وبعبارة أخرى ، فليكن المتعلّمُ لمُعلّمهِ كأرض دَمِنَة نالت مطراً غزيراً ، فتشربت جميع أجزائها ، وأذعنت بالكلّية لقبوله ، ومهما أشار عليه المعلّم بطریق في التعلُّم فليُقلدْهُ وليَدَعْ رأيه ، فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه.
قال الخضر عليهالسلام لموسى عليهالسلام : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (١) ، ثُمَّ شرط عليه السكوت والتسليم ، ومع ذلك لم يصبر ولم يزل في مراددته إلى أن فارقه.
[هـ] ـ «وأن لا ترفع عليه صوتك» : المنع من رفع الصوت لا يكون إلا للاحترام وإظهار الاحتشام ، ومن بلغ احترامه إلى حيث تنخفض الأصوات منه ، من هيبته وعلو مرتبته لا يكثر عنده الكلام ، ولا يرجع المتكلّم معه إلّا في الخطاب الليّن القريب من الهمس ، كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظَّم محاماةً على الترحيب ، ومراعاةً إلى احترام من يجب احترامه في نظر العرف ، ولا سيَّما معاداة أحباء الشخص والتحبُّب إلى أعدائه ، فإنه تذليل له وتحطيط لشأنه البتة.
[و] ـ «ولم تخرق بهم ولم تضجر عليهم» : الخرق بالتحريك : الدهش من الخوف أو الحياء ، أو أن يتهيَّب فاتحاً عينيه بنظر ، وقد خَرِق ـ بالكسر ـ وأخرقته أنا ، أي : أدهشته (٢).
والهاء للتعدية ، أي : ولم تدهشهم من تخويف ونحوه.
__________________
(١) سورة الكهف : آية ٦٧ ـ ٦٩.
(٢) الخرق : هو التحير والدهش ، ويقال : خرق الغزال إذا طاف به الصائد فدهش ولصق بالأرض. (ينظر : معجم مقاييس اللُّغة ٢ : ١٧٢ ، مادة (خ. ر. ق)).
![تحفة العالم في شرح خطبة المعالم [ ج ٢ ] تحفة العالم في شرح خطبة المعالم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4155_tuhfat-alalem-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
