الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - ج ٢

الشيخ جعفر السبحاني

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - ج ٢

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: الإعتماد ISBN: 964-357-062-2
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

المسائل الخلافيّة

و

دورها في الاستنباط

الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على أفضل خليقته وأشرف بريّته أبي القاسم محمد ، وعلى خلفائه المبشّرين المعصومين ، الموصوفين بكلّ جميل ، ما تعاقب جيل بعد جيل.

أمّا بعد ؛ فإنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم الله بها عليهم النعمة ، حيث حفظهم عن وَصْمة محاباة أهل الكتابين ، المؤدِّية إلى تحريف ما فيهما ، واندراس تينك الملّتين ، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه ، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه ، حتّى اتّضحت الآراء ، وانعدمت الأهواء ، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها ، وشفاء القلوب بها من أدوائها ، مأمونة من التحريف ، مصونة عن التصحيف. (١)

إنّ القرآن الكريم يُشيد بالوحدة ، واتّفاق الكلمة والاعتصام بالعروة الوثقى ،

__________________

(١) إبانة المختار لشيخ الشريعة الاصبهاني ، نقله عن بعض الأعاظم : ١٠.

٥

ورفض التشتّت والتفرّق ، ويندِّد بالاختلاف والفرقة ، يقول سبحانه : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا). (١)

فهذا المقطع من الآية الكريمة بإيجازها يتكفّل بيان أمرين :

١. يأمر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل الله.

٢. يزجر عن التفرّق والتشتّت.

وهذان الأمران من الوضوح بمرتبة لا يختلف فيهما اثنان.

ومع الاعتراف بذلك كلّه فاختلاف الكلمة إنّما يضرّ إذا كان صادراً عن ميول وأهواء ، فهذا هو الّذي نزل الكتاب بذمّه في غير واحدة من آياته ، يقول سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٢) ، ويقول : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) (٣) ، فهؤلاء اختلفوا بعد ما تمّت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة ، فهذا النوع من الاختلاف آية الأنانية أمام الخضوع للحقائق الراهنة.

وأمّا إذا كان الاختلاف موضوعياً نابعاً عن حبِّ تحرّي الحقيقة وكشف الواقع ، فهذا أمر ممدوح ، وأساس للوصول إلى الحقائق المستورة ، وإرساء لقواعد العلم ودعائمه.

إنّ الاختلاف بين الفقهاء أشبه بالخلاف الّذي وقع بين نبيّين كريمين : داود وسليمان ـ على نبينا وآله وعليهما‌السلام ـ في واقعة واحدة حكاها سبحانه في كتابه العزيز وقال : (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ

__________________

(١) آل عمران : ١٠٣.

(٢) الأنعام : ١٥٩.

(٣) آل عمران : ١٠٥.

٦

وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً). (١)

وكما آتى سبحانه لكلّ منهما حكماً وعلماً ، فقد آتى لكلّ فقيه ربّاني فهماً وعلماً ، يدفعه روح البحث العلمي إلى إجراء المزيد من الدقّة والفحص في الأدلّة المتوفّرة بين يديه ، بُغية الوصول إلى الواقع ، وهذا العمل بطبيعته يورث الاختلاف وتعدّد الآراء.

ولأجل ذلك نجم الاختلاف في الشريعة بعد رحيل النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ واتّسعت شقّته في القرن الثاني والثالث.

وقد اهتمّ كثير من العلماء منذ وقت مبكر بالمسائل الخلافية وصنّفوا فيها كتباً عديدة ، جمعوا فيها آراء الفقهاء في مسائل خلافية إلى أن عادت معرفة العلم بالخلافيات علماً برأسه وأساساً لصحّة الاجتهاد ، حتّى قيل : إنّ معرفة الأقوال في المسألة نصف الاستنباط. وإليك فيما يلي أسماء بعض الكتب الّتي أُلّفت في الخلافيات ، فمن السنَّة :

١. «الموطّأ» للإمام مالك (المتوفّى ١٧٩ ه‍) يذكر فيه أقوال الفقهاء السابقين في مختلف أبوابه.

٢. كتاب «الأُمّ» الّذي جمع فيه البويطي (المتوفّى ٢٣١ ه‍) ثم الربيع المرادي (المتوفّى ٢٧٠ ه‍) أقوال الإمام الشافعي ، وقد ضمَّ فصولاً عديدة في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ، واختلاف أبي حنيفة والأوزاعي ، واختلاف الشافعي مع محمد بن الحسن.

٣. «مسائل إسحاق الكوسج» قد تضمنت اختلاف الإمام أحمد مع معاصريه كابن راهويه وغيره.

__________________

(١) الأنبياء : ٧٩٧٨.

٧

٤. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي (٢٩٤٢٠٢ ه‍) المطبوع بتحقيق الدكتور محمد طاهر حكيم ، ط عام ١٤٢٠ ه‍.

٥. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي بكر محمد بن المنذر النيسابوري الشافعي (المتوفّى ٣٠٩ ه‍).

٦. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام محمد بن جرير الطبري (المتوفّى ٣١٠ ه‍)

ذكر في كتابه اختلاف مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة مع أبي يوسف ومحمد بن الحسن ثم أبي ثور ، وذكر بعض فقهاء الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى المائة الثالثة ، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل ، وحكي انّه سئل عن سبب ذلك؟ فقال : لم يكن أحمد فقيهاً وانّما كان محدِّثاً.

وقد لعب بالكتاب طوارق الحدثان ولم يبق منه إلاّ القليل يبتدأ بكتاب : «المدبّر فالبيوع والصرف والسلم والمزارعة والمساقاة والغصب والضمان» ، والمطبوع من الكتاب مجلد واحد يشتمل على هذه الكتب.

٧. «اختلاف العلماء» تأليف الإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي (المتوفّى ٣٢١ ه‍) واختصره الإمام أبو بكر أحمد بن علي الجصّاص الحنفي (المتوفّى ٣٧٠ ه‍) ونشره الدكتور محمد صغير حسن.

٨. «اختلاف الفقهاء» تأليف محمد بن محمد الباهلي الشافعي (المتوفّى ٣٢١ ه‍).

٩. «الخلافيات» للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٤٥٨٣٨٤ ه‍) ناقش فيه أدلّة الحنفية وانتصر لمذهب الشافعية. وطبعت بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان.

١٠. «اختلاف العلماء» تأليف أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي

٨

الوزير (المتوفّى ٥٥٥ ه‍).

هذه عشرة كاملة ذكرناها لإيقاف القارئ على أهمية معرفة الخلافيات وعناية الفقهاء بها. هذا ما لدى السنّة وأمّا الشيعة فهي بدورها قد اهتمّت بهذا العلم أيضاً منذ عصر مبكِّر وألّفت فيه كتباً ، نذكر منها ما يلي :

١. كتاب «الاختلاف» لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي (٢٠٧١٣٠ ه‍) ذكر ابن النديم : انّه كان يتشيّع ، حسن المذهب ، يلزم التقية ، وقال : وكتاب «الاختلاف» يحتوي على اختلاف أهل المدينة والكوفة في الشفعة والصدقة والعمرى والرقبى والوديعة والعارية والبضاعة والمضاربة والغصب والسرقة والحدود والشهادات ، وعلى نسق كتب الفقه ما يبقى.

٢. «اختلاف الفقهاء» للقاضي أبي حنيفة نعمان بن أحمد المصري المغربي (المتوفّى ٣٦٣ ه‍) نقله ابن خلّكان عن ابن زولاق في كتابه «أخبار مصر» ، قال : إنّه ينتصر فيه لأهل البيت ـ عليهم‌السلام ـ وعبّر عنه في «كشف الظنون» باختلاف أُصول المذاهب.

٣. «مسائل الخلاف في الفقه» للشريف المرتضى (٤٣٦٣٥٥ ه‍) ذكره الشيخ الطوسي في «الفهرست». وقد أحال المصنّف إليها في كتاب «الناصريات».

٤. «مسائل الناصريات» ألّفه الشريف المرتضى وفاءً لجده الناصر على الرغم من اختلاف المذهب بينهما ، ويتجلّى فيه روح التفاهم والتسالم بين عالمين إماميّ وزيديّ ، وهو لا يقتصر على المسائل الخلافية بين الإمامية والزيدية ، بل يحتوي جلّ الخلافات الفقهية على مستوى المذاهب.

٥. «الخلاف في الأحكام» لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى ٤٦٠ ه‍) ويقال له «مسائل الخلاف» وهو مرتّب على ترتيب كتب الفقه ، وقد صرح فيه بأنّه ألّفه بعد كتاب «التهذيب» و «الاستبصار» وناظر فيه المخالفين

٩

جميعاً ، وقد طبع مراراً.

٦. «المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف» تأليف أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسي (٤٧١ ـ ٥٤٨ ه‍) وقد لخّص به كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي ونشر في ثلاثة أجزاء ، وأثبت هو في ذلك الكتاب انّ الخلاف بين الشيعة والسنّة في المسائل الفقهية ليس على نحو التباين ، بل كثيراً ما يوافق الشيعة مذهباً ويخالف مذهباً آخر ، وهذا هو الأمر السائد في معظم المسائل الفقهية.

٧. «خلاف المذاهب الخمسة في الفقه» للشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي (٧٠٧٦٤٧ ه‍) صاحب كتاب الرجال المشهور برجال ابن داود.

٨. «تذكرة الفقهاء» للعلاّمة حسن بن المطهر (٧٢٦٦٤٨ ه‍) والكتاب مشحون بنقل أدلّة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ، وقد طبع قديماً ، ويطبع حالياً طبعة جديدة محقّقة من قبل مؤسسة آل البيت ـ عليهم‌السلام ـ حيث صدر منه أكثر من ١٢ جزءاً.

٩. «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» للعلاّمة الحلي وهو أفضل ما أُلّف في الفقه المقارَن نقلاً وتحقيقاً ، يذكر آراء العلماء برحابة صدر ويناقش فيها ، والكتاب من حسنات الدهر. وقد طبع قديماً وحديثا.

١٠. «مختلف الشيعة» له أيضاً وهو يختص ببيان اختلافات خصوص الشيعة في المسائل الفقهية ، وقد طبع طبعات عديدة محقّقة. (١)

هذا بعض ما يمكن أن يذكر في المقام ، ولعلّك تلمس بما ذكرناه اهتمام

__________________

(١) لاحظ للوقوف على أسماء هذه الكتب وميزاتها كشف الظنون : ١ / ٦٤ ، مادة اختلاف ؛ الذريعة : ١ / ٣٦٠ ، مادة اختلاف و ٧ / ٢٣٦ ، مادة خلاف ؛ مقدّمة كتاب اختلاف الفقهاء للمروزي ، والخلافيات للإمام البيهقي ، واختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطبري وغيرها.

١٠

العلماء بالخلافيات ، وجدير بالذكر انّ الخلاف بين العلماء كان مرافقاً في الغالب برعاية أدب الخلاف وأُسلوب الحوار.

هذا البحث الموجز أوقفك على وجود الاختلاف في المسائل الفقهية في عصر الصحابة والتابعين والفقهاء إلى يومنا هذا ، إلاّ أنّ الكلام في أسباب الاختلاف ودوافعه ، فهناك أمران :

الأوّل : ما هو الحافز لاختلاف فقهاء السنّة فيما بينهم ، فقد ذكر ابن رشد : انّ أسباب الاختلاف بين فقهاء السنّة ، أُمور ستة :

الأوّل : تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع : أعني بين أن يكون اللفظ عامّاً يراد به الخاص ، أو خاصّاً يراد به العام ، أو عامّاً يراد به العام ، أو خاصّاً يراد به الخاص ، أو يكون له دليل خطاب ، أو لا يكون له.

الثاني : الاشتراك الّذي في الألفاظ ، وذلك إمّا في اللفظ المفرد كلفظ القرء الّذي يطلق على الأطهار وعلى الحيض ، وكذلك لفظ الأمر الذي يحمل على الوجوب أو الندب ، ولفظ النهي الذي يحمل على التحريم أو الكراهية ، وإمّا في اللفظ المركب مثل قوله تعالى : (إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا) فإنّه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط ، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد ، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف.

والثالث : اختلاف الإعراب.

والرابع : تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز ، الّتي هي : إمّا الحذف ، وإمّا الزيادة ، وإمّا التقديم ، وإمّا التأخير وإمّا تردده على الحقيقة أو الاستعارة.

والخامس : إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة ، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة ، وتقييدها بالإيمان تارة.

١١

والسادس : التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ الّتي يتلقى منها الشرع ، الأحكام بعضها مع بعض ، وكذلك التعارض الّذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات ، أو تعارض القياسات أنفسها ، أو التعارض الّذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة : أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس ، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس ، ومعارضة الإقرار للقياس. (١)

الثاني : ما هو الحافز للاختلاف بين الفقهين السني والشيعي؟ وهذا هو الذي نبحث عنه في المقام.

نعم هذه الأُمور الستة هي أسباب الاختلاف بين فقهاء أهل السنّة ، لكن أسباب الاختلاف بين الفقهين : السني والشيعي ترجع إلى الاختلاف في الكبريات أي حجّية أُمور يأتي الكلام عنها ، لا إلى الصغريات الّتي ذكرها ابن رشد ، ولعلّنا نستقصي في خاتمة المطاف الأُمور الّتي وسعت الشقةَ بين الفقهين ، ولكن نكتفي هنا ببيان سبب واحد.

الإعراض عن أحاديث العترة الطاهرة

إنّ العترة الطاهرة ـ بتنصيص النبي قرناء الكتاب وأعداله ، حيث قال ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ : «إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».

والحديث متواتر أو متضافر ، رواه الفريقان ، أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه وأحمد في مسنده إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة. (٢)

__________________

(١) بداية المجتهد : ١ / ٦٥ ، ط دار المعرفة ، بيروت

(٢) لاحظ صحيح مسلم : ٧ / ١٢٢ و ١٢٣ ، باب فضائل علي ؛ سنن الترمذي : ٢ / ٣٠٨ ؛ مستدرك الصحيحين : ٣ / ١٠٩ و ١٤٨ ؛ مسند أحمد : ٣ / ١٧ و ٢٦ و ٤ / ٣٧١ و ٥ / ١٨١ ؛ الطبقات الكبرى لابن سعد : ٢ / ٢ ؛ حلية الأولياء : ١ / ٣٥٥ و ٩ / ٦٤ ؛ كنز العمال : ١ / ٤٧ و ٩٦.

١٢

فعلى ذلك قولهم حجة قاطعة ، مصون من الخطأ كالكتاب العزيز بحكم انّهما عِدْلان وصنوان.

والحديث يركز على أنّ المرجع العلمي بعد رحيل النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ هو الكتاب والعترة ، وانّ قول العترة قول الرسول وكلامه ، وبقولهم تحفظ السنّة عبر القرون ، غير أنّ أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم تلقّوا روايات أهل البيت فتاوى خاصة لهم ، فلم يعتبروها حجّة شرعية على الجميع ، وهذا النوع من التفسير لأحاديثهم مخالف لحديث الثقلين أوّلاً وكلامهم ثانياً ، فإنّهم يعتبرون كل ما يروون ، سنّة الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ يرويه كابر عن كابر إلى أن يصل إلى الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ.

هذا هو النجاشي ينقل في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي عن أبيه قال : كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر ـ عليه‌السلام ـ ، فجعل يسأله ، وكان أبو جعفر ـ عليه‌السلام ـ له مكرِماً ، فاختلفا في شيء ، فقال أبو جعفر ـ عليه‌السلام ـ : «يا بني قم فأخرج كتاب عليّ ـ عليه‌السلام ـ» فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة ، فقال أبو جعفر ـ عليه‌السلام ـ : «هذا خط عليّ ـ عليه‌السلام ـ وإملاء رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ» وأقبل على الحكم ، وقال : «يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة بن كهيل وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً ، فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل ـ عليه‌السلام ـ». (١)

فإذا كانت هذه مكانة أحاديث أئمة أهل البيت وأنّهم حفظة السنّة وعيبة علم الرسول ، فلا حجّة للسنّيّ في الإعراض عن أحاديثهم والالتجاء إلى قواعد ، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وفتحها وقول الصحابي إلى غير ذلك من القواعد الّتي ألجأهم إلى تأسيسها وإرسائها قلّة النصوص النبويّة في

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢ / ٢٦١ ، الترجمة ٩٦٧.

١٣

الشريعة والأحكام الفرعية.

ولكنّهم لو رجعوا إلى أحاديث أئمة أهل البيت ـ عليهم‌السلام ـ ، فيما لم يرد فيه نصّ في الكتاب والسنّة النبويّة لاستغنوا عن إرساء هذه القواعد والعمل بالظنون الّتي لا تغني من الحق شيئاً.

ويظهر ممّا رواه البخاري وغيره أن النبي الأكرم ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ كان بصدد التصريح باسم من يشغل منصّة الحكم ومرجعية الأحكام في أُخريات أيامه ، لكن حال بعضهم دون تحقيق أُمنيّة النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ.

أخرج البخاري في كتاب العلم عن ابن عباس ، قال : لمّا اشتدّ بالنبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وجعُهُ ، قال : ائتوني بكتاب أكتبُ لكم كتاباً لن تضلّوا بعده. قال عمر : إنّ النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ غَلَبَهُ الوَجَع ، وعندنا كتاب الله حسبُنا. فاختلفوا وكَثُرَ اللَّغَط قال : «قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول ، إنَّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وبين كتابه. (١)

والحقّ أنّها كانت رزيّة ليس فوقها رزيّة ، فإنّ الحيلولة بين النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وأُمنيّته الكبرى ، وهو طريح الفراش ، فرّقت المسلمين ، وشتتت شملهم إلى يومنا هذا ، وظهرت خلافات على كافة الأصعدة.

والذي يميط الستر عن وجه الحقيقة ، هو ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه مُسنداً ، حيث قال : روى ابن عباس (رض) ، قال : دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته ، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة ، فدعاني إلى الأكل ، فأكلت تمرة واحدة ،

__________________

(١) صحيح البخاري : ١ / ٣٨ ، كتاب العلم ، الحديث ١١٤ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ـ ١٤٢٠ ه‍. وللحديث أطراف في صحيح البخاري ، لاحظ الأرقام التالية : ٣٠٥٣ ، ٣١٦٨ ، ٤٤٣١ ، ٤٤٣٢ ، ٥٦٦٩ ، ٧٣٦٦.

١٤

وأقبل يأكل حتّى أتى عليه ، ثم شرب من جَرّ كان عنده ، واستلقى على مِرفقة له ، وطفق يحمد الله ، يكرر ذلك.

ثم قال : من أين جئت يا عبد الله؟ قلتُ : من المسجد ، قال : كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبد الله بن جعفر ، قلتُ : خلّفتُه يلعب مع أترابه ، قال : لم أعنِ ذلك ، إنّما عنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت ، قلتُ : خلّفته يمتح بالغَرْب (١) على نخيلات من فلان ، وهو يقرأ القرآن.

قال : يا عبد الله ، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها! هل بقيَ في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت : نعم ، قال : أيزعم أن رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ نصّ عليه؟ قلت : نعم ، وأزيدك ، سألت أبي عمّا يدّعيه ، فقال : صدق.

فقال عمر : لقد كان من رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ في أمره ذَرْوٌ (٢) من قول لا يثبتُ حُجّة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربَع في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه ، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام ، لا ورب هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبدا! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ انّي علمت ما في نفسه ، فأمسك ، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم. (٣)

فكل من يريد رأب الصدع وتقليل الشُّقّة بين الفقهين ، فيلزمه الرجوع إلى روايات أئمة اهل البيت ـ عليهم‌السلام ـ المروية بطرق صحيحة ، مضافاً إلى ما بين يديه من الروايات الواردة عن طريق الصحابة والتابعين. فلعل الله تعالى يلمّ بذلك الشّعَث والتفرّق.

__________________

(١) الغَرْب : الدلو.

(٢) ذرو : طرف.

(٣) شرح نهج البلاغة : ١٢ / ٢١٢٠ ، ولاحظ أيضاً ص ٥٣.

١٥

وفي الختام نود أن نشير إلى خطوة كبيرة في مجال التقريب بين المذاهب قام بها صاحب الفضيلة الأُستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية عند ما سُئل عن جواز التعبد به ، فأجاب :

١. انّ الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباعَ مذهب معيّن ، بل نقول : إنّ لكلّ مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أيَّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة ، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كان ـ ولا حرج عليه في شيء من ذلك.

٢. انّ مذهب الجعفرية المعروفة بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وأن يتخلّصوا من العصبية ، بغير الحق لمذاهب معينة ، فما كان دين الله وما كان شريعته بتابعة لمذهب ، أو مقصورة على مذهب ، فالكلّ مجتهدون مقبولون عند الله تعالى ، يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات. (١)

نسأله سبحانه أن يجمع كلمة المسلمين ويلمّ شعثهم

بمنّه وكرمه

جعفر السبحاني قم

ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه‌السلام ـ

١ رمضان المبارك ١٤٢٣

__________________

(١) صدرت الفتوى بتاريخ ١٧ ربيع الأوّل ١٣٧٨ ه‍ ـ في القاهرة.

١٦

١٣

الخمس في الكتاب والسنّة

١٧
١٨

الخمس في الكتاب والسنّة (١)

الأصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). (٢)

لا شك أنّ الآية نزلت في مورد خاص ، أعني : يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان وهو غزوة «بدر» الكبرى ، لكن الكلام في مادة «الغنيمة» في قوله سبحانه : (أَنَّما غَنِمْتُمْ) هل هو عام لكلّ ما يفوز به الإنسان في حياته ، أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب؟

وعلى فرض كونه عامّاً فهل المورد مخصّص أو لا؟

فيقع الكلام في مقامين :

الأوّل : الغنيمة مطلق ما يفوز به الإنسان

فالظاهر من أئمّة اللغة أنّه في الأصل أعم ممّا يظفر به الإنسان في ساحات

__________________

(١) ربّما يُخيّل لبعض البسطاء أنّ الشيعة تنفرد بالقول بوجوب الخمس في غير الغنائم ، ولأجل توضيح الحال ندرس الموضوع في ظل الكتاب والسنّة ، وكلمات الفقهاء.

(٢) الأنفال : ٤١.

١٩

الحرب ، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الإنسان ، وإليك بعض كلماتهم :

١. قال الخليل : الغُنْم : الفوز بالشيء في غير مشقة ، والاغتنام : انتهاز الغنم. (١)

٢. قال الأزهري : قال الليث : الغنم : الفوز بالشيء ، والاغتنام انتهاز الغنم. (٢)

٣. قال الراغب : الغنم معروف ... والغُنْم : إصابته والظفر به ، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم ، قال : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) ، (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً) والمغنم : ما يُغنم وجمعه مغانم ، قال : (فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ). (٣)

٤. قال ابن فارس : «غنم» أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يملك من قبل ثمّ يختص بما أُخذ من المشركين. (٤)

٥. قال ابن منظور : «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة. (٥)

٦. قال ابن الأثير : في الحديث : الرهن لمن رهنه ، له غُنمه وعليه غُرمه ، غُنْمه : زيادته ونماؤه وفاضل قيمته. (٦)

٧. قال الفيروزآبادي : «الغنم» الفوز بالشيء لا بمشقّة ، وأغنمه كذا تغنيماً نفله إيّاه ، واغتنمه وتغنّمه ، عدّه غنيمة. (٧)

__________________

(١) كتاب العين : ٤ / ٤٢٦ ، مادة غنم.

(٢) تهذيب اللغة : مادة «غنم».

(٣) المفردات : مادة «غنم».

(٤) مقاييس اللغة : مادة «غنم».

(٥) لسان العرب : مادة «غنم».

(٦) نهاية اللغة : مادة «غنم».

(٧) قاموس اللغة : مادة «غنم».

٢٠