أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه : «حي على خير العمل ومحمّد وعلي خير البشر» إلى أيّام نور الدين محمود ، فلمّا فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالجلاو ية استدعى أبا الحسن علي بن الحسن بن محمّد البلخي الحنفي إليها ، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء ، وألقى بها الدروس ... (١) إلى آخر الخبر.

وجاء في زبدة الحلب في تاريخ حلب ، لابن أبي جرادة الشهير بابن العديم المتوفى سنة ٦٦٠ هـ : واستقرّ أمر سعد الدولة بحلب وجدّد الحلبيون عمارة المسجد الجامع بحلب ، وزادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع وستين [وثلاثمائة] ، وغيّر سعد الأذان بحلب ، وزاد فيه : «حي على خير العمل محمّد وعلي خير البشر» ، وقيل : إنّه فعل ذلك في سنة تسع وستين وثلاثمائة ، وقيل : ثمان وخمسين (٢).

* وقال التنوخي المتوفَّى ٣٨٤هـ : أخبرني أبو الفرج الاصفهاني (المتوفَّى ٣٥٦ هـ) ، قال : سمعت رجلاً من القطيعة [أو القطعية] (٣) يؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنّ عليّاً ولي الله ، محمّد وعلي خير البشر فمن أبى فقد كفر ، ومن رضي فقد شكر ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله (٤) ....

كل هذه النصوص تؤكد تخالف المنهجين في كثير من المفردات الفقهية وأن الأمر لم يختص بالشهاة الثالثة ومحبوبيتها ، والحيعلة الثالثة وشرعيتها ، فالأمر أكبر من ذلك.

__________________

(١) المواعظ والاعتبار ٢ : ٢٧١ ـ ٢٧٢.

(٢) زبدة الحلب في تاريخ حلب ١ : ١٥٩ ـ ١٦٠ تحقيق سامي الدهان ، طـ المعهد الفرنسي.

(٣) القطعية هم الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، الذين قطعوا بإمامة الإمام الرضا ثم الأئمّة من بعده قبالاً للواقفة الذين وقفوا عند الكاظم عليه‌السلام ، وهذا ما رجحناه من نص التنوخي ، ويمكن أن تقرا القطيعة ، وهي الأرض المعهودة في بغداد التي يسكنها الإمامية الاثني عشرية ، راجع كتابنا : حي على خير العمل : ٣٦٠.

(٤) نشوار المحاضرة ، للتنوخي ٢ : ١٣٢.

٢٨١

العشرون : ثبت علمياً وتاريخياً تخالف منهج الخلفاء مع منهج أهل البيت في كثير من الأحكام (١) الشرعية ، وأن العلويين عندما كان يحكمون كانوا يسعون لتطبيق ما عرفوه عن ابائهم من سنة رسول الله بالطرق الصحيحة ، وقد مر عليك قبل قليل ان عبيدالله مؤسس الدولة الفاطمية أمر بقطع صلاة التراويح في شهر رمضان وأمر بالجهر بالبسملة في الصلاة المكتوبة ، والقنوت في صلاة الجمعة قبل الركوع واسقط من اذان الصبح الصلاة خير من النوم ، وزاد حي على خير العمل مع تفسيرها محمّد وعلي خير البشر بعد أن كان قد رُفع من قبل الخلفاء لورودها في الروايات الصحيحة عند أهل البيت عليهم‌السلام.

وقد كان هذا عمل الحكومات الشيعية الأخرى في البلدان الأخرى ، فالبعض حرّم شرب الفقاع (٢) ، وأكل السمك الذي لا قشر له (٣) ، وجوّز لبس السواد في محرم (٤) والاحتفال بعيد الغدير (٥) والاخر نظراً لظروفٍ امكنه تطبيق اُمور اخرى إلى غيرها من عشرات المسائل.

إذن الشهادة الثالثة وما جاء في تفسير معنى (حيّ على خير العمل) لا يمكن إفرادها عن اخواتها ، فمن المؤكد أن تكون هناك أدلّة عليها عند هؤلاء وقد وصلت للشيخ الصدوق ، لكن النزاع السياسي بين العباسيين والعلو يين لم يكن يسمح للصدوق وغيره من المحدّثين بنشرها ، لأنّ الشهادة الثالثة تعني بطلان شرعية حكوماتهم ، وهذا ما فهموه من الروايات وما كانت تأتي به الشيعة ، وهو ما فهمه اسلافهم كعمر من الحيعلة الثالثة ، لأن اعتقاد كون ولاء الإمام علي هو خير العمل

__________________

(١) راجع كتابنا منع تدوين الحديث.

(٢) المواعظ والاعتبار ٢ : ٣٤٢.

(٣) المواعظ والاعتبار ٢ : ٣٤٢ ، وانظر تاريخ ابن خلدون ٤ : ٦٠.

(٤) النجوم الزاهرة ٤ : ٥٧ ، العبر ٢ : ٣١٦.

(٥) النجوم الزاهرة ٤ : ٥٧.

٢٨٢

يساوي بطلان خلافة الاخرين ، وبما أن الشيخ الصدوق كان يعيش تحت وطاة العباسيين فمن غير البعيد أن يبرر الشهادة بالولاية بالوضع ـ وخصوصاً مع نداء بعض المفوّضة به ـ خوفاً على نفسه وعلى المذهب لئلا يقتل الشيعة بحجة التآمر مع الدول الشيعية القائمة آنذاك ، تلك الدول المناهضة للعباسيين.

نتيجة ما تقدّم

تلخص من كلّ ما سبق : أنّ الشيخ الصدوق لا يقصد في هجومه كل من الشيعة حتّى الذين أتوا بالشهادة الثالثة بقصد القربة المطلقة ورجحانها الذاتي العامّ أو بعنوان التفسيرية ، بل عنى فقط المفوّضة الملعونين لوضعهم تلك الأخبار ، والقائلين بالجزئية تبعاً للأخبار الموضوعة ، إذ عرفت بأنّ الشهادة الثالثة كان عملاً لسيرة مجاميع ايمانية تابعة لآل البيت ، أتى بها العبيديون في مصر ، والحمدانيون في الشام ، والبويهيون في العراق ، وغيرهم في الريّ ، وقم ، وشمال العراق ، ممّا يؤكد استمرار سيرة المتشرّعة في التأذين بها إلى عهده ، وأنّهم لم يأتوا بها عن هوى ورأي ، بل لما وقفوا عليه من دليل في روايات أهل البيت عند الإمامية الاثني عشرية ، والزيدية ، والإسماعيلية ، وهذا ليس ببدعة وادخال في الدين ما ليس منه فلا سبيل إلّا أن نقول بأنّ تهجمه قد يكون جاء تقية ، للحفاظ على أرواح الشيعة آنذاك.

وبذلك فقد اتضّح لنا أنّ الشيخ الصدوق رحمه‌الله لم يعني بكلامه نفي محبوبية الشهادة بالولاية ، بل كان بصدد نفي جزئيتها ردّاً على المفوّضة القائلين بها ؛ لأن قوله : «زادوا في الأذان» و «ليس ذلك من أصل الأذان» يفهم منه أنه رحمه‌الله يريد أن ينفي جزئيتها المستندة على الأخبار الموضوعة ، لا محبوبيتها ، لأنّ محبوبيتها العامّة ـ لا في خصوص الأذان ـ من المسلّمات الشرعية التي لا ينكرها الشيخ الصدوق ولا غيره من الشيعة ، بل حتى في الأذان لما جاء في حسنة ابن أبي عمير المتقدمة عن الإمام الكاظم والتي رواها الشيخ في التوحيد ومعاني الأخبار ، وللشيخ روايات كثيرة

٢٨٣

دالّة على محبوبيّتها في كتبه الحديثية (١) ، وقد أكّد عليها بقوله : «لا شك أنّ عليّاً ولي الله ، وأنّه أمير المؤمنين ، وأنّ محمّداً وآله خير البرية ، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان» (٢).

وبهذا فقد ثبت سقم من يدعي أن الشيخ الصدوق رحمه‌الله عنى كل زيادة في الأذان سواء جاءت بقصد الجزئية أو بقصد القربة المطلقة.

نعم صحيح ان الشيخ الصدوق أشار إلى جانب تاركاً الجانب الآخر منه ، لكن هذا لا يعني عدم قبوله بالتفصيل بين الامرين لأنّه حقيقة ثابتة عند جميع الفقهاء وقد افتوا على طبقه ، ولو تاملت في فتاوي من جاء بعده بدءاً من السيّد المرتضى والشيخ الطوسي وابن البراج وغيرهم لرايتهم يفرقون بين الجزئية والمحبوبية ، والشيخ الصدوق لا تختلف فتاواه عنهم حسبما بيناه ، إلّا أنّه وجه سهامه إلى القائلين بالجزئية في زمانه تاركاً الكلام عن الاتين بها بقصد القربة المطلقة ، لقوله : «المدلسون انفسهم في جملتنا».

وعليه فالشيخ الصدوق رحمه‌الله لا يعني الذين ذكروها إعظاماً لأمير المؤمنين ، أو دفعاً لاتّهام المتهمين للشيعة ـ في تلك العصور وحتّى من بعدهم ـ بأنّهم : يقولون بألوهية الإمام عليّ ، أو أنّهم يدّعون خيانة الأمين جبرئيل في مأموريته ، وأنه كان مكلّفاً في إنزل الوحي على علي بن أبي طالب ، لكنه ـ والعياذ بالله ـ خان ونزل على النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إلى غيرها من التّهم الموجّهة جُزافاً إلى الشيعة.

فلو أتى الشيعي بالشهادة الثالثة لكي ينفي هذه التهم عنه ، وليقول : بأنّ الله هو الإله الواحد الذي نعبده ولا نشرك به ، وأنّ محمّداً هو الرسول الذي جاء من

__________________

(١) منها حسنة ابن أبي عمير.

(٢) من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٩٠.

٢٨٤

عنده ، وأنّ الإمام علياً ليس إلّا وليّ لله وحجّته على عباده.

فإنّ الشيخ لا يمانع من ذلك ؛ لأن الأدلّة الشرعيّة هي مع القائل بها ، ولا نرى مانعاً من أن يأتي المكلّف بالشهادة الثالثة لهذا الغرض.

وبهذا ، فنحن نوافق الصدوق في هجومه على الذين يأتون بها على نحو الجزئية ـ استناداً للأخبار الموضوعة ـ وفي الوقت نفسه لا نتردّد في أنّ الشيخ الصدوق على منوال جميع الأصحاب قائل بمحبوبيتها الذاتية العامّة ؛ لأنّ ذلك لا بأس به بالنظر للمعايير الفقهية والحديثية العامّة.

وباعتقادي أنّ الشيخ كان يرى رجحان الإتيان بها في الأذان لعموم الأدلة التي كانت عنده لكنْ لا بقصد الجزئية. ولعلّه قد فهم من المفوّضة أنّهم كانوا يأتون بها على نحو الجزئية ، ولأجله تهجّم عليهم.

ونحن نعتقد وكذا الشيخ قبلنا ـ طبقاً للروايات التي بحوزتنا ـ ، بأنّ هؤلاء الأئمة هم وسائط الفيض الالهي ، وقد منحهم ربّ العالمين هذه القدرة ، وليس كلّ ما يذكر لهم من منازل عالية في كتب الحديث والعقائد يستتبعه القول بالغلوّ أو التفويض ، فهم عباد مكرمون من البشر لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، وهؤلاء الأئمة قالوا عن أنفسهم : «لا ترفعوا البناء فوق طاقتنا فينهدم ، اجعلونا عبيداً مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم» (١) وفي آخر : «لا تتجاوزوا بنا العبودية ، ثم قولوا فينا ما شئتم ، ولن تبلغوا ، وإيّاكم والغلوّ كغلو النصارى فإنّي بريءُ من الغالين» (٢) ، فمقامهم عالي وهو مقام لا يمكن لأحد أن يصل إليه ويعرف كنهه ، فإنّ الشيخ هو الذي روى لنا صحيحاً ، حديثَ : «إنّ حديثنا صعب مستصعب لا

__________________

(١) بصائر الدرجات : ٢٦١ / ح ٢٢.

(٢) تفسير الإمام العسكري : ٥٠ ، الاحتجاج للطبرسي ٢ : ٢٣٣ ، بحار الأنوار ٢٥ : ٢٧٣ ـ ٢٧٤ / ح ٢٠ / باب نفي الغلو ، عنهما.

٢٨٥

يحتمله إلّا ملك مقرَّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان أو مدينة حصينة» (١).

وبعد كل هذا نقول : يمكننا بناءً على كلّ ما تقدّم الأخذ بمرسلة الصدوق في الفقيه بعنوان أنّها تتضمّن الشهادة بالولاية وأنّها محبوبة ذاتاً بنحو عامّ ، كما جزم به رحمه‌الله في قوله : «ولا ريب في أنّ عليّاً ولي الله حقاً» ، لا بعنوان أنّها مستند للجزئية.

وكذا يمكننا اعتبار هذه الصيغ الثلاث التي أتى بها الشيخ الصدوق إحدى الأدلّة على محبوبية الشهادة الثالثة في الأذان لا على نحو الجزئية ، وذلك لموافقتها مع سيرة المتشرّعة من عصر الرسول إلى عصرنا الحالي (٢) ولامضاء المعصوم لها ـ أعني الإمام الحجة عليه‌السلام ـ.

فنحن لا نقول بالجزئية كما لا يقول بها الشيخ الصدوق رحمه‌الله ، كما إنّنا قائلون بالمحبوبيّة الذاتية وكذلك أنّ الصدوق رحمه‌الله يقول بذلك في جزمه الآنف في مرسلته ، وفي ما رواه عن ابن أبي عمير عن الكاظم الصريحة في المحبوبية.

وعليه فالأخذ بمرسلة الصدوق في الفقيه مساوِقٌ للأخذ بمرسلة القاسم بن معاوية المروية في الاحتجاج أو أقوى منها ؛ لعمل الشيعة بها ، وكذا لوجودها في شواذ الاخبار التي حكاها الشيخ الطوسي والعلّامة ويحيى بن سعيد الحلي.

وعليه فإن نقل الصدوق للصيغ الثلاثة في الأذان مع إرساله للخبر ـ وهو من القدماء المتثبّتين ـ أولى بالأخذ به من الأخذ بمرسلة الطبرسي المتأخّر عنه بعدة قرون.

__________________

(١) الأمالي : ٥٢ / ح ٦ ، الخصال : ٢٠٨ / ح ٢٧ ، معاني الاخبار : ١٨٨ / ح ١ / باب معنى المدينة الحصينة ، وفيه : أنّ أبا عبدالله سُئل عن معنى لمدينة الحصينة ، فقال عليه‌السلام : هو القلب المجتمع. قال المجلسي : المراد بالقلب المجتمع : القلب الذي لا يتفرق بمتابعة الشكوك والأهواء ، ولا يدخل فيه الأوهام الباطلة ، والشبهات المضلة ... ، بحار الأنوار ٢ : ١٨٣ ، ذيل الحديث الأوّل من الباب السادس والعشرين.

(٢) حيث كانوا يأتون بها تفسيراً للحيعلة الثالثة ، ولمجيئها في شواذ الأخبار على نحو التفسيرية كذلك.

٢٨٦

وكذا الاخذ بحسنة ابن أبي عمير عن الكاظم الحاثة على الاتيان بأمر الولاية في خصوص الأذان أولى من الاخذ بمرسلة الاحتجاج العامة في كل شيء «من قال محمّد رسول الله فليقل علي وليّ الله».

وان تقرير الإمام المعصوم ـ بناء على تمامية اجماع الطائفة ـ أولى من الاخذ باحاديث «من بلغ» وهذه النقاط الثلاث نريد أن نلفت نظر الأعلام إليه.

وبهذا ، قد اتّضح للجميع ضرورة توضيح هكذا أمور في الشريعة ، وأنّ الفقيه لا يمكنه الحكم على ظاهر نصوص السابقين بعيداً عن الوقوف على الظروف التي كان يعيش فيها هؤلاء الفقهاء والمحدّثون والأماكن التي كانوا يسكنونها ، وهذا ما أكّدنا عليه في مقدّمة هذا المبحث.

وبه ارتفعت الإشكالية المثارة حول كلام الشيخ الصدوق في بعض الكتب من أنّ الشيخ الصدوق يعارض القول بالشهادة الثالثة دون توضيحهم الفرق بين الإتيان بها على نحو الجزئية أو من باب القربة المطلقة.

٢٨٧
٢٨٨

٢ ـ الشيخ المفيد (٣٣٦ ـ ٤١٣ ه‍)

من المعلوم أنّ الشيخ المفيد من كبار فقهاء الإمامية ومتكلّميهم ، وقد اختلف بالفعل مع الشيخ الصدوق ـ ومع غيره من علماء الإمامية ـ في مسائل ذكرها في كتابه (تصحيح الاعتقاد) و (أوائل المقالات).

والآن نتساءل : لماذا لا نراه رحمه‌الله يعترض على الصدوق فيما قاله في الشهادة الثالثة؟ وهل أنّ عمله هذا يعدّ تأييداً له في هذه المفردة؟ أم هناك ملابسات اُخرى يجب توضيحها؟

الجواب : نعم ، إنّ الشيخ المفيد ومعاصِرَيْه «ابن الجنيد (١) والعماني (٢)» لم يتعرضوا إلى الشـهادة الثالثة في فتاويهم لا سلباً ولا إيجاباً ، بل اكتفى المفيد في المقنعة بالقول في باب «عدد فصول الأذان والإقامة» :

والأذان والإقامة خمسة وثلاثون فصلاً : الأذان ثمانية عشر فصلاً ، والإقامة سبعة عشر فصلاً (٣).

وكلامه هذا يقتضي أنّه لا يتّفق مع الصدوق فيما ادّعاه في صحّة ما رواه أبو بكر الحضرمي وكليب الأسدي (٤) والذي فيه تربيع التكبير وتثنية التهليل في الإقامة ، وبه تصير الإقامة عند الصدوق ٢٠ فصلاً (٥) ، وهذا ما لا يتبنّاه المفيد في «المقنعة» ، هذا أوّلاً.

__________________

(١) انظر مجموعة فتاوي ابن الجنيد للاشتهاري : ٥٥.

(٢) انظر رسالتان مجموعتان من فتاوي العلمين : ٣١.

(٣) المقنعة : ١٠٠.

(٤) قال الصدوق : «هذا هو الأذان الصحيح الذي لا يزاد فيه ولا ينقص» ، من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٩٠ / ح ٨٩٧.

(٥) فرّق الشيخ محمّد تقي التستري في «النجعة في شرح اللمعة» ، وقد مرَّ كلامه في : ٢٥٩ فلاحظ.

٢٨٩

وثانياً : إنّ الشيخ المفيد قد اختلف مع شيخه الصدوق رحمه‌الله في المسائل الكلاميّة الضروريّة والتي تمسّ أصل العقيدة ، أمّا قول الشهادة الثالثة في الأذان وعدمه فهي مسألة فقهيّة تتعلّق بأمر مستحب لا واجب ، ومعناه أنّ تركها لا يضرّ بالدين بالعنوان الأوّليّ في تلك الازمان ، وهذا ممّا لا يختلف عليه جمهور الشيعة.

إنّ تبنّي المفيد لرواية غير رواية الحضرمي تؤكّد وجود روايات صحيحة أُخرى تعمل بها الشيعة الإمامية «تزيد أو تنقص» عمّا رواه الحضرمي والأسدي ، خصوصاً وأنّ مذهب أكثر فقهائنا قديماً وحديثاً هو أنّ فصول الأذان والإقامة خمسة وثلاثون فصلاً.

وبعبارة اُخرى : إنّ الشيخ المفيد كان لا يريد الدخول في اُمور فقهية جزئية اجتهادية ، وخصوصاً حينما لا تكون تلك الأمور شائعة ورائجة عند جميع الشيعة ، وكان يرى في إتيان بعض الخلّص من الشيعة بما يدلّ على

الولاية في أذانهم ما فيه الكفاية للمحافظة على شعاريّتها واستمرار شرعيّتها ، ولا داعي بعد ذلك للإفتاء بشيء ـ كالشهادة الثالثة ـ إذ الإفتاء بذلك قد يسبّب مشكلة للشيعة في وقت هم في أمسّ الحاجة فيه إلى الاستقرار.

أي إنّ الشيخ كان يرىٰ كفاية الحيعلة الثالثة للدلالة على وجود معنى الولاية في الأذان بحسب حسنة ابن أبي عمير عن الكاظم عليه‌السلام ، ولا ضرورة للإجهار بـ «أشهد أن علياً ولي الله» في تلك الأزمان المفعمة بالاضطرابات السياسية والعقائدية.

وثالثاً : إنّ الشيخ المفيد وطبق منهجه أكد على شرعية الحيعلة الثالثة في كتاب (الإعلام فيما اتّفقت عليه الإمامية) ، فقال :

واتّفقت الإمامية على أنّ من ألفاظ الأذان والإقامة للصلاة : حي على خير العمل ، وأنّ من تركها متعمّداً في الإقامة والأذان

٢٩٠

من غير اضطرار فقد خالف السنّة ، وكان كتارك غيرها من حروف الأذان ، ومعهم في ذلك روايات متظافرة عن رسول الله وعن الأئمة من عترته عليهم‌السلام.

وأجمعت العامّة فيما بعد أعصار الصحابة على خلاف ذلك وأنكروا أن تكون السنة فيما ذكرناه (١).

وجملة «ومعهم في ذلك روايات متظافرة ...» و «أجمعت العامة فيما بعد أعصار الصحابة ...» لتؤكّدان اهتمامه بالثوابت الفقهية والعقدية العامّة عندنا ، وسعيه لتحكيمها ، مع تأكيده على الدور التحريفي للعامّة في العصور اللاحقة ، متغاضياً عن الإشارة إلى الفصول غير الواجبة والتكميلية كالشهادة الثالثة.

ورابعاً : إنّ الفترة التي عاش فيها المفيد في بغداد ـ وهي عاصمة الدولة العباسية السنية ـ كانت طافحة بالصراع السني الشيعي ، لأنّ كلّ واحد من الطرفين كان يسعى لتحكيم موقفه الفقهيّ والسياسيّ.

ولأنّ الشيعة أخذوا قبال الدولة العباسيّة يشكّلون ويؤسسون الدول ، والمفيد رحمه‌الله كان في مأزق حقيقي ، لأنّه كان يعيش في بغداد عاصمة أهل السنّة آنذاك ، ومن المعلوم أنّ الذي يعيش في وسط محيط كهذا ، لابدّ له أن يحترم آراء الآخرين ، ويكون مسالماً متقياً ، وخصوصاً مع علمه بأنّ له أعداء كثيرين يريدون أن يقفوا على رأي متطرف منه ـ

حسب اعتقادهم ـ حتّىجاء في البداية والنهاية : أنّ عبيد الله بن الخفاف المعروف بابن النقيب لمّا سمع بموت المفيد سجد شكراً لله ، وجلس للتهنئة ، وقال : لا أُبالي أيّ وقت متّ بعد أن شاهدت موتَ ابن المعلم (٢) ، هذا من جهة.

__________________

(١) الإعلام : ٢٢ ، تحقيق : الشيخ محمّد الحسون. يمكنهم النيل منه.

(٢) البداية والنهاية ١٢ : ١٨ ، تاريخ بغداد ١٠ : ٢٨٢ / ت ٥٥٥٣ ، النجوم الزاهرة ٤ : ٢٦١.

٢٩١

ومن جهة أُخرى فانّ الشيخ المفيد رأى الدول الشيعية آنذاك في تنام مستمرّ ، فعبيدالله (المتوفّى ٣٢٢ هـ) قد أسّس الدولة العبيدية في مصر ، وسيف الدولة الحمداني (المتوفّى ٣٥٦ هـ) أسس الدولة الحمدانية في حلب ، وقبل كلّ ذلك حَكَمَ الداعي الكبير طبرستان في إيران ، والبويهيّون في ـ بغداد وإيران وغيرها ـ مائة وثلاث عشرة سنة ، بدءاً من وفاة آخر سفراء الإمام المهدي بأربع سنوات إلى أواسط عصر الشيخ الطوسي ، أي من سنة ٣٣٤ هـ إلى ٤٤٧ هـ ، فإنّ وجود انشقاقات كهذه في الدولة العباسية يزيد في الطين بلّة ، ويُعقّد الأمور أكثر فأكثر على الشيخ المفيد.

لقد انتهج البويهيّون ـ أيّام حكمهم ـ سياسة التوازن بين الطوائف ، فكانوا يريدون أن يعيش الشيعة بدون تقيّة ، والآخرون يحكمون بحرّيّة ، وكان ممّا قرّر في عهد بهاء الدولة ـ وزير القادر ـ هو نظام النقابة للعلو يين ، وقد عيّن بالفعل والد الشريفين : الرضي والمرتضى لهذا المنصب (١).

لكنّ الخليفة القادر العباسي ـ الذي حكم بين سنة ٣٨١ هـ إلى ٤٢٢ هـ ـ سحب هذه النقابة من والد الشريفين في سنة ٣٩٤ هـ ، لملابسات كثيرة مذكورة في كتب التاريخ ، ساعياً لإعادة مجد الحكم السني للخلافة ، وذلك لاختلافه مع البويهيّين ، ولنشوء دول شيعية في مصر والشام ، وهذه الأعمال كانت تشدّد الأزمة بين البويهيين والعباسيين.

فأوّل عمل عمله القادر العباسي هو أن أعدّ ـ في سنة ٤٠٢ هـ ـ مذكّرة موقّعة من قبل علماء بارزين من الشيعة والسنة يشكّكون فيها بنسب الخلفاء الفاطميّين في مصر ، ويفنّدون فيها الباطنية ، إلى غيرها من الاُمور التي شددت الصدام بين الفريقين (٢).

وكان مما حكاه ابن الجوزي هو : ان بعض الهاشميّين من أهل باب البصرة قصدوا أبا

__________________

(١) الكامل في التاريخ ٨ : ٣٠.

(٢) الكامل في التاريخ ٧ : ٤٤٨.

٢٩٢

عبدالله محمّد بن النعمان ، المعروف بابن المعلم ، وكان فقيه الشيعة في مسجده بدرب رباح ، وتعرّض به تعرضاً امتعض منه أصحابه ، فساروا واستنفروا أهل الكرخ ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمّد بن الأكفاني وأبي حامد الإسفرايني فسبّوهما وطلبوا الفقهاء ليوقِعُوا بهم ، ونشأت من ذلك فتنة عظيمة ، واتّفق أنّه أَحضر مصحفاً ذكر أنّه مصحف ابن مسعود وهو يخالف المصاحف ، [لان فيه التفسير السياقي للآيات] فجمع الأشراف والقضاة والفقهاء في يوم الجمعة لليلة بقيت من رجب ، وعرض المصحف عليهم ، فأشار أبو حامد الإسفرايني والفقهاء بتحريقه ، ففُعل ذلك بمحضرهم.

فلمّا كان شهر شعبان كُتب إلى الخليفة بأنّ رجلاً من أهل جسر النهروان حضر المشهد بالحائر ليلة النصف ودعا على من أحرق المصحف وسّبه ، فتقدم بطلبه ، فأُخِذَ فرُسِمَ قتله ، فتكلّم أهل الكرخ في هذا المقتول لأنّه من الشيعة ، ووقع القتال بينهم وبين أهل باب البصرة وباب الشعير والقلاّئين ... (١).

وقد علل الشيخ المفيد سبب ظهور مصحفي أُبيّ وابن مسعود [السياقيين] عند الناس واستتار مصحف أمير المؤمنين ، بأنّ السبب في ذلك عظم وطأة أمير المؤمنين على ملوك الزمان وخفّة وطأة أُبيّ وابن مسعود عليهم ـ إلى أن قال ـ فصل : مع أنّه لا يثبت لأُبيّ وابن مسعود وجود مصحفين منفردين ، وإنّما يذكر ذلك من طريق الظنّ وأخبار الآحاد ، وقد جاءت بكثير مما يضاف إلى أمير المؤمنين من القرّاءِ أخبارُ الآحادِ الّتي جاءت بقراءة أُبيّ وابن مسعود على ما ذكرنا (٢).

وبهذا ، فلا يستبعد أن يكون الشيخ المفيد أراد أن يبتعد عن الاختلاف الطائفي لأنّه في غنى عنه ، لأنّ الاحداث كانت تجري باتّجاه آخر ، والشيخ رحمه‌الله لا يريد تشديد الأزمة ، وخصوصاً بعد أنّ وقف على أن بعض الشيعة في مصر ، وحلب ،

__________________

(١) المنتظم ٧ : ٢٣٧ أحداث سنة ٣٩٨ هـ.

(٢) المسائل العكبرية : ١١٩ المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد / ج ٦.

٢٩٣

وبغداد ، كانوا يأتون بـ «محمّد وعلي خير البشر» بعد الحيعلة الثالثة ، والذي نقلنا خبرهما سابقاً ، وأنّ الحسين المعروف بأمير بن شكنبه كان يقولها في مصر (١).

والشيخ كان لا يريد أن يبين نفسه بأنّه يتّفق مع هؤلاء ، لأن الشهادة بالولاية من خلال جملة «حيّ على خير العمل» كانت تعني بطلان خلافة الاخرين الذين غصبوا خلافة الإمام علي الذي هو خير البرية وأنّ ولايته خير العمل.

وبذلك صارت الحيعلة الثالثة شعاراً سياسياً بصرف النظر إلى كونها حكماً شرعياً ، وعلماءُ الشيعة ـ في تلك الأزمان ـ كانوا يريدون الحفاظ على الأمور الثابتة دون تأجيج الخلاف في المختلف فيه من المسائل التي لم تكن ضرورية وإلزامية ، كالشّهادة الصريحة بولاية الإمام عليّ في الأذان.

قال المقريزي : وإنّ جوهراً ـ القائد لِعساكر المعز لدين الله ـ لمّا دخل مصر سنة ٣٥٦ هـ وبنى القاهرة أظهر مذهب الشيعة ، وأذّن في جميع المساجد الجامعة وغيرها بـ «حيّ على خير العمل» ، وأعلن بتفضيل علي ابن أبي طالب على غيره ، وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة رضوان الله عليهم (٢).

وكذا جاء في حوادث سنة ٣٥٨ هـ من وفيات الأعيان : أُقيمت الدعوة للمعزّ في الجامع العتيق ، وسار جوهر إلى جامع ابن طولون ، وأمر بأن يؤذّن فيه بـ «حيّ على خير العمل» وهو أوّل ما أذّن ، ثم أذّن بعده بالجامع العتيق ، وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم (٣).

قال ابن خلّكان بعد الخبر السابق : وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر

__________________

(١) المواعظ والاعتبار = خطط المقريزي ٢ : ٢٧١ ـ ٢٧٢ ، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ : ٢٧٠٢. وفيه : المعروف بأميركا بن شكنبه ، قمّي قدم حلب سنة ٣٤٦ هـ وافداً على سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان ، وتوفّي في عهده أي قبل سنة ٣٥٦ هـ.

(٢) المواعظ والاعتبار = خطط المقريزي ٢ : ٣٤٠.

(٣) وفيات الاعيان ١ : ٣٧٥ ت ١٤٥ ، وانظر اخبار بني عبيد : ٨٥.

٢٩٤

جوهر بالزيادة عقب الخطبة : اللّهم صلّ على محمّد المصطفى ، وعلى عليّ المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اللّهم صل على الأئمة الطاهرين .. (١).

فالإعلان بتفضيل عليّ على غيره (٢) ، والجهر بالصلاة عليه ـ بعد ابن عمّه ـ وعلى فاطمة وعلى الحسن والحسين (٣) ، وكذا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (٤) ، وحيّ على خير العمل (٥) ، والصلاة على الخمسة أهل الكساء (٦) ، كلّها اُمور تصحيحية تبنّاها الفاطميون.

والشيعة آنذاك كانوا يهتمون بتطبيق ما هو الاهم تاركين ما هو المهم.

ولا ينكر الشيخ المفيد ولا غيره من فقهائنا بأنّ الصلاة على محمّد وآله قد جاءت في التشهّد ، والتسليم ، وخطبة صلاة الجمعة ، وفي غيرها من عشرات الموارد التي سنذكرها لاحقاً إن شاء الله تعالى (٧) ، فكان اعتقاد فقهاء الإمامية هو أنّ عمل هؤلاء كاف للحفاظ على الشـرعية والشعارية في أمر الولاية في مثل هذه الأمور.

وقد مرّ عليك سابقاً بأنّ الشيعة ـ في سنة ٣٤٧ هـ ـ زادوا في حلب «حيَّ على خير العمل محمّد وعلي خير البشر» (٨) ، وضربوا على دنانيرهم : «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فاطمة الزهراء ، الحسن ،

__________________

(١) وفيات الاعيان ١ : ٣٧٩ ، تاريخ الخلفاء : ٤٠٢.

(٢) المواعظ والاعتبار ٢ : ٣٤٠ ، وفيات الاعيان ١ : ٣٧٩ ، تاريخ الخلفاء : ٤٠٢.

(٣) المواعظ والاعتبار ٢ : ٣٤٠ ، وفيات الاعيان ١ : ٣٧٩ ، تاريخ الخلفاء : ٤٠٢.

(٤) وفيات الاعيان ١ : ٣٧٥ ، اخبار بني عبيد ١ : ٨٤ ، شذرات الذهب ٣ : ١٠٠.

(٥) انظر مصادر ذلك في كتابنا «حي على خير العمل الشرعيّة والشعاريّة».

(٦) تاريخ الخلفاء : ٤٠٢.

(٧) كان من المقرر بحثها لكنا تركناها خشية الاطالة.

(٨) خطط المقريزي ٢ : ٢٧١ ـ ٢٧٢.

٢٩٥

الحسين ، جبرئيل» (١).

نعم إنّ أعمالاً كهذه في مصر والشام وغيرها كانت تثير حفيظة العباسيين في بغداد وغيرها من البقاع التي كانت تحت سلطنتهم ، فمن المنطقيّ جدّاً أن يترك الشيخ المفيد في كتبه ذِكْرَ الشهادة بالولاية لعليّ تخفيفاً لحدّة النزاع الدائر آنذاك ؛ لما فيها من حساسية مذهبية ؛ ولأنّها ليست جزءاً واجباً في الأذان تلزمه الإتيان بها في كل الظروف.

قال الذهبي : إنّ الرافضة شمخت بأنفها في مصر ، والحجاز ، والشام ، والمغرب بالدولة العبيدية ، وبالعراق والجزيرة والعجم ببني بويه ... وأعلن الأذان بالشام ومصر بـ «حي على خير العمل» (٢).

وقال ابن كثير : ... استقرّت يد الفاطميّين على دمشق في سنة ٣٦٠ هـ وأذّن فيها وفي نواحيها بـ «حي على خير العمل» أكثر من مائة سنة ، وكتب لعنة الشيخين على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد .. (٣).

ومر عليك أيضاً ما حكاه أبو الفرج الاصفهاني المتوفى ٣٥٦ عن أذان رجل من القطيعة في بغداد ، وفيه : أشهد أنّ عليّاً ولي الله ، محمّد وعلي خير البشر.

والآن استمع لما يحكيه ناصر خسرو المروزيّ الملّقب بالحجّة المتوفّى سنة ٤٥٠ هـ عما شاهده في رحلته إلى اليمامة سنة ٣٩٤ هـ ، وحديثه عن أحوال مدينتها ، قال : ...

وأُمراؤها علويّون منذ القديم ، ولم ينتزع أحد هذه الولاية منهم ... ومذهبهم الزيدية ، ويقولون في الإقامة : «محمّد وعلي خير البشر» ، و «حي على خير العمل» (٤).

إذن الشيخ المفيد كان لا يريد تشديد الخلاف بين المسلمين ، لكن هذا لا يعني أنّه

__________________

(١) أعيان الشيعة ٨ : ٢٦٩. وقد يكون في هذا إشارة إلى قصة أصحاب الكساء.

(٢) سير أعلام النبلاء ١٥ : ١٦٠ ، وانظر ١٧ : ٥٠٧.

(٣) البداية والنهاية ١١ : ٢٦٧.

(٤) سفرنامه ناصر خسرو : ١٤٢.

٢٩٦

كان يرى القائلين بالشهادة الثالثة في الأذان أنّهم من المفوضة حسبما صرّح به الصدوق رحمه‌الله ، بل كان يرى جواز الإتيان بالشهادة بالولاية في مفتتح الصلاة (١) ، وقنوت الوتر (٢) ، والتسليم (٣) للروايات الصحيحة الواردة فيها.

وإذا لاحظنا أخبار محبوبية الاقتران بين الشهادات الثلاث في غالب الاُمور العبادية أمكننا أن نميل إلى أنّ الشيخ المفيد كان يذهب إلى القول بإمكان وجودها في الأذان كذلك ؛ وذلك للإطلاق في جميع الموارد ، لكنّ ظروف التقيّة وما لاقاه الشيعة من الظلم والاضطهاد جعلهم يبتعدون عن الجهر بها (٤).

__________________

(١) المقنعة : ١٠٣ وفيه يقول : وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم ودين محمّد وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما أنا من المشركين ... الخ.

(٢) انظر المقنعة : ١٣٠.

(٣) المقنعة : ١١٤.

(٤) وقد احتمل بعض الأعلام هذا المعنى أيضاً ، فقال الشيخ محمّد تقي المجلسي رحمه الله في روضة المتقين ٢ : ٢٤٦ : والأولى أن يقوله على أنّه جزءٌ الايمان لا جزء الأذان ، ويمكن أن يكون واقعاً ويكون سبب تركه التقية كما وقع في كثير من الأخبار ترك «حي على خير العمل» تقية.

وقال الشيخ محمّد رضا النجفي رحمه الله ، جد الشيخ محمّد طه نجف في العدة النجفية شرح اللمعة الدمشقية : الذي يقوى في النفس أنّ السرّ في سقوط الشهادة بالولاية في الأذان إنّما هو التقية ، ومعه فقد يكون هو الحكمة فيطرّد.

وحكي عن السيد الميرزا إبراهيم الاصطهباناتي رحمه الله أنّه قال : إنّها جزء واقعاً لولا الظروف التي لم تسمح ببيان ذلك.

وقال السيّد علي مدد القائني رحمه الله : أنّ العارف بأساليب كلام المعصومين عليهم‌السلام لا يفوته الجزم بأنّ غرض الإمام الصادق الإشارة إلى جزئية الشهادة الثالثة في الأذان الذي يكرّره الإنسان في اليوم والليلة ، ولكن لمّا أوصد سلطان الضلال الأبواب على الأئمة ـ كما تشهد به جدران الحبوس وقعر السجون المظلمة ـ لم يجد الإمام بدّاً من اختيار هذا النحو من البيان لعلمه بتاثير كلامه في نفوس الشيعة وقيامهم بما يأمرهم به في كلّ الأحوال ، وأهمُّها الأذانُ.

وقال المرحوم السيّد عبدالاعلى السبزواري رحمه الله في «مهذب الأحكام» ٦ : ٢١ معلقاً على كلام السيّد اليزدي في العروة بقوله : لعدم التعرض لها في النصوص الواردة في كيفية الأذان والإقامة

٢٩٧

ويتقوّى هذا الاحتمال حينما نعلم أنّ الشيخ المفيد يجيز الكلام في الأذان ؛ لقوله في المقنعة : وإن عرض للمؤذّن حاجة يحتاج إلى الاستعانة عليها بكلام ليس من الأذان فليتكلّم به ، ثمّ يصله من حيث انتهى إليه ما لم يمتـدّ به الزمان ، ولا يجوز أن يتكلّم في الإقامة مع الاختيار (١).

وقال قدس‌سره في المقنعة أيضاً : وليفتتح الصلاة ... ويقول : وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً على ملة إبراهيم ، ودين محمّد ، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما أنا من المشـركين (٢).

وقال أيضاً : ويستحبّ أن يقنت في الوتر بهذا القنوت ـ وهو طو يل نقتطف منه بعض الجمل ـ : اللّهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك وآله الطاهرين ، أفضل ما صلّيت على أحد من خلقك ، اللّهم صلّ على أمير المؤمنين ووصيّ رسول رب العالمين ، اللّهم صلّ على الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامي الهدى ، وصلّ على الأئمة من ولد الحسين : علي بن الحسين ، ومحمّد بن علي ، وجعفر بن محمّد ، وموسى بن جعفر ، وعلي ابن موسى ، ومحمّد بن علي ، وعلي بن محمّد ، والحسن ابن علي ، والخلف الحجة عليهم‌السلام ، اللّهمّ اجعله الإمام المنتظر القائم الذي به ينتصر ،

__________________

ولكنّ الظاهر أنّه لوجود المانع لا لعدم المقتضي ويكفي في اصل الرجحان جملة من الأخبار ـ ثم ذكر مرسلة الاحتجاج وخبر سنان بن طريف وما جاء في أول الوضوء من الشهادة بالولاية لعلي ، وقال : إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع الواردة في الموارد المتفرقة التي يستفاد من مجموعها تلازم تشريع الشهادات الثلاث مع استظهار جمع من الاساطين كالشهيد والشيخ والعلّامة رجحانه في الأذان ، وهذا المقدار يكفي بعد التسامح في ادلة السنن ، وهم يتسامحون في الحكم بالاستحباب في جملة من الموارد باقل قليل من ذلك كما لا يخفى ، قد صارت الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة من شعار الإمامية خلفاً عن سلف من العلماء وطريق الاحتياط الاتيان بها رجاءً ـ ثم ذكر بحثاً مشبعاً عن معنى الخلافة وكيفية جعلها انظر صفحة ٢٢ إلى ٢٨ من كتابه.

(١) المقنعة : ٩٨ / الباب السابع «الأذان والإقامة».

(٢) المقنعة : ١٠٤ / الباب التاسع «كيفية الصلاة وصفتها».

٢٩٨

اللّهمّ انصره نصراً عزيزاً و ... (١).

وقال أيضاً : فليقل في التشهّد والسلام الأخير : بسم الله وبالله والحمد لله ... أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، أشهد أنّ ربّي نعم الربّ ، وأنّ محمّداً نعم الرسول ، وأنّ الجنة حقّ ، والنار حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، وبارك على محمّد وآل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد ، وتحنّن على محمّد وآل محمّد ، كأفضل ما صلّيت وباركت وترحّمت وتحنّنت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، السلام عليك أيُّها النبّي ورحمة الله وبركاته. ويومئُ بوجهه إلى القبلة ويقول : السلام على الأئمّة الراشدين ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٢).

وعلى ضوء ما تقدّم قد يترجّح القول بمحبوبية الشهادة الثالثة في الأذان عند الشيخ المفيد قدس‌سره ، وذلك لوجودها في التشهّد والتسليم وافتتاح الصلاة ، وللعمومات الموجودة في الشريعة ، ولأنّ ذكر عليّ عبادة لا يخلّ بالأذان ، ولكون الشيعة لا يأتون بها على نحو الجزئية ، كلّ ذلك مع معرفتك بالظروف الاستثنائية التي كانت تحيط به رحمه‌الله.

ويمكننا بلا ترديد أن نحتمل احتمالاً معقولاً بأنّ الشيخ المفيد يفتي بجواز الشهادة الثالثة في الأذان ، ولذلك قرينتان ، بل دليلان.

الأُولى : إنّ الشهادة الثالثة كان يؤذَّن بها في عهده في الشام (٣) ، وبغداد (٤) ،

__________________

(١) المقنعة : ١٣٠ / من نفس الباب.

(٢) المقنعة : ١١٣ / من نفس الباب.

(٣) سير اعلام النبلاء ١٥ : ١١٦ ، تاريخ الخلفاء : ٤٠٢ ، البداية والنهاية ١١ : ٢٨٤ ، زبدة الحلب ١ : ١٥٩.

(٤) نشوار المحاضرة ٢ : ١٣٣.

٢٩٩

ومصر (١) ، واليمامة (٢) ، وهذا فعل مبتلىً به ينبغي على الفقيه تناوله في رسالته العملية ، لكن الشيخ المفيد سكت عنه.

وكُلُّنا يعلم بأنّ الرسائل العملية يجب أن يوضح فيها المسائل المبتلى بها عند الناس وأن لا تسكت في الغالب عن حاجيات المؤمنين إلّا أن تكون من أوضح الواضحات عند عموم المكلفين أو أنّها غير مبتلى بها أساساً ، أو لأن الظروف لا تسمح ببيانها ، وهذا معناه أنّ التأذين بالولاية كان جوازه الشرعيّ من أوضح الواضحات حيث لا يمكن القول بأنّها غير مبتلى بها لتأذين الشيعة في الشام وبغداد ومصر واليمامة بذلك.

نعم يمكن القول بأن المفيد كان في غنى ان يشغل نفسه باُمور جائز تركها ، وعلى كلا التقديرين فإن عدم ذكره ، له مخرج معقول.

وملخص الكلام ان موقفه السكوتيّ في الشهادة الثالثة لا يعني موافقته للشيخ الصدوق رحمه‌الله.

والقرينة الثانية للدلالة على الجواز هي قول السيّد المرتضى بجوازها بعد أن سُئل من قبل أهل الموصل ـ الّذين لم يكونوا يشكّون بجوازها ، وأنّ جوازها كانت عندهم من أوضح الواضحات ـ لذلك لم يسألوه عن مشروعيتها بل سالوه عن وجوبها ، والسيّد أرجعهم إلى الواضح عندهم وهو الجواز وأفتى به دون الوجوب ، ومعنى هذا الكلام ان أهل الموصل لو لم يسألوه لما وصلتنا فتواه رحمه‌الله بالجواز.

فحال الشيخ المفيد هو مثل حال السيّد المرتضى ، فلو سُئِلَ لأجاب بالجواز خاصّة ، لأنّه معتقد أغلب الشيعة في ذاك العصر.

__________________

(١) الخطط للمقريزي ٢ : ٢٧٢ ، الكامل في التاريخ ٧ : ٤ ، ٣١ ، المنتظم ١ : ١٤٠ ، وفيات الاعيان ١ : ٣٧٥ ، ٣٧٩ ، تاريخ ابن خلدون ٤ : ٤٨.

(٢) شعر نامه ناصر خسرو : ١٢٢.

٣٠٠