للتفسير المادي للطير الذي ألقى الحجارة التي أهلكت هذا الجيش ، فقال : «فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض ، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم الذي تحمله الرياح ، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات ، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامّه ، فأثار تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه».
ونلاحظ أن بعض ما قاله ، من احتمال أن تكون الحجارة من الطين المسموم الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل الطيور ، فيؤدي إلى تسمم الأجساد التي يدخل فيها ، هو من الظواهر غير العادية ، لأن حمل الطيور لهذه الحجارة بهذه الطريقة أمر غير مألوف عادة ، فلا بد من تدخل الإرادة الإلهية الغيبيّة التي تخضع الأمور للسنن غير العادية ، فتبتعد بذلك عن التفسير المادي الذي يرجع الأشياء إلى القوانين الطبيعية ، ثم إن الغيب جزء من النظام الفكري الديني ، فلا بد من تأكيده كمبدإ ، في مواجهة الفكر المادي ، باعتباره أصلا عقيديا في تفسيره للكثير من حقائق العقيدة وبعض مفرداتها المتصلة بالنبوّة وبالعذاب الإلهي للأمم المتمردة على الرسل والرسالات ، مما لا يمنع عنه عقل ، ولا يثبت خلافه علم ، ولا ينافيه ظاهر لفظ.
وبذلك ، فإن هذا الاتجاه المادّيّ الذي يعمل على إخضاع الآيات القرآنية للمدرسة العقلية ، من أجل إعطاء القرآن بعدا عقلانيا ، لا يمكن أن يكون شاملا ، بالإضافة إلى أنه يؤدّي إلى التكلف في حمل الآيات على خلاف ظاهرها.
وقد تنتهي القضية إلى إبعاد العقل المسلم عن الذهنية التي تتقبل الغيب كمبدإ ، فينحرف التفكير الإسلامي عن قاعدته ، لأن المسألة المطروحة في الفكر الإسلامي ، هي أن الكون خاضع للسنن الطبيعية المودعة فيه ، وليس
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
