ربه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى وأمر عزيمة كما يدل عليه قوله : « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ـ الآية » المجادلة ـ ٢١ ، وقوله تعالى : « أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ الآية » البقرة ـ ١٨٦ ، وغير ذلك من الآيات المذكورة في الفصل السابق .
٦ ـ القرآن يسند المعجزة الى سبب غير مغلوب
فقد تبين من الفصول السابقة من البحث أن المعجزة كسائر الامور الخارقة للعادة لا تفارق الأسباب العادية في الإحتياج إلى سبب طبيعي وان مع الجميع أسباباً باطنية وأن الفرق بينها أن الامور العادية ملازمة لأسباب ظاهرية تصاحبها الأسباب الحقيقية الطبيعية غالباً أو مع الأغلب ومع تلك الأسباب الحقيقية إرادة الله وأمره ، والامور الخارقة للعادة من الشرور كالسحر والكهانة مستندة إلى أسباب طبيعية مفارقة للعادة مقارنة للسبب الحقيقي بالإذن والإرادة كإستجابة الدعاء ونحو ذلك من غير تحد يبتني عليه ظهور حق الدعوة وأن المعجزة مستندة إلى سبب طبيعي حقيقي بإذن الله وأمره إذا كان هناك تحد يبتنى عليه صحة النبوة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى وأن القسمين الآخرين يفارقان سائر الأقسام في أن سببهما لا يصير مغلوباً مقهوراً قط بخلاف سائر المسببات .
فان قلت : فعلى هذا لو فرضنا الإحاطة والبلوغ إلى السبب الطبيعي الذي للمعجزة كانت المعجزة ميسورة ممكنة الإتيان لغير النبي أيضاً ولم يبق فرق بين المعجزة وغيرها إلا بحسب النسبة والإضافه فقط فيكون حينئذ أمر ما معجزة بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين ، وهم المطلعون على سببها الطبيعي الحقيقي ، وفي عصر دون عصر ، وهو عصر العلم ، فلو ظفر البحث العلمي على الأسباب الحقيقية الطبيعية القصوى لم يبق مورد للمعجزة ولم تكشف المعجزة عن الحق . ونتيجه هذا البحث أن المعجزة لا حجية فيها إلا على الجاهل بالسبب فليست حجة في نفسها .
قلت
: كلا فليست المعجزة معجزة من حيث أنها
مستندة إلى سبب طبيعي مجهول حتى تنسلخ عن إسمها عند إرتفاع الجهل وتسقط عن الحجية ، ولا أنها معجزة من حيث إستنادها إلى سبب مفارق للعادة ، بل هي معجزة من حيث أنها مستندة
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F63_al-mizan-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

