مفهوم الاستعاذة بربّ الفلق
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) أي الصباح الذي يفلق الظلام ويشقّه ، فينفذ إلى داخله ليخترق الحاجز الذي يحجز الكون عن النور في تخييل الصورة الظاهرة. وفي هذا المعنى تنطلق الاستعاذة من وحي القدرة الإلهية التي تفلق الظلام لتحوّل الكون إلى النور ، وبذلك تفلق كل مواقع الشر لتحوّل الإنسان إلى مواقع الخير في ما يثيره في النفس من الانفتاح ، كما يحدث للنور أن يثير الانفتاح في الكون. وقيل : إن المراد بالفلق هو كل ما يفطر عنه بالخلق والإيجاد ، لأن الإيجاد يمثل لونا من ألوان شقّ العدم ، فكأن الموجود كامن فيه ، فينطلق الإيجاد ليخرجه منه. وقيل : هو جبّ في جهنم ، وهو خلاف الظاهر.
(مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) من المخلوقات المتحركة في الكون من الإنس والجن والحيوان وغيرهم ، مما يمكن أن يحدث للإنسان شرّا في بدنه وماله وعرضه وأهله ، في ما يخافه الإنسان من ذلك ، فيعقّد له نفسه من حيث ما يثيره تصوّر ذلك من مخاوف ، أو يطلقه من تهاويل ، فيمنعه عن الانطلاق في الحركة في خط المسؤولية ، لأن الخوف والقلق من العوامل المؤثرة سلبا في عمق تصور الكائن الإنساني وحركته ، لأنهما قد يتحولان إلى ما يشبه حالة الشلل عن التفكير الذي قد يتجمد ، وعن العمل الذي قد يبتعد عن التركيز والثبات.
(وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ) والمعنى هو الاستعاذة بالله من شرّ الليل الذي يدخل الكون بظلامه ويطبق عليه ، وذلك لأن طبيعة الظلام تترك لكل الذين يريدون أن يقوموا بالشرّ في حياة الناس الحرية في حركتهم ، فيملكون بذلك الفرص الكثيرة التي تعينهم على القيام بالأعمال العدوانية على الناس ، كما يضعف إمكانات الدفاع والمقاومة لدى الشخص المعتدى عليه. وبذلك يتحوّل الليل إلى عنصر كونيّ من عناصر إثارة الخوف في نفس الإنسان ، فيفقد
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
