قوله تعالى : أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ، بيان لجزاء بغي الكاتمين لما أنزله الله من الآيات والهدى ، وهو اللعن من الله ، واللعن من كل لاعن ، وقد كرر اللعن لأن اللعن مختلف فإنه من الله التبعيد من الرحمة والسعادة ومن اللاعنين سؤاله من الله ، وقد أطلق اللعن منه ومن اللاعنين وأطلق اللاعنين ، وهو يدل على توجيه كل اللعن من كل لاعن إليهم والاعتبار يساعد عليه فإن الذي يقصده لاعن بلعنه هو البعد عن السعادة ، ولا سعادة بحسب الحقيقة ، إلا السعادة الحقيقية الدينية ، وهذه السعادة لما كانت مبينة من جانب الله ، مقبولة عند الفطرة ، فلا يحرم عنها محروم إلا بالرد والجحود ، وكل هذا الحرمان إنما هو لمن علم بها وجحدها عن علم دون من لا يعلم بها ولم تبين له ، وقد أخذ الميثاق على العلماء أن يبثوا علمهم وينشروا ما عندهم من الآيات والهدى ، فاذا كتموه وكفوا عن بثه فقد جحدوه فأولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ، ويشهد لما ذكرنا الآية الآتية : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ـ إلى قوله أجمعين الآية فإن الظاهر أن قوله : ان للتعليل أو لتأكيد مضمون هذه الآية ، بتكرار ما هو في مضمونها ومعناها وهو قوله : الذين كفروا وماتوا وهم كفار .
قوله تعالى : إلا الذين تابوا وبينوا الآية استثناء من الآية السابقة ، والمراد بتقييد توبتهم بالتبين أن يتبين أمرهم ويتظاهروا بالتوبة ، ولازم ذلك أن يبينوا ما كتموه للناس وأنهم كانوا كاتمين والا فلم يتوبوا بعد لأنهم كاتمون بعد بكتمان أنهم كانوا كاتمين .
قوله
تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ،
كناية عن إصرارهم على كفرهم وعنادهم وتعنتهم في قبول الحق فإن من لا يدين بدين الحق لا لعناد واستكبار بل لعدم
تبينه له ليس بكافر بحسب الحقيقة ، بل مستضعف ، أمره إلى الله ، ويشهد بذلك تقييد كفر الكافرين في غالب الآيات والتكذيب وخاصة في آيات هبوط آدم المشتملة على أول تشريع شرَّع لنوع الإنسان ، قال تعالى : « قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا
يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى » ـ إلى قوله ـ « وَالَّذِينَ كَفَرُوا
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ » البقرة ـ ٣٩ ،
فالمراد بالذين كفروا في الآية هم المكذبون المعاندون ـ وهم الكاتمون لما أنزل الله ـ وجازاهم الله تعالى بقوله : أولئك عليهم لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين ، وهذا حكم من الله سبحانه أن يلحق بهم كل لعن لعن به ملك من الملائكة أو أحد من الناس جميعاً من غير استثناء ، فهؤلاء سبيلهم سبيل الشيطان ،
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

