لا يحتمله النظام الموجود المعهود في هذا العالم ، لا في الوحي فقط ، بل في كل إعلام عمومي وتبيين مطلق ، بل إنما يكون باتصال الخبر إلى بعض الناس من غير واسطة وإلى بعض آخرين بواسطتهم ، بتبليغ الحاضر الغائب ، والعالم الجاهل ، فالعالم يعد من وسائط البلوغ وأدواته ، كاللسان والكلام : فإذا بين الخبر للعالم المأخوذ عليه الميثاق بعلمه مع غيره من المشافهين فقد بين الناس ، فكتمان العالم علمه هذا كتمان العلم عن الناس بعد البيان لهم وهو السبب الوحيد الذي عده الله سبحانه سبباً لاختلاف الناس في الدين وتفرقهم في سبل الهداية والضلالة ، وإلا فالدين فطري تقبله الفطرة وتخضع له القوة المميزة بعد ما بين لها ، قال تعالى : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ » الروم ـ ٣٠ ، فالدين فطري على الخلقة لا يدفعه الفطرة أبداً لو ظهر لها ظهوراً ما بالصفاء من القلب ، كما في الأنبياء ، أو ببيان قولي ، ولا محالة ينتهي هذا الثاني إلى ذلك الأول فافهم ذلك .
ولذلك جمع في الآية بين كون الدين فطرياً على الخلقة وبين عدم العلم به فقال : فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وقال : لكن أكثر الناس لا يعلمون ، وقال تعالى : « وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ » البقرة ـ ٢١٣ ، فأفاد أن الاختلاف فيما يشتمل عليه الكتاب إنما هو ناش عن بغي العلماء الحاملين له ، فالاختلافات الدينية والإنحراف عن جادة الصواب معلول بغى العلماء بالإخفاء والتأويل والتحريف ، وظلمهم ، حتى أن الله عرف الظلم بذلك يوم القيمة كما قال : « فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا » الأعراف ـ ٤٥ ، والآيات فيهذا المعنى كثيرة .
فقد تبين أن الآية مبتنية على الآية أعني ، أن قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب الآية ، مبتنية على قوله تعالى : كان الناس أُمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أُوتوه بغياً بينهم الآية ، ومشيرة إلى جزاء هذا البغي بذيلها وهو قوله : أولئك يلعنهم الله إلخ .
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

