وتغيرت رائحته فكان حمأ مسنونا متغير الريح ، ثم طبخت هذه الطينة بركن النار ، فظهرت فخارة الإنسان والتأمت أجزاؤه وقويت وصلبت ، فقصرها بالماء الذي هو عنصر الحياة ، فأعطاها الماء من رطوبته وألان بذلك من صلابة الفخار ما ألان ، فسرت فيه الحياة وأمده الركن الهوائي بما فيه من الرطوبة والحرارة ليقابل بحرارته برد الماء ، فامتنعا فتوفرت الرطوبة عليه فأحال جوهرة طينته إلى لحم ودم وعضلات وعروق وأعصاب وعظام ، وهذه كلها أمزجة مختلفة لاختلاف آثار طبيعة العناصر الأربعة ، وهي الماء والتراب والهواء والنار واستعدادات أجزاء هذه النشأة ، فلذلك اختلفت أعيان هذه النشأة الحيوانية فاختلفت أسماؤها لتتميز كل عين عن غيرها ، فلما أكمل النشأة الجسمية النباتية الحيوانية وظهر فيها جميع قوى الحيوان أعطاه الفكر من الاسم الإلهي المدبر ، فإن الحيوان جميع ما يعمله من الصنائع وما يعلمه ليس عن تدبير ولا روية ، بل هو مفطور على العلم بما يصدر عنه ، لا يعرف من أين حصل له ذلك الإتقان والإحكام ، كالعناكب والنحل بخلاف الإنسان ، فإنه يعلم أنه ما استنبط أمرا من الأمور إلا عن فكر وروية وتدبير ، فيعرف من أين صدر ، وبهذا القدر سمي إنسانا لا غير ، وهي حالة يشترك فيها جميع الناس إلا الإنسان الكامل ، فإنه زاد على الإنسان الحيواني بتصريفه الأسماء الإلهية التي أخذ قواها من خلقه على الصورة ، فجعل الإنسان الكامل خليفة ، وأما الإنسان الحيواني فحكمه حكم سائر الحيوان ، إلا أنه يتميز عن غيره من الحيوان بالفصل المقوم له ، كما يتميز الحيوان بعضه عن بعض بالفصول المقومة لكل واحد من الحيوان ، فالإنسان الحيوان من جملة الحشرات ، فإذا كمل فهو الخليفة فاجتمعا لمعان وافترقا لمعان ، وبعد استعداد خلق الجسد نفخ فيه الحق من روحه فصار للإنسان نفس أصلها الطهارة من حيث أبوها ، ولم يظهر لها عين إلا بوجود الجسد الطبيعي ، فكانت الطبيعة الأب الثاني ، فخرجت النفوس ممتزجة فلم يظهر فيها إشراق النور الخالص المجرد عن المواد ولا الظلمة الغائية التي هي حكم الطبيعة ، واعلم أن النفس التي هي لطيفة العبد المدبرة هذا الجسم لم يظهر لها عين إلا عند تسوية هذا الجسد وتعديله ، فحينئذ نفخ فيه الحق من روحه ، فظهرت النفس بين النفخ الإلهي والجسد المسوى ، ولهذا كان المزاج يؤثر فيها ، فالنفوس الإنسانية نتيجة عن هذه الأجسام العنصرية ومتولدة عنها ، فإنها ما ظهرت إلا بعد تسوية هذه الأجسام واعتدال أخلاطها ، فهي للنفوس المنفوخة فيها من الروح
![رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن [ ج ٢ ] رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4256_rahmate-men-alrahman-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
