الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - ج ١

الشيخ جعفر السبحاني

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - ج ١

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني

المحقق: المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: إعتماد ISBN: 964-357-047-9
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد ، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة ، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ، والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول ، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه : ( الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً ). (١)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها ، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث ، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل ، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء

__________________

١. المائدة : ٣.

٥

والبغضاء ، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه : ( وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً ... ). (٢)

والكتاب يقع في جزءين ، أهديه ، لكلّ فقيه حرّ التفكير ، يُرجِّح استنطاق الكتاب والسنّة على تقليد أئمّة المذاهب ، وتكون ضالّته الحقّ أينما وجده.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام

__________________

١. إشارة إلى حوار دار بين الإمام علي عليه‌السلام وبعض اليهود بعد رحيل النبي وظهور الاختلاف في أمر الخلافة.

فقال له بعض اليهود : ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه فقال الإمام عليه‌السلام : «إنّما اختلفنا عنه لا فيه ، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتّى قُلتم لنبيّكم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فقال إنّكم قوم تجهلون» (نهج البلاغة ، قسم الحكم ، تحت رقم ٣١٧).

٢. آل عمران : ١٠٣.

٦

١

الوضوء

في الكتاب والسنة

٧
٨

١

آية الوضوء آية محكمة

اتّفق المسلمون تبعا للذكر الحكيم على أنّ الصلاة لا تصحّ إلاّ بطهور ، والطهور هو الوضوء والغسل والتيمّم وقد بيّن سبحانه سرّ التكليف بتحصيل الطهور قبل الصلاة بقوله ( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ). (١)

وقد حظا الوضوء في التشريع الإسلامي بأهمية بالغة كما نطق بها الكتاب والسنّة فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا صلاة إلاّ بطهور ». (٢) وفي كلام آخر له : « الوضوء شطر الإيمان ». (٣)

فإذا كانت هذه مكانة الوضوء فمن واجب المسلم التعرّف على أجزائه وشرائطه ونواقضه ومبطلاته ، وقد تكفّلت الكتب الفقهية بيان هذه المهمة.

والذي نركز عليه في المقام هو تبيين ما اختلفت فيه كلمة الفقهاء ، أعني : حكم الأرجل من حيث المسح والغسل ، فنقول :

قال سبحانه في كتابه العزيز مبيّنا وجوب الوضوء وكيفيته بقوله :

__________________

١. المائدة : ٦.

٢ و ٣. الوسائل : ١ ، الباب ١ من أبواب الوضوء.

٩

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). (١)

الآية تشكّل إحدى آيات الأحكام التي تستنبط منها الأحكام الشرعية العملية الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشئون حياتهم الدينية والدنيوية.

وهذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير ، ونصوع الدلالة ، فإنّ المخاطب فيها هو الجماهير المؤمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي عليها ، وبذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد ورقائق المعارف العقلية التي تشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلّعين ، خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ والمعاد.

والإنسان إذا تأمّل في هذه الآيات ونظائرها من الآيات التي تتكفّل بيان وظيفة المسلم ، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة ، يجدها محكمة التعبير ، ناصعة البيان ، واضحة الدلالة ، تخاطب المؤمنين كافّة لترسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.

والخطاب ـ كما عرفت ـ يجب أن يكون بعيدا عن الغموض والتعقيد ، وعن التقديم والتأخير ، وعن تقدير جملة أو كلمة حتّى يقف على مضمونها عامة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بدقائق القواعد العربية

__________________

١. المائدة : ٦.

١٠

وغير عالم بها.

فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية ومنزلتها ، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهية لأئمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.

نزل الروح الأمين بهذه الآية على قلب سيّد المرسلين ، فتلاها على المؤمنين وفهموا واجبهم تجاهها بوضوح ، دون تردد ، ودون أن يشوبها أيّ إبهام أو غموض ، وإنّما دبّ الغموض فيها في عصر تضارب الآراء وظهور الاجتهادات.

فمن قرأ الآية المباركة بإمعان يقول في قلبه ولسانه :

سبحانك اللهم ما أبلغ كلامك وأفصح بيانك ، وقد أوضحت الفريضة وبيّنت الوظيفة فيما يجب على المسلم فعله قبل الصلاة ، فقلت :

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ).

ثمّ قلت مبيّنا لكيفية الوظيفة وانّها أمران :

أ. ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ).

ب. ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ).

سبحانك ما أبقيت إجمالا في كلامك ، ولا إبهاما في بيانك ، فأوصدت باب الخلاف ، وسددت باب الاعتساف بتوضيح الفريضة وبيانها.

سبحانك اللهم إن كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) (١) فهو مهيمن ـ بالقطع واليقين ـ على المأثورات المرويّة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي

__________________

١. المائدة : ٤٨.

١١

بين آمرة بغسل الأرجل وآمرة بمسحها.

فما ذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المروية عمّن لا ينطق إلاّ عن الوحي ، ولا يناقض نفسه في كلامه؟

سبحانك لا محيص لنا إلاّ الأخذ بما نادى به كتابك العزيز وقرآنك المجيد وقد بيّنه في جملتين تعربان عن واقع الفريضة وأنّها تتألّف من غسلتين ، ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ).

كما تتألّف من مسحتين ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ).

( أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً ) (١).

__________________

١. الأنعام : ١١٤.

١٢

٢

بداية الاختلاف

كان المسلمون قبل عهد الخليفة الثالث على وفاق في أمر الوضوء ، فلم يكن آنذاك أيّ خلاف بارز في مسح الرجلين أو غسلهما ، وإنّما بدأ الخلاف في عهد الخليفة الثالث كما يظهر من كثير من الروايات البيانيّة المروية عن عثمان ، وقد ذكر مسلم طائفة منها في صحيحه.

١. أخرج مسلم عن حمران مولى عثمان قال : أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ ، ثمّ قال : إنّ ناسا يتحدّثون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث لا أدري ما هي؟ ألا إنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توضّأ مثل وضوئي هذا ، ثمّ قال : من توضّأ هكذا ، غفر له ما تقدّم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة. (١)

٢. أخرج مسلم عن أبي أنس انّ عثمان توضّأ بالمقاسمة فقال : ألا أريكم وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم توضّأ ثلاثا ثلاثا. وزاد قتيبة في روايته ، قال سفيان : قال أبو النضر عن أبي أنس قال : وعنده رجال من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. (٢)

__________________

١. صحيح مسلم بشرح النووي : ٣ / ١١٥ ، برقم ٢٢٩.

٢. صحيح مسلم بشرح النووي : ٣ / ١١٥ ، برقم ٢٣٠.

١٣

وهناك روايات بيانية أخرى على لسان عثمان لم يذكرها مسلم وإنّما ذكرها غيره يشير الجميع إلى أنّ ظهور الاختلاف في كيفية وضوء النبي كان في عصره ، وأمّا ما هو سبب الاختلاف فسيوافيك بيانه.

١٤

٣

القرآن هو المهيمن

والمرجع الوحيد عند اختلاف الآثار

القرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية ، وهو ميزان الحقّ والباطل فما ورد فيها يؤخذ به إذا لم يخالف الكتاب العزيز وإلاّ فيضرب عرض الجدار.

فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم بالنسبة إلى الكتب السماوية ، فأولى به أن يكون كذلك بالنسبة إلى السنن المأثورة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالكتاب مهيمن عليها ، فيؤخذ بالسنّة ـ إذا صحت الاسناد ـ ما دامت غير مخالفة للكتاب.

ولا يعني ذلك الاكتفاء ، بالكتاب وحذف السنّة من الشريعة ، فإنّه من عقائد الزنادقة ، بل السنّة حجّة ثانية للمسلمين ـ بعد الكتاب العزيز ـ بشرط ان لا تضاد السنّة الحاكية السند القطعي عند المسلمين.

فإذا كان القرآن ناطقا بشيء من المسح أو الغسل فما قيمة الخبر الآمر بخلافه ، فلو أمكن الجمع بين القرآن والخبر ، بحمل الثاني على فترة من الزمن ثمّ نسخه القرآن فهو ، وإلاّ فيضرب عرض الجدار.

قال الرازي : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إذا روي لكم حديث فأعرضوه على كتاب الله ، فإن وافقه فاقبلوه ، وإلاّ فردّوه ». (١)

__________________

١. مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير : ٣ / ٢٥٢ ، ط سنة ١٣٠٨ بمصر.

١٥

٤

سورة المائدة آخر سورة نزلت

إنّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس فيها آية منسوخة.

أخرج أحمد ، وأبو عبيد في فضائله ، والنحاس في ناسخه ، والنسائي وابن المنذر ، والحاكم وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير.

قال : حججت فدخلت على عائشة فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ، قلت :

نعم ، فقالت : أما إنّها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه ، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه.

وأخرج أبو عبيد ، عن ضمرة بن حبيب ، وعطية بن قيس قالا : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « المائدة من آخر القرآن تنزيلا ، فأحلّوا حلالها ، وحرّموا حرامها ».

وأخرج الفريابي وأبو عبيد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، عن أبي ميسرة ، قال : في المائدة ثماني عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها وليس فيها منسوخ ، وعدّ منها ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ).

وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال : لم ينسخ من المائدة شيء.

وأخرج عبد بن حميد قال : قلت للحسن : نسخ من المائدة؟ قال : لا. (١)

__________________

١. الدر المنثور : ٣ / ٣ ـ ٤.

١٦

كلّ ذلك يدلّ على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي ، فلا محيص من العمل على وفقها وليس فيها أي نسخ.

وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت وليس فيها آية منسوخة.

أخرج محمد بن مسعود العياشي السمرقندي بإسناده عن علي عليه‌السلام : « كان القرآن ينسخ بعضه بعضا ، وإنّما يؤخذ من أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بآخره ، وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء ». (١)

أخرج الشيخ الطوسي بإسناده عن الصادق والباقر عليهما‌السلام ، عن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، إذ قال في حديث طويل : « وسبق الكتاب الخفّين ، إنّما نزلت السورة قبل أن يقبض بشهرين ». (٢)

وعلى ضوء ذلك لو دلّ الكتاب على شيء من المسح والغسل ، فالآثار المخالفة له ، إمّا تؤوّل بكونها منسوخة بالقرآن أو تطرح.

__________________

١ و ٢. نور الثقلين : ١ / ٤٨٣.

١٧

٥

مصدر الاختلاف

فإذا كانت بداية الاختلاف في عهد الخليفة الثالث ، فهناك سؤال يطرح نفسه : ما هو سبب الاختلاف في أمر الوضوء بعد ما مضت قرابة عشرين سنة من رحيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنقول : هناك وجوه واحتمالات :

١. اختلاف القراءة

ربما يتصوّر انّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة حيث إنّ القرّاء اختلفوا في إعراب ( وَأَرْجُلَكُمْ ) في قوله سبحانه ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) ، فمنهم من قرأ بالجرّ عطفا على الرءوس الذي يستلزم وجوب المسح على الأرجل ، ومنهم من قرأ بالفتح عطفا على ( وُجُوهَكُمْ ) في قوله ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) الذي يستلزم الغسل.

إنّ هذا الوجه باطل جدا ، فإنّ العربي الصميم إذا قرأ الآية مجرّدا عن أي رأي مسبق لا يرضى بغير عطف الأرجل على الرءوس ، سواء أقرأ بالنصب أم بالجر ، وأمّا عطفه على وجوهكم فلا يخطر بباله حتّى يكون مصدرا للخلاف.

فعلى من يبتغي تفسير الآية وفهم مدلولها ، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في

١٨

عصر نزول الآية ويسمع كلام الله من فم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو أصحابه ، فما يفهمه عند ذاك حجة بينه وبين ربه ، وليس له عند ذاك ، الركون إلى الاحتمالات والوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك الوقت.

فلو عرضنا الآية على عربي بعيد عن الأجواء الفقهية ، وعن اختلاف المسلمين في كيفية الوضوء وطلبنا منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح :

إنّ الوضوء غسلتان ومسحتان دون أن يفكّر في أنّ الأرجل هل هي معطوفة على الرءوس أو معطوفة على وجوهكم؟ فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صرّح فيهما بحكمين :

بدئ في الجملة الأولى ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) بغسل الوجوه ثمّ عطفت الأيدي عليها ، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لأجل العطف.

ثمّ بدئ في الجملة الثانية ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) بمسح الرءوس ثمّ عطفت الأرجل عليها ، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرءوس لأجل العطف ، والواو تدلّ على مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم.

والتفكيك بين حكم الرءوس وحكم الأرجل لا يحتمله عربي صميم ، بل يراه مخالفا لظهور الآية.

٢. التمسّك بروايات الغسل المنسوخة

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ غسل الرجلين كان سنّة أمر بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فترة من عمره ، ولمّا نزلت سورة المائدة وفيها آية الوضوء والأمر بمسح

١٩

الأرجل مكان الغسل ، أخذ ـ بعد فترة من الزمن ـ من لا يعرف الناسخ والمنسوخ بالسنّة المنسوخة ، وآثار الخلاف غافلا عن أنّ الواجب عليه الأخذ بالقرآن الناسخ للسنّة وفيه سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أخرج ابن جرير عن أنس قال : نزل القرآن بالمسح ، والسنّة بالغسل. (١)

ويريد من السنّة عمل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل نزول القرآن ، ومن المعلوم أنّ القرآن حاكم وناسخ.

وقال ابن عباس : أبى الناس إلاّ الغسل ، ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح. (٢)

وبهذا يمكن الجمع بين ما حكي من عمل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الغسل وبين ظهور الآية في المسح ، وانّ الغسل كان قبل نزول الآية.

ونرى نظير ذلك في المسح على الخفّين ، فقد روى حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي أنّه قال : « سبق الكتاب الخفّين ». (٣)

وروى عكرمة عن ابن عباس قال : سبق الكتاب الخفّين. ومعنى ذلك انّه لو صدر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فترة من عمره ، المسح على الخفّين ، فقد جاء الكتاب على خلافه ناسخا له حيث قال ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) أي امسحوا على البشرة لا على النعل ولا على الخفّ ولا الجورب. (٤)

٣. إشاعة الغسل من قبل السلطة

كان الحكام مصرّين على غسل الأرجل مكان المسح ويلزمون الناس على

__________________

١ و ٢. الدر المنثور : ٣ / ١ ، ٤.

٣ و ٤. مصنف ابن أبي شيبة : ١ / ٢١٣ ، باب من كان لا يرى المسح ، الباب ٢١٧.

٢٠