قسر دائم .
قلت : هذه النفوس التي خرجت من القوة إلى الفعل في الدنيا واتصلت إلى حد وماتت عندها لا تبقى على إمكان الاستكمال اللاحق دائماً بل يستقر على فعليتها الحاضرة بعد حين أو تخرج إلى الصورة العقلية المناسبة لذلك وتبقى على ذلك ، وتزول الإمكان المذكور بعد ذلك فالإنسان الذي مات وله نفس ساذجة غير أنه فعل أفعالا وخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً لو عاش حيناً أمكن أن يكتسب على نفسه الساذجة صورة سعيدة أو شقية وكذا لو عاد بعد الموت الى الدنيا وعاش أمكن أن يكتسب على صورته السابقة صورة خاصة جديدة وإذا لم يعد فهو في البرزخ مثاب أو معذب بما كسبته من الأفعال حتى يتصور بصورة عقلية مناسبة لصورته السابقة المثالية وعند ذلك يبطل الإمكان المذكور ويبقى إمكانات الاستكمالات العقلية فإن عاد الى الدنيا كالأنبياء والأولياء لو عادوا إلى الدنيا بعد موتهم أمكن أن يحصل صورة أخرى عقلية من ناحية المادة والأفعال المتعلقة بها ولو لم يعد فليس له إلا ما كسب من الكمال والصعود في مدارجه ، والسير في صراطه ، هذا .
ومن المعلوم أن هذا ليس قسراً دائماً
ولو كان مجرد حرمان موجود عن كماله الممكن له بواسطة عمل عوامل وتأثير علل مؤثرة قسراً دائماً لكان أكثر حوادث هذا العالم الذي هو دار التزاحم ، وموطن التضاد أو جميعها قسراً دائماً ، فجميع أجزاء هذا العالم الطبيعي مؤثرة في الجميع ، وإنما القسر الدائم أن يجعل في غريزة نوع من
الأنواع إقتضاء كمال من الكمالات أو استعداد ثم لا يظهر أثر ذلك دائماً إما لأمر
في داخل ذاته أو لأمر من خارج ذاته متوجه الى إبطاله بحسب الغريزة ، فيكون تغريز النوع المقتضي أو المستعد للكمال تغريزاً باطلاً وتجبيلاً هباء لغواً فافهم ذلك ،
وكذا لو فرضنا إنساناً تغيرت صورته إلى صورة نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد والخنزير فإنما هي صورة على صورة ، فهو إنسان خنزير أو إنسان قردة ، لا إنسان بطلت إنسانيته ، وخلت الصورة الخنزيرية أو القردية محلها ، فالإنسان إذا كسب صورة من صور الملكات تصورت نفسه بها ولا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حد ما ستظهر في الآخرة بعد الموت ، وقد مر أن النفس
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

