أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

وما قلناه سابقاً يؤكّد لك بأنّ السيرة في الشهادة بالولاية لم تكن قد نشأت في عهد الشيخ الطوسي رحمه‌الله ، أو من بعده ، بل هي كانت سيرة المتشرعة عند أغلب الطوائف الشيعية : زيدية ، وإسماعيلية ، واثني عشرية ، مختلفة في صيغ الأداء فيها ، فبعضهم يقول : «محمّد وعلي خير البشر» ، والآخر «محمّد وآل محمّد خير البرية» ، وثالث «أنّ علياً ولي الله» أو أن «علياً أمير المؤمنين» وأن هذه الصيغ هي التي حكاها الشيخ الصدوق في الفقيه والطوسي في المبسوط والنَّهاية ، وهو مما ينبأ بأن السيرة كانت قائمة على التأذين بها قبل عهد الصدوق عملاً ورواية.

لكن لم تكن هذه السيرة إلزاميّة على جميع المؤمنين ، ولم يؤت بها على نحو الجزئية حتّى نقول بتحقيق الشهرة فيها ، بل هي كانت تؤتى في بعض البقاع دون أُخرى ، وقد تكون في البقعة الواحدة يأتي بها البعض ويتركها الآخر لعدم كونها جزءاً من الأذان وهو ما نعنيه بكلمة الجواز.

فالذي نريد أن نؤكّد عليه هنا هو أنّ هذه السيرة لم يكن مرجعها الشيخ الطوسي حتى يقال فيها ما يقال ، وأنّ الفقهاء من بعده لم يكونوا يتّبعونه في الفتوى بجواز الاتيان بالشهادة بالولاية في الأذان تقليداً ، وإن كانوا يعيرون إليه كمال الاهتمام ، ويأخذون بقوله ويستندون على فتاواه ، مع ما لهم من أدلّة أُخرى كالعمومات ونحوها.

إذن ما ينبغي أن يقال : هو أنّ السيرة في رجحان الشهادة بالولاية مقرونة بتسالم الفقهاء بعدم الإثم في الإتيان بها ، شريطةَ أن لا تكون على نحو الجزئية والشطرية ، وقد أفتى بذلك السيّد المرتضى ، والشيخ الطوسي ، وابن البراج رحمهم الله تعالى وغيرهم ، وإنّ ترك الفقهاء من بعد الشيخ الطوسي التعرض لموضوع الشهادة بالولاية في كتبهم ، لا يعني عدم قولهم بمحبوبيتها بل لتسالمهم على عدم جزئيتها.

٣٤١

وعلى سبيل المثال ، نرى الشهيد الثاني قدس‌سره جمع بين المطلبين في الروضة بقوله : «ولا يجوز اعتقاد شرعيّة غير هذه الفصول في الأذان والإقامة ، كالتشهّد بالولاية لعليّ وأنّ محمّداً وآله خير البرية أو خير البشر وإن كان الواقع كذلك ، فما كلّ واقع حقّاً يجوز إدخاله في العبادات الموظّفة شرعاً المحدودة من الله تعالى ، فيكون إدخال ذلك فيها بدعةً وتشريعاً .. ، ولو فعل هذه الزيادة أو إحداها بنيّة أنّها منه أَثِمَ في اعتقاده ، ولا يبطل الأذان بفعله ، وبدون اعتقاد ذلك لا حرج» (١).

أمّا عدم إشارة البعض إلى حكم من يقول : «محمّد وآل محمّد خير البرية» و «علياً ولي الله» وأمثالها في اذانه ، فقد يعود لعدم شيوع هذا الأمر في ذلك الزمان الذي كانوا يعيشون فيه ، وقد يكون تركهم جاء خوفاً من السلطان الجائر. وقد يكون لجوازه وانه لا يلزم الفقيه الاشارة إليه.

وكذا الحال بالنسبة إلى الذي قد أفتى بالحرمة كالشيخ عبدالجليل القزو يني صاحب كتاب (النقض) باللّغة الفارسية والذي كتبه في سنة ٥٦٠ هـ ، فقد أفتى بالحرمة لأنّه رأى بعض الناس في عهده يقولون بالشهادة بالولاية على أنّها جزء الأذان ، ولأجل ذلك تهجّم عليهم ولعنهم وقال بلزوم إعادة الأذان (٢).

وعليه فالاشارة من الفقهاء تأتي لتعديل حالة الافراط والتفريط في الأمة ولبيان الاحكام الواجبة والمحرمة ، وقد يشار إلى الأمور المكروهة والمستحبة ، أمّا الأمور المباحة فليست هي من وظائف الفقيه.

وأمّا ابن زهرة الحلبي (٣) (٥١١ ـ ٥٨٥ هـ) ، والفضل بن الحسن

__________________

(١) شرح اللمعة ١ : ٥٧١.

(٢) النقض : ٩٧.

(٣) غنية النزوع : ٧٢.

٣٤٢

الطبرسي (١) (ت ٥٤٨ هـ) ، وابن إدريس الحلي (٢) (ت ٥٩٨ هـ) ، وابن حمزة (محمّد بن علي الطوسي) (ت حدود ٥٨٥ هـ) (٣) ، وابن أبي المجد الحلبي (من فقهاء القرن السادس) (٤). والمحقّق الحلي (٥) (٦٠٢ هـ ـ ٦٧٦ هـ) ، والمحقق الآبي ، المعروف بالفاضل (من أعلام القرن السابع) (٦) ، وفخر المحقّقين محمّد بن الحسن بن يوسف (ابن العلّامة الحلي) (٦٨٢ ـ ٧٧١ هـ) (٧) ، فإنّهم لم يتعرّضوا إلى موضوع الشهادة بالولاية في الأذان ، مع أنّهم قد اشاروا إلى الأذان والإقامة وأنّ فصولهما خمسة وثلاثون فصلاً.

نعم ، قال يحيى بن سعيد الحلي (٦٠١ هـ ـ ٦٩٠ هـ) في «الجامع للشرائع» :

والمرويّ في شاذّ الأخبار من قول «أنّ عليّاً ولي الله» ، و «آل محمّد خير البريّة» فليس بمعمول عليه (٨).

وهذا النص من يحيى بن سعيد الحلّيّ يشير إلى وقوفه على ذلك الخبر لأنّه لم يحكه عن الشيخ ، وهو يؤكّد بأنّه رحمه‌الله لم يقل ذلك تقليداً واتّباعاً للشيخ رحمه‌الله ، وإن كان نظره يتّفق مع الشيخ في لزوم ترك الخبر الشاذّ إذا خالف المعمول عليه.

وكذا قال العلّامة الحلّيّ (ت ٧٢٦ هـ) في «منتهى المطلب» :

وأمّا ما روي في الشاذ من قول «أنّ عليّاً وليّ الله» ، و «آل محمّد

__________________

(١) المؤتلف من المختلف بين ائمة السلف ١ : ٨٨.

(٢) السرائر ١ : ٢١٣.

(٣) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٩١.

(٤) اشارة السبق : ٩٠.

(٥) شرائع الإسلام ١ : ٥٩ ، المختصر النافع : ٢٨ ، المعتبر ٢ : ١٣٩ ـ ١٤١.

(٦) كشف الرموز في شرح المختصر النافع ١ : ١٤٥ ، انتهى من تاليفه ٦٧١ هـ.

(٧) ايضاح الفوائد ١ : ٩٤.

(٨) الجامع للشرائع : ٧٣.

٣٤٣

خير البريّة» فممّا لا يعوّل عليه ، قال الشيخ في المبسوط : فإن فعله لم يكن آثماً ، وقال في النهاية : كان مخطئاً (١).

وهذا النصّ من العلّامة قد يفهم بأنّه قد وقف على تلك الأخبار لأنّه لم يحكها اتّباعاً وتقليداً للشيخ رحمه‌الله.

بخلاف ما جاء عنه في (تذكرة الفقهاء) ، حيث قال :

قال الشيخ : ولو عمل عامل بذلك لم يكن مأثوماً ، فأمّا ما رُوي في شواذّ الأخبار من قول : «أنّ عليّاً ولي الله» ، و «آل محمّد خير البرية» فممّا لا يعمل عليه في الأذان ، فمن عمل به كان مخطئاً (٢).

كانت هذه هي النصوص التي وصلتنا من كتب العلماء في أواخر القرن السابع الهجري وحتى أوائل القرن الثامن الهجري ، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ العلّامة لم يشر إلى هذه الحقيقة إلّا في كتابيه المعنيَّين بأمور الخلاف مثل : «منتهى المطلب» و «تذكرة الفقهاء» ، وأمّا في كتبه الأخرى كالتحرير (٣) والمختلف (٤) والتبصرة (٥) وارشاد الاذهان (٦) والقواعد (٧) وتلخيص المرام (٨) فلم يشر إلى ما جاء في شواذّ الأخبار ، وإن ذكر الأذان والإقامة وأنّ فصولهما خمسة وثلاثون فصلاً على الأشهر.

فعدم تعرّضه إلى موضوع الشهادة بالولاية في الأذان ، في الكتب المعنيّة

__________________

(١) منتهى المطلب ٤ : ٣٨١.

(٢) تذكرة الفقهاء ٣ : ٤٥.

(٣) تحرير الاحكام الشرعية ١ : ٢٢٣ طـ مؤسسة الإمام الصادق.

(٤) مختلف الشيعة ٢ : ١٥٠ طـ مكتب الاعلام الإسلامي.

(٥) تبصرة المتعلمين : ٢٥.

(٦) ارشاد الاذهان ١ : ٢٥٠.

(٧) قواعد الاحكام ١ : ٢٦٥ طـ مؤسسة النشر الإسلامي.

(٨) تلخيص المرام : ٢٥.

٣٤٤

بالاستدلال والإفتاء ـ داخل دائرة المذهب الواحد ـ ليشير إلى عدم صيرورة الشهادة بالولاية شعاراً عامّاً لكلّ الشيعة في ذلك الزمان ، وذلك لعدم جزئيته لا لعدم مشروعيته ، إذ الشيعة لم يكن بمقدورهم أن يأتون بها جهاراً من على المآذن ، وإن كان البعض من خلّص الشيعة يأتي بها سرّاً.

فالقول بالجواز شيء ، والقول بالاستحباب أو كونه جزءاً شيء آخر.

بلى ، ان العلّامة الحلي قد اشار في المسألة (٨٤) من كتابه «مختلف الشيعة» وبعد نقله كلام الشيخ في عدم جواز الاستنشاق قبل المضمضة ، وكلام ابن حمزة في استحباب الابتداء بالمضمضة قال : وها هنا بحث لابد من تحقيقه وهو : أن كيفيّات الافعال المندوبة إذا غيّرت هل يكون حراماً أم لا؟

الوجه : أن المغيِّر إن اعتقدّ مشروعيتها على الوجه الذي غيّره كان ماثوماً في اعتقاده إذا لم يستند فيه إلى دليل ، وان لم يعتقد المشروعية فالوجه أن الفعل يقع لاغياً لا اثم عليه ولا ثواب فيه (١).

وما نحن فيه يمكن أن يكون من هذا القبيل مع التأكيد على ان الاتي بالشهادة الثالثة لا يأتي بها على نحو الجزئية حتى يكون مأثوماً بل يأتي بها لرجاء المطلوبية ولمحبوبيتها الذاتية وله دليل عليها ، إذ صرح الشيخ الطوسي بوجود أخبار شاذة قد وقف عليها ، وأن عدم عمل الأصحاب بها قد تكون لتقية وقد تكون لشي آخر.

وبهذا فقد عرفنا أن الشيخ وابن البرّاج ، والعلّامة رحمهم الله تعالى ، وغيرهم كانوا يخالفون من يأتي بها كجزء في الأذان ؛ لعدم الدليل عندهم عليها ، في حين أنّهم يجيزون الاتيان بها لمطلق القربة لأدلّة أخرى عندهم ، وقد وضّح العلّامة الحلي الشق الأوّل [وهو نفي الجزئية] في (نهاية الأحكام) تاركاً الشق الاخر إذ قال :

ولا يجوز قول (أنّ عليّاً وليّ الله) و (آل محمّد خير البرية) في

__________________

(١) مختلف الشيعة ١ : ١٣٥ ط منظمة الاعلام الإسلامي.

٣٤٥

فصول الأذان ، لعدم مشروعيته (١).

وهذا الكلام يقارب كلام الشيخ الطوسي في النهاية : «فمن عمل بها كان مخطئاً» ، مع أنّه قد صرح في المبسوط بأنّه لو أتى بالشهادة الثالثة لم يأثم به.

كما انّ الشهيد الثاني قد ذهب إلى ما ذهب إليه الشيخ الطوسي والعلّامة حسبما مر عليك قبل قليل كلامهما.

وعليه فيحيى بن سعيد الحلي والعلّامة الحلي رحمهما الله تعالى لم يكونا مقلِّدَين للشيخ الطوسي فيما حكاه من الأخبار الشاذّة ، بل يفهم من كلام التقي المجلسي (ت ١٠٧٠ هـ) أنّهما وقفا على تلك الأخبار ، لعدّ المجلسي : الشيخ والعلّامة والشهيد في مرتبة واحدة ، إذ قال :

والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه الكلمات أيضاً كانت في الأصول ، وكانت صحيحة أيضاً ، كما يظهر من الشيخ والعلّامة والشهيد رحمهم الله فإنّهم نسبوها إلى الشذوذ ، والشاذّ ما يكون صحيحاً غير مشهور (٢).

ولو ألقيت نظرةً سر يعةً على تاريخ تلك الفترة وما فيها من صراعات دامية في الموصل والشام ومصر ، وما قام به صلاح الدين الأ يّوبي مع الفاطميين والعلويين لوقفت على سرّ عدم تعرّض الأعلام (٣) إلى ما يدلّ على رجحان الشهادة بالولاية في الكتب الموجودة بين أيدينا.

وبذلك فقد أمكننا وبهذا العرض السريع إعطاء فكرة بسيطة عن سير هذه المسألة الفقهية الكلامية ، وما يمكن أن يستند عليه في الأحكام الشرعيّة عند

__________________

(١) نهاية الاحكام ١ : ٤١٢.

(٢) روضة المتقين ٢ : ٢٤٥. في المصدر المحقق بدل (الشيخ).

(٣) ما بين ابن البراج (ت ٤٨١ هـ) ويحيى بن سعيد الحلي (ت ٦٨٩ هـ) أي بمدة قرنين

٣٤٦

القدماء والمتأخّرين.

وكذا اتّضح للقارئ أنّ الشهادة بالولاية لم تكن سيرة شائعة عند جميع

الشيعة وفي جميع فتراتها ، وان عدم شيوعها لا ينفي محبوبيّتها وجوازها ، بل إنّ في ترك بعض الشيعة لها في بعض الأحيان دلالة قو يّة على عدم قولهم بجزئيتها ، وكذا في عمل البعض الآخر منهم دلالة على محبوبيّتها ، إذ من غير المعقول أن تُطبِق أغلبُ الدول الشيعية على الإتيان بها خصوصاً في ظروف خاصة لا تسمح لهم بالإجهار بها ، فما من حاكم شيعي مبسوط اليد إلّا أتى بـ «حي على خير العمل» مع ما لها من تفسير عن الأئمّة.

ونحن إن شاء الله في الفصل القادم سنواصل بيان هذه السيرة مقرونة مع بيان تسالم الفقهاء على جواز الإتيان بها بقصد القربة المطلقة أو لمحبوبيّتها الذاتية بحسب أخبار اقتران الشهادات الثلاث المارة المعتبرة سنداً. وهو ما يؤكّد جواز الاتيان بهذا العمل المحبوب ان لم تعقبه مخاطر تودّي إلى إراقة الدماء.

وقد يصير الإتيان بهذا العمل مطلوباً بنحو أكيد بالعنوان الثانوي خصوصاً مع دفع اتّهامات المتَّهمين وافتراءات المفترِين الذين يريدون أن ينسبوا الغلوّ إلى شيعة أمير المؤمنين ، فيجب على الشيعة أن يجهروا بالتّوحيد والنبوة مقرونة بالولاية لأمير المؤمنين علي حتى يدفعوا ومن على المآذن تلك الافتراءات ، وهم يعلمون ويؤكّدون في رسائلهم العملية بأنّها ليست من أصل الأذان أو جزءً داخلاً في ماهيته.

٣٤٧

الخلاصة

سبق أن وضحنا في القسم الأوّل وجود فصل في الأذان دالّ على الولاية لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام كنائياً وهو الحيعلة الثالثة ، وكذا فهمنا من فحوى كلام الإمام الكاظم عليه‌السلام أنه يحبّ الحثّ عليها والدعوة إليها ، أي يريد الإتيان بتفسيرها معها.

وفي القسم الثاني بيّنّا موضوع سكوت وتقرير الإمام الحجّة في عصر الغيبة ، وأنّه قد يمكن التمسّك به عند البعضِ كدليل لإثبات القول بجواز الشهادة الثالثة إن ثبت إجماع الطائفة على الجواز.

أمّا القسم الثالث فكان الكلام فيه عن بيان مغزى كلام فقهائنا الأقدمين من الشيخ الصدوق (ت ٣٨١ هـ) إلى العلّامة الحلي (ت ٧٢٦ هـ).

* فقد ورد عن الشيخ الصدوق رحمه‌الله لعنه المفوّضة ، لوضعهم أخباراً في زيادة الشهادة الثالثة في الأذان ، لكنّه ترك لعن المتّهمين بالتفويض ، وهذا يشير إلى احتمال تفريقه بين الأمرين ، فهو رحمه‌الله قد ترحم على من لم يلتق معهم في المذهب وروى عنهم ولم يلعنهم ، وهذا ليؤكّد أنّه عنى بمن لعنهم الأئمّة صراحةً كالمفوّضة القائلين بالجزئية على نحو الخصوص ، وقد احتملنا في صدور موقف الصدوق رحمه‌الله ثلاثة احتمالات :

الأوّل : أنّه عنى القائلين بالجزئية الواضعين الأخبار فيها ، أمّا القائلون بمحبوبيّتها النفسيّة فلا يعنيهم في كلامه ، لأنّ من الصعب أن يلعن رحمه‌الله من اجتهد من الشيعة وأفتى بمحبوبيّتها ، لأنّ رجحان ذلك لا غبار عليه ، خصوصاً وهم يؤكدون أنّهم يأتون بها لا على نحو الجزئية الواجبة لأنّها لو كانت جزءاً لاتّحدت

٣٤٨

الصيغ عندهم ، ولما اختلفت ، فتارة يروون «محمّد وآل محمّد خير البرية» ، وأخرى «أشهد أن عليّاً ولي الله» .. وثالثة ورابعة ، وتارة يأتون بها بعد الحيعلة الثالثة ، وأُخرى بعد الشهادة الثانية.

وقد يكون الذين سُمُّوا بالمفوِّضة عند الصدوق لم يأتوا بها للأخبار الموضوعة من قبل المفوِّضة ، بل لما وجدوها في العمومات الواردة في رجحان الشهادة الثالثة في كلّ شيء ، وبذلك يكون مثلهم مثل العامّة الآتين بأشياء موجودة في أخبارنا ، فنحن نأخذ بها لورودها في أخبارنا لا لعمل العامّة بها.

الثاني : أنّه قالها تقيةً ، لإقراره رحمه‌الله بأنّ التقية واجبة إلى قيام يوم الدين ، ولكون بعض مشايخه من العامّة وقيل بأن بعضهم كان من النواصب ، فقد روى الصدوق عن أحمد بن الحسين الضبّي الذي بلغ من نصبه أنه كان يقول : اللهم صل على محمّد فرداً ، ويمتنع من الصلاة على آله.

وكذلك قوله رحمه‌الله «ولا باس أن يقال في صلاة الغداة على إثر «حي على خير العمل» : الصلاة خير من النوم مرتين للتقية» فإنّه يشير بوضوح إلى صدور النص عنه تقيةً ، لأنّ المؤذّن لو كان في حال التقية فلا يمكنه أن يجهر بـ «حيّ على خير العمل» ، وإن لم يكن في حال التقية فلا يجوز له أن يقول «الصلاة خير من النوم» ، وقد يكون تشدّد في الشهادة الثالثة للحفاظ على أرواح البقية الباقية من الشيعة ، والبراءة الشكليّة ممن يقولونها ، لأنّ الشهادة بالولاية لم تكن واجبة حتى يصرَّ عليها ، مع أنّ كثيراً من الأحكام تترك تقية ، فكيف لا يجوز ترك ما هو جائز الإتيان به؟

بعكس المفوّضة فهم من الشيعة المتطرفين الذين لا يتّقون ولا يهابون الحكّام والموت ، فكانوا يجهرون بها تحديّاً للسلطان والمنهج المنحرف عن آل البيت ، والشيخ الصدوق كان لا يرتضي إقدامهم وتهورهم ولهذا تهجّم عليهم.

٣٤٩

الثالث : أنّه اتّبع مشايخه الثقات الذين تسرّعوا في الحكم بالوضع على بعض الأخبار والأصول ، كما شاهدناه في اتّباعه لشيخه ابن الوليد بالحكم بوضع موسى الهمداني لأَ صْلَي زيد الزراد والنرسي ، في حين اجمع الأصحاب على خطأ هذا الحكم من قبل ابن الوليد ومن تبعه كالشيخ الصدوق رحمه‌الله ، ومثل هذا يشكّكنا فيما يجتهد فيه ودعانا التأمّل بحكمه بوضع أخبار الشهادة الثالثة ومن قبل المفوّضة.

* وفي عصر الشيخ المفيد (ت ٤١٣ هـ) تساءلنا عن سبب تركه رحمه‌الله الاعتراض على الصدوق في هذه المفردة ، مع أنّه صحّح اعتقاداته في كتاب آخر ، وهل يعني ذلك تأييده له أم لا؟ فقلنا : إنّ الشيخ لم يقبل ما رواه الصدوق في فصول الأذان ، والشهادة الثالثة لم تكن عنده بتلك الأهمية ؛ لاعتقاده بعدم كونها من أصل الأذان ، بمعنى جواز فعلها أو تركها ، وأنه رحمه‌الله كان لا يريد الدخول في أُمور جزئية اجتهادية مع الآخرين ، لأنّ الإفتاء بشيء حسّاس كالشهادة الثالثة ـ وإن كان بالجواز ـ قد يسبّب مشكلة بين الشيعة أنفسهم ، في حين هم بأمس الحاجة إلى وحدة الكلمة ، لأنّ الحكومات الشيعية كانت في تصاعُد وتَنَام في عهده ، وكانوا يؤذّنون بـ «محمّد وعلي خير البشر» في مصر وحلب وبغداد واليمامة ، وكان الشيخ المفيد لا يريد أن يبيّن أنّه يتّفق مع هذه الحكومات أو يختلف معهم ، المُهِمُّ أنّه رأى الكفاية فيما تأتي به بعض الشيعة للدلالة على الجواز ولا داعي للإفتاء صريحاً بذلك ، وخصوصاً أنّه رحمه‌الله لم يُسْئَل ـ كتلميذه المرتضى ـ حتى يجيب.

والخلاصة : أنّ الشيخ اكتفى ببيان الضروري في الأذان وهو جزئيّة الحيعلة الثالثة ، وفي مطاوي كلامه ترى ما يدلّ على قوله بالجواز ، لأنّه لا يرى بأساً بالكلام في الأذانِ ، والشهادةُ بالولاية من الكلام قطعاً فلا يخلّ بالأذان حسب قوله ومبناه ، بل إنّ سكوته هو إمضاء لفعل الشيعة في حدود قولهم بالجواز ، أمّا لو اعتقدوا بالجزئية وأتوا بها على هذا الاعتقاد فمن البعيد أن يسكت الشيخ المفيد على خطائهم.

٣٥٠

ومن هنا نفهم بأنّ الشيخ المفيد لا يتّفق مع الشيخ الصدوق في إتّهام القائلين بالشهادة الثالثة بالوضع والزيادة ، لأنّه كان يرى جواز فعلها لأنّها من الكلام الراجح والمحبوب ، وكان يعلم بأنّ الناس في عهده لا يأتون بها على أنّها جزء ، لاختلاف الصيغ المُؤَدّاة من قبلهم ، إذ أنّ البعض منهم يأتي بها بعد الحيعلة الثالثة والآخر بعد الشهادة الثانية.

في حين أنّ الشيخ الصدوق كان يعتقد أنّهم يأتون بها على نحو الجزئية واضعين في ذلك الأخبار ولاجل ذلك تهجم عليهم.

* وأمّا السيّد المرتضى (ت ٤٣٦ هـ) ، فهو أوّل من أعلن فتوائيّاً الجواز بالشهادة بالولاية في الأذان بـ جملة «محمّد وعلي خير البشر» ، وذلك بعدما سئل من قبل أهل الموصل فقال رحمه‌الله : «إن قال : محمّد وعلي خير البشر ، على أنّ ذلك من قوله خارجٌ من لفظ الأذان جاز ، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة ، وإن لم يكن فلا شيء عليه».

فالفقرة الأولى من كلامه رحمه‌الله واضحة لا تحتاج إلى تعليق ، والفقرة الأخيرة «وان لم يكن فلا شيء عليه» ، فالظاهر في «يكن» هنا التامة لا الناقصة ، أي أنّ المؤذن إذا لم يقلها فلا شي عليه ، ويحتمل أن يكون معناها أنّ المؤذّن لو قالها على أنّها جزء فلا شيء عليه ، وهو احتمال مرجوح بنظرنا ، والسياق يأباه تماماً.

إنّ فتوى السيّد المرتضى بجواز القول بـ «محمّد وعلي خير البشر» دعم حقيقي لسيرة الشيعة آنذاك في بغداد ، وشمال العراق ، ومصر ، والشام ، وإيران ، والسيّد المرتضى أيضاً نفى الجزئية والوجوب على منوال الصدوق ، وأمّا الجواز فالمرتضى قائل به ، وكذلك الصدوق حسبما استظهرناه.

ومن هنا نعلم بأنّ هذه الصيغ موجودة في شواذّ الأخبار ـ وربما في أخبار اخرى ـ وفي العمومات لا في روايات المفوّضة ، وهذا يؤكّد استمرار الشيعة من بداية الغيبة

٣٥١

الكبرى إلى عهد السيّد المرتضى في التأذين بها ، استناداً لما رواه الفضل بن شاذان عن ابن ابي عمير عن ابى الحسن الكاظم المار سابقاً ولغير ذلك من الأدلّة ، وأنّه رحمه‌الله لم يتعامل مع الشهادة الثالثة كما تعامل مع «الصلاة خير من النوم» حيث اعتبر الأولى جائزة والثانية بدعة وحراماً.

* أفتى الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) بعدم إثم من قال بالشهادة الثالثة ، لان الشهادة بالولاية عنده أمر مباح جائز الفعل والترك ، وهو ليس بمستحبّ «ولا من كمال فصوله» كالقنوت.

الشيخ رحمه‌الله لا يمنع العمل بالأخبار الشاذّة إلّا إذا امتنع الجمع ، وهو يفهم بأنّ الشاذّ عنده له حجيّة بنحو الاقتضاء لا الفعلية ، لأنّ الترجيح فرع الحجية الاقتضائية.

واللاّفت للنظر هو أنّ الشيخ أول من صَرَّح بوجود أخبار شاذّة في الشهادة بالولاية ، دون أن يرميها بالوضع كما فعل الصدوق رحمه‌الله ، وهو يتضمّن إمكانية اعتبارها في مرتبة ما من مراتب الاعتبار الشرعي ، والمراجع لكتاب الاستبصار يرى أنّ الشيخ لا يترك الأخبار الشاذّة بالمّرة وإن أمكنه الحمل على الجواز أو الاستحباب حَمَلها على ذلك ، وقد مر عليك بأنّه رحمه‌الله قد حكم بالشذوذ على الرواية التي أوجبت الوضوء من قص الأظافر بالحديد وترك العمل بها ، لكنّه لم يترك القول باستحباب الوضوء جمعاً بين الأدلة.

فالّذي نحتمله هنا أنّ الشيخ تعامل مع روايات الشهادة الشاذّة على منوال رواية الوضوء من الحديد ، فأفتى بالجواز استناداً لذلك.

هذا ، وإنّ فتواه رحمه‌الله تكشف عن سيرة بعض المتشرّعة في عصره ـ في حدود من يرجع له بالفتوى ـ وأنّها امتداد للسيرة التي كانت في عصر المرتضى رحمه‌الله ، وهذا يعني بأنّ لهذه السيرة وجوداً في العصور المتأخرة تدور مدار المرتضى والطوسي وغيرهما ممن أفتى بالجواز ، وهم مشهور الطائفة.

٣٥٢

وعليه فغالب العلماء بدءً من الصدوق والمفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي وختماً بالفقهاء المتأخرين ومتأخّري المتأخّرين لا يرتضون جزئيّتها ، وفي الوقت نفسه يذهبون إلى جوازها.

وإنّ مطالبة البعض بنقل تواتر الأخبار واشتهاره بين الفقهاء في كلّ الأزمان حتّى تصير سيرة متصلة بعصر النص ممّا يأباه العقل ، لأنّ الحكومات الظالمة كانت تقتلنا وتدفننا أحياءً بين الجدران وأنّ وصول أمثال هذه الروايات الشاذّة قد كلَّفنا الكثير ، فكيف يريد هذا البعض نقل التواتر على ما ندّعيه وخصوصاً نحن لا نريد إثبات الجزئية؟!

* أمّا ابن البرّاج (ت ٤٨١ هـ) فهو أوّل من أفتى باستحباب الشهادة بالولاية ولكن على نحو قَوْلها في النفس ، وفي مثل هذه الفتوى نقلةٌ نوعيّة من فتوى الجواز عند السيّد المرتضى والشيخ الطوسي إلى القول بالاستحباب بها في النفس ، والمناطُ واحد في الجميع وهو التبرّك والتيمّن.

والمثير للانتباه أنّ ابن البرّاج قيّد الشهادة الثالثة بالعدد أعني المرَّتين ، ومعلوم بأنّ مثل هذا القيد يستبعد أن يكون عن حدس واجتهاد ، بل هو مبتَن على وجود رواية قد شاهدها ابن البراج عن حِسٍّ ، إذ يلوح من التقييد بعدد مخصوص التوقيفيَّةُ ، والتوقيفيّةُ لا يناسبها إلّا الأخبار والروايات ، يشهد لذلك أنّ جملة «محمّد وآل محمّد خير البرية» هي عينها التي جزم الشيخ الطوسي بورود الأخبار الشاذّة بها ، وشهادة الصدوق بأنّها موضوعة ، ومعنى هذا أنّ هذه الأخبار ليست بشاذّة عند ابن البراج ولا موضوعة.

وممّا يجب التنبيه عليه أنّ الاستحباب عند ابن البراج لا علاقة له بماهية الأذان إلّا للتبرّك والتيمّن ، بقرينة الشهادة بها في النفس ، بل نحتمل قويّاً أنّ كلامه قدس‌سره كان ناظراً إلى أمثال حسنة ابن أبي عمير ، فأراد تفسير الحيعلة الثالثة بما أفتى به.

٣٥٣

* أمّا حكاية يحيى بن سعيد الحلي (ت ٦٨٩ هـ) والعلّامة الحلي (ت ٧٢٦ هـ) لشواذّ الأخبار ، فهي لتشير إلى وقوف الحليين على تلك الأخبار بعد الشيخ الطوسي ، وذلك لعدم حكايتهما ذلك عن الشيخ الطوسي ، وهو الأخر يؤكّد بأنّ هذه السيرة عند الشيعة لم يكن مرجعها الشيخ الطوسي ، بل كانت قبله واستمرت من بعده ، وأنّ الفقهاء من بعد الشيخ لم يتّبعوه في الفتوى بالجواز تقليداً بل لوقوفهم على تلك الأخبار ، والتي كانت موجودة إلى عهد العلّامة الحلي.

٣٥٤

الفصل الثاني

* بيان أقوال الفقهاء

المتأخّرين ، ومتأخّري المتأخّرين ،

وبعض المعاصرين

٣٥٥
٣٥٦

بعد أن انتهينا من بيان أقوال الشارع المقدّس وروايات المعصومين ، وسيرة المتشرّعة في عصر القدماء إلى أول المتأخرين ـ اعني العلّامة الحلي رحمه‌الله والنصوص التي وقف عليها قدماء أصحابنا الى أول المتأخرين ، ـ نريد الآن أن نقف على أقوال وآراء متأخّري الأصحاب الناطقة بمحبوبيّة الإتيان بالشهادة بالولاية في الأذان من باب القربة المطلقة مع إصرارهم وتأكيدهم على عدم جزئيتها ، ومخالفتهم لمن أتى بها على نحو الجزئية ، وإنّك من خلال عرضنا لأقوال هؤلاء الفقهاء سترى بأنّا لا نخرج عن إجماعهم ـ أو مشهورهم الأعظم ـ في ما قالوه عن الشهادة الثالثة ؛ لأنّهم يتّفقون على حقيقة واحدة هي رجحانها الذاتيّ ، وأنّ ما نسب إلى البعض من أنّه يذهب إلى تحريم كلّ زيادة في الأذان وإن كانت لرجاء المطلوبيّة ، فهو ـ في أحسن تقاديره ـ رأي شاذّ لا يقاومُ الإجماعَ أو الشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعاً ؛ لأ نّنا وبوقوفنا على كلام متأخّري الأصحاب سنوضح مواضع الالتباس الذي وقع للبعض في تفسيره وسوء فهمه لكلماتهم ، إذ غالب هؤلاء الفقهاء ـ ان لم نقل كلّهم ـ لا يريدون نفي المشروعيّة والمحبوبيّة ، بل يريدون نفي الجزئيّة ، وهذا هو منهجهم في التعامل مع هذه المسألة من عصر القدماء إلى يومنا هذا.

وإليك الآن سير هذه المسألة في القرن الثامن الهجري ، ثمّ القرون التي تلته إلى يومنا هذا.

٣٥٧
٣٥٨

القرن الثامن الهجري

٨ ـ الشهيد الأوّل (٧٣٤ ه‍ ـ ٧٨٦ ه‍)

قال الشهيد الأوّل محمّد بن مكي العـاملي الجزيني في «ذكرى الشيعة» :

الرابعـة : قال الشيخ : وأمّا ما روي في شواذّ الأخبار من قول : «أنّ عليّاً ولي الله» و «آل محمّد خير البرية» ، مما لا يعمل عليه في الأذان ، ومن عمل به كان مخطئاً.

وقال في المبسوط : لو فعل لم يأثم به.

وقال ابن بابويه : والمفوّضة رووا أخباراً وضعوها في الأذان : «محمّد وآل محمّد خير البرية» ، و «أشهد أنّ عليّاً ولي الله» ، وأنّه أمير المؤمنين حقّاً حقّاً ، ولا شكّ أنّ عليّاً وليّ الله ، وأنّ آل محمّد خير البريّة ، وليس ذلك من أصل الأذان (١).

وقال في «البيان» :

قال الشيخ : فأمّا قول : أشهد أنّ عليّاً وليّ الله ، وأنّ محمّداً خير البرية على ما ورد في شواذّ الأخبار فليس بمعمول عليه في الأذان ، ولو فعله الإنسان لم يأثم به ، غير أنّه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله (٢).

__________________

(١) ذكرى الشيعة ٣ : ٢٠٢ ـ ٢٠٣ / باب ما روي في شواذّ الأخبار من قول «أنّ علياً وليّ الله وأن محمّداً خير البرية» في الأذان.

(٢) البيان : ٧٣ ، طـ حجري. وفي تحقيق الشيخ محمّد الحسون للكتاب : ١٤٤ : أشهد أن علياً أمير المؤمنين وآل محمّد خير البرية.

٣٥٩

وقال في «الدروس الشـرعية» :

قال الشيخ : أمّا الشهادة لعلي عليه‌السلام بالولاية وأنّ محمّداً وآله خير البرية فهما من أحكام الإيمان لا من ألفاظ الأذان ، وقطع في النّهاية بتخطئة قائله ، ونسبه ابن بابويه إلى وضع المفوّضة ، وفي المبسوط : لا يأثم به (١).

فالشـهيد الأوّل في هذه النصـوص حكى كلام الشيخ الطوسي ، وليس في كلامه رحمه‌الله ما يشير إلى أنّه قد وقف على تلك الأخبار بنفسه ـ كما استظهرنا ذلك من كلام يحيى بن سعيد الحلي ، والعلّامة الحلي واحتملناه بقوّة ، مؤكّدين أنّ الأخيرين وقفا على أخبار الشهادة الثالثة كالشيخ رحمه‌الله.

لكنّ الشيخ التقيّ المجلسي (٢) عد الشهيد الأوّل مع الشيخ الطوسي والعلّامة ضمن من وقفوا على تلك الأخبار ، وهذا لا يمكن استفادته من «الذكرى» و «البيان» بوضوح ، فقد يكون الشهيد صرّح بما يشير إلى وقوفه عليها ضمن كتبه المفقودة ، أو أنّ المجلسيّ عدّه مع الشيخ الطوسي لتبنّيه قول الشيخ وأخذه به في كتابَيْه «ذكرى الشيعة» و «البيان».

وأمّا ما قاله رحمه‌الله في «الدروس» : «فهما من أحكام الإيمان لا من ألفاظ الأذان» ، فهذا ما لا نخالفه ، بل إنّا نقول بما قاله الشيخ الطوسي من عدم الإثم في الإتيان بها ، وأمّا كونها من ألفاظ وفصول الأذان فلا نقول به.

والحاصل : أنّ الذي يظهر من الشـهيد الأوّل هو أنّه يفتي بعدم إثم قائل الشهادة الثالثة في الأذان بشرط عدم اعتقاد الجزئية فيها ، على غرار فتوى الشيخ الطوسي ،

__________________

(١) الدروس الشرعية في فقه الإمامية ١ : ١٦٢ ، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي.

(٢) روضة المتقين ٢ : ٢٤٥ ، والذي مر عليك قبل قليل في صفحة ٣٣٩.

٣٦٠