جزاء العمل العابث اللّاهي
(وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ) وهو الذي عاش الحياة عبثا ولهوا واستغراقا في شهواته ولذاته ، وإخلادا إلى الأرض في كل أوضاعها المادية ، فلم يرتفع إلى مواقع السموّ في آفاق الروح ، ولم ينفتح على الله في آفاق المسؤولية ، فلم يحصل على أيّ عمل مسئول يحقّق له رضى الله ، وإذا كان له هناك من عمل ، من هذا القبيل ، فهو عمل خفيف ، على الهامش الصغير من حياته ، ولذلك ، فإنه لا يملك أيّ وزن للقيمة في ميزان التقويم الأخروي عند الله سبحانه ، وهذا هو الذي يجعل الجزاء في صورة العمل. (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) والأمّ هي الحضن الذي يأوي إليه الولد ويرجع إليه ، وقد استعيرت الكلمة للداخل إلى النار التي عبّر عنها بالهاوية ، باعتبار أنه يهوي ويسقط إلى أسفل سافلين ، كما كانت هي مرجعه ومأواه.
(وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ) فإذا كانت الكلمة غامضة في مدلولها التطبيقي بحيث تدفع إلى التساؤل المثير ، أو تبتعد عن الوحي الذاتي للإنسان لطبيعتها ليكون بحاجة إلى التوضيح والتفسير ، فإن الآية التالية توضّحها ، فلا تترك هناك أيّ التباس حولها (نارٌ حامِيَةٌ) أي شديدة الحرارة ، بحيث تحرق الذين يدخلونها في كل ما يتحرك فيها ، أو ينطلق منها من اللهيب المشتعل.
* * *
الإنسان بين خياري الجنة والنار
وهكذا تضع السورة الإنسان أمام الطريق الذي يؤدي إلى الجنة ، إذا آمن وعمل صالحا ، ليستعدّ لذلك قبل أن تفوته الفرصة بانتهاء عمره ، وأمام الطريق الذي يؤدي به إلى النار ، ليبتعد عنها ، قبل أن تطبق عليه الأجواء التي تحيط به ، في ما يثيره أهل الكفر والضلال من حوله ، وليعيش في عمق الذهنية
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3289_tafsir-men-wahi-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
