علّة والآخر معلولا وإلّا لزم تأثير كلّ شيء في كلّ شيء ، فمرجع التّخيير حينئذ شرعا إلى التّعيين ، أي إلى إيجاب الجامع تعينيا ، وقضيته إيجابه كذلك ثبوت التّخيير عقلا بين أفراده ممّا يحصل الغرض الواحد من الشّيئين أو الأشياء ، فجعل كلّ واحد متعلقا للأمر شرعا إنّما هو لتبيان أن الجامع هو الواجب حقيقة ، وعدم تعلق الأمر به تعيينا ، إمّا لعدم وجود لفظ يحويه ويفهمه ، وإمّا لعدم إدراك المكلّف أنه يحصل ويتحقق بما تعلق به الأمر من الشّيئين أو الأشياء ، والشّارع لما علم بهذا أمر بنحو التّخيير ولأجل هذه الجهة يمكن تسمية التّخيير في هذا الفرض بالتّخيير الشّرعي ولا مشاحة في الاصطلاح إلّا أنّ مرجع التّخيير الشّرعي فيه إلى التّخيير العقلي.
الثّاني : أن يكون هناك غرضان فصاعدا بمقدار ما تعلق به الأمر من الشّيئين أو الأشياء يفي فعل كلّ واحد ممّا تعلق به الأمر بكلّ واحد من الغرضين أو الأغراض من قبيل مقابلة المعين بالمعين ولكن فرض التّضاد والتّزاحم بين الغرضين أو الأغراض لا بين الشّيئين أو الأشياء ، كما لو فرض غرضان يفي بأحدهما الصّيام وبالآخر الإطعام ولكن فرضا متزاحمين غير ممكني الاجتماع وتمكن المكلّف من الجمع بين محصليهما من الإطعام والصّيام ، إذ حينئذ لا بدّ من التّخيير عقلا بين الشّيئين فإن المفروض أن كلّ واحد منهما يفي لغرض ملزم في نفسه ، إلّا أنّه لما لم يمكن اجتماع الغرضين ولم يكن مرجح في البين فلا جرم يستقل العقل بالتّخيير بين الشّيئين لكن بنحو آخر غير التّخيير في القسم الأوّل ، لأن مرجعه فيه إلى إيجاب الجامع بينهما تعيينا فيكون التّخيير الشّرعي بينهما تخييرا عقليّا حقيقة كما عرفت ، وهنا لا جامع في البين ، لأنّ كلّ واحد من الشّيئين بخصوصياته واف بغرض على حدّه ، فلو خير الشّارع بينهما كان إرشادا إلى ما حكم به العقل من لزوم التّخيير
