصْطفَوْنَ وَحِزْبُكَ الغالِبُونَ وَصِفْوَتُكَ وَخِيَرتُكَ مِنْ خَلْقِكَ وَنُجَبآئُكَ الّذَينَ اَنتَجَبْتَهُمْ لِدينِكَ وَاخْتَصَصْتَهُمْ مِنْ خَلْقِكَ واصْطَفَيْتَهُمْ عَلى عِبادِكَ وَجَعَلْتَهمْ حُجَّةً عَلَى العالَمينَ صَلَواتُكَ عَلَيَّهِمْ والسَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ اَللّهُمَّ اكْتُب لي هذِهِ الشَّهادَةَ عِنْدَكَ حَتّى تُلَقِّنيها يَوْمَ القيامَةِ وَاَنْتَ عَنّي راض اِنَّكَ عَلى ما تَشآءُ قَديرٌ.

هذا هو الإقرار بالمعتقد والذي يسمى بالاشهاد كذلك وهو الذي يجدر بالمؤمن تكراره كل يوم لان فيه ترجمان عقائدنا وهويتنا ، وان التاكيد على الصلاة على آل محمّد ، وعدم ارتضاء الرسول الصلاة البتراء عليهم هو معنى اخر للشعارية كل ذلك للحفاظ على الهوية في مسائل الفقه والعقيدة ، وبه تكون ولاية عليّ الشعار الذي يعرّفنا بالتوحيد الصحيح النقيّ من الشوائب ؛ ذلك التوحيد الذي عرَّفنا به سيد الأنبياء محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما أنّ التوحيد الخالص يظهر جلياً من خطب الإمام ورسائله وكلماته عليه‌السلام ، لأنّه الوحيد ـ من أصحاب رسول الله ـ الذي لم يسجد لصنم قط. وهو الذي ولد في الكعبة ، واستشهد في المحراب ، وفي هاتين النكتتين ـ الولادة والشهادة ـ معنى لطيف وظريف ، ويترتب عليه محبوبية تعاطي الشهادة بالولاية شعارياً في غالب الأمور المعرفية باعتبارها مفتاح رسالة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومفتاح معرفة التوحيد الصحيح ، فمع ثبوت هذه الحقيقة لا مناص من القول برجحانها في كلّ عبادة لدليل الإباحة وخلّو المعارض.

٤٩١

* وممّا يدلّ على ذلك أيضاً ما أخرجه الكليني بسند صحيح عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : بُني الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية ، فقلت : أيّ شيء من ذلك أفضل؟ قال عليه‌السلام : «الولاية أفضل لأنّها مفتاحهنّ ؛ والوالي هو الدليل عليهنَّ ..(١).

فقوله عليه‌السلام : «الولاية مفتاح الصلاة والصوم ...» ، وقوله عليه‌السلام الآخر : «الوالي هو الدليل عليهنّ» ظاهر في الشعارية بلا أدنى كلام ؛ لأنّ الإمام الباقر عليه‌السلام جعل الولاية مفتاحاً لغالب الأمور العبادية وعلى رأسها الصلاة والصوم والزكاة والحج ، ومعنى كلامه عليه‌السلام أنّ الولاية تنطوي على ملاك عباديّ وتشريعي ؛ إذ لا معنى لكون الولاية دليلاً ومفتاحاً للعبادات إلّا أن يكون معنى من معانيها عبادة.

وقد جاء في تفسير القمّي في قوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَا لْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) ، قال : كلمة الإخلاص والإقرار بما جاء من عند الله من الفرائض ، والولايةُ ترفع العمل الصالح إلى الله.

وعن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : الكلم الطيب قول المؤمن «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، علي ولي الله وخليفة رسول الله» وقال : والعمل الصالح الاعتقاد بالقلب أنّ هذا هو الحقّ من عند الله لا شك فيه من رب العالمين (٢).

فلو كان مصداق الكلم الطيب هو كلمة التوحيد ، والإيمان بما جاء به رسوله ، ومنها لزوم الولاية لعلي عليه‌السلام ، ألا يحق أن تصعد هذه الولاية إلى السماء كما نزلت إلينا عن طريق الروايات الكثيرة المتواترة؟

* روى الحاكم النيسابوري والسيوطي عن ابن مردويه ، عن أنس بن مالك وبريدة ، قالا : قرأ رسول الله هذه الآية (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ) ، فقام إليه رجل

__________________

(١) الكافي ٢ : ١٨ / باب دعائم الإسلام / ح ٥.

(٢) تفسير القمّي ٢ : ٢٠٨.

٤٩٢

فقال : يا رسول الله أي بيوت هذه؟ فقال بيوت الأنبياء ، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها ـ لبيت علي وفاطمة ـ قال : نعم من أفاضلها (١).

وعن أبي جعفر الباقر أنّه قال : هي بيوت الانبياء ، وبيت علي منها (٢).

وذكر ابن البطريق في «خصائص الوحي المبين» ما جرى بين قتادة والإمام الباقرعليه‌السلام ، وفيه : فقال قتادة لمّا جلس بين يدي الإمام الباقر : لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّامَ ابن عباس فما اضطرب قلبي قُدّامَ واحد منهم ما اضطرب قُدَّامَكَ.

قال له أبو جعفر الباقرعليه‌السلام : ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي (بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِآ لْغُدُوِّ وَالأَ صَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وإِقَامِ الصَّلاَةِ وإِيتَآءِ الزَّكَاةِ) فأنتَ ثَمَّ ، ونحن أُولئك (٣).

وهذه الأحاديث تؤكّد بوضوح على أن بيت علي وفاطمة هو من بيوت الأنبياء ، إذ لا معنى لأن يسال أبو بكر عن موقع بيت علي وفاطمة بين تلك البيوت إلّا أن يكون ذلك معلوماً عنده أو مشكوكاً ، لأنّ سؤاله يدعونا للقول بهذا ، وعليه فكلامه ليؤكّد بأنّ بيتهما هو امتداد لبيوت الله وبيوت الأنبياء ، وأنّ الشهادة بالولاية لعلي هي امتداد لطاعة الله ، لأنّ المؤذّن بشهادته في الأذان يبيّن الصلة بين علي وبين الله ورسوله ، وأنّ الإمام عليّاً ما هو إلّا وليٌّ لله تعالى ، لا أنّه يريد أن يقول أنّ علياً هو الخالق والرازق والمحيي والمييت. حتّى يقال أنّه من الشرك والتفويض وأمثال ذلك ، وقد قلنا مراراً بأن ما تشهد به الشيعة في الأذان ليس أجنبيّاً عن الأخبار

__________________

(١) شواهد التنزيل ١ : ٣٣ ـ ٥٣٥ / ح ٥٦٦ ، ٥٦٧ ، ٥٦٨ ، الدر المنثور ٦ : ٢٠٣ ، تفسير الثعلبي ٧ : ١٠٧. وانظر تفسير فرات الكوفي ٢٨٦ / ح ٣٨٦ ، وبحار الأنوار ٢٣ : ٣٢٥ ـ ٣٢٨ ، وشرح إحقاق الحق ٣ : ٥٥٨ ، ٩ : ١٣٧ ، ١٤ : ٤٢٢ ، ١٨ : ٥١٥ ، ٢٠ : ٧٣ والعمدة لابن البطريق : ٢٩١. والحديث في الروضة في فضائل أمير المؤمنين لشاذان بن جبرئيل : ٤٢ عن ابن عباس.

(٢) تفسير القمي ٢ : ١٠٤ ، بحار الأنوار ٢٣ : ٣٢٧ / باب رفعة بيوتهم المقدسة ... / ح ٦.

(٣) خصائص الوحي المبين : ١٨ ـ ١٩.

٤٩٣

والآيات.

ونحن لو جمعنا بين الآيتين القرآنيتين (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) مع (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا) ، لعرفنا الترابط الملحوظ بين التوحيد والنبوة والإمامة ، ولأجل هذا جُعل ذكرهم من ذكر الله وأنّهم السبيل إليه ، وأنّ فطرة الله مبتنية عليه ، وبذلك يتّضح تماماً معنى كلام الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام في معنى (حي على خير العمل) : «أنّه برّ فاطمة وولدها» (١).

لأنّ القوم كانوا يفترون على الله الكذب ويريدون طمس ذكرهم ؛ قال تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الاِْسْلاَمِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللهُ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهِ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (٢).

* روى الكليني بسنده عن محمّد بن الفضيل ـ عن أبي الحسن عليه‌السلام ـ قال : سألته عن قول الله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئوا نُورَ اللهِ بِأَ فْوَاهِهِمْ) قال : يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم قلت : «والله متم نوره» ، قال : يقول : والله متم الإمامة ، والإمامة هي النور ، وذلك قوله عزّ وجلّ (فَأَمِنُواْ بِآللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) ، قال : النور هو الإمام (٣).

هذا ، وقد أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (٤) ، والحاكم النيسابوري

__________________

(١) انظر علل الشرائع ٢ : ٣٦٨ / باب ٨٩ / ح ٥ ، معاني الاخبار : ٤٢ / ح ٣ ، فلاح السائل : ١٤٨ ، التوحيد ٢٤١ ، المناقب لابن شهرآشوب ٣ : ٣٢٦ وكلام المجلسي في روضة المتقين ٢ : ٢٣٧.

(٢) الصف : ٧ ، ٨.

(٣) الكافي ١ : ١٩٥ ، ٤٣٢ ، شرح اصول الكافي للمازندراني ٥ : ١٨٢ و٧ : ١١٩ و١٠ : ٨٧ ، الغيبه للنعماني : ٨٥ ـ ٨٦ ، مناقب ابن شهرآشوب ٢ : ٢٧٨ ، و٢ : ٢٧٠.

(٤) شواهد التنزيل ٢ : ٢٢٣ / ح ٨٥٥.

٤٩٤

في معرفة علوم الحديث (١) ، وابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق (٢) ، والخوارزمي في مناقبه (٣) ، في تفسير قوله تعالى ، (وَاسْأَ لْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا) (٤) عن الأسود ، عن عبدالله بن مسعود ، قال ، قال النبي : يا عبدالله أتاني الملك فقال : يا محمّد (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا) على ما بعثوا؟ قلت : على ما بعثوا؟ قال : على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب.

فتنز يل الآية في التوحيد وفي تقرير الرسل على أنّهم بعثوا للدعوة إلى وحدانية الله وعبادته ، وأنّه لا معبود سواه ، وتأويلها في تقرير الرسل على رسالة المصطفى وولاية المرتضى.

وبعد كلّ هذا لابدّ من توضيح حقيقة أخرى في هذا السياق ، وهي : أنّ كثيراً من النصوص الثابتة الصادرة عن ساحة النبوة والعصمة لا يمكن فهمها وقرائتها علمياً إلّا من خلال الإيمان بأنّ للقرآن والسنة المطهرة ظهراً وبطناً ، وأنّ القراءة السطحية للأمور عند البعض غير قادرة للوقوف على الكنوز المعرفية الكامنة في القرآن الحكيم والسنّة المطهرة ، ولأجل ذلك جاء عن المعصومين «إنّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبدٌ امتحن الله قلبه للايمان» (٥) لأنّ معرفة كلامهم أو ما جاء في مقاماتهم من الصعب المستصعب تحمّله على عامة الناس ، ولعلّ من هذا المنطلق نُسِب البعض إلى الغلوّ ولم يكن غالياً في الحقيقة.

نعم ، وظيفة المسلم التعبّد بهذه النصوص الصحيحة والانقياد والتسليم لها ، لكن مع ذلك ينبغي تفسيرها بما يتلائم مع ثوابت الدين الأخرى لكي لا يتصوّر أنّها

__________________

(١) معرفة علوم الحديث : ٩٥.

(٢) تاريخ دمشق ٤٢ : ٢٤١.

(٣) مناقب الخوارزمي : ٣١٢ / ح ٣١٢ ، وانظر غاية المرام ٢ : ٢٩٣ ، وبشارة المصطفى : ٢٤٩ كذلك.

(٤) الزخرف : ٤٥.

(٥) افرد الكليني باباً كاملاً في هذا الشأن انظر الكافي ١ : ٤٠١ ـ ٤٠٢.

٤٩٥

غلو أو تفويض وخروج عن الدين ؛ وقد تقدّم عليك أنّ حدّ التوحيد هو ولاية أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ـ كما جاء في تفسير القمي ـ ولا ريب في أنّ فهم هكذا أمور ليس بسهل ، خصوصاً إذا قرأناها طبقاً للمنهج البسيط الذي لا يرى أبعد من قدميه ؛ إذ يبدو للمطالع العادي عدم وجود علاقة بين التوحيد وولاية علي؟

في حين أنّ المعرفة الأصيلة الكاملة ـ حسب أخبارنا ـ جازمة بأنّه ليس من أحد على وجه الأرض يعرف الله حق معرفته غير رسول الله والإمام علي وأولاده المعصومين ، وليس هناك منهج صحيح يعرّفنا بالله ورسوله غير منهج أهل البيت الذين طهّرهم الله من الرجس ، ولأجل ذلك جاء في بعض مصادرنا كمختصر بصائر الدرجات : عن النبي قوله : يا علي ما عرف الله إلّا أنا وأنت ، وما عرفني إلّا الله وأنت ، وما عرفك إلّا الله وأنا (١). وفي كتاب سليم بن قيس : يا علي ، ما عُرف الله إلّا بي ثم بك ، من جحد ولايتك جحد الله ربوبيته (٢).

وجاء في الزيارة الجامعة الكبيرة : «بموالاتكم علَّمنا الله معالمَ ديننا».

وعليه فالتوحيد الصحيح لا يتحقق إلّا عن طريق أهل البيت ، كما لا يمكن الاهتداء إليه إلّا بواسطة هذا السراج والشعار والعلامة.

وبهذا نقول : إنّ معنى الشعارية ، والإشهادية ، والندائية ليس بكلام جديد كما قد يتوهّمه البعض ، بل هو منهج علمي استُظهِر واتُّخِذ من الأخبار المتواترة ، فلا يوجد أحد من المؤمنين ـ يؤمن بالله حق الإيمان ـ يمكنه أن ينكر مقام الإمام علي ، وأنّه سيّد عباد الله الصالحين ، وأنّ اسمه موجود في السماء وفي الأرض ، وفي عالم الذر ، والبرزخ ، وفي تلقين الميت وامثالها ، وأنّ الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام أكّد على هذه الكلية وأنه هو الشعار لهذا الدين ، بقوله عليه‌السلام : «نحن الشعار

__________________

(١) مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان الحلي : ١٢٥.

(٢) كتاب سليم بن قيس : ٣٧٨.

٤٩٦

والأصحاب ، والخزنة والأبواب ، لا تُؤتى البيوت إلّا من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سُمّي سارقاً» (١).

إنّ مضمون الشهادة بالولاية ـ في الأذان وفي غيره ـ لم يكن منافياً للشريعة ، حتى يقال بحرمة الإجهار به ، بل هو مضمون ثابت في العقيدة ، ولا أعتقد بأنّ مسلماً يشكّ في صوابيّته ومطابقته للواقع حسبما اوضحناه وذكرنا بعض نصوصه سابقاً (٢) ، وقد أقرّ الشيخ الصدوق وغيره من العلماء بصحّة مضمون الشهادة الثالثة بقوله رحمه‌الله «بأن لا شكّ بأنّ عليّاً ولي الله وأنّ محمّداً وآله خير البرية» ، لكنّ كلامهم في وضع المفوّضة أحاديث لها على نحو الجزئية في الأذان ، وهو ما لا يقبله الشيخ الصدوق رحمه‌الله كما لا نقبله نحن ، لكنّ دعوى كون التوقيفية مانعة من الإتيان بالشهادة بالولاية في الأذان بأيّ نحو كان غير صحيح ، لأنّ المعروف عن الشيعة في هذه الأزمان وحتى في العصور الماضية أنّهم لم يكونوا يأتون بها على أنّها جزءٌ حتى يقال أنّها مانعة ، وعلى نحو التضاد مع التوقيفية ، بل أنّهم كانوا يأتون بها بقصد القربة المطلقة واستجابةً لأمر الباري بأن يُنادي بالشهادة بالولاية لعلي ، وبذلك تكون الشهادة بالولاية لعلي عبادة محبوبة لله ، فلو صار هذا الإشهاد محبوباً صار عبادياً يمكن الإتيان به في الأذان لا على نحو الجزئية بل على نحو الإشهاد ، والشعارية ، والندائية.

والعلماء كانوا قد عرفوا معنى قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنَ رَّبِّكَ وإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) لكنّهم تساءلوا لكي يفهموننا ما مغزى هذه

__________________

(١) نهج البلاغة ٢ : ٤٣ ـ ٤٥ خطب الإمام ، وفي عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمّد الليثي الواسطي : ٤٩٩ ـ ٥٠٠ ، نحن الشعار والأصحاب والسدنة والخزنة والأبواب ولا تؤتى البيوت .... الخ.

(٢) قد يقال ان بعض العامة لا تقبل بعض المعاني المتصورة في الولاية والحجة و ... نقول لهم : إنّ عدم اعتقاد اولئك بعدم صوابية ما نقول به لا يضرّنا ، لأنّ أدلّتنا معنا ، وهي مذكورة في كتب الكلام ، وأنّ البحث عنه له مجال آخر.

٤٩٧

الآية ، وهو : كيف يتساوى تبليغ الرسالة بأجمعها ـ خلال ثلاث وعشرين سنة ـ بتبليغ ولاية علي خلال ساعة من نهار ، إلى درجةِ أنّ تبليغ الرسالة لا قيمة له من دون تبليغ هذه الولاية؟

إن العلماء كلّهم على اختلاف ألفاظهم وتعدّد صياغاتهم مجمعون على تعاطي الشعارية لحلّ أمثال هكذا أمور في الشريعة والعقيدة ، لأنّ الله جعل الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام معياراً للإيمان وميزاناً لقبول الأعمال ، وسفنَ نجاة للبرية ومعالم للدين.

وهذا المنهج يدعونا لإثبات بعض الأحكام العبادية علاوة على الإيمانية ، لأنّ هناك نصوصاً عبادية كثيرة ترى ذكر عليّ فيها ، كخطبة الجمعة ، وقنوت الجمعة ، وقنوت الوتر ، والتشهد في الصلاة ، ودعاء التوجّه قبل تكبيرة الإحرام ، وقد سئل الإمام الصادق عليه‌السلام عن تسمية الائمة في الصلاة؟ فقال عليه‌السلام : أجْملِهْم (١) ، وهو يؤكّد بأن لا رسالة بلا ولاية ، بنص الآية.

وعليه فلا يمكن تعظيم الرسالة إلّا بتعظيم الولاية ، كما لا يتحقّق الغرض من النداء بالشهادة الثانية إلّا بالنداء بالشهادة الثالثة ، كما أوضحت موثقة سنان بن طريف وغيرها ، وأنّ الله لا يكتفِ بالشهادة لنفسه حتى أردفها بالشهادة لرسوله ، ولم يكتف بالشهادة لرسوله حتى أردفها بالشهادة لوليه.

مفهماً ـ جلّ شانه ـ بأنّ الشهادة بالنبوّة لمحمّد لا تكفي إلّا إذا اتّبعوه واخذو عنه امور دينهم ، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الشهادة بالولاية لعليّ فهو لم يكن لغواً بل فيه اشارة إلى امتداد خلافة الله في الأرض عبر أولاد عليّ المعصومين ووجود بقية الله في الارضين وهو الإمام الحجة المهدي المنتظر عجل الله فرجه بين ظهرانينا اليوم.

وعليه فالشهادة لعلي يحمل مفهوماً إيمانياً وفقهياً.

__________________

(١) مستند الشيعة ٥ : ٣٣٢ ، وسائل الشيعة ٦ : ٢٨٥ / ح ٧٩٨١.

٤٩٨

أمّا إيمانياً وعقائدياً فلا شك في لزوم الاعتقاد بأنّه الوصي والخليفة ، وأمّا عبادياً وفقهياً ، فقد ورد اسمه واسم الأئمة من ولده في كثير من الأمور العبادية ـ كخطبة الجمعة ـ وهذا يدعونا لعدم الشك في ان ذكر علي عبادة وخصوصاً بعد أن أضحت الولاية أهمّ من الصلاة والزكاة والحج ، وأنّ الأعمال لا تقبل إلّا بها ، وبعد أن أضحى تبليغ الولاية والإعلان عنها خلال ساعة من نهار يعدل تبليغ الرسالة برمّتها خلال ثلاث وعشرين سنة ، ولمناداة الملائكة بأمر من الله بـ «أشهد ان عليّاً ولي الله».

فالمسلم لو أراد أن يشهد بالولاية مع أذانه لا على أنّها جزءاً منه ، بل لعلمه بأنّها دعوة ربانية ومحبوبة عند الشارع ، فقد أتى بعبادة ترضي الله ، لأنّ الله لم يكتف بالدعوة إلى ولاية علي في السماوات حتى ألزم رسوله أن يبلغها في ذلك الحر الشديد ، وهو يعني أنّه يريدها شعاراً للمسلمين في جميع مجالات الحياة إلّا أنّه لا يجوز إدخالها الماهويّ الجزئي في الأذان ، ولا الاستحباب الخاصّ ـ عند البعض ـ وذلك لعدم ورود النص الخاصّ فيها.

وبعبارة أخرى : يمكن لحاظ الشعارية في كلّ مفاصل الدين الإسلامي ومفرداته شريطة عدم وجود دليل واضح على المنع من قبل الشارع ، ومع عدم الدليل يكفي دليل الجواز على أقل التقادير. أمّا في خصوص الأذان فليس لدينا دليل شرعي يمنع من الإتيان بالشهادة الثالثة شعارياً ، نعم التوقيفية تمنع من إدخالها الماهوي والجزئي ، وأمّا الشعاري فيكفيه دليل الجواز ، والندائية في السماوات ، وأخذ الميثاق عليها.

وقد تقدم ما رواه فرات الكوفي بسنده عن فاطمة الزهراء عليها‌السلام أنّها قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا عرج بي إلى السماء صرت إلى سدرة المنتهى ... ، فسمعت منادياً ينادي : يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي ، اشهدو أني لا إله إلّا أنا

٤٩٩

وحدي لا شريك لي ، قالوا : شهدنا وأقررنا.

قال : اشهدوا يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي أنّ محمّداً عبدي ورسولي ، قالوا : شهدنا وأقررنا.

قال : اشهدوا يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي أنّ عليّاً وليّي ووليّ رسولي ، وولي المؤمنين بعد رسولي ، قالوا : شهدنا وأقررنا (١).

فلو تأملنا قليلاً في هذا النص فإننا بين خيارين ؛ فإمّا أن نطرحه جانباً ونقول أنّه مجرد ذكر فضيلة لأمير المؤمنين علي ، وإما أن نقول بأنّه لا يقتصر على بيان الفضيلة فحسب ، بل يعني الولاية للأئمة على الأموال والأنفس ولزوم اتباع أقوالهم فقهاً واعتقاداً لمجيء كلمة «وليّي وولي رسوليّ وولي المؤمنين بعد رسولي».

وعلى الأول تأتي إشكالية اللَّغوية ؛ إذ ما معنى أن ينادي الله ـ عزت أسماؤه ـ بنفسه ويقول : اشهدوا يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي أنّ علياً وليي ... ، ثم إجابة الملائكة : شهدنا وأقررنا؟

فلو كان الأمر مجرّد ذكر فضيلة لاكتفى الله سبحانه بالقول : بأنّ علياً وليي فقط ، لكنّ نداء الله وإشهاد الملائكة بأنّ علياً وليه وولي رسوله وولي المؤمنين بعد رسوله يعني شيئاً آخر غير بيان الفضيلة ، وهو أنّ لعلي دوراً في التشريع لاحقاً ، وأنّه امتداد لتوحيد الله وسنة نبيّه ، كما هو الاخر يعني أن الشعارية لعلي محبوبة عند الله وإلّا لما امر بالاشهاد له ، إذ أنّ الإشهاد والإقرار والإظهار وما يماثلها تحمل مفاهيم أكثر من المحبوبية ، بل حتّى لو قلنا بأنّها بيان للفضائل ، فبيان الفضائل بهذا النحو هو مقدمة للأخذ بأقوال هؤلاء المعصومين ، لأنّهم معالم الدين وأعلامه.

وعليه فذكر الفضائل فيه طريقية للانقياد لهم ورفع ذكرهم ، لكن الأمة لم تعمل

__________________

(١) تفسير فرات : ٣٤٣ ، ٤٥٢.

٥٠٠