زبدة التّفاسير - ج ٤

فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني

زبدة التّفاسير - ج ٤

المؤلف:

فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني


المحقق: مؤسسة المعارف الإسلاميّة
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة المعارف الإسلاميّة
المطبعة: عترت
الطبعة: ١
ISBN: 964-7777-06-X
ISBN الدورة:
964-7777-02-5

الصفحات: ٦٠٨

الله سبحانه يؤتيه ذلك ليستعين به على الطاعة ، فيستعمله في معصية الله ، فيعاقبه الله عليه» ،

كما قال : (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) مطرودا من رحمة الله.

(وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب ، لأنّ العمل بلا إيمان صحيح باطل لا يترتّب عليه فائدة (فَأُولئِكَ) الجامعون للشروط الثلاثة (كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) من الله ، أي : مقبولا عنده مثابا عليه ، فإنّ شكر الله الثواب على الطاعة.

(كُلًّا) كلّ واحد من الفريقين. والتنوين بدل من المضاف إليه. (نُمِدُّ) نزيدهم من عطائنا مرّة بعد أخرى ، ونجعل آنفه مددا لسالفه لا نقطعه ، فنرزق المطيع والعاصي جميعا (هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ) بدل من «كلّا» (مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) من معطاه. متعلّق بـ «نمدّ».

(وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) ممنوعا ، لا يمنعه في الدنيا من مؤمن بعصيانه ، ولا كافر لكفره ، تفضّلا.

(انْظُرْ) بعين الاعتبار (كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) جعلناهم متفاوتين في تفضيل الرزق. وانتصاب «كيف» بـ «فضّلنا» على الحال. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ) ومراتب (وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) أي : التفاوت في الآخرة أكبر ، لأنّ التفاوت فيها بالجنّة ودرجاتها والنار ودركاتها. وقد روي : «أنّ ما بين أعلى درجات الجنّة وأسفلها مثل ما بين السماء والأرض».

(لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) الخطاب للرسول ، والمراد به أمّته ، أو لكلّ أحد (فَتَقْعُدَ) فتصير ، من قولهم : شحذ الشفرة حتّى قعدت كأنّها حربة. أو فتعجز ، من قولهم : قعد عن الشيء إذا عجز عنه (مَذْمُوماً مَخْذُولاً) جامعا على نفسك الذمّ من الملائكة والمؤمنين ، والخذلان من الله. ومفهومه : أنّ الموحّد يكون ممدوحا منصورا.

٢١

(وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥))

ولمّا تقدّم النهي عن الشرك والمعاصي ، عقّبه سبحانه بالأمر بالتوحيد والطاعات ، فقال : (وَقَضى رَبُّكَ) وأمر أمرا مقطوعا به (أَلَّا تَعْبُدُوا) بأن لا تعبدوا (إِلَّا إِيَّاهُ) لأنّ غاية التعظيم لا تحقّ إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام. وهو كالتفصيل لسعي الآخرة.

ويجوز أن تكون «أن» مفسّرة ، و «لا» ناهية. (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) وبأن تحسنوا ، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، لأنّهما السبب الظاهر للوجود والتعيّش. ولا يجوز أن تتعلّق الباء بالإحسان ، لأنّ صلة المصدر لا تتقدّم عليه.

(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) سنّا (أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) أصل إمّا «إن» الشرطيّة زيدت عليها «ما» تأكيدا ، ولذلك صحّ لحوق النون المؤكّدة للفعل. و «أحدهما» فاعل «يبلغنّ» ، وبدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغانّ» الراجع إلى الوالدين.

و «كلاهما» عطف على «أحدهما» فاعلا على الأوّل وبدلا على الثاني. ولا يجوز أن يكون توكيدا للتثنية ، لأنّه لو أريد التأكيد لقيل : كلاهما ، فحسب ، فلمّا قيل : أحدهما أو كلاهما ، علم أنّ التأكيد غير مراد ، فكان بدلا مثل الأوّل.

ومعنى «عندك» أن يكونا في كنفك وكفالتك. وتخصيص حال الكبر ـ وإن كان من

٢٢

الواجب طاعة الوالدين على كلّ حال ـ لأنّ الحاجة أكثر في تلك الحال إلى التعهّد والخدمة.

(فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) فلا تتضجّر ممّا تستقذر منهما ، وتستثقل من مؤونتهما. وهو صوت يدلّ على تضجّر. وقيل : اسم الفعل الّذي هو : أتضجّر. وبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف. والنهي عن ذلك يدلّ على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأولى. وهذا هو القياس المنصوص العلّة. وقيل : عرفا ، كقولك : فلان لا يملك النقير (١) والقطمير.

ولقد بالغ سبحانه في التوصية بالوالدين ، حيث افتتحها بأن شفّع الإحسان إليهما بتوحيده ، ونظمهما في سلك القضاء بهما معا ، ثمّ ضيّق الأمر في مراعاتهما ، حتّى لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجّر ، مع موجبات الضجر ومقتضياته ، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة.

ثمّ قال : (وَلا تَنْهَرْهُما) ولا تزجرهما عمّا يفعلانه بإغلاظ وصياح. وقيل : معناه : ولا تمتنع من شيء أراداه منك ، مثل قوله : (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (٢). وقيل : النهي والنهر والنهم أخوات. (وَقُلْ لَهُما) بدل التأفيف والنهر (قَوْلاً كَرِيماً) جميلا ، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة ، وهو أن تقول : يا أبتاه يا أمّاه ، ولا تدعوهما بأسمائهما ، فإنّه من سوء الأدب وعادة الدعّار (٣).

وعن سعيد بن المسيّب : معناه : قل لهما قول العبد المذنب للسيّد الفظّ الغليظ.

وعن مجاهد : معنى الآية : إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويحدثان ، فلا

__________________

(١) أي : لا يملك شيئا.

(٢) الضحى : ١٠.

(٣) الدعّار جمع الداعر ، وهو الخبيث المفسد الفاسق.

٢٣

تتقذّرهما ، وأمط عنهما كما كانا يميطن عنك في حال الصغر.

وروي عن عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام عن أبيه ، عن جدّه أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال : «لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من أفّ لأتى بها».

وفي رواية أخرى عنه : «أدنى العقوق أفّ ، ولو علم الله شيئا أيسر منه وأهون منه لنهى عنه».

وفي الخبر عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فليعمل العاقّ ما يشاء أن يعمل فلن يدخل الجنّة ، وليفعل البارّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار»!

وعنه أيضا : «رغم أنفه ، ثلاث مرّات. قيل : من يا رسول الله؟ قال : من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنّة».

وعن حذيفة : «أنّه استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قتل أبيه وهو في صفّ المشركين.

فقال : دعه يليه غيرك».

وفي الحديث القدسي : «من رضي عنه والده فأنا عنه راض».

وروى سعيد بن المسيّب : أنّ البارّ لا يموت ميتة سوء.

(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ) تذلّل لهما وتواضع فيهما. أمر بخفض جناح الذلّ مبالغة ، وأراد جناح صاحب الذلّ ، كقوله : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (١). وإضافته إلى الذلّ للبيان ، أي : جناحك للذلّ ، كما أضيف حاتم إلى الجود. والمعنى : واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول. والمراد : بالغ في التواضع والخضوع لهما قولا وفعلا ، برّا بهما وشفقة عليهما. والمراد بالذلّ هنا اللين والتواضع ، من : خفض الطائر جناحه ، إذا ضمّ فرخه إليه ، فكأنّه قال : ضمّ أبويك إلى نفسك ، كما كانا يفعلان بك وأنت صغير.

وعن الصادق عليه‌السلام : «لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلّا برحمة ورأفة ، ولا ترفع صوتك فوق صوتهما ، ولا يديك فوق أيديهما ، ولا تتقدّم قدّامهما».

__________________

(١) الحجر : ٨٨.

٢٤

(مِنَ الرَّحْمَةِ) من فرط رحمتك عليهما ، لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما ، فإنّ الولد أحوج خلق الله إلى الوالدين.

(وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما) وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية ، ولا تكتف برحمتك الفانية ، وإن كانا كافرين ، لأنّ من الرحمة أن يهديهما (كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) رحمة مثل رحمتهما عليّ ، وإرشادهما لي في صغري ، وفاء بوعدك للراحمين.

روي أنّ رجلا قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ أبويّ بلغا من الكبر أنّي ألي منهما ما وليا منّي في الصغر ، فهل قضيتهما حقّهما؟ قال : لا ، فإنّهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبّان بقاءك ، وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما».

وشكا رجل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أباه ، وأنّه يأخذ ماله. فدعا به فإذا شيخ يتوكّأ على عصا ، فسأله. فقال : إنّه كان ضعيفا وأنا قويّ ، وفقيرا وأنا غنيّ ، فكنت لا أمنعه شيئا من مالي ، واليوم أنا ضعيف وهو قويّ ، وأنا فقير وهو غنيّ ، ويبخل عليّ بماله! فبكى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : «ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلّا بكى. ثمّ قال للولد : أنت ومالك لأبيك ، أنت ومالك لأبيك».

وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه. فقال : «لم تكن سيّئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر؟ قال : إنّها سيّئة الخلق. قال : لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين! قال : إنّها سيّئة الخلق. قال : لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها ، وأظمأت نهارها! قال : لقد جازيتها.

قال : ما فعلت؟ قال : حججت بها على عاتقي. قال : ما جزيتها ولو طلقة» يعني : ولو كان المجزيّ به طلقة ، وهو وجع المخاض.

وعنه عليه‌السلام : «إيّاكم وعقوق الوالدين ، فإنّ الجنّة توجد ريحها من مسيرة ألف عام ، ولا يجد ريحها عاقّ ، ولا قاطع رحم ، ولا شيخ زان ، ولا جارّ إزاره خيلاء ، وإنّ الكبرياء لله ربّ العالمين».

(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) من قصد البرّ إليهما ، واعتقاد ما يجب لهما من

٢٥

التوقير ، ومن العقوق. وكأنّه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا.

(إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ) قاصدين للصلاح طائعين (فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ) للتوّابين (غَفُوراً) ما فرط منهم من أذيّة أو تقصير في الوالدين. وفيه تشديد عظيم.

ويجوز أن يكون عامّا لكلّ تائب. ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوّليّا ، لوروده على أثره. وروي مرفوعا : أنّ الأوّابين هم الّذين يصلّون بين المغرب والعشاء.

(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨))

ثمّ وصّى بغير الوالدين من الأقارب بعد أن بالغ في الوصيّة بهما ، فقال : (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) من صلة الرحم ، وحسن المعاشرة ، والبرّ عليهم. وعن السدّي : المراد بذي القربى أقارب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قال : إن عليّ بن الحسين عليهما‌السلام قال لرجل من أهل الشام ـ حين بعث به عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية عليهما لعائن الله ـ : أقرأت القرآن؟ قال : نعم.

قال : أما قرأت (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)؟ قال : وإنّكم ذو القربى الذي أمر الله أن يؤتى حقّه؟

قال : نعم. وهو الّذي رواه أصحابنا رضي‌الله‌عنهم عن الصادقين عليهما‌السلام.

قال في المجمع : «حدّثنا السيّد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني ، قال : حدّثنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني (١) ، قال : حدّثنا عمر بن أحمد بن عثمان ببغداد شفاها ، قال : أخبرني عمر بن الحسين بن عليّ بن مالك ، قال : حدّثنا جعفر بن محمد الأحمسي ، قال : حدّثنا حسن بن حسين ، قال : حدّثنا أبو معمر سعيد بن خثيم ،

__________________

(١) شواهد التنزيل ١ : ٤٣٨ ح ٤٦٧.

٢٦

وعليّ بن القاسم الكندي ، ويحيى بن يعلى ، وعليّ بن مسهر ، عن فضل بن مرزوق ، عن عطيّة العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : لمّا نزل قوله : (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) أعطى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة فدكا».

قال عبد الرحمن بن صالح : «كتب المأمون إلى عبيد الله بن موسى يسأله عن قصّة فدك ، فكتب إليه عبيد الله بهذا الحديث ، رواه عن الفضيل بن مرزوق عن عطيّة ، فردّ المأمون فدك على ولد فاطمة عليها‌السلام» (١).

(وَالْمِسْكِينَ) وآت المسكين حقّه الّذي جعله الله له ، من الزكاة وغيرها (وَابْنَ السَّبِيلِ) وآت المجتاز المنقطع عن بلاده حقّه أيضا (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) بصرف المال فيما لا ينبغي ، فإنّ التبذير تفريق المال في غير حقّه. قال مجاهد : لو أنفق مدّا في باطل كان مبذّرا ، ولو أنفق جميع ماله في الحقّ لم يكن تبذيرا. وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر ، فقال له صاحبه : لا خير في السّرف ، فقال : لا سرف في الخير.

وعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لسعد وهو يتوضّأ : «ما هذا السرف؟ فقال : أفي الوضوء سرف؟ قال : نعم وإن كنت على نهر جار».

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إنّ المسرفين أمثال الشياطين في الشرارة ، السالكون طريقهم ، فإنّ التضييع والإتلاف شرّ. أو أصدقاؤهم وأتباعهم ، لأنّهم يطيعونهم في الإسراف والصرف في المعاصي.

روي أنّهم كانوا ينحرون الإبل ، ويتياسرون (٢) عليها ، ويبذّرون أموالهم في السمعة ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، وأمرهم بالإنفاق في القربات.

(وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) مبالغا في الكفر به ، فينبغي أن لا يطاع ، فإنّه لا يدعو إلا إلى مثل فعله من الشرّ.

__________________

(١) مجمع البيان ٦ : ٤١١.

(٢) أي : يتقامرون.

٢٧

(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) وإن تعرض عن هؤلاء الّذين أمرتك بإيتاء حقوقهم عند مسألتهم إيّاك ـ لأنّك لا تجد ذلك ـ حياء من الردّ. ويجوز أن يراد بالإعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية. (ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها) لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه ، أو منتظرين له. وقيل : معناه : لفقد رزق من ربّك ترجوه أن يفتح لك. فوضع الابتغاء موضعه ، لأنّه مسبّب عنه. (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) أي : قولا ليّنا سهلا ، تطييبا لقلوبهم.

ويجوز أن يتعلّق قوله : (ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ) بجواب الشرط ، أعني قوله : (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً). ومعناه : فقل لهم قولا ليّنا ابتغاء رحمة الله برحمتك عليهم ، بإجمال القول لهم. والميسور من : يسر الأمر ، مثل : سعد الرجل ونحس. وقيل : القول الميسور الدعاء لهم بالميسور ، وهو اليسر ، مثل : أغناكم الله ورزقنا الله وإيّاكم.

(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١))

ثمّ أمر سبحانه بالاقتصاد الّذي هو بين الإسراف والتقتير ، فقال : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) هذان تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذّر.

والمعنى : لا تكن ممّن لا يعطي شيئا ولا يهب ، فتكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه لا يقدر على الإعطاء. وهذا مبالغة في النهي عن الشحّ والإمساك. ولا تعط أيضا جميع ما عندك ، فتكون بمنزلة من بسط يده حتّى لا يستقرّ فيها شيء. والمقصود الأمر بالاقتصاد

٢٨

بينهما الّذي هو الكرم.

(فَتَقْعُدَ مَلُوماً) فتصير ملوما عند الله وعند النّاس بالإسراف وسوء التدبير (مَحْسُوراً) نادما ، أو منقطعا بك لا شيء عندك ، من : حسره السفر إذا بلغ منه ، أي : انقطع.

وقيل : معناه : إن أمسكت قعدت ملوما مذموما ، وإن أسرفت بقيت متحسّرا مغموما.

وعن جابر : «بينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس أتاه صبيّ فقال : إنّ أمّي تستكسيك درعا. فقال : من ساعة إلى ساعة يظهر ، فعد إلينا. فذهب إلى أمّه فقالت : قل له : إنّ أمّي تستكسيك الدرع الّذي عليك. فدخل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم داره ، ونزع قميصه وأعطاه ، وقعد عريانا.

وأذّن بلال ، وانتظروه للصلاة فلم يخرج ، فلامه الكفّار وقالوا : إنّ محمدا اشتغل بالنوم واللهو عن الصلاة. فأنزل الله ذلك ، ثمّ سلّاه بقوله : (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) يوسّعه ويضيّقه بمشيئته التابعة للحكمة ، فليس ما يرهقك من الإضافة إلّا لمصلحتك (إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) يعلم سرّهم وعلنهم ، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم.

ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر الله العالم بالسرائر والظواهر ، فأمّا العباد فعليهم أن يقتصدوا. أو أنّه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى ، فاستنّوا بسنّته ، ولا تقبضوا كلّ القبض ، ولا تبسطوا كلّ البسط. وأن يكون تمهيدا لقوله : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ) أي : بناتكم (خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) مخافة الفاقة. وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر ، فنهاهم عنه ، وضمن لهم أرزاقهم ، فقال : (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) ذنبا عظيما ، لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع. والخطأ : الإثم. يقال : خطئ خطأ ، كأثم إثما.

وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان : خطأ. وهو اسم من : أخطأ ، يضادّ الصواب.

وقيل : لغة فيه ، كمثل ومثل ، وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير خطاء بالمدّ والكسر. وهو إمّا

٢٩

لغة فيه ، أو مصدر خاطأ. وهو وإن لم يسمع لكنّه جاء : تخاطأ ، فهو مبنيّ عليه.

(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢))

(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) بالعزم والإتيان بالمقدّمات فضلا عن أن تباشروه (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) فعلة فاحشة زائدة عن حدّ القبح (وَساءَ سَبِيلاً) وبئس طريقا طريقه. وهو وطء المرأة حراما بلا عقد ولا شبهة عقد.

وفي الأنوار : «هو الغصب على الأبضاع المؤدّي إلى قطع الأنساب ، وتهييج الفتن» (١). وإبطال المواريث ، وصلة الرحم ، وحقوق الآباء على الأولاد ، وذلك مستنكر في العقول.

وفي المجمع : «أخبرني المفيد عبد الجبّار بن عبد الله بن علي ، قال : حدّثنا أبو جعفر الطوسي ، قال : حدّثنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن حبيب الفارسي ، عن أبي بكر محمّد بن أحمد بن محمّد الجرجرائي ، قال : سمعت أبا عمرو عثمان بن الخطّاب المعروف بأبي الدنيا يقول : سمعت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام يقول : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : في الزنا ستّة خصال ، ثلاث في الدنيا ، وثلاث في الآخرة. فأمّا اللواتي في الدنيا : فيذهب بنور الوجه ، ويقطع الرزق ، ويسرع الفناء. وأمّا اللّواتي في الآخرة : فغضب الربّ ، وسوء الحساب ، والدخول في النار» (٢).

(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣))

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣ : ٢٠١.

(٢) مجمع البيان ٦ : ٤١٣ ـ ٤١٤.

٣٠

(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ) إلّا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ـ سواء كان أصليّا أو بالارتداد ـ وزنا بعد إحصان ـ وفي حكمه اللواط ـ وقتل مؤمن معصوم عمدا.

(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً) غير مستوجب للقتل (فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ) الّذي يلي أمره بعد وفاته ، وهو الوارث (سُلْطاناً) تسلّطا على القاتل بالمؤاخذة والاقتصاص منه ، فإنّ قوله : «مظلوما» يدلّ على أنّ القتل عمدا عدوان ، فإن الخطأ لا يسمّى ظلما (فَلا يُسْرِفْ) أي : القاتل (فِي الْقَتْلِ) بأن يقتل من لا يستحقّ قتله ، فإنّ العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك. أو الوليّ بالمثلة ، أو قتل غير القاتل. وقرأ حمزة والكسائي : فلا تسرف ، على خطاب أحدهما.

ثمّ استأنف الكلام بقوله : (إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) علّة للنهي عن قتل غير المقتول والمثلة. والضمير إمّا للمقتول ، فإنّه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله ، وفي الآخرة بالثواب. وإمّا لوليّه ، فإنّ الله نصره حيث أوجب القصاص له ، وأمره الولاة بمعونته. وإمّا للّذي يقتله الوليّ إسرافا ، بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على المسرف.

(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥))

(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ) فضلا أن تتصرّفوا فيه (إِلَّا بِالَّتِي) أي : بالطريقة الّتي (هِيَ أَحْسَنُ) وهي حفظه عليه وجوبا ، وتثميره مندوبا على الأصحّ (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) غاية لجواز التصرّف الّذي دلّ عليه الاستثناء.

٣١

وبعد النهي عن المنهيّات المذكورة الّتي هي أمّ المناهي ، حثّ عباده على الوفاء بالعهود ، وعلى إتمام الوزن والكيل في المعاملات ، وإيفاء الحقوق الّذي هو سبب انتظام الأمور ، فقال : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) بما عاهدكم الله من تكاليفه ، أو ما عاهدتموه وغيره (إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً) مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيّعه ويفي به. أو مسئولا عنه ، يسأل الناكث ويعاتب عليه. ويجوز أن يكون تخييلا ، كأنّه يسأل العهد لم نكثت؟ وهلّا وفي بك؟ تبكيتا للناكث ، كما يقال للمؤودة : بأيّ ذنب قتل؟ ويجوز أن يراد : أن صاحب العهد كان مسئولا.

(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ) ولا تبخسوا فيه (إِذا كِلْتُمْ) يعني : أوفوا الناس حقوقهم إذا كلتم عليهم حقوقهم (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) بالميزان السويّ الّذي لا بخس فيه ولا غبن ، صغيرا كان أو كبيرا. وقيل : هو القبّان (١). والقسطاس رومي عرّب. ولا يقدح ذلك في عربيّة القرآن ، لأنّ العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيّا. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف هنا وفي الشعراء (٢).

(ذلِكَ خَيْرٌ) نموّا في المال (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) عاقبة في المآل. وهو ثواب الآخرة. تفعيل من : آل إذا رجع.

(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦))

ثمّ نهى عن اقتفاء شيء لا يتعلّق العلم به ، فقال : (وَلا تَقْفُ) ولا تتّبع

__________________

(١) القبان : آلة توزن بها الأشياء.

(٢) الشعراء : ١٨٢

٣٢

(ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ما لم يتعلّق به علمك تقليدا. وعن ابن عبّاس : لا تقل : سمعت ولم تسمع ، ولا رأيت ولم تر ، ولا علمت ولم تعلم. والعلم هنا مقابل الجهل ، وهو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند ، سواء كان قطعا أو ظنّا. واستعماله بهذا المعنى شائع ، فلا يكون حجّة لمن منع اتّباع الظنّ ، فيدخل فيه الاجتهاد ، لأنّ ذلك نوع من العلم ، فإنّ الشرع قد أقام غالب الظنّ مقام العلم ، وأمر بالعمل به.

وقيل : إنّه مخصوص بالعقائد. وقيل : بالرمي وشهادة الزور. ويؤيّده قوله عليه‌السلام : «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج».

والردغة : الماء والطين والوحل الشديد. والمراد هنا عصارة أهل النار ، والخبل عرقهم. والمعنّي من الآية : النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم ، وأن يعمل بما لم يعلم.

(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ) أي : كلّ هذه الأعضاء.

قال في الأنوار : «إنّما خصّ هذه القوى الثلاثة بالذكر ، لأنّ العلوم إمّا مستفاد من الحواسّ أو العقول. ولمّا كانت هذه الثلاثة مسئولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها أجريت مجرى العقلاء. وأيضا «أولاء» وإن غلّب في العقلاء ، لكنّه من حيث إنّه اسم جمع لـ «ذا» وهو يعمّ القبيلتين جاء لغيرهم» (١).

(كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) الضمير للكلّ ، أي : كان كلّ واحد منها مسئولا عن نفسه ، يعني : عمّا فعل به صاحبه. ويجوز أن يكون الضمير في «عنه» لمصدر «لا تقف» ، أو لصاحب السمع والبصر والفؤاد. وقيل : إنّ «مسئولا» مسند إلى «عنه» ، كقوله تعالى : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ). والمعنى : يسأل صاحبه عنه. وهو خطأ ، لأنّ الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدّم.

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣ : ٢٠٢. ولم ترد فيه الجملة الأولى.

٣٣

(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩))

ثمّ نهى عن فعل قبيح آخر بقوله : (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) أي : ذا مرح ، وهو الاختيال والتكبّر (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ) لن تجعل فيها خرقا بدوسك فيها وشدّة وطأتك (وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً) بتطاولك. وهو تهكّم بالمختال ، وتعليل للنهي بأنّ الاختيال حماقة محضة لا تعود بجدوى ، ليس في التذلّل.

قال في المجمع : «إنّما قال ذلك لأنّ من الناس من يمشي في الأرض بطرا ، يدقّ قدميه عليها ليرى بذلك قدرته وقوّته ، ويرفع رأسه وعنقه ، فبيّن سبحانه أنّه ضعيف مهين ، لا يقدر أن يخرق الأرض بدقّ قدميه عليها حتى ينتهي إلى آخرها ، وأنّ طوله لا يبلغ طول الجبال وإن كان طويلا» (١).

(كُلُّ ذلِكَ) إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة من قوله : (لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) (٢). وعن ابن عبّاس : أنّ هذه الثماني (٣) عشرة آية كانت مكتوبة في ألواح موسى عليه‌السلام. (كانَ سَيِّئُهُ) يعني : المنهيّ عنه ، فإنّ المذكورات مأمورات ومنهيّات.

وقرأ الحجازيّان والبصريّان : سيّئة ، على أنّها خبر «كان» ، والاسم ضمير «كلّ» ،

__________________

(١) مجمع البيان ٦ : ٤١٦.

(٢) الإسراء : ٢٢.

(٣) أي : من آية ٢٢ إلى ٣٩ من سورة الإسراء.

٣٤

و «ذلك» إشارة إلى ما نهى عنه خاصّة. وعلى هذا قوله : (عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) بدل من «سيّئة» أو صفة لها محمولة على المعنى ، فإنّه بمعنى : سيّئا. وفي الكشّاف : «السيّئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم ، زال عنه حكم الصفات ، فلا اعتبار بتأنيثه» (١).

ويجوز أن ينتصب «مكروها» على الحال من المستكن في «كان» ، أو في الظرف ، على أنّه صفّة «سيّئة».

وفي هذا دلالة واضحة على بطلان قول المجبّرة ، فإنّه سبحانه صرّح بأنّه يكره المعاصي والسيّئات ، وإذا كرهها فكيف يريدها؟! فإنّ من المحال أن يكون الشيء الواحد مرادا ومكروها عنده.

(ذلِكَ) إشارة إلى الأحكام المتقدّمة ، من الأوامر والنواهي (مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) الّتي هي معرفة الحقّ لذاته ، ومعرفة الخير للعمل به. وفي الكشّاف : «سمّاه حكمة لأنّه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه» (٢).

(وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) كرّره للتنبيه على أنّ التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه ، فإنّ من لا قصد له بطل عمله ، ومن قصد بفعله أو تركه غيره ضاع سعيه ، وأنّه رأس الحكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه ، وإن بذّ (٣) فيها الحكماء ، وحكّ بيافوخه (٤) السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم ، وهم عن دين الله أضلّ من النعم.

ورتّب عليه أوّلا ما هو عائدة الشرك في الدنيا ، وثانيا ما هو نتيجته في العقبى ، فقال : (فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً) أي : إذا فعلت ذلك فتلقى وتطرح في النار تلوم نفسك

__________________

(١ ، ٢) الكشّاف ٢ : ٦٦٨.

(٣) بذّه أي : غلبه وفاقه.

(٤) اليافوخ : موضع من رأس الطفل بين عظام جمجمته. يقال : مسّ بيافوخه السماء ، إذا علا قدره وتكبّر.

٣٥

(مَدْحُوراً) مبعدا من رحمة الله تعالى.

(أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١))

(أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ) خطاب لمن قالوا : الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار. والمعنى : أفخصّكم ربّكم بأفضل الأولاد وهم البنون. (وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) بنات لنفسه؟! وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً) بإضافة الأولاد إليه ، وهي خاصّة بالأجسام لسرعة زوالها ، ثمّ بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون ، ثمّ. يجعل الملائكة الّذين هم من أشرف خلق الله أدونهم.

(وَلَقَدْ صَرَّفْنا) كرّرنا الدلائل ، وفصّلنا العبر ، بوجوه من تقرير التوحيد (فِي هذَا الْقُرْآنِ) في مواضع منه. وترك المفعول لدلالة الكلّي عليه ، وعلم السامع به. ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات إليه ، لأنّه ممّا صرفه وكرّر ذكره. والمعنى : ولقد صرّفنا القول في هذا المعنى ، أو أوقعنا التصريف فيه. (لِيَذَّكَّرُوا) ليتذكّروا. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الفرقان (١) : ليذكروا ، من الذكر الّذي بمعنى التذكّر. يعني : كرّرناه ليتّعظوا ويعتبروا ويطمئنّوا إلى ما يحتجّ به عليهم.

(وَما يَزِيدُهُمْ) وما يزيد هؤلاء الكفّار تصريف الأمثال والدلائل لهم (إِلَّا نُفُوراً) عن الحقّ ، وقلّة طمأنينة إليه. وأضاف النفور إلى القرآن ، لأنّهم ازدادوا النفور عند

__________________

(١) الفرقان : ٥٠.

٣٦

نزوله ، كقوله : (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً) (١). والحكمة في إنزاله ـ مع أنّهم يزدادون النفور عند إنزال القرآن ـ إلزام الحجّة ، وقطع المعذرة في إظهار الدلائل الّتي تحسن التكليف. وعن سفيان : كان إذا قرأها قال : زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا.

(قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤))

ثمّ بيّن التوحيد بأوضح البيان ، فقال : (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) ايّها المشركون. وقرأ ابن كثير وحفص بالياء فيه وفيما بعده ، على أنّ الكلام مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ووافقهما نافع وابن عامر وأبو بكر وأبو عمرو ويعقوب في الثانية ، على أنّ الأولى ممّا أمر الرسول أن يخاطب به المشركين ، والثانية ممّا نزّه به نفسه عن مقالتهم. (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) جواب عن قولهم ، وجزاء لـ «لو».

والمعنى : لطلبوا إلى من له الملك والربوبيّة طريقا بالمغالبة ، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض ، فإنّ الشريكين في الإلهيّة يكونان متساويين في صفات الذات ، ويطلب أحدهما مغالبة صاحبه ليصفو له الملك. وفيه إشارة إلى برهان التمانع ، كقوله : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (٢).

قيل : معناه ليقربوا إليه بالطاعة ، لعلمهم بقدرته وعجزهم ، كقوله :

__________________

(١) نوح : ٦.

(٢) الأنبياء : ٢٢.

٣٧

(أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) (١).

(سُبْحانَهُ) تنزّه تنزيها (وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا) تعاليا (كَبِيراً) متباعدا غاية البعد عمّا يقولون ، فإنّه في أعلى مراتب الوجود ، وهو كونه واجب الوجود وواجب البقاء لذاته ، واتّخاذ الولد من أدنى مراتبه ، فإنّه من خواصّ ما يمتنع بقاؤه ، فوصف العلوّ بالكبر للمبالغة في معنى البراءة والبعد ممّا وصفوه به.

(تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ) حيث تدلّ على صانعها وعلى صفاتها العلى بإمكانها وحدوثها.

(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) وليس شيء من الموجودات (إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) ينزّهه عمّا هو من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال ، إذ كلّها حادث مصنوع ، فتدلّ بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم ، الواجب لذاته ، القادر على جميع الممكنات ، على وجه كأنّها تنطق بذلك. وهذا التسبيح المجازي حاصل في الجميع ، فيحمل عليه. وأيضا هو من طريق الدلالة أقوى من التسبيح الحقيقي ، لأنّه يؤدّي إلى العلم به ، بخلاف الحقيقي.

(وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) أيّها المشركون ، فإنّهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض قالوا : الله ، إلّا أنّهم لمّا جعلوا معه آلهة مع إقرارهم ، فكأنّهم لم ينظروا ولم يقرّوا ، لأنّ نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه ، فإذا لم يفقهوا التسبيح ، ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق.

ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ الّذي هو التسبيح الحقيقي ، والدلالة الّتي هي التسبيح المجازي ، لإسناده إلى ما يتصوّر منه اللفظ من الملائكة والثقلين ، وإلى ما لا يتصوّر منه من غير ذوي العقول. ويجوز حمله عليهما جميعا عند من جوّز إطلاق اللفظ على معنييه.

__________________

(١) الإسراء : ٥٧.

٣٨

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم : يسبّح بالياء.

(إِنَّهُ كانَ حَلِيماً) حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم ، وجهلكم بالتسبيح وشرككم (غَفُوراً) لمن تاب منكم.

(وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧))

ولمّا تقدّم قوله : (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ) بيّن سبحانه حالهم عند قراءة القرآن ، فقال : (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) أي : يحجبهم عنك عند قراءتك ستر ذا ستر ، كقولهم : سيل مفعم (١) ، أي : ذو إفعام. أو مستورا عن العيون من قدرة الله ، فهو حجاب لا يرى. ويجوز أن يراد به حجاب من دونه حجاب.

قال الكلبي : هم : أبو سفيان ، والنضر بن الحارث ، وأبو جهل ، وأمّ جميل امرأة أبي لهب ، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن ، وكانوا يأتونه ويمرّون به ولا يرونه ، لئلّا يؤذوه.

__________________

(١) أي : مالئ ، من : أفعم الإناء : ملأه.

٣٩

(وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) تكنّها وتحول دونها عن إدراك الحقّ وقبوله (أَنْ يَفْقَهُوهُ) كراهة أن يفقهوه (وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) يمنعهم عن استماعه. يعني : أنّهم في رسوخ الكفر ، والانهماك في العناد ، والتصميم على اللجاج في طريق الاعوجاج ، على وجه كأنّ الله تعالى جعل أكنّة على قلوبهم لئلّا يفقهوا القرآن ، وفي آذانهم صمما لئلّا يستمعوه ، لا أنّه واقع على معناه الظاهري ، فإنّه قبيح غاية القبح ، ومستلزم لتكليف ما لا يطاق ، تعالى الله عن ذلك.

وقال صاحب الكشّاف : «هذه حكاية لما كانوا يقولونه : (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) (١) كأنّه قال : وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم» (٢). وقد مرّ تحقيق ذلك في سورة الأنعام (٣).

وقيل : معناه : أنّا جعلنا بينك وبينهم حجابا. بمعنى : باعدنا بينك وبينهم في القرآن ، فهو لك وللمؤمنين معك شفاء وهدى ، وهو للمشركين في آذانهم وقر وعليهم عمى ، فهذا هو الحجاب. وهذا منقول عن أبي مسلم.

(وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ) واحدا غير مشفوع به آلهتهم. مصدر وقع موقع الحال. وأصله واحدا وحده. (وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً) هربا من استماع التوحيد أو تولية. ويجوز أن يكون جمع نافر ، كقاعد وقعود.

(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ) بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن.

قيل : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا كان يقرأ يقوم عن يمينه رجلان من عبد الدار ، ورجلان منهم عن يساره ، فيصفّقون ويصفّرون ويخلّطون عليه بالأشعار.

(إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) ظرف لـ «أعلم». وكذا (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) أي : نحن أعلم

__________________

(١) فصّلت : ٥.

(٢) الكشّاف ٢ : ٦٧٠ ـ ٦٧١.

(٣) راجع ج ٢ ص ٣٧٤ ذيل الآية ٢٥ من سورة الأنعام.

٤٠