أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

السيد علي الشهرستاني

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله بين الشرعيّة والابتداع

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٠٨

ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته.

فقال عمر : ما أغنانا بما معنا من القرآن عمّا تدعونا إليه (١).

وفي مناقب ابن شهرآشوب : انه [أي علي] آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه إلّا للصلاة حين يؤلف القرآن ويجمعه ، فانقطع عنهم مدة إلى أن جمعه ، ثم خرج إليهم به في ازار يحمله وهم مجتمعون في المسجد ، فانكروا مصيره بعد انقطاع مع البته ، فقالوا : الأمر ما جاء به أبو الحسن ، فلما توسطهم وضع الكتاب بينهم ثم قال : ان رسول الله قال : اني مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وهذا الكتاب وانا العترة.

فقام إليه الثاني فقال له : ان يكن عندك قرآن فعندنا مثله فلا حاجة لنا فيكما ، فحمل الكتاب وعاد بعد ان الزمهم الحجة (٢).

وفي الاحتجاج : فلمّا فتحه أبو بكر خرج في أوّل صفحة فتحها فضائح القوم ، فوثب عمر وقال : يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه (٣).

وقيل : بأنّ الإمام عليّاً أرسل مصحفه إلى عثمان لمّا أراد جمع القرآن فردّه (٤).

نعم ، إنّهم ردّوا مصحف علي المفسّر ، وهو أعلم الناس بتنز يله وتأويله ، وكذا

__________________

(١) كتاب سليم : ١٤٧ الحديث الرابع ، وعنه في بحار الأنوار ٢٨ : ٢٥٦ / ح ٤٥ / الباب الرابع ، و٨٩ : ٤١ / باب ما جاء في كيفية جمع القران. وفي اصول الكافي ٢ : ٦٣٣ ان الصادق عليه‌السلام اخرج مصحف علي وقال : اخرجه علي عليه‌السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم : هذا كتاب الله عزّوجلّ كما انزله الله على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد جمعته من اللوحين ، فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه.

فقال : اما والله ما ترونه بعد يومكم هذا ابدا انما كان عليّ أن اخبركم حين جمعته لتقرؤوه.

(٢) مناقب ابن شهرآشوب ١ : ٣١٩.

(٣) الاحتجاج ١ : ٢٢٨ ، وعنه في بحار الأنوار ٨٩ : ٤٠ / ح ١ / باب ما جاء في كيفية جمع القرآن.

(٤) انظر الكافي ٢ : ٦٣٣ / ح ٢٣.

٢٠١

تركوا قراءة ابن مسعود ذلك الغلام المُعَلّم (١) حسب تعبير الرسول والذي أمر صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقراءة وفق مصحفه بقوله : (اقرؤوا بقراءة ابن أُمّ عبد) (٢) ، وأيضاً لم يأخذوا بقراءة عبدالله بن عباس وهو حبر الأمة في كثير من الآيات ، بل لم يكتفوا بذلك حتى نسبوا إليه الإسرائيليات في التفسير ، ولم يكن ذلك إلّا اتّباعاً للسياسة المسنونة المشؤومة.

إنّها سياسة الحكّام وبني أميّة وقريش في ردّ ما هو مرتبط بأهل البيت وذو يهم ، والاستنان بسنّة الخلفاء ، وقد أكّدت الصدّيقة فاطمة الزهراء على هذه الحقيقة في خطاب وجّهته إلى نساء المهاجرين والأنصار ، قالت فيه : «ويعرف التالون غب ما أسّس الأوّلون ...» (٣).

اذن قضية الأذان لا تختلف عن القرآن ، فالخُلّص من الصحابة كانوا يفتحون بعض جمله كالحيعلة الثالثة ، لكونهم قد عرفوا معناها ، أو لدفع تهمة الغلوّ عنهم ، أو لرفع شأن ومنزلة الإمام علي عند المنكرين لها ، وهذا هو الذي دعا عمر للوقوف ضدّه ، ورفع الحيعلة الثالثة من الأذان.

والأفصح من ذلك ما جاء في كتاب الفضائل لابن شاذان بإسناده إلى المقداد بن الأسود الكندي ، قال : كنّا مع سيّدنا رسول الله وهو متعلّق بأستار الكعبة وهو يقول : اللَّهم أعضدني واشدد أَزْري ، واشرح صدري ، وارفع ذكري ، فنزل عليه جبرئيل عليه‌السلام وقال : اقرأ يا محمّد.

قال : وما أقرأ؟

__________________

(١) المعجم الكبير ٩ : ٧٩ / ح ٨٤٥٧ ، تاريخ دمشق ٣٣ : ٧٠ ، ٧٢ ، سير اعلام النبلاء ١ : ٤٦٥ ، النَّهاية في غريب الاثر ، للجزري ٣ : ٢٩٢ : غُليم معلَّم ، أي ملهم للصواب والخير.

(٢) سنن ابن ماجه ١ : ٤٩ / ح ١٣٨ ، مسند أحمد ١ : ٧ / ح ٣٥.

(٣) معاني الأخبار : ٣٥٥ ، بلاغات النساء : ٢٠ ، أمالي الطوسي : ٣٧٦.

٢٠٢

قال : اقرأ (أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) مع علي بن أبي طالب صهرك.

فقرأها النبيّ وأثبتها عبدالله بن مسعود في مصحفه ، فأسقطها عثمان ابن عفان حين وحّد المصاحف ولا إشكال في ذلك لأنّها ليست من القرآن المقروء (١).

فالمعية في قوله (مع علي بن أبي طالب صهرك) صريحة في لزوم رفع ذكر الوصي مع رفع ذكر النبي ، فتكون هذه الرواية وما كان على شاكلتها فيما يمكن أن يقال استناداً للعموم الآنف بمحبوبيّة ذكر عليّ بعد النبيّ بنحو مطلق ، وهو بالتالي من الأدلّة على اقتران ذكر علي بذكر النبيّ.

وفي اُخرى عن عبدالله بن مسعود أنّه كان يقرأ قوله تعالى (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) بعلي بن أبي طالب صهرك (٢).

والباء في (بعلي) للسببية ، أي بسبب علي بن أبي طالب سيبقى ذكرك وأنّه سيحفظ شريعتك من الضلال ، وأنّ كلمة (صهرك) فيها إشارة إلى ديمومية النهج النبوي بواسطة علي وفاطمة وآل البيت الطاهرين المطّهرين ، وهو معنى آخر لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «خلفائي اثنا عشر كلّهم من قريش» (٣) وهم عليّ والأحد عشر من ولد فاطمة ، وهو كذلك بيان ضمنيّ لمعنى «لا تصلّوا عَلَيَّ الصلاة البتراء» ، بل قولوا : «اللهم صَلِّ على محمّد وآل محمّد» و «حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ

__________________

(١) الفضائل لابن شاذان : ١٥١ ، وعنه في بحار الأنوار ٣٦ : ١١٦ / ح ٦٣ / الباب ٣٩ ، وفيه «بعلي صهرك».

(٢) نفس الرحمن في فضائل سلمان للنوري : ٤٦٣ عن الفضائل المنتخبة عن سلمان ، عن النبي أنّه قال : أوحى الله تعالى إليّ ليلة المعراج : يا محمّد رفعت ذكرك بعلي صهرك. وانظر الروضة لابن شاذان : ١٦٨ كذلك.

(٣) صحيح البخاري ٦ : ٢٦٤٠ / ح ٦٧٩٦ ، صحيح مسلم ٣ : ١٤٥٢ / ح ١٨٢١.

٢٠٣

الله من أحبّ حسيناً» (١) و «أنا وعليّ أبوا هذه الأمة» (٢) ، و «فاطمة أم أبيها» (٣) ، وغيرها من الأحاديث الكثيرة الدالة على الاقتران ووحدة الملاك بين الرسالة والإمامة ، وهي التي جاءت نصّاً وإجمالاً في كثير من الأمور العبادية والأدعية في أطار الصلاة على محمّد وآل محمّد.

وبما أنّ الله رفع ذكر الرسول في الأذان ، والتشهد ، والخطبة ـ كما في روايات العامة والخاصة ، ولمناسبة الحكم والموضوع بين النبي والوصي ، ولوحدة الملاك الموجود في اقتران الشهادات الثلاث معاً ، ولمدخليّة موضـوع الولاية في العبادات ـ يمكن القول بحقيقة اقتران ذكر عليّ عند ذكر النبيّ في مواطن الذكر العامّة ، وأنّ مثل هذا الاقتران محبوب بنحو مطلق في الشريعة ، لكن ننبّه على أنّ مثل هذه المحبوبية عند مشهور فقهاء الإمامية لا تؤسّس حكماً شرعياً يجعل من ذكر علي في الأذان جزءاً واجباً ، بل ولا مستحباً ، كلّ ما يمكن استفادته بأنّ ذكره محبوب في الأذان وفي غيره للاقتران ؛ لكن لا بعنوان الجزء الواجب أو المستحب في خصوص الأذان.

ومما تجب الإشارة إليه هنا هو استظهار بعض الأفاضل بأنّ ذكر عليّ في الأذان راجحٌ للاقتران في الواجبات ، فالاقتران ملاحظ في التشهّد والخطبة في صلاة الجمعة وغيرها ؛ وبما أنّ الموردين الاخيرين (أي التشهد والخطبة) عليهما روايات كثيرة في كتبنا ، يبقى الأذان هو الذي يجب الانتصار له ، وطبق قاعدة الاقتران العقليّ والشرعيّ

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٥١ / ح ١٤٤ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٥٨ / ح ٣٧٧٥ قال : حديث حسن ، وإنّما نعرفه من حديث عبدالله بن عثمان بن خثيم ، وقد رواه غير واحد عنه. ورواه الحاكم في المستدرك ٣ : ١٩٤ ، قال : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(٢) المفردات في غريب القرآن : ٧ ، اتّفاق المباني وافتراق المعاني : ٢٣٣ ، علل الشرائع ١ : ١٢٧ ، الغارات ٢ : ٧١٧ ، ٧٤٥.

(٣) المعجم الكبير ٢٢ : ٣٩٧ / ٩٨٥ ، المقتنى في سرد الكنى ٢ : ١٦٧ ، الاستيعاب ٤ : ١٨٩٩ ، تاريخ دمشق ٣ : ١٥٨ ، الإصابة ٨ : ٥٣ / الترجمة ١١٥٨٣ ، لفاطمة الزهراء سلام الله عليها.

٢٠٤

قد يسوّغ القول برجحان الإتيان بالشهادة الثالثة فيه ، وهذا ما أراد البعض الذهاب إليه في بحوثه ، إذ من المناسب أن تكون النصوص الشرعية التي تجيز ذكر الإمام عليّ في التشهّد والخطبة تنطوي على ملاك ذكره في الأذان بحسب أصول تنقيح المناط العقلية ، وهذا الكلام وإن كنّا قد لا نقبله على عمومه ، لكنّه قول كان علينا ذكره.

ومن الروايات التي تؤكّد على وحدة المناط بين الرسول والوصي ، ما جاء في أمالي الصدوق : حدّثنا علي بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبدالله البرقي رضي‌الله‌عنه ، قال : حدثنا أبي ، عن جدّه ، عن أبي عبدالله البرقي ، عن أبيه محمّد بن خالد البرقي ، قال : حدّثنا سهل بن المرزبان الفارسي ، قال حدثنا محمّد بن منصور ، عن عبدالله بن جعفر ، عن محمّد بن فيض بن المختار ، عن الفيض بن المختار ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، عن آبائه ، عن جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله [في عليّ عليه‌السلام] : وما أكرمني الله بكرامة إلّا وقد أكرمك بمثلها (١) ، وفي آخر : ما ذُكرتُ إلّا ذُكرتَ معي (٢). وقد روت العامّة عن رسول الله قريباً من هذا ، إذ قال الرسول لعلي : ما سألتُ ربّي شيئاً في صلاتي إلّا أعطاني ، وما سألتُ لنفسي شيئاً إلّا سالتُ لك (٣).

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٥٨٢ / ، المجلس الرابع والسبعون / ح ١٦.

(٢) جاء في الرسالة العملية للشيخ زين العابدين خان الكرماني (الموجز في احكام الطهارة والصلاة والصوم ...) صفحة ١٧٤ طـ مطبعة السعادة ، ببلدة كرمان في سنة ١٣٥٠ هـ ، فصل كيفية الأذان : روى عن أبي سليمان ، عن رسول الله ، قال : سمعت رسول الله يقول ليلة اسرى بي إلى السماء قال لي الجليل جل جلاله ـ وساق الحديث إلى ان قالـ ثم اطلقت الثانية فاخترت منها علياً وشققت له اسماً من اسمائي فلا أذكر في موضع إلاّ ذكر معي فانا الاعلى وهو علي.

(٣) المعجم الأوسط ٨ : ٤٧ / ح ٧٩١٧ ، مجمع الزوائد ٩ : ١١٠ ، أمالي المحاملي : ٢٠٤ ، ٣٦٨ / ح ١٨٥ ، ٤١٨ ، السنة لابن أبي عاصم ٢ : ٥٩٦ / ح ١٣١٣ ، شرح مذاهب أهل السنة ، لابن شاهين : ١٩١ / ح ١٣٥ ، سنن النسائي الكبرى ٥ : ١٥١ / ح ٨٥٣٢ ، خصائص عليّ : ١٥٦ / ح ١٤٧ ، ١٤٨ ، سنن الترمذي ٢ : ٧٢ / ح ٢٨٢ ، وفيه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام : أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي ، وكذا في سنن البيهقي الكبرى ٣ : ٢١٢ / ح ٥٥٨١ ، ومصنف عبدالرزاق ٢ : ١٤٤ / ح ٢٨٣٦ ، ومسند أحمد ١ : ١٤٦ / ح ١٢٤٣ ، وغيره.

٢٠٥

ويمكن تقريب الاستدلال بخبر الأمالي ، فنقول : إنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، وكذا مقتضى مفهوم الحصر ، يفيد بأنّ كلّ مكرمة لرسول الله هي ممنوحة لعلي كذلك ، بعضها على نحو التشريع وبعضها على نحو التشريف ، وبما أنّ الشهادة بالرسالة في الأذان والإقامة هي مكرمة لرسول الله ، فيمكن أن نأتي بذكر عليّ مع الأذان لا على نحو الجزئية بل لمحبوبيتها النفسية ؛ امتثالاً لما جاء في مرسلة الاحتجاج من قوله عليه‌السلام : «من قال محمّد رسول الله فليقل علي أمير المؤمنين». تحصيلاً للمثليّة التشريفيّة لا التشريعيّة.

وقد جاء عنهم عليهم‌السلام : «ذكرنا عبادة» أو : «ذكر عليٍّ عبادة» (١) ، وفي موثّقة أبي بصير عن أبي عبدالله ، قال : «ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله ولم يذكرونا إلّا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة» ثمّ ، قال : قال أبو جعفر : «إنّ ذكرنا من ذكر الله ، وذكر عدوّنا من ذكر الشيطان» (٢).

تلخّص من جميع ما قلناه لحدّ الآن أنّ الدليل الكنائي الآنف لا يثبت سوى الاقتران وأنّ ذكر علي مقترن بذكر النبي بنحو عام ؛ بالنظر للعمومات والإطلاقات الآنفة عن الروايات والأخبار الصحيحة والمعتبرة ، ولازم ذلك أنّ ذكر علي محبوب في نفسه بنحو مطلق في الأذان وفي غيره ، لكنّ هذا لا يثبت حكماً شرعياً ـ عند مشهور فقهاء الإمامية ـ لا جزءاً واجباً ولا جزءاً مستحبّاً. وبالجملة : فكلّ ما يثبته هذا الدليل هو أنّ ذكر عليّ محبوب بعد ذكر النبيّ في الأذان وفي غيره من دون اعتقاد الجزئية.

__________________

(١) الفردوس بمأثور الخطاب ٣ : ٢٤٤ / ح ٣١٥١ ، عن عائشة ، وعنه في كنز العمال ١١ : ٢٧٦ / ح ٣٢٨٩٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٥٦ ، سمط النجوم العوالي ٣ : ٦٤.

(٢) الكافي ٢ : ٤٩٦ / ح ٢ ، وص ١٨٦ / ح ١ ، وسائل الشيعة ٧ : ١٥٣ / ح ٨٩٨١.

٢٠٦

الشهادة بالولاية على عهد الرسول والأئمّة المعصومين

حكى الشيخ عبدالنبي العراقي ـ عن المرحوم الميرزا هادي الخطيب الخراساني في النجف (١) ـ وغيره عن الشيخ محمّد طه نجف أنّه سمع مَن يثق بدينه أنّه قد وقف على كتاب (السلافة في أمر الخلافة) للشيخ عبدالله المراغي المصري من علماء القرن السابع الهجري في مكتبة المدرسة الظاهرية بدمشق (٢) ، وفيه : أن أبا ذرٍّ ، وفي آخر : سلمان : قد شهدا بالولاية لعليٍّ في أذانهما بعد واقعة الغدير ، وقد سمع ذلك بعض الصحابة ونقلوه إلى رسول الله ، وهم على اعتقاد بأنّ النبيّ سيستنكر هذا الفعل ويوبّخهما ، لكنّهم هم الذين لاقوا التأنيب والتوبيخ من قبل رسول الله ؛ إذ قال لهم بما مضمونه : أما وعيتم خطبتي يوم الغدير لعلي بالولاية؟ وما قلته قبل ذلك في أبي ذر وأنّه أصدق ذي لهجة؟ وإنّي قد عنيت بكلامي أمراً ، وخصوصاً حينما جمعتكم في ذلك الحر الشديد والصحراء الملتهبة عند غدير خُمّ. ويكون معنى كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله إنّي أحبّ أن يُؤتى بهذا ، ولكن لا ألزمكم به.

أنا لا اريد أن استدل بهذا الكلام في بحثي ، لأنّه كلام رجل عامي ومرسل لا يمكن الاعتماد عليه في الاستدلال ، وذلك لوجود قرائن وأدلة قو ية تعينني للوصول إلى ما اريد قوله مستغناً عن هذه الحكاية وامثالها ، لكني في الوقت نفسه لا استبعد صدور هذا النص عن سلمان وأبي ذر ، لأنّهما كان بمقدورهما التعرف على ملاكات الأحكام وروح التشريع ، لكونهما من خلص أصحاب الرسول وحواري الإمام علي.

وقد جاء في كتاب الاحتجاج عن عبدالله بن الصامت ، قال : رأيت أبا ذر

__________________

(١) الهداية في كون الشهادة بالولاية جزء كسائر الاجزاء : ٤٥.

(٢) أخبرني غير واحد بأ نّهما سمعا من أشخاص كانوا قد شاهدوا الكتاب في المكتبة الظاهر ية ، لكنّي لم أقف على الكتاب رغم بحثي عنه أخيراً.

٢٠٧

الغفاري آخذاً بحلقة باب الكعبة مقبلاً على الناس بوجهه وهو يقول : أيّها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فسأنبئه باسمي ، أنا جُندَب بن [جنادة بن] السكن بن عبدالله ، أنا أبو ذر الغفاري ، أنا رابع أربعة ممّن أسلم مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... إلى أن قال : أَيَّتُها الأمّة المتحيّرة بعد نبيّها ، لو قدّمتم من قدّمه الله ، وأ خّرتم من أخّره الله ، وجعلتم الولاية حيث جعلها الله ، لما عال وليّ الله ، ولما ضاع فرض من فرائض الله. ولا اختلف اثنان في حكم من أحكام الله (١).

وما جاء عنه أيضاً : أيّها الناس ، إنّ آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله هم الأسرةُ من نوح ، والآلُ من إبراهيم ، والصفوة والسلالة من إسماعيل ، والعِترَةُ الطيبة الهادية من محمّد ، فأَ نْزِلوا آل محمّد بمنزلة الرأس من الجسد ، بل بمنزلة العينين من الرأس ، فإنّهم فيكم كالسَّماء المرفوعة ، وكالجبال المنصوبة ، وكالشمس الضاحية ، وكالشجرة الزيتونة ، أضاء زيتها ، وبورك وقدها (٢).

وقد جاء عن سلمان في آل البيت أكثر مما قاله أبو ذر عنهم ، وقد اعتبر سلمان من آل البيت لولائه وشدّة معرفته بمقامهم ، وهو الذي قال عنه رسول الله : سلمان منّا أهل البيت (٣) ، ومن أحبّ الوقوف على مكانة سلمان فليراجع كتاب (نفس الرحمن في فضائل سلمان).

وهذه النصوص تتلائم تماماً مع سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث كان يقف دوماً في وجه المعترضين على إمامة الإمام عليّ ، ويُعلِمهم بأنّه عليه‌السلام منه ، وهو منه ، وأنّهما خلقا من نور واحد ، وإليك حديثاً آخر في هذا السياق :

__________________

(١) الاحتجاج ١ : ١٥٨. وانظر معاني الاخبار : ١٧٨ قريب منه.

(٢) البصائر والذخائر لابن حيان ٣ : ٣٥ ، عن كتاب «الرتب».

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٦٩١ / ح ٦٥٣٩ ، المعجم الكبير ٦ : ٢١ / ح ٦٠٤٠ ، تهذيب الكمال ١١ : ٢٥١ ، طبقات ابن سعد ٤ : ٨٣ ، و٧ : ٣١٨ ، وغيره.

٢٠٨

عن عمران بن الحصين في الصحيح ، قال : بعث رسول الله سريّة وأ مّر عليها علي بن أبي طالب ، فأحدث شيئاً (١) في سفره ، فتعاقد أربعة من أصحاب محمّد أن يذكروا أمره إلى رسول الله.

قال عمران : وكنّا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله فسلمنا عليه ، قال : فدخلوا عليه ، فقام رجل منهم ، فقال : يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا ، فأعرض عنه.

ثم قام الثاني ، فقال : يا رسول الله إن عليّاً فعل كذا وكذا ، فأعرض عنه.

ثم قام الثالث ، فقال : إن عليّاً فعل كذا وكذا.

ثم قام الرابع فقال : يا رسول الله إن عليّاً فعل كذا وكذا.

فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيّر وجهه ، فقال : دعوا عليّاً ، دعوا عليّاً ، دعوا عليّاً ، إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي (٢).

فتأمّل في جملة «دعوا عليّاً ، دعوا عليّاً ، دعوا عليّاً» ، وهو معنى آخر لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيما رواه مسلم في الصحيح : «أذكركم الله في أهل بيتي ، أُذكركم الله في أهل بيتي ، أُذكركم الله في أهل بيتي» ، لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعلم بأنّ القوم يبغضون عليّاً ويوشُونَ به في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله فكيف بعد مماته ، وان جملته : «إنّه منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي» تحمل معانيَ كثيرة وعالية.

وممّا يؤكّد تنصيص النبيّ على عليّ وأهل بيته ومحاولة بعض الصحابة بالنيل منه عليه‌السلام هو ما جاء عن الإمام الكاظم من قوله : إنّ عمر لا يريد الحث على الولاية والدعوة إليها ، وقد اتّضح لك سابقاً بأنّ جملة «حيّ على خير العمل» ليس لها

__________________

(١) وهو أنّه عليه‌السلام كان قد اصطفى جارية من خمس السبي.

(٢) مسند أحمد ٤ : ٤٣٧ / ح ١٩٩٤٢ ، فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل ٢ : ٦٠٥ / ح ١٠٣٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ١٩٧ والمتن منه ، البداية والنّهاية ٧ : ٣٤٥.

٢٠٩

ظهور في الإمامة والولاية إلّا إذا فسرت بعبارات أخرى ، وقد كان هذا الأمر سيرة لبعض الصحابة والتابعين في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم من بعده. وهو يوضح امكان الاتيان بالشهادة بالولاية لا على نحو الجزئية في الأذان ، وقد كان بعض خلص الصحابة يأتون بها على عهد عمر ثم من بعده إلى عصر الإمام الكاظم عليه‌السلام ، وان كلام الإمام ينبىء عن وجود هذه السيرة عند المؤمنين من عهد عمر إلى عصره الشريف.

نعم لا يمكن البتّ تاريخياً في أنّ الصيغ ـ المحكية في مرسلة الفقيه وشواذ الأخبار عند الطوسي ـ كانت توتى بعد الحيعلة الثالثة أو بعد الشهادة بالنبوة؟

وكذا العبارات التي كان يأتي بها الشيعة في عصر الصحابة والتابعين ما هي؟

لا نعلمها بتفاصيلها ، بل الذي نعلمه ومن خلال كلام الإمام الكاظم هو أن الإمام كان لا يرتضي فعلة عمر ويراه مخالفاً للشريعة وأن مثل الأذان عنده مثل منع عمر للمتعتين وغيرها من احداثاته ، وبذلك يكون مفهوم كلام الإمام هو التأكيد على محبوبية هذا الفعل عنده في الأذان ، والحث عليها والدعوة إليها ، أي انا نفهم من ذلك شرعيتها ومحبوبيتها عند الأئمّة ومنذ عهد عمر بن الخطاب ، أو قل منذ عهد رسول الله والصحابة ، لوجود معنى الحيعلة الثالثة معها أينما كانت وفي أي زمان.

وبهذا ، فقد عرفنا أن سيرة المتشرّعة كانت على القول بجزئية (حيّ على خير العمل) وأن بعض الصحابة والتابعين حتى عصر الإمام الكاظم المتوفى ١٨٣ هـ كانوا يفسرونها بالولاية ، والإمام حبذ ذلك وتهجم على من رفعها ودعا إلى عدم الدعوة إليها.

ومن الطريف أني وحين نقلي لأقوال أهل البيت في بدء الأذان (١) لم أتِ بكلام للإمام الكاظم في ذلك الحين مع إني ذكرت أقوال جميع الأئمّة إلى الإمام الرضا ، وأرى فيما أتيت به هنا كان ملئ للفراغ الذي قد يشاهده الباحث في الكتاب الأول

__________________

(١) والذي مر في كتابنا (حي على خير العمل الشرعية والشعارية).

٢١٠

من هذه الدراسة (حي على خير العمل ، الشرعية والشعارية).

وبهذا فقد أتضّح لك أن للسياسة دوراً في تحريف بعض الأحكام الشرعية واستبدالها بأخرى غيرها ، فلا يستبعد أن يكون بعض الرواة تركوا ما جاء في البيان السياقي للحيعلة الثالثة من قبل الأئمة تقية لأنّها هي الاشد من ذكر الحيعلة الثالثة والتي تركها الراوي فيما رواه عن الإمام علي في تفسـير الفاظ الأذان حسبما رواه الصدوق في التوحيد ومعاني الاخبار (١).

فالرواة فيما يحتمل بقوة حذفوا الحيعلة الثالثة ـ والتي جاءت بياناً سياقياً من بعض الروايات ـ تقيّةً مع شدّة حرصهم وتمسكهم بالاتيان بها.

ومثله ما حكي عن بعض أئمّة أهل البيت وأنّهم كانوا يقولون : (الصلاة خير من النوم) وحمل الفقهاء والمحدّثون ذلك على التقيّة ، وبعد هذا فلا يستبعد أن يترك الأئمّة والرواية عنهم روايات الشهادة الثالثة التفسيرية تقية أيضاً.

وقد تمخّض البحث إلى الآن عن أنّ الحيعلة الثالثة ليس لها ظهور في الولاية إلّا بضميمة نصوص أُخرى دالّة عليها وهي نصوص الاقتران المارة ، والنصوص المفسِّرة لها على نحو التفسير السياقي ، كلّ هذا يضاف إلى أنّ خُلّص الشيعة في حلب وحمص وبغداد والقاهرة وفي القرون الثلاثة الأُولى ـ الثالث والرابع والخامس بالتحديد ـ كانوا يأتون بالشهادة الثالثة ، لأنّ الأئمة قد أجازوا لهم ذلك ، مضافاً إلى محكيّة تأذين أبي ذرّ أو سلمان بها في زمان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ مثله في الأحكام مثل الآيات المقروءة مع شأن نزولها في مصاحف الصحابة ، وأنّهم كانوا يقرؤونها لا اعتقاداً منهم بأنّها من القرآن (٢) ، بل لإثبات الحقائق ، وكذلك

__________________

(١) التوحيد : ٢٣٨ / ح ١ ، باب تفسير حروف الأذان ، معاني الأخبار : ٤٠ / ح ١ ، باب معنى حروف الأذان.

(٢) مر عليك بعض تلك القراءات انظر صفحة١٠ ، ١١ ، ١٢ ، ١٩٧ إلى ٢٠٠.

٢١١

حال الأذان ، فالصحابة والتابعون وأمثالهم كانوا يأتون بها لا على نحو الشرّطيّة والجزئيّة ، بل يأتون بها أوّلاً لأنّها جملةٌ تفسير يّة مباح الإتيان بها ، بل محثوثٌ على الإتيان بها ، وثانياً لمحبوبيّتها الذاتيّة ورجحانها النفسيّ ، أو لإحقاق حقوق الأئمّة ، والوقوف أمام مطامع الحكّام والسلاطين ، شريطة أن يأمنوا من مكر السلطان وبطشه.

وقفة عند معتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه‌السلام

أكّدت معتبرة الفضل بن شاذان المرو يّة في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا بأنّ الأذان دعوة إلى الإيمان لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «... ويكون المؤذّن بذلك داعياً إلى عبادة الخالق ، مرغّباً فيها ، مقرّاً له بالتوحيد ، مجاهراً بالإيمان ، معلناً بالإسلام» ـ إلى أن يقول ـ : «لأنّ أوّل الإيمان إنّما هو التوحيد والإقرار لله عزّ وجلّ بالوحدانية ، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة ، وأنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان ، ولأنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادة ، فجعل الشهادتين في الأذان ... فإذا أقرّ [العبد] لله بالوحدانية ، وأقرّ للرسول بالرسالة ، فقد أقرّ بجملة الإيمان ، لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار بالله وبرسوله ...» (١).

وهنا لابدّ من توضيح بسيط لهذه الرواية ، فأقول :

من المحتمل قو ياً عندي وجود تقديم وتأخير في كلمتي الإسلام والإيمان من قبل الراوي ، فتكون العبارة هكذا : «مجاهراً بالإسلام ومعلناً بالإيمان» وهذا ما يؤكّده ذيل الخبر ، لأنّ الإقرار بالشهادتين ـ وحسب قول الإمام ـ

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢ : ١٠٣ / باب ٣٤ / ح ١ ، قال الصدوق في آخر باب ٣٥ (ج ٢ : ١٢٦) بعد ان روى ثلاثة طرق لما كتبه الرضا عليه‌السلام للمامون في محض الإسلام وشرائع الدين : وحديث عبدالواحد بن محمّد بن عبدوس رضي الله عنه عندي اصح ولا قوة إلاّ بالله.

٢١٢

إقرار بجملة الإيمان لا كُلِّه وتفصيله ، وإن كنت لا أنكر أن يراد من «بجملة للإيمان» كليّة الشيء وهو الشهادتان ، لكنْ هناك احتمال آخر يجب أخذه بنظر الاعتبار ، وهو أنّه عليه‌السلام أراد الإشارة إلى الولاية كذلك ، لأنّ الإيمان حقيقته أخص من الإسلام ، فقد يكون الإنسان مسلماً لكنّه ليس بمؤمن ، كما نراه في قوله تعالى : (قَالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاْيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (١) فقد يكون الإمام أراد الإشارة إلى هذه الحقيقة بالخصوص.

ويؤكّد قولنا ما قاله عليه‌السلام : «لأنّ أوّل الإيمان هو التوحيد ، والإقرار لله بالوحدانية ، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة» ففي كلامه تلو يح إلى وجود حقيقة ثالثة يكمل بها الإيمان ، وهي الولاية.

وقد احتمل التقيّ المجلسي هذا الأمر قبلنا في شرحه على «من لا يحضره الفقيه» ، إذ قال : ويمكن أن يكون الإيمان إشارة إلى الشهادة بالولاية المفهومة من شهادة الرسالة (مُؤذناً) أي معلناً (لمن ينساها) والمرجع [أي الضمير في ينساها يرجع إلى] المذكورات من قبل ، من التوحيد والإيمان والإسلام (٢).

إذن روح الإيمان هي ولاية الإمام عليّ وإن كان أصله ومنبته وأوله وأساسه الإقرار بالله وبرسوله ، ولولاها لما وصلنا إلى الكمال في الدين.

فعن حمران بن أعين أنّه سأل الإمام الباقر عليه‌السلام ، قال : قلت : أرايت من دخل في الإسلام أليس هو داخلاً في الإيمان؟

فقال : لا ، ولكنّه قد أضيف إلى الإيمان وخرج من الكفر ، وسأضرب لك مثلاً تعقل به فضل الإيمان على الإسلام ، أرأيت لو بصرت رجلاً في المسجد أكنت تشهد

__________________

(١) الحجرات : ١٤.

(٢) روضة المتقين ٢ : ٢٦١.

٢١٣

أنّك رأيته في الكعبة؟

قلت : لا يجوز لي ذلك ، قال : فلو بصرت رجلاً في الكعبة أكنت شاهداً أنّه قد دخل المسجد الحرام؟

قلت : نعم.

قال : وكيف ذلك؟

قلت : إنّه لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد.

فقال : قد أصبت وأحسنت ، ثمّ قال : كذلك الإيمان والإسلام (١).

وعن فضيل بن يسار ، قال : سمعت أبا عبدالله يقول : إنّ الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلامُ ، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب ، والإسلام ما عليه المناكح ، والمواريث ، وحقن الدماء ، والإيمانُ يشركُ الإسلامَ والإسلامُ لا يشركُ الإيمانَ (٢).

ولو تأ مّلت فيما رواه الفضل بن شاذان عن محمّد بن أبي عمير أنّه سأل ابا الحسن الكاظم عن معنى «حيَّ على خير العمل» وقوله : «إنّها الولاية ، وإنّ عمر أراد أن لا يكون حثٌّ عليها ودعاء إليها» ، وجمعته مع ما جاء عن الإمام الرضا الآنفة ، لعرفتَ وجود مفهوم الإمامة والولاية في الأذان في القرن الثاني الهجري.

ومن كلّ ما مرّ يتّضح لك أنّ معنى الولاية موجود في الأذان وهو المصرَّح به من قبل الأئمّة : الباقر ، والصادق ، والكاظم عليهم‌السلام ، وكذلك الإمام الرضا بقوله : (مجاهراً بالإيمان) كما قررناه آنفاً.

وعليه فالنداء بالحيعلة الثالثة هو نداء المؤمنين المعتقدين بولاية علي أمير المؤمنين ، ومن خلاله يمكن أن نقول برجحان الشهادة بالولاية في الأذان بتقريب

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢٧ / ح ٥ ، من الباب نفسه.

(٢) الكافي ٢ : ٢٦ / ح ٣ ، من الباب نفسه.

٢١٤

أنّ الإمام الرضا عليه‌السلام من جهة قال : إنّ المؤذن مجاهراً بالإيمان

إذا ما دعا إلى الله ، والإيمان هو الذي يدور مدار الولاية ، بخلاف الإسلام الذي يدور مدار الشهادتين فقط ، ومن جهة اخرى فإنّ الإمام الكاظم عليه‌السلام في حسنة ابن أبي عمير حثّ على الولاية من خلال حيّ على خير العمل ، ونتيجة ذلك محبوبية المجاهرة بالولاية في الأذان ، لكن لا على أنّها جزء فيه وفصل من فصوله بل لمجرّد الذكر المحبوب الذي يدور مدار الإيمان الذي لا يتحقّق إلّا بالولاية علاوة على الشهادتين.

ونحن إن شاء الله سنُفصّل قولنا هذا أكثر فأكثر في الفصل الثالث «الشهادة الثالثة شعار وعبادة» والذي سنثبت فيه الترابط المعرفي بين الشهادات الثلاث ، وإن في الأذان لفّاً ونشراً مرتَّباً بين الشهادات الثلاث ، والحيعلات الثلاث ، وهذا يؤكّد كونه تشريعاً سماوياً وليس بمناميّ.

٢١٥

الأذان في زمن الإمام الهادي عليه‌السلام

لقد مشت هذه السيرة ـ السيرةُ الأذانية ـ عند الشيعة ، حتّى عهد المتوكّل العباسي الذي أراد الإزدراء بالإمام الهادي ، لكنّه ازدرى بنفسه وبأسياده القرشيين والأمويين حينما ذكّره الإمام عليه‌السلام مفتخراً على الجميع بأنّ الجوامع والمساجد تأتي باسم جده أحمد وأبنائه المطهَّرين ، وهو فضلٌ اختصّهم الله به ، يشهد بذلك كلّ مسلم في أذانه ، وإن كانوا أهل البيت سكوتاً مطاردين من قبل الحكّام.

فقد جاء في أمالي الطوسي : أنّ الإمام علياً الهادي عليه‌السلام دخل يوماً على المتوكّل ، فقال له المتوكل : يا أبا الحسن مَن أشعر الناس؟ وكان قد سأل قبله عليّ بن الجهم ، فذكر شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ، فلمّا سأل الإمامَ أجابه عليه‌السلام : الحماني ؛ حيث يقول :

لقـد فاخَـرَتْنا من قريش عـصابةٌ

بـمطّ خُـدود وامـتدادِ أصـابعِ

فلمّـا تَنازَعنا القضـاءَ قضـى لنـا

عليهم بما نهـوى نداءُ الصَّوامعِ

قال المتوكّل : وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ [كي يقف على مقصود الشاعر من نداء الصوامع ، هل هي الجمل التفسيرية في عليّ أم شي آخر ، إذ لا يعقل أن لا يعرف المتوكّل معنى الصوامع حتى يسأل الإمام عنها]؟

قال : «أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله» جدّي أم جدّك؟ فضحك المتوكّل ثمّ قال : هو جدّك لا ندفعك عنه (١). وقد أفصح الحمّاني عن ذلك بتتمة البيتين فقال :

تَرانا سُكوتاً والشهيدُ بفضلِنا

تَراهُ جَهيرَ الصوتِ في كلِّ جامعِ

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٢٨٧ / ح ٥٥٧.

٢١٦

بأنّ رسـولَ اللهِ أحمـدَ جدُّنا

ونحن بَنُـوهُ كالنجومِ الطَّـوالعِ (١)

قال ابن اسفنديار في تاريخ طبرستان عن المتوكّل : وإنّه كان مولعاً بقتل آل الرسول ، كما كان المترفون مولعين بالعبيد والملاهي.

وقد جاء في تاريخ بغداد في ترجمة (الحسن بن عثمان الزيادي) أنّ المتوكّل وجّه من سامراء بسياط جدد ، وأمر بضرب عيسى بن جعفر بن محمّد بن عاصم ـ صاحب خان عاصم ـ ألف سوط ، لأنّه شهد عليه الشاهدون أنّه يشتم أبا بكر وعمر ويقذف عائشة ، فضرب بالسياط وترك في الشمس حتى مات ، ثم رُمي به في دجلة (٢).

وفي معالم العلماء في ترجمة علي بن محمّد بن عمار البرقي ، وهو من شعراء أهل البيت المجاهرين ، قال : حرقوا ديوانه وقطعوا لسانه (٣).

فإذا كان المتوكّل يقطع لسان شاعر ينشد في فضل علي ، أو يضرب ألف سوط لشتم أبي بكر وعمر ، ويهدم قبر الحسين ، فهل من المعقول أن يسمح في الاجهار بولاية علي من على المآذن؟ الجواب : لا وألف لا ، فالكلّ تراهم سكوتاً ، لكنّ الشهادة بفضلهم ـ كناية أو تصريحاً ـ من الأوّليات في كلّ جامع.

والمتامل في تاريخ الشيعة يقف على شدّة الخوف الذي كان يحيط بهم ، فكانوا يخافون حتّى من أصدقائهم ، وقد نقل ياقوت الحموي في ترجمة عمر بن إبراهيم ـ المتوفّى ٥٣٩ هـ ، وهو من أحفاد الإمام زيد الشهيد ـ أنّه لم يُطْلِعِ السمعاني الحنفيّ المذهب على الجزء المصحّح بالأذان بحيّ على خير العمل ، وأخذه منه وقال له : هذا

__________________

(١) اُنظر : ديوان عليّ الحمّاني ٨١ ، ومناقب ابن شهرآشوب ٣ : ٥١٠ وفيه : «عليهم» بدل : «تراه».

(٢) انظر تاريخ بغداد ٧ : ٣٥٧ ، تاريخ دمشق ١٣ : ١٣٥ ، المنتظم ١١ : ٢٨٣.

(٣) معالم العلماء : ١٨٢ ، وأعيان الشيعة ٨ : ٣٢٨.

٢١٧

لا يصلح لك ، له طالب غيرك (١) ، ثمّ عَلَّلَ سرّ وجود مثل هذه الكتب والأجزاء مصحّحة عنده بأنّه ينبغي للعالم أن يكون عنده ، كلّ شيء ، فإنّ لكلّ نوع طالباً.

كلّ ذلك لأنّ الفقه الحاكم آنذاك كان فقه أبي حنيفة وأن السمعاني كان منهم ، وعمر بن إبراهيم وغيره من الطالبيين كانوا يخافون بطش السلطان.

ومثله كلام إبراهيم بن عبدالله بن الحسن المار ذكره في الدراسة السابقة عن (حيَّ على خير العمل) وأنّه كان يأمر اصحابه إذا كانوا بالبادية أن يزيدوا في الأذان «حيَّ على خير العمل» (٢).

ولمّا سئل أحمد بن عيسى عن التأذين بحيّ على خير العمل ، قال : نعم ، ولكن أخفيها (٣).

فلو كانت التقية تجري مع إظهار «حي على خير العمل» الحاملة لمعنى الولاية كناية ، فكيف باظهار الشهادة الثالثة علناً وجهاراً؟!

بل كيف يعقل أن يأمر الله ورسوله بالشهادة الثالثة في الأذان ، وهما يعلمان بانقلاب الأمّة بعد رسول الله؟!

إنّ الإمام عليّاً وشيعته قد اضطهدوا في جميع العصور ، بدءاً بغصب الخلافة بعد رسول الله ، ومروراً بسبّ الإمام علي من على المنابر في عهد معاوية ، وسم الحسن ، وأن لا صلاة إلّا بلعن أبي تراب (٤) ، وانتهاءً بلا نهائية الظلم والجور.

__________________

(١) معجم الادباء ٤ : ٤٢٨ ، تاريخ الإسلام للذهبي ٣٦ : ٥١٦ ، ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ٥ : ١٠.

(٢) الأذان بحي على خير العمل للحافظ العلوي بتحقيق عزان : ١٤٧ / ح ١٨٦.

(٣) الأذان بحي على خير العمل بتحقيق عزان : ١٥٠ / ح ١٩٠ ، وأخرجه محمّد بن منصور في الأمالي لابن عيسى ١ : ١٩٤ / رقم ٢٣٧.

(٤) شرح نهج البلاغة ٧ : ١٢٢ ، وانظر تاريخ دمشق ١١ : ٢٩١ ، وكتاب اخبار وحكايات للغساني : ٥٢ ، حيث ذكروا أن في عهد هشام بن عبدالملك كانت مجالس الذكر لبعض الشاميين تختم بلعن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، تقرباً إلى الله!

٢١٨

وقد أمر معاوية بحرمان من عرف منه موالاة عليّ من العطاء وإسقاطه من الديوان والتنكيل به ، وهدم داره ، وأن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي الشهادة (١) ، والإمامُ الحسين في رسالته إلى معاوية ذكّره ببعض تعليماته لزياد وأنّه أمره بتسميل العيون ، وقطع الأيدي والأرجل ، وتعليق الناس على النخيل ، وقتل من كان على دين علي ... (٢).

وقد خاطب السائب بن مالك الاشعري ـ من قادة جيش المختار ـ أهل الكوفة بقوله : ويحكم يا شيعة آل رسول الله ، إنّكم قد كنتم تُقْتَلُون قبل اليوم ، وتقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف ، وتُسمل أعينكم ، وتصلبون أحياءً على جذوع النخل ، وأنتم إذ ذاك في منازلكم لا تقاتلون أحداً ، فما ظنّكم اليوم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم (٣) ...

وأبشع من كلّ ذلك قتل الحسين ، وسبي النساء مع علي بن الحسين ، وقد وضّح الإمام الباقر بعض ما جرى على الشيعة في كلام له لبعض اصحابه ، حيث قال عليه‌السلام : ما لقينا من ظلم قريش إيّانا وتظاهرهم علينا ، وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر من معدنه ... إلى أن قال : ثمّ لم نزل نُستَذَلُّ ونُستضامُ ونُقصى ونُمتهن ونُحرم ونُقتل ونخاف ، ولا نأمن على دمائنا ... الخ (٤).

قال دعبل الخزاعي :

__________________

(١) انظر شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٤ ، والاحتجاج للطبرسي ٢ : ١٧ ، عن كتاب سليم بن قيس : ٣١٨.

(٢) انظر انساب الاشراف ٥ : ١٢٨ ، والإمامة والسياسة : ١٥٦.

(٣) الفتوح ٦ : ٢٣٧.

(٤) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٣ ـ ٤٤.

٢١٩

إنّ اليـهـودَ بـحبّـها لنـبيِّـها

أمنت بوائِـقَ دهـرها الخـوَّانِ

وكذا النصارى حُبَّهُـم لنـبيِّهم

يـمشونَ زهواً في قرى نجرانِ

والمسلمونَ بِـحُبِّ آلِ نـبيِّـهم

يُرْمَـونَ في الآفاق بـالنيرانِ (١)

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإنّ بني أميّة ـ وكما قلنا ـ سعوا لتحريف اُمور كثيرة في الأذان ، وقد وقفت على بعضها ، وكان الطالبيون لا يستطيعون الجهر بالحيعلة الثالثة من على المآذن في عهدهم ، فكيف بالشهادة الثالثة؟!

لذلك اكتفوا ـ عند عدم المانع أيضاً ـ بالإجهار بـ «حيّ على خير العمل» الحاملة لمعنى الولاية ، وفي حالات خاصّة كانت تفتح بجمل دالّة عليها ؛ إن أمنوا من مكر السلطان ، أو إذا أرادو إظهار فضل آل البيت ، أو التصريح بموقفهم السياسي والعقائدي في الخلافة.

فـ «حيّ على خير العمل» و «محمّد وعليّ خير البشر» و «محمّد وآل محمّد خير البرية» وأمثالها كانت شعارات دالة على الاعتقاد بولاية عليّ وأهل البيت ، يستعينون بها في الأذان وغيره لإظهار أحقيّة (٢) وفضل علي واولاده المعصومين فإنّهم كانوا يقولون بها ، لأنّهم قد وقفوا على شرعيّتها من قبل أئمتهم.

إنّ الحيعلة الثالثة كانت تقال على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد فُتح مدلولها بالفعل من قبل بعض الصحابة ، لكنّ فتحها لم يكن حالة سائدة وشعاراً لكل الشيعة في جميع الأصقاع ، بل كان يقولها بعض الخُلّص من الصحابة العارفين بمكانة أهل البيت التي أنزلهم الله فيها.

وإنّ الإمام الكاظم بقوله آنف الذكر أراد الإشارة إلى هذه الحقيقة الشرعية

__________________

(١) انظر ديوان دعبل الخزاعي : ١٧٣ ، وروضة الواعظين : ٢٥١.

(٢) كما في التأذين بـ «حيّ على خير العمل» في ثورة صاحب فخ.

٢٢٠